بقلم: زينب عباس صباح اليوم الثامن من محرم_عام ١٤٤٢ صباحٌ مكسورُ الضياء سماءٌ تعكسُ صورَ أجسادٍ مُمزّقةِ الأشلاء كُلٌّ قد أخذَ مكانَه من جنانِ الخُلد، عاليًا؛ بينما طُرِحَت أعضاؤهم.. على أرضِ الدُنيا، مُضرّجةً بالدماء... فأيٌّ منهم أقِفُ بمُحاذاةِ عطاياه؟ وأيٌّ أنوخُ عندَ أعتابِ سجاياه؟ بأيّ عينٍ أنظرُ إلى نورٍ امتزجَ بنورٍ؟ وإيثارٍ احتضنَ إباء؟ بأيّ أُذُنٍ، أُنصِتُ لحكايا العشق، وأهلهُ يتسابقون للذودِ عن إمامِ زمانِهم؟ بأيّ كفٍ أتلمّسُ رمضاءَ التضحية... لأُيمِّمَ روحي من ذلك الطهر؟ فنفسي لا تُطاوعُني.. لإتيانِ وضوءٍ بماءٍ مُنِعَ عن آلِ الحياة، وقطبِ رحاها! تُرفرِفُ روحي كطيرٍ مذبوحٍ، مع طيرِ الجنان وهو يُنازِعُ سهمَ المنون! تلّةٌ بارتفاعِ قامةِ النبوّةِ والإمامةِ... تنخفضُ تحت موطأِ سيّدةٍ جليلةٍ، لا تبين لها ملامح، لِتوصفَ بها؛ غيرَ أذيالِ سترٍ تَجرُّها بِخُطىً ذاتِ هيبةٍ علوية، فاطمية! عزيزُ الحَسَنِ، وعَزيزُ الحُسين.. تتعانقُ هالاتُ النورِ منهما... الأكبرُ والقاسمُ.. شبابٌ تساوى عُمرُ إخلاصهم بشيبة! فحبيبٌ هو ذا.. وكذا أنصارٌ سارَ بهم العمرُ حتى وصلَ أُفُقَ الطفِّ... فامتزجتِ الأعمارُ كما امتزجتِ النوايا فاتحدت! ومع بدءِ المعركة؛ تقاسمَ الجميعُ الأنفاسَ بالتساوي... فبدا الكُلُّ يشبهُ الكُلّ ما من صغيرٍ فيُعفى، ولا كبيرٍ فيُعذر! كُلّما دنوتُ منهم، ابتعدتُ عن نفسي، حتى كأنّني لم أعُدْ أُميّزُ (أناتي) وأيُّ حضورٍ يُذكَرُ لها بين هاماتِ الوجود لا أزالُ أُحاوِل.. التقرُّب، التزوّد؛ ولا يزالُ الطفُّ... عامرًا بالعطايا وإنْ لاحتْ على مُحيّاه أطيافُ المنايا.. لا يكفي كُلّي؛ لاحتواءِ بعضٍ من بعضِهم! لم أستطِعْ أنْ أتمالكَ نفسي من هولِ ما أرى... بذكرِهم أطمئنُ، كُلَّ حين... إلا أنّ رؤيتي إيّاهم سلَبَتْ منّي كُلَّ ما يُهدِّئُ روعي! ثمّةَ بقايا من شيءٍ هُناك.. حبّاتُ ماءٍ تبلورَتْ حتى بَدتْ كلؤلؤٍ مكنون.. تأبى الأرضُ أنْ تبتلعَها.. فتُروى ولو من دونِ قصدٍ، تحتَ من أبى إلا أنْ يَروي، فيرتوي... ترتجفُ خُطواتي إذْ تقترِبُ من سراجي نور.. نهري وفاء.. إنّهما... إنّهما... -كفا الفضل والإباء-... هناك... حيثُ انحنَتْ أمُّ الحُجَجِ (عليها السلام) عليهِ، مكسورةَ الظهر! ترفعُهما بطُهرِها، بدمعِها، بأنينها... إلى منصةِ مُحاكمةٍ يقتصُّ فيها الحاكمُ من الظالمين... وهو من ليلِ الانتظار ليسَ ببعيد؛ فجرُ ظهورِ القائمِ من آلِ مُحمّدٍ فدتْهُ الأرواح... تُلملِمُ روحي المُتقطِّعةُ، أجزاءها المُتناثرة... هُنا وهُناك... راياتُ الموعود.. تلّفني كطفلٍ حديثِ الولادة، تهبُني الحياة على أملِ شهادة... تُزوِّدُني بكُلِّ ما يُعينني على المسير؛ وكُلّي رجاء أنْ أحظى مع قائدِ الركبِ برُتبةِ ناصرٍ.. أعودُ من حيثُ أتيتُ إلى غُرفتي، أتفحّصُ بنظري خطوطَ تلكُمِ الأحرفَ النورانية التي أقلّتني بلمحِ البصر، إلى ما يُرى بالبصيرةِ لا بالبصر!
اخرىيستشهد الكثير من الناس ــ وحتى بعض المثقفين ــ بقول:" لا تعاشر نفساً شبعت بعد جوع فإن الخير فيها دخيل وعاشر نفساً جاعت بعد شبع فإن الخير فيها أصيل" على أنه من أقوال أمير المؤمنين علي (عليه السلام)، كما يستشهدون أيضاً بقولٍ آخر ينسبونه إليه (عليه السلام) لا يبعد عن الأول من حيث المعنى:"اطلبوا الخير من بطون شبعت ثم جاعت لأن الخير فيها باق، ولا تطلبوا الخير من بطون جاعت ثم شبعت لأن الشح فيها باق"، مُسقطين المعنى على بعض المصاديق التي لم ترُق افعالها لهم، لاسيما أولئك الذين عاثوا بالأرض فساداً من الحكام والمسؤولين الفاسدين والمتسترين عل الفساد. ونحن في الوقت الذي نستنكر فيه نشر الفساد والتستر عليه ومداهنة الفاسدين نؤكد ونشدد على ضرورة تحرّي صدق الأقوال ومطابقتها للواقع وعدم مخالفتها للعقل والشرع من جهة، وضرورة التأكد من صدورها عن أمير المؤمنين أبي الأيتام والفقراء (عليه السلام) أو غيرها من المعصومين (عليهم السلام) قبل نسبتها إليهم من جهة أخرى، لذا ارتأينا مناقشة هذا القول وما شابه معناه من حيث الدلالة أولاً، ومن حيث السند ثانياً.. فأما من حيث الدلالة فإن هذين القولين يصنفان الناس الى صنفين: صنف قد سبق له أن شبع مادياً ولم يتألم جوعاً، أو يتأوه حاجةً ومن بعد شبعه جاع وافتقر، وصنف آخر قد تقلّب ليله هماً بالدين، وتضوّر نهاره ألماً من الجوع، ثم شبع واغتنى،. كما جعل القولان الخير متأصلاً في الصنف الأول دون الثاني، وبناءً على ذلك فإن معاشرة أفراد هذا الصنف هي المعاشرة المرغوبة والمحبوبة والتي تجرّ على صاحبها الخير والسعادة والسلام، بخلاف معاشرة أفراد الصنف الثاني التي لا تُحبَّذ ولا تُطلب؛ لأنها لا تجر إلى صاحبها سوى الحزن والندم والآلام... ولو تأملنا قليلاً في معنى هذين القولين لوجدناه مغايراً لمعايير القرآن الكريم بعيداً كل البعد عن روح الشريعة الاسلامية ، وعن المنطق القويم والعقل السليم ومخالفاً أيضاً لصريح التاريخ الصحيح، بل ومخالف حتى لما نسمعه من قصص من أرض الواقع أو ما نلمسه فيه من وقائع.. فأما مناقضته للقرآن الكريم فواضحة جداً، إذ إن الله (تعالى) قد أوضح فيه وبشكلٍ جلي ملاك التفاضل بين الناس، إذ قال (عز من قائل):" يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (13)"(1) جاعلاً التقوى مِلاكاً للتفاضل، فمن كان أتقى كان أفضل، ومن البديهي أن تكون معاشرته كذلك، والعكس صحيحٌ أيضاً. وعليه فإن من سبق حاجتُه وفقرُه شبعَه وغناه يكون هو الأفضل، وبالتالي تكون معاشرته هي الأفضل كذلك فيما لو كان تقياً بخلاف من شبع وكان غنياً ، ثم افتقر وجاع فإنه لن يكون الأفضل ومعاشرته لن تكون كذلك طالما كان بعيداً عن التقوى. وأما بُعده عن روح الشريعة الإسلامية فإن الشريعة لطالما أكدت على أن الله (سبحانه وتعالى) عادلٌ لا جور في ساحته ولا ظلمَ في سجيته، وبالتالي لا يمكن أن يُعقل إطلاقاً أن يجعل البعض فقيراً ويتسبب في دخالة الخير في نفوسهم، التي يترتب عليها نفور الناس من عشرتهم، فيما يُغني سواهم ويجعل الخير متأصلاً في نفوسهم بسبب إغنائه إياهم ليس إلا ومن ثم يتسبب في كون الخير متأصلاً في نفوسهم، وبالتالي حب الناس لعشرتهم. فإن ذلك مخالف لمقتضى العدل الإلهي لأنه ليس بعاجزٍ عن تركه ولا بمُكره على فعله، ولا محب لذلك لهواً وعبثاً (تعالى عن كل ذلك علواً كبيراً). كما إن تأصل الخير في نفوس بعض الناس ودخالته في نفوس البعض الآخر منهم بناءً على أمر خارج عن إرادتهم واختيارهم كـ(الغنى والشبع أو الجوع والفقر) إنما هو أمرٌ منافٍ لمنهج الشريعة المقدسة القائم على حرية الانسان في اختياره لسبيل الخير والرشاد أو سبيل الشر والفساد، قال (تعالى):" إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا (3)"(2) بل إن الانسان أحياناً قد يكون فقيراً بسبب حب الله (تعالى) له، كما ورد في الحديث القدسي: "أن من عبادي من لا يصلحه إلا الغنى فلو أفقرته لأفسده ذلك و أن من عبادي من لا يصلحه إلا الفقر فلو أغنيته لأفسده ذلك"(3) وهل يمكن ان نتصور أن الخيرَ دخيلٌ فيمن يحبه الله (تعالى) أو إن معاشرته لا تجدي نفعا، أو تسبب الهم والألم؟! نعم، ورد عن أمير المؤمنين (عليه السلام):"اِحْذَرُوا صَوْلَةَ اَلْكَرِيمِ إِذَا جَاعَ وَ اَللَّئِيمِ إِذَا شَبِعَ"(4) ولا يقصد به الجوع والشبع المتعارف عليه لدى الناس، وإنما المراد منه: احذروا صولة الكريم إذا اُمتُهِن، واحذروا صولة اللئيم إذا أكرم، وفي هذا المعنى ورد عنه (عليه السلام) أيضاً: "احذروا سطوة الكريم إذا وضع و سورة اللئيم إذا رفع"(5) وأما العقل السليم والمنطق القويم فإنهما يقتضيان أن تتأصل صفة الخير في الإنسان لملكاتٍ حميدة يتسم بها وصفات فضيلة يتميز بها، لا أن تتأصل صفة الخير في نفسه لمجرد أنه ولد في أسرة تتمتع بالرفاهية الاقتصادية ووجد في بيئة تتنعم بالثروات المادية! وعند مراجعتنا للتاريخ الصحيح نجد أن قادة البشر وصفوة الناس إنما كان أغلبهم ينتمي الى الطبقات الفقيرة من المجتمع، فهؤلاء الأنبياء ورسل الله (صلوات الله عليهم) منهم من كان نجاراً أو خياطاً أو راعياً، ومع ذلك فقد كانوا من أطيب الناس خلقاً، وأعظمهم شرفاً، وأرفعهم منزلةً، قد تأصّل الخير في نفوسهم تأصّلاً حتى غدوا قطعة منه، فكانوا هم الخير للبشر، وهم الرحمة للعالمين. وبالنزول إلى أرض الواقع نجد أن الكثير من الفقراء والمساكين طيبي الروح، كريمي النفس، يتألمون لألم المحتاج ولربما يؤثرونه على أنفسهم رغم حاجتهم. ولا نقصد من كلامنا هذا أن الأغنياء هم على نقيض ذلك، وإنما تأكيداً على مسألة عدم ارتباط تأصل الخير في النفوس وعدمه بمستواهم الاقتصادي الذي نشأوا فيه ارتباط العلة والمعلول، فكما إن بعض الفقراء أخيار، فإن بعض الأغنياء كذلك، والعكس صحيح أيضاً. ومن هنا يُفهم من بعض الروايات ضرورة عدم طلب الخير والحاجات ممن هم أهل للخير بقطع النظر عن مستواهم المعاشي الحالي والسابق، منها ما روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام):"أشد من الموت طلب الحاجة من غير أهلها"(5)، وعنه (عليه السلام) أيضاً: "فوت الحاجة أهون من طلبها إلى غير أهلها"(6) إذن فلا صحة لهاتين المقولتين من حيث الدلالة، حتى وإن تنزلنا وحملنا الجوع والشبع على المعنى المعنوي لا المادي؛ وذلك لأنه حتى من يفتقر الى الأخلاق المعنوية فإنه ما إن يتكامل بالفضائل ويقلع عن الرذائل حتى يتسم بالخير وتحسن عشرته وتطيب للناس صحبته، والعكس صحيحٌ أيضا.. ومن البديهي أن ما لا يوافق العقل والمنطق السليم، ويخالف صريح القرآن الكريم، لا يمكن أن يصدر من وصي الرسول الكريم (صلوات الله عليهما وآلهما)، وعليه لا تصح نسبة هذين القولين الى أمير المؤمنين (عليه السلام).. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) الحجرات 13 (2) الانسان 3 (3) عوالي الآلي ج2 ص29 (4) غرر الحكم ج1 227 (5) المدر السابق ج1 ص246 (6) ميزان الحكمة ج4 ص 238 رضا الله غايتي
اخرىخلق الله الأشياء كلها في الحياة ضمن موازين وقياسات... فالزيادة أو النقيصة تسبب المشاكل فيها. وهكذا حياتنا وأفعالنا وعواطفنا لا بد أن تكون ضمن موازين دقيقة، وليست خالية منها، فالزيادة والنقيصة تسبب لنا المشاكل. ومحور كلامنا عن الطيبة فما هي؟ الطيبة: هي من الصفات والأخلاق الحميدة، التي يمتاز صاحبها بنقاء الصدر والسريرة، وحُبّ الآخرين، والبعد عن إضمار الشر، أو الأحقاد والخبث، كما أنّ الطيبة تدفع الإنسان إلى أرقى معاني الإنسانية، وأكثرها شفافية؛ كالتسامح، والإخلاص، لكن رغم رُقي هذه الكلمة، إلا أنها إذا خرجت عن حدودها المعقولة ووصلت حد المبالغة فإنها ستعطي نتائج سلبية على صاحبها، كل شيء في الحياة يجب أن يكون موزوناً ومعتدلاً، بما في ذلك المحبة التي هي ناتجة عن طيبة الإنسان، وحسن خلقه، فيجب أن تتعامل مع الآخرين في حدود المعقول، وعندما تبغضهم كذلك وفق حدود المعقول، ولا يجوز المبالغة في كلا الأمرين، فهناك شعرة بين الطيبة وحماقة السلوك... هذه الشعرة هي (منطق العقل). الإنسان الذي يتحكم بعاطفته قليلاً، ويحكّم عقله فهذا ليس دليلاً على عدم طيبته... بالعكس... هذا طيب عاقل... عكس الطيب الأحمق... الذي لا يفكر بعاقبة أو نتيجة سلوكه ويندفع بشكل عاطفي أو يمنح ثقة لطرف معين غريب أو قريب... والمبررات التي يحاول إقناع نفسه بها عندما تقع المشاكل أنه صاحب قلب طيب. الطيبة لا تلغي دور العقل... إنما العكس هو الصحيح، فهي تحكيم العقل بالوقت المناسب واتخاذ القرار الحكيم الذي يدل على اتزان العقل، ومهما كان القرار ظاهراً يحمل القسوة أحياناً لكنه تترتب عليه فوائد مستقبلية حتمية... وأطيب ما يكون الإنسان عندما يدفع الضرر عن نفسه وعن الآخرين قبل أن ينفعهم. هل الطيبة تصلح في جميع الأوقات أم في أوقات محددة؟ الطيبة كأنها غطاء أثناء الشتاء يكون مرغوباً فيه، لكنه اثناء الصيف لا رغبة فيه أبداً.. لهذا يجب أن تكون الطيبة بحسب الظروف الموضوعية... فالطيبة حالة تعكس التأثر بالواقع لهذا يجب أن تكون الطيبة متغيرة حسب الظروف والأشخاص، قد يحدث أن تعمي الطيبة الزائدة صاحبها عن رؤيته لحقيقة مجرى الأمور، أو عدم رؤيته الحقيقة بأكملها، من باب حسن ظنه بالآخرين، واعتقاده أن جميع الناس مثله، لا يمتلكون إلا الصفاء والصدق والمحبة، ماي دفعهم بالمقابل إلى استغلاله، وخداعه في كثير من الأحيان، فمساعدة المحتاج الحقيقي تعتبر طيبة، لكن لو كان المدّعي للحاجة كاذباً فهو مستغل. لهذا علينا قبل أن نستخدم الطيبة أن نقدم عقولنا قبل عواطفنا، فالعاطفة تعتمد على الإحساس لكن العقل أقوى منها، لأنه ميزان يزن الأشياء رغم أن للقلب ألماً أشد من ألم العقل، فالقلب يكشف عن نفسه من خلال دقاته لكن العقل لا يكشف عن نفسه لأنه يحكم بصمت، فالطيبة يمكن أن تكون مقياساً لمعرفة الأقوى: العاطفة أو العقل، فالطيّب يكون قلبه ضعيفاً ترهقه الضربات في أي حدث، ويكون المرء حينها عاطفياً وليس طيباً، لكن صاحب العقل القوي يكون طيباً أكثر من كونه عاطفياً. هل الطيبة تؤذي صاحبها وتسبب عدم الاحترام لمشاعره؟ إن الطيبة المتوازنة المتفقة مع العقل لا تؤذي صاحبها لأن مفهوم طيبة القلب هو حب الخير للغير وعدم الإضرار بالغير، وعدم العمل ضد مصلحة الغير، ومسامحة من أخطأ بحقه بقدر معقول ومساعدة المحتاج ... وغيرها كثير. أما الثقة العمياء بالآخرين وعدم حساب نية المقابل وغيرها فهذه ليست طيبة، بل قد تكون -مع كامل الاحترام للجميع- غباءً أو حماقة وسلوكاً غير عقلاني ولا يمت للعقل بصلة. إن المشكلة تقع عند الإنسان الطيب عندما يرى أن الناس كلهم طيبون، ثم إذا واجهه موقف منهم أو لحق به أذى من ظلم أو استغلال لطيبته، تُغلق الدنيا في وجهه، فيبدأ وهو يرى الناس الطيبين قد رحلوا من مجتمعه، وأن الخير انعدم، وتحصل له أزمة نفسية أو يتعرض للأمراض، لأن الطيّب يقدم الإحسان للناس بكل ما يستطيع فعله، ويقدّم ذلك بحسن نية وبراءة منه، فهو بالتالي ينتظر منهم الرد بالشكر أو المعاملة باللطف على الأقل... صحيح أن المعروف لوجه الله، ولكن من باب: من لم يشكر المخلوق لم يشكر الخالق، لذلك يتأذى عندما يصدر فعل من الشخص الذي كان يعامله بكل طيب وصدق. هل الطيبة والصدق من علامات ضعف الشخصية؟ الكثير من الناس يصف طيب القلب بأنه ضعيف الشخصية، لأنه يتصف بعدم الانتقام ممن ظلمه، والصفح عنه عند رجوعه عن الخطأ، وأنه لا يحب إيقاع الآخرين بالمشاكل؛ لأنه مقتنع أن الله سيأخذ له حقه. والحقيقة هي أن الصدق والطيبة وحسن الظن بالآخرين ليست ضعف شخصية، بل هي من الأخلاق الراقية وهي تزيد صاحبها سمواً وجمالاً روحياً، وليس من المعيب أن يمتلك الإنسان الطيبة بل العيب في من لا يُقدّر هذه الطيبة ويعطيها حقها في التعامل بالمثل. فالمشكلة الأساسية ليست في الطيبة، إنما في استغلال الآخرين لهذه الطيبة، نتيجة لعدم عقلنة قراراتنا والاعتماد على عواطفنا بشكل كلي. فالصدق والطيبة حسب المنطق والعقل، ولها فوائد جمة للنفس ولعموم أفراد المجتمع، فهي تحصين للشخص عن المعاصي، وزيادة لصلة الإنسان بربه، وتهذيب للنفس والشعور بالراحة النفسية، فالصادق الطيب ينشر المحبة بين الناس، وهذا يعزّز التماسك الاجتماعي وتقويته من سوء الظنون والحقد، وهذا التعامل أكّدت عليه جميع الشرائع السماوية، ولو تأمّلنا تاريخ وأخلاق الأنبياء والأوصياء لوجدنا كل ما هو راقٍ من الأخلاق والتعامل بالطيبة والصدق... حنان الزيرجاوي
اخرى(لا تقاس العقول بالأعمار، فكم من صغير عقله بارع، وكم من كبير عقله فارغ) قولٌ تناولته وسائل التواصل الاجتماعي بكل تقّبلٍ ورضا، ولعل ما زاد في تقبلها إياه هو نسبته الى أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام)، ولكننا عند الرجوع إلى الكتب الحديثية لا نجد لهذا الحديث أثراً إطلاقاً، ولا غرابة في ذلك إذ إن أمير البلاغة والبيان (سلام الله وصلواته عليه) معروفٌ ببلاغته التي أخرست البلغاء، ومشهورٌ بفصاحته التي إعترف بها حتى الأعداء، ومعلومٌ كلامه إذ إنه فوق كلام المخلوقين قاطبةً خلا الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله) ودون كلام رب السماء. وأما من حيث دلالة هذه المقولة ومدى صحتها فلابد من تقديم مقدمات؛ وذلك لأن معنى العقل في المفهوم الإسلامي يختلف عما هو عليه في الثقافات الأخرى من جهةٍ، كما ينبغي التطرق الى النصوص الدينية الواردة في هذا المجال وعرضها ولو على نحو الإيجاز للتعرف إلى مدى موافقة هذه المقولة لها من عدمها من جهةٍ أخرى. معنى العقل: العقل لغة: المنع والحبس، وهو (مصدر عقلت البعير بالعقال أعقله عقلا، والعِقال: حبل يُثنَى به يد البعير إلى ركبتيه فيشد به)(1)، (وسُمِّي العَقْلُ عَقْلاً لأَنه يَعْقِل صاحبَه عن التَّوَرُّط في المَهالِك أَي يَحْبِسه)(2)؛ لذا روي عنه (صلى الله عليه وآله): "العقل عقال من الجهل"(3). وأما اصطلاحاً: فهو حسب التصور الأرضي: عبارة عن مهارات الذهن في سلامة جهازه (الوظيفي) فحسب، في حين أن التصوّر الإسلامي يتجاوز هذا المعنى الضيّق مُضيفاً إلى تلك المهارات مهارة أخرى وهي المهارة العبادية. وعليه فإن العقل يتقوّم في التصور الاسلامي من تظافر مهارتين معاً لا غنى لأحداهما عن الأخرى وهما (المهارة العقلية) و(المهارة العبادية). ولذا روي عن الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله) أنه عندما سئل عن العقل قال :" العمل بطاعة الله وأن العمّال بطاعة الله هم العقلاء"(4)، كما روي عن الإمام الصادق(عليه السلام)أنه عندما سئل السؤال ذاته أجاب: "ما عُبد به الرحمن، واكتسب به الجنان. فسأله الراوي: فالذي كان في معاوية [أي ماهو؟] فقال(عليه السلام): تلك النكراء، تلك الشيطنة، وهي شبيهة بالعقل وليست بالعقل"(5) والعقل عقلان: عقل الطبع وعقل التجربة، فأما الأول أو ما يسمى بـ(الوجدان الأخلاقي) فهو مبدأ الادراك، وهو إن نَما وتطور سنح للإنسان فرصة الاستفادة من سائر المعارف التي يختزنها عن طريق الدراسة والتجربة وبالتالي يحقق الحياة الإنسانية الطيبة التي يصبو اليها، وأما إن وهن واندثر لإتباع صاحبه الأهواء النفسية والوساوس الشيطانية، فعندئذٍ لا ينتفع الانسان بعقل التجربة مهما زادت معلوماته وتضخمت بياناته، وبالتالي يُحرم من توفيق الوصول إلى الحياة المنشودة. وعقل التجربة هو ما يمكن للإنسان اكتساب العلوم والمعارف من خلاله، وما أروع تشبيه أمير البلغاء (عليه السلام) العلاقة التي تربط العقلين معاً إذ قال فيما نسب إليه: رأيت العقل عقلين فمطبوع ومسموع ولا ينفع مسموع إذ لم يك مطبــوع كما لا تنفع الشمس وضوء العين ممنوع(6) فقد شبّه (سلام الله عليه) عقل الطبع بالعين وعقل التجربة بالشمس، ومما لاشك فيه لكي تتحقق الرؤية لابد من أمرين: سلامة العين ووجود نور الشمس، وكما إن الثاني لا ينفع إن لم يتوفر الأول فكذلك عقل التجربة لا ينفع عند غياب عقل الطبع فضلاً عن موته. وبما إن عقل الطبع قد ينمو ويزدهر فينفع صاحبه من عقل التجربة، وقد يموت ويندثر عند الاستسلام لإضلال شبهةٍ أوبسبب إرتكاب معصية، فإنه ومن باب أولى أن يتعرض الى الزيادة والنقصان كما سيأتي... وقد ورد في النصوص الدينية أن للعقل زمناً ينمو فيه ويكتمل، فعن إمامنا أبي عبدالله (عليه السلام) قال: قال أمير المؤمنين (صلوات الله عليه):"يثغر الصبي لسبع، ويؤمر بالصلاة لتسع، ويفرق بينهم في المضاجع لعشر، ويحتلم لأربع عشرة، وينتهى طوله لإحدى وعشرين سنة، وينتهي عقله لثمان وعشرين إلا التجارب"(7)، وعن أمير المؤمنين (عليه السلام): "يربى الصبي سبعاً ويؤدب سبعاً، ويستخدم سبعاً، ومنتهى طوله في ثلاث وعشرين سنة، وعقله في خمس وثلاثين [سنة] وما كان بعد ذلك فبالتجارب"(8). إذن يتوقف النمو الطبيعي لعقل الانسان عند سن الثامنة والعشرين أو الخامسة والثلاثين كما ورد في الروايتين، وأية زيادة أخرى في طاقته بعد ذلك إنما تأتي عن طريق التجارب، وقد يُتوهم بأن ثمة تعارضاً ما بين الروايتين المتقدمتين في شأن تحديد سن النمو العقلي، إلا إنه لا تعارض ينهما إذا حملنا اختلافهما فيه على اختلاف الاشخاص وتباين استعدادات وقابليات كل منهم. وعلى الرغم من توقف نمو عقل الإنسان إلا إن له أنْ يزيده بالتجارب ومواصلة التعلم ــ كما تقدم في الروايات ــ وسواء أثبت العلم هذه الحقيقة الروائية أم لا، فنحن نريد الإشارة إلى ضرورة استمرار التجربة والتعلم لزيادة نمو العقل وهذا المقدار لا خلاف فيه وعلى الرغم من إن لعمر الانسان مدخلية في زيادة عقله كما تقدم وكما روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام): "يزيد عقل الرجل بعد الاربعين إلى خمسين وستين، ثم ينقص عقله بعد ذلك"(9)، إلا إن ذلك ليس على نحو العلة التامة، إذ يمكن للعقل أن يبقى شاباً وقوياً وإن شاب الإنسان وضعف جسمه، وتقدم في السن ووهن عظمه، فالعاقل لا يشيب عقله ولا تنتقص الشيخوخة من قوته بل وقد يزداد طاقةً وحيويةً لذا ورد عن أمير المؤمنين (عليه السلام):"رأي الشيخ أحب الي من جَلَد الغلام"(10)، وفي أخرى ".....من حيلة الشباب "(11) وأما من لم يوفر أسباب صقل عقله في مرحلة الشباب فإنه بلا شك يضمحل عقله في مرحلة الشيخوخة. وليس تقدم العمر هو العامل الوحيد في نقصان العقل بل إن النصوص الشرعية أشارت الى عوامل عديدة اخرى أهمها: أولاً: التعلم: فقد روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام): "من لم يصبر على ذل التعلم ساعة بقي في ذل الجهل أبداً"(13). ثانياً: التوبة: وعنه (عليه السلام) ايضاً:"من لم يرتدع يجهل"(14) ثالثاً: التقوى: فقد كتب إمامنا الباقر (عليه السلام) إلى سعد الخير: "بسم الله الرحمن الرحيم أما بعد فإني اوصيك بتقوى الله فإن فيها السلامة من التلف والغنيمة في المنقلب إن الله (عزوجل) يقي بالتقوى عن العبد ما عزب عنه عقله ويجلي بالتقوى عنه عماه وجهله"(15) إذن التوبة هي سبب للتوفيق الإلهي الذي يؤدي فيما يؤدي إليه من إكمال العقل. رابعاً: الوقوف عند الشبهة: وقال (عليه السلام ): "لا ورع كالوقوف عند الشبهة"(16). فإن الوقوف عند الشبهات سبب من أسباب التوفيق الإلهي بلا شك. خامساً: الاعتراف بالجهل: كما روي عن الإمام علي (عليه السلام): "غاية العقل الاعتراف بالجهل"(17) إذ الاعتراف بالجهل يدفع الإنسان دوماً إلى مزيد من بذل الجهد واكتساب المعارف. مما تقدم تتضح جلياً صحة هذه المقولة دلالةً، إذ إن العقول فعلاً لا تقاس بالأعمار لأن كلٍاً من زيادتها ونقيصتها منوطٌ بالعديد من العوامل الأخرى والتي تقدم ذكرها، بيد إن ذلك لا يبرر التساهل في نشرها والتهاون في الاستشهاد بها على إنها من أقوال أمير المؤمنين (صلوات الله وسلامه عليه) لعدم ثبوت ذلك سنداً من جهة ولضعف بلاغتها وركاكة تركيبها بالنسبة إلى سيد البلغاء والبلاغة. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) تهذيب اللغة ج1 ص65 (2) لسان العرب ج11 ص458 (3) نهاية الحكمة ص305 (4) ميزان الحكمة ج3 ص333 (5) أصول الكافي ج1، ح3 / 11 (6) نهج السعادة ج9 ص163 (7) الكافي ج7 ص94 (8) الفقيه ج3 ص493 (9) الاختصاص ص245 (10) نهج البلاغة حكمة 86 (11) بحار الأنوار ج72 ص105 (12) المصدر السابق ج1 ص94 (13) غرر الحكم ودرر الكلم ج1 ص118 (14) الكافي ج8 ص73 (15) وسائل الشيعة ج1 ص162 (16) غرر الحكم ودرر الكلم ج1 ص1 بقلم الكاتبة: رضا الله غايتي
اخرىبقلم: أم نور الهدى كان لأمير المؤمنين (عليه السلام) اهتمام خاص بالمرأة، فنراه تارة ينظر إليها كآية من آيات الخلق الإلهي، وتجلٍ من تجليات الخالق (عز وجل) فيقول: (عقول النساء في جمالهن وجمال الرجال في عقولهم). وتارة ينظر إلى كل ما موجود هو آية ومظهر من مظاهر النساء فيقول: (لا تملك المرأة من أمرها ما جاوز نفسها فإن المرأة ريحانة وليس قهرمانة). أي إن المرأة ريحانة وزهرة تعطر المجتمع بعطر الرياحين والزهور. ولقد وردت كلمة الريحان في قوله تعالى: (فأمّا إن كان من المقربين فروح وريحان وجنة النعيم) والريحان هنا كل نبات طيب الريح مفردته ريحانة، فروح وريحان تعني الرحمة. فالإمام هنا وصف المرأة بأروع الأوصاف حين جعلها ريحانة بكل ما تشتمل عليه كلمة الريحان من الصفات فهي جميلة وعطرة وطيبة، أما القهرمان فهو الذي يُكلّف بأمور الخدمة والاشتغال، وبما إن الإسلام لم يكلف المرأة بأمور الخدمة والاشتغال في البيت، فما يريده الإمام هو إعفاء النساء من المشقة وعدم الزامهن بتحمل المسؤوليات فوق قدرتهن لأن ما عليهن من واجبات تكوين الأسرة وتربية الجيل يستغرق جهدهن ووقتهن، لذا ليس من حق الرجل إجبار زوجته للقيام بأعمال خارجة عن نطاق واجباتها. فالفرق الجوهري بين اعتبار المرأة ريحانة وبين اعتبارها قهرمانة هو أن الريحانة تكون، محفوظة، مصانة، تعامل برقة وتخاطب برقة، لها منزلتها وحضورها. فلا يمكن للزوج التفريط بها. أما القهرمانة فهي المرأة التي تقوم بالخدمة في المنزل وتدير شؤونه دون أن يكون لها من الزوج تلك المكانة العاطفية والاحترام والرعاية لها. علماً أن خدمتها في بيت الزوجية مما ندب إليه الشره الحنيف واعتبره جهادًا لها أثابها عليه الشيء الكثير جدًا مما ذكرته النصوص الشريفة. فمعاملة الزوج لزوجته يجب أن تكون نابعة من اعتبارها ريحانة وليس من اعتبارها خادمة تقوم بأعمال المنزل لأن المرأة خلقت للرقة والحنان. وعلى الرغم من أن المرأة مظهر من مظاهر الجمال الإلهي فإنها تستطيع كالرجل أن تنال جميع الكمالات الأخرى، وهذا لا يعني أنها لا بد أن تخوض جميع ميادين الحياة كالحرب، والأعمال الشاقة، بل أن الله تعالى جعلها مكملة للرجل، أي الرجل والمرأة أحدهما مكمل للآخر. وأخيرًا إن كلام الإمام علي (عليه السلام) كان تكريمًا للمرأة ووضعها المكانة التي وضعها الله تعالى بها، حيث لم يحملها مشقة الخدمة والعمل في المنزل واعتبر أجر ما تقوم به من اعمال في رعاية بيتها كأجر الجهاد في سبيل الله.
اخرىرحلةٌ مثقلة بالألم في طريق يئن من وطأة الظلم! ينهي حياة زوجية فشلت في الوصول إلى شاطئ الأمان. ويبدد طموحات أطفال في العيش في هدوء نفسي واجتماعي تحت رعاية أبوين تجمعهم المودة والرحمة والحب. الطلاق شرعاً: هو حل رابطة الزواج لاستحالة المعاشرة بالمعروف بين الطرفين. قال تعالى: [ لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (226) وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (227)].(١). الطلاق لغوياً: من فعل طَلَق ويُقال طُلقت الزوجة "أي خرجت من عصمة الزوج وتـحررت"، يحدث الطلاق بسبب سوء تفاهم أو مشاكل متراكمة أو غياب الانسجام والحب. المرأة المطلقة ليست إنسانة فيها نقص أو خلل أخلاقي أو نفسي، بالتأكيد إنها خاضت حروباً وصرعات نفسية لا يعلم بها أحد، من أجل الحفاظ على حياتها الزوجية، ولكن لأنها طبقت شريعة الله وقررت مصير حياتها ورأت أن أساس الـحياة الزوجيـة القائم على المودة والرحـمة لا وجود له بينهما. فأصبحت موضع اتهام ومذنبة بنظر المجتمع، لذلك أصبح المـجتمع يُحكم أهواءه بدلاً من الإسلام. ترى، كم من امرأة في مجتمعنا تعاني جرّاء الحكم المطلق ذاته على أخلاقها ودينها، لا لسبب إنما لأنها قررت أن تعيش، وكم من فتاة أُجبرت قسراً على أن تتزوج من رجل لا يناسب تطلعاتها، لأن الكثير منهن يشعرن بالنقص وعدم الثقة بسبب نظرة المجتمع، وتقع المرأة المطلّقة أسيرة هذه الحالة بسبب رؤية المجتمع السلبيّة لها. وقد تلاحق بسيل من الاتهامات وتطارد بجملة من الافتراءات. وتعاني المطلقة غالباً من معاملة من حولها، وأقرب الناس لها، بالرغم من أن الطلاق هو الدواء المر الذي قد تلجأ إليه المرأة أحياناً للخلاص من الظلم الذي أصبح يؤرق حياتها الزوجية، ويهدد مستقبلها النفسي، والله تعالى لم يشرع أمراً لخلقه إلا إذا كان فيه خير عظيم لهم، والطلاق ما شرّع إلا ليكون دواء فيه شفاء وإن كان مرّاً، وإن كان أمره صعباً على النفوس، حيث قال عز وجل: "وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ وَكَانَ اللَّهُ وَاسِعًا حَكِيمًا"، روي عن الرسول الأعظم (صلى الله عليه واله وسلم) ((أبغض الحلال إلى الله الطلاق) (٢). ورغم أن الشريعة الإسلامية أباحت الطلاق بشروط تلاءم لبناء المجتمع، وأولت أهمية في الإحسان دائمًا للطرف الأضعف والأكثر خسارة في هذه المعادلة وهي "المرأة"، إلا أن المجتمع الذي يدّعي الإسلام لا يرحمها، ويحكم عليها بالإدانة طوال حياتها دون النظر في صحة موقفها في الطلاق من عدمه! قال( تعالى ): [الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ] (٣). ولكن بعد كل هذا فالحياة لم ولن تتوقف بعد الطلاق! الطلاق ليس نهاية الحياة. - أخيتي. ليكن الطلاق بداية جديدة لحياة جديدة وللانطلاق. -قطار العطاء لن يتعطل. فإن كنت السبب في الطلاق فالحمد لله على كل حال وتلك أمة قد خلت وأيام ذهبت وانجلت فلست بالمعصومة من الخطأ. وعليك استدراك الأخطاء وتقوية مواطن الضعف في شخصيتك، واجعليها درساً مفيداً في الحياة لتطوير نفسك وتقويتها. وإذا كنتِ مظلومة فهناك جبار يُحصي الصغير والكبير وسيأتي يوم ينتصر لك فيه. -ومن الجميل أن تعطي نفسك الإحساس بالحب والاحترام، ولا تتأثري بأي نظرة سلبية من المجتمع وكون البعض يتعامل مع المطلقة على أنها حالة خاصة فعليكِ إثبات ذاتك حتى تفرضي على الكل شخصيتك. - نظرتك لنفسك اجعليها نظرة ايجابية مشرقة ولا تنزلقي في مستنقع نبذ الذات وظلم النفس. - ابحثي عن الصفات الجيدة فيك فإن ذلك سيشعرك بالثقة في ذاتك والتقدير لها. -حاولي مراجعة نفسك للخروج بإيجابيات حصلت لك من طلاقك. - خالطي الآخرين وإياك والعزلة بسبب وضعك الجديد فلست بأول من يبتلى بالطلاق. -استمتعي بالموجود ولا تتعلقي بالمفقود، حلقي بروح تعبق أملاً وتفاؤلاً، استمتعي بما وهبك الله من نعم (صحة وأولاد وأهل وصديقات وعمل وهوايات وغيرها من الأمور الجميلة) فما حصل لك حصل… ولابد أن تتقبليه برضا، وأعلمي أن ما أصابك لم يكن ليخطأك وما أخطأك لم يكن ليصيبك. وقال أصدق من قال: ( وعسى أن تكرهوا شيئاً وهو خير لكم). فالرضا سر السعادة الحقيقي. - اقتربي من صديقاتك الصالحات، واقضي معهن وقتاً طيباً تنسين به ألمك وحزنك. - احرصي على الصلوات وقراءة القرآن الكريم والذكر والاستغفار وأكثري من الطاعات قدر ما تستطيعين، ففيها السلوى والفرح والسعادة. ونعم سعادة القرب من الرحمن. - اشغلي نفسك بأعمال البر والإحسان بمساعدة محتاج. بكفالة يتيم. بتعلم الفقه والقرآن وتعليمه. - اجتهدي في عمل برنامج يومي لك يكون ممتلأ بكل ما هو مفيد لك. من قراءة وزيارة الأصدقاء وصلة الرحم. بحيث لا تكون هناك دقيقة أنت فارغة فيها. - وأسرعي بقاربك الجميل بمجذافين من إيمان بالله وثقة بالنفس وسوف تصلين بإذن الله نحو جزيرة السعادة والنجاح. لكي تتسلق جبال الإنجاز، وتصل لأعلى مراتب الاعجاز. وعندها جزماً سيكون للحياة معنى آخر. --------------------------------- (١)-سورة البقرة الآية (٢٢٦-٢٢٧). (٢)-الكافي (٢)-سورة البقرة الآية (٢٢٨) حنان ستار الزيرجاوي
اخرىعاشوراء مدرسة أعطت وتعطي الكثير الكثير كل يوم للمتأمل فيما ورد عنها من كلمات وفيما وثق فيها من مواقف... ولعل من أهم الدروس التي ترسخها عاشوراء في الأذهان بعد ضرورة مواجهة الباطل والدفاع عن الحق مهما كلفت من تضحيات جسام هو: الصبر على البلاء بل والرضا به .. كيف لا، وقد ورد عن سيّد الشهداء (عليه السلام) في اللحظات الأخيرة من حياته حينما كان يتمرّغ في الدم والتراب: «رضاً بقضائك وتسليماً لأمرك لا معبود سواك»(1). وكذلك فيما جاء في خطبته عند خروجه من مكّة إلى المدينة: «رضا اللَّه رضانا أهل البيت»(2) . فما سر هذا الرضا رغم شدة الابتلاءات وقساوة المحن التي مر بها سيد الشهداء (عليه السلام) ؟ مما لا شك فيه أن يقين الامام الحسين (عليه السلام) هو الذي رفعه إلى مقام الرضا رغم ما جرى عليه في واقعة كربلاء، إلا أنه ومع هذا فقد أرشد المؤمنين إلى مفاتيح الصبر والرضا، ولعل من أهمها ما وَرَدَ عنه (عليه السلام) أَنَّهُ قَالَ بعد أن تفاقم الخطب أمامه في كربلاء، واستشهد أصحابه وأهل بيته: «هَوَّنَ عَلَيَّ مَا نَزَلَ بِي أَنَّهُ بِعَيْنِ اللهِ»(1). فهنا يلفت الامام الحسين (عليه السلام) نظر المؤمنين الى حقيقة مهمة وهي: أن الله سبحانه يعلم بكل مجريات الأُمور، وهو مطلع على كل معاناة المبتلى وما يكابده من ألم دونما اعتراض منه على قضائه هو في حد ذاته حافز للمبتلى للصبر والرضا.. ولتقريب المعنى نقول: إن المتسابقين في ساحة اللعب مثلا يشعرون بالارتياح حينما يعلمون أن أبويهم وأصدقاءهم ينظرون اليهم فيندفعون بقوّة أكبر في تحمل الصعاب لتحقيق الفوز. فإذا كان تأثير وجود الأبوين والأصدقاء كذلك، فما بالك بتأثير استشعار رؤية الله لما يجري على الانسان وهو يصارع الألم ويواجه المحن؟! ما أعظم القوّة التي يمنحها هذا الاستشعار لتحمل الامتحانات العسيرة والمصائب الخطيرة .. ولذا فقد جاء النداء الالهي لتثبيت قلب النبي نوح (عليه السلام) حين واجه أعظم المصائب والضغوط من قومه وهو يصنع الفلك، حيث قال (تعالى) : (وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا)(2). فكان لعبارة «بِأَعْيُنِنَا» وقع عظيم في نفسه (عليه السلام) فصبر وواصل عمله الى نهايته دونما أن يلتفت الى تقريع الأعداء أو يهتم باستهزائهم. ــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) موسوعة الامام علي بن أبي طالب (عليه السلام) ج8 ص42 (2) المصدر السابق (3) بحار الأنوار، ج 45، ص 46 (4) هود 37 رضا الله غايتي
اخرىسماحة السيد محمد صادق الخرسان (أعزه الله) ألقيت يوم 14 شباط 2020 على جمع من طالبات جامعة أم البنين الإلكترونية ومن طالبات معهد تراث الأنبياء ومن طالبات جامعة الكوفة وجامعة بابل. من الواضح للجميع أنَّ العالَم يتجه نحو الرقمنة واستعمال الأجهزة الذكية من المحمول والكمبيوتر وغيرهما، وبدأ يكثر التعامل مع هذه التقنيات الحديثة، لكن – كما هو واضح –إنَّ الانتفاع بها مرتبطٌ بأنظمةٍ وقوانين ومنها: إدخال الرقم السري أو الباسوورد؛ منعًا للاِختراق، وحفظًا لخصوصية الشخص. وهو أمرٌ إيجابي؛ لأنه وقايةٌ من اطلاع الغير على خصوصياته من دون إذنه، فكان إجراءً احترازيًا اتخذته الشركات المصنِّعة لحفظِ المعلومات وصونها عن العبث. كما هو أيضًا دليلٌ على احترام خصوصيات المستخدِمين. وحيثُ إنَّه كما قال الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) : (في كلِّ شيءٍ موعظةٌ وعبرة لذوي الألباب والاعتبار)١، وأيضًا عنه (عليه السلام): (كلُّ نظرٍ ليس فيه اعتبارٌ فهو سهو، وكلُّ سكوتٍ ليس فيه فكرةٌ فهو غفلة، وكلُّ كلامٍ ليس فيه ذكرٌ فهو لغو. فطوبى لمَنْ كان نظرُهُ عِبرةً وسكوتُهُ فكرًا وكلامه ذكرًا)٢. فيمكن للعاقل أنْ يستفيد شخصيًا من مواقفِ حياته ومشاهداته خلالها؛ ليتعظ بتجارب غيره ويعتبر من أخطاء غيره ولا يُكررها. وهنا يمكن أنْ نتساءل هل خاصية الرقم السري في الأجهزة الذكية فقط، أو يوجد ذلك عند الإنسان أيضًا؛ لأنه إذا كان الإنسان قد صنّع الأجهزة الذكية ووضع شروطًا للانتفاع منها، فهل أنَّ الله (سبحانه وتعالى) الذي خلق الإنسان لم يجعل له خصوصيةً ليحفظه من اختراق العابثين؟ أو أنَّه (تعالى) قد خلق الإنسان وزوّده بما يحفظه لكن بعض الناس أهمل الاحتفاظ برمزه الشخصي والرقم السرّي الخاص به؟ إنَّ ما نُشاهده من عظمةِ ما خلقه الله (تعالى)، يدلنا على وجود رمزٍ شخصي ورقم سرّي لكلِّ إنسانٍ، لكن يتسامح بعض الناس بحفظه ولذلك يخترقه العابثون حتى ينخدع أو يضطر إلى ترك بعض ثوابت الأخلاق والشريعة التي وُجدت لحفظِ الإنسان من ولادته إلى موته. فإذا تركها الإنسان وسمح بانتهاك خصوصيته فإنه حتمًا سيتعرض للابتزاز والسقوط، وقد لا ينتبه لنفسه فتفوته فرصة التراجع والتصحيح. والمقصود بالرمز الشخصي والرقم السرّي للإنسان هو: ما يُسمى أحيانًا بالفطرة أو الأخلاق أو تربية الأهل وما يتلقاه من البيئة، بحيث تتكوّن عند الإنسان حصانة ذاتية لنفسهِ بسبب استماعه لنداء الفطرة والضمير وتفاعله المستمر؛ فإذا أهمل ذلك فسيندم في وقتٍ لا ينفعه ندمه؛ لأنَّ الإنسان من خلال الفطرة التي خلقه الله عليها يتمكن من التمييز بين الحسن والقبيح، فيعرف أنَّ هذه الحالة صحيحة و تلك غير صحيحة. فالفطرة نظام يعمل من خلال المحددات الأخلاقية التي تقوم بدور جهاز الحماية الذي يعمل بتلقائية عند الإنسان، وهو مفيدٌ جدًا لحفظِ الإنسان؛ فبالأخلاق يستقيم الإنسان في سلوكه ويكون مهتمًا بتحصين نفسه من الجهل وأمراض الروح، لكن إذا لم يستجب أحدٌ لنداء فطرته وضميره، فسيسهل جدًا اختراقه وسلب خصوصياته، وهو ما يحصل عندما يتجاوب بعض الشباب مع غرائزهم فيفقدون توازنهم وأهم ما عندهم، ولا يمكنهم بعد ذلك تعويضه بشيء. ولهذا يجب علينا الانتباه وعدم الغفلة عن أخلاقنا وتربيتنا لأنها ضماناتُ وقايةٍ من أنْ ننزلق ونخسر كلّ شيء، وقد لا يمكننا التراجع؛ لانتهاء الوقت المحدد لاستضافة الإنسان في الدنيا، وعليه مغادرة قاعة الامتحان الكبرى منتظرًا إعلان النتيجة. وبالتالي كان للإنسان ما يحفظ خصوصيته كما كان للأجهزة الذكية ما يحفظ خصوصية مستخدِميها. والاستماع لنداء الفطرة والضمير يمنع من التورّط بمجازفات الغريزة ومشكلاتها. وللإنسان حريةٌ تامة في الاختيار ما بين الفطرة والغريزة؛ لأنَّ مساحة المباحات أوسعُ من مساحة الممنوعات على الإنسان، وإنّما قد يتوهم الإنسان أحيانًا قلة المباح له، وسبب توهمه ذلك إما خضوعه لضغط الغريزة، أو سيطرة الجهل بواقع الأمور عليه حتى تصوّر أنه مُضيّقٌ عليه ولا بُدّ له من التمرّد على الأخلاق التي تربّى عليها، لكن الواقع شيء آخر؛ ولهذا يجب أنْ نحتفظ بتوازننا بين العقل والعاطفة، وبين التصوّر والواقع؛ لئلا نفقد مصداقيتنا أمام أنفسنا ومجتمعنا، وعندها يصعب التراجع، كما لا يمكن التعويض دائمًا، وبالتالي يجب ومنذ البداية حفظ الرمز الشخصي الذي جعله الله (تعالى) للإنسان منذ خلقَهُ والذي يبدأ بالعمل من الولادة حتى الوفاة، ومعرفة الطفل ببعض القضايا، وأنَّ هذا صحيح أو معيب، واستجابته لتعليم والديه أدلُّ دليلٍ على أنه مُزوّد ببرنامج الفطرة التي يتعرف من خلالها على قائمة الصحيح من غيره. ولابُدّ من أنْ نحافظ على هذه الفطرة؛ لأنها تطبيقٌ زودنا الله (تعالى) به ولا يحتاج إلى تنصيب، وإنما يحتاج إلى متابعة وعدم إهمال حتى ننتفع منه. ومن خصائص الفطرة: أنها ذات توصيات لا يستغني عنها الإنسان مهما كان؛ لأنَّ كلّ إنسانٍ -ذكراً أو أنثى- يحتاج التذكير والتعديل، وإنْ كانت الأنثى تحتاج إلى ما لا يحتاجه الرجل من أمورٍ في الحياة، وهذا ليس بغريب؛ فنحن عندما نستعمل المحمول - مثلًا– نجده يحتاج إلى برامجَ وتطبيقاتٍ وملحقات لا يحتاجها الكمبيوتر، مما يعني أنه من الطبيعي أنْ تتعدد حاجات أفراد الجنسين؛ فتحتاج الإناث إلى التذكير بأهمية الحجاب والعفة والتعلّم؛ كي لا يستغل بعضهن أحدٌ ثم يتركهن يندبن حظهن. وأما الذكور فيحتاجون إلى تحفيزهم على التعلم والعمل وتحمل المسؤولية، وهذا الاختلاف لا يلغي اشتراك الجميع بمُشتركاتٍ كثيرة منذ بدأ الله (سبحانه وتعالى) خلقهم، فالجميع يحتاج التذكير كيلا تنطلي عليه بعض الشعارات الخاطئة كالمساواة بين الجنسين مثلًا؛ فهو شعار مجحف بحق المرأة قبل غيرها؛ لأنَّه يمهد للرجل الاتكال على المرأة واستغلال تعاونها بلا إنصاف، كما يحوّلها الى أداة التذاذ. ولم ينفرد الإسلام بالتحذير من ذلك، فها هي عالمة الاجتماع الأمريكية الدكتورة (آليس روزي) قد حذّرت منه ايضًا عندما بيّنت أنَّ الفوارق البيولوجية المؤكدة بين الجنسين تمنع عن قبول الدعوة الى المساواة بينهما؛ لأنَّ إنكار هذه الفوارق كالوقوف في وجه تغيّرات الطقس أو إنكار وجود بعض الحقائق الواضحة٣. والسرّ في ذلك أنَّ الله (تعالى) قد صمم جسد كلٍ من الرجل والمرأة بحالةٍ تختلف عن الآخر؛ لاحتياج الحياة إلى هذين الجنسين، ولعدم استقامة الأمور بأحدهما، ولا بأنْ نجعل المرأة استنساخًا عن الرجل أو العكس، وإنما لكلٍّ منهما دوره الذي لا يؤديه غيره، وهذا بالضبط كحاجتنا يوميًا إلى الحديد والزجاج وغيرهما من أمور، فلا يعوِّض وجود أحدهما عن الآخر؛ إذ للحديد خواصه وحاجتنا إليه لا يُلبيها الزجاج الذي له خواص أخرى، فهذا رقيق وذاك صلب، ولذلك لا يمكن أنْ نقول إنّ الحديد أفضل من الزجاج أو الزجاج أفضل من الحديد؛ إذ لا معنى للمُفاضلة بين شيئين نحتاج كلًا منهما، فما نجده في رقة الزجاج في مقابل صلابة الحديد لا يقلل من أهمية الزجاج ولا يعني أفضلية الحديد؛ لأنَّ ما نحتاج فيه إلى الحديد يختلف عمّا نحتاج فيه إلى الزجاج، وبالتالي فالكون كله خلَقَهُ الله (عزَّ و جلَّ) الواحد الأحد الفرد، وما عداه موجودٌ على أساس ثنائية أنَّ وجودك مع وجود غيرك يتكاملان وتستمر الحياة. لكن في جميع حالات التكامل والتعامل بين اثنين تجب المحافظة على كرامة الإنسان؛ ولذا اهتم الإسلام في تشريعاته بمنع الاختلاط المشبوه حتى لا تتحول هذه النعمة الإلهية إلى أداةٍ للتسلية، فكأنه أراد إعطاء المرأة ما تحفظ به نفسها -الرقم الخاص– وأراد أنْ يعرّفها: أنَّ الالتزام بالحجاب والعفة كفيلان بتحصينكِ، وأنَّ أمانكِ الشخصي مرهونٌ باتباع أحكام العلاقات مع الرجل؛ لئلا يتطور الوضع بشكلٍ لا يمكنكِ السيطرة على نفسِك أو على الطرف الآخر، وعندئذٍ تكون الخسارة كبيرة ولا يمكن تداركها، وتكون المرأة هي الخاسرة؛ لأنَّ بعض الرجال لا يهمه شيء إلّا تحقيق رغبته، فإن تعكر مزاجه لجأ إلى العنف أو الكلام الجارح أو التنكيل بنشر خصوصيات الصور وأسرار المعلومات الشخصية لمَنْ ائتمنته على ذلك، لكنه للأسف لم يحفظِ الأمانة. ولهذا كان الإسلام قد اتخذ إجراءات السلامة للجنسين في جميع الحالات لأنَّهم عباد الله الذين كرّمهم بأنْ خلَقَ لهم العقل وبعَثَ لهم الأنبياء (عليهم السلام) كي يلتزموا بدلالاتهم على الخير وتحذيراتهم من الشر. بل كان من نعم الله (تعالى) أنْ أبقى لنا صلةً بالنبي المصطفى (صلى الله عليه وآله) بعدما رحل عن هذه الحياة، وذلك من خلال وجود المعصومين (عليهم السلام) من أهل بيته الطاهرين. ولأننا نعيش هذه الأيام ذكرى ولادة الزهراء (عليها السلام)، وكان عنوان المحاضرة هو: (دور الزهراء (عليها السلام) في تكوين الأسرة) فلابد من تذكير الأخوات الحضور ببعض سيرة الزهراء (عليها السلام) وهي قدوة لنا جميعًا، لكن النساء مدعوات إلى الاقتداء بها (عليها السلام) أكثر؛ لأنها امرأة قد طالبت بحقوقها بلا تنازل عن حجاب أو غيره من أحكام الشرع، فكانت أقرب إلى وضع المرأة وتجسيدها لما يمكن للمرأة فعله عندما تحتاج إلى الخروج من بيتها؛ فالزهراء (عليها السلام) خرجت للمطالبةِ بحقوقٍ مغصوبة من فدك وغيرها، رغم كونها (عليها السلام) في حالةٍ صعبة جدًا حيث فقدت قريبًا، أبًا لا نظير له في الآباء فهو رسول الله (صلى الله عليه وآله)، علاوة على تألمها لالتفاف بعض الناس على بيعة الغدير واستيلاء الحاكم على الخلافة، لكنها رغم ذلك كله أعطتنا صفات الإعلامية الناجحة والكاتبة والمتحدثة البليغة بحيث دور النشر والفضائيات تنقل تلك الخطبة التي خطبتها في المسجد النبوي الشريف حتى الآن، رغم مضي أكثر من 1400 سنة على إلقائها لكنها ما زالت تهدي الإنسانية بالعلم والمعرفة إلى أسلوبٍ علمي للمطالبة السلمية بالحقوق المغصوبة، يتلخص في عدم استسلام الإنسان من جهة وعدم ترك التزاماته الشرعية والأخلاقية من جهة أخرى. ومما يؤسف له ما يحصل الآن من بعض النساء فإنها إنْ تعيّنت إعلامية أو في التعليم أو حتى بوظيفةٍ أخرى تبادر إلى التزين والتبرج، ناسيةً أنها بذلك تساعد الرجل على التعامل معها بعيدًا عن الأخلاق، علمًا أنّ بعضهن لا تملك ثقافة ولا لباقة في الكلام، بحيث لا تستطيع إتمام جملة واحدة من دون أخطاء! مما يعني أنّ التبرّج لا يكشف ثقافة المتبرجة، فلماذا ترخص المرأة نفسها إذاً؟ وتعطي الرمز الشخصي لغيرها فيستعمله ويؤذيها حتى يصل بها الحال أحيانًا إلى موتها، فضلًا عمّا يلحقها وأهلها من العار، فلماذا تساعد المرأة على حصول ذلك؟ وقد أكرمها الله (تعالى) بما جعل لها من قدوة النساء السيدة الزهراء (عليها السلام(. فلابُد أنْ تعرف المرأة أنّها لم توجد في هذه الحياة لتكتفي بأنْ تعيش وتحصل على شهادة التخرّج أو تتزوّج أو تستعرض الملابس، بل حيث وهبها الله (تعالى) العقل فهي قادرة على النهوض بدورٍ أهم وأعمق؛ لأنها كما لها حقوق أيضًا عليها واجبات؛ إذ يبدأ دورها من البيت وهو أصغر خلايا المجتمع ويستمر من خلال قدرتها على تشكيل الأسرة ومتابعة مراحل تكوينها ونموها، حتى أنها في بعض التفاصيل تستطيع إنجاز ما يعجز عنه الرجل، فعليها أنْ تعرف قدر نفسها بلا غرور، يعني تتوازن بين معرفتها بنقاط الخلل عندها، وبين مواصلتها لطريق الحياة و التزامها بالحجاب والعفة؛ لئلا يستغلها أحد، فيمكنها المشاركة في ميادين العلم والعمل مع انضباط السلوك وعدم التسامح لتحفظ نفسها بما جعله الله لها من وقاية وحصانة. وللمرأة دورٌ مهم جدًا؛ فهي صانعة الحياة بما تقدمه من تربية الرجل، ذلك الولد أو الأخ، بل تشترك بشكلٍ أو بآخر بتطبيع الزوج أو الوالدَين، ومع كلِّ هذه الإمكانات كيف يرضى أحدٌ بأنْ يقتصر دورها على إبراز المفاتن أو الحصول على الشهادة وكأنه انتهى كل شيء؟! رغم أنَّ بإمكانها أنْ تجعل من نشاطها الدنيوي رصيدًا لها في الآخرة، فتجمع بين الدنيا والدين بمعنى أنْ تبتعد المرأة عن معصية الله (تعالى)، فلا تترك واجبًا ولا تفعل حرامًا، وتستفيد من مساحة المباحات في حياتها لتُرضي أُنوثتها من دون مخالفة للشرع والأخلاق. فمن المهمٌ جدًا أنْ تعلم المرأة بأنَّ ممارستها لحريتها الشخصية لا يصح أنْ تكون على حساب الآخرين، فلا يمكن أنْ تختصر الحياة كلها بإظهار زينتها أو بمشاكستها مع الآخرين – بسبب انفعالاتها النفسية -، وإنما توجد عندها فرصة أخرى من دون محذور، وذلك بأنْ تعمل وتجعل عملها هو الذي يتحدث عنها، فالطالبة تهتم بالتعلّم والمعلّمة تهتم بالتعليم، والعاملة تهتم بالعمل الذي تعمله، والزوجة تحتوي الزوج وتستوعبه بحُسن التبعل والتحمّل، وكذلك الأم تهتم بتربية الأبناء والبنات وتعلّمهم التعامل الصحيح الإنساني والالتزام بأحكامهم الشرعية؛ لأنهم ليسوا فقط أبناءها وبناتها وإنما هم جيل المستقبل وسينقلون ما تعلّموه منها إلى جيل آخر وهكذا تستمر الحياة حتى ظهور الإمام المهدي المنتظر (عجل الله تعالى فرجه الشريف) الذي سيملأ الأرض قسطًا وعدلًا بعدما ملأت ظلمًا وجورًا، وحتى في عصر الظهور لا ينقطع عطاء المرأة للمجتمع، ولذلك عليها من الآن استثمار الوقت بالتعلّم وعدم تضييعه بتقليب صفحات العالم الافتراضي بالموبايل وغيره، بحيث تبتعد فعلًا عن عالمها الواقعي وتقصّر في عملها لدرجة انْ يشكو من ذلك الزوج أو الأب أو الأخ أحيانًا مع أنها قادرة على أنْ تعيش مع الآخرين بانسجام بحيث تعتني بأسرتها ولا تفهم الحياة بكونها إظهار الزينة أو معرفة تفاصيل الفيس وغيره؛ لأنَّ تفاصيل الحياة أكثر وأهم من ذلك، فلو أهملت المرأة نظافة بيتها أو نفسها مثلًا فإنّ ذلك يؤثر عليها جداً، وقد ينسي الرجل ما قدّمته له سابقًا. ولذلك على المرأة أنْ تنتبه إلى أنَّ وجود الإنسان في الدنيا مؤقتٌ وسيرحل عنها فهل قدّم شيئًا يُنتفع منه؟ وأنَّ هذا الجسد سيتركه في القبر ويذهب بروحه إلى عالَمٍ آخر وهناك يحتاج إلى رصيد الحسنات، وهي لا تجتمع إلّا من الأعمال النافعة الصالحة. فلابُد من الحرص على وقتها وتطوير أدائها في الحياة في داخل البيت وخارج البيت بما يضمن نجاحها في هذا الامتحان الذي ندخل جميعًا إلى قاعته وعلى العاقل أنْ يسعى إلى النجاح ويصمم عليه قبل الخروج من الباب الآخر الذي لا رجعة منه. وفُرَصُ نفع المرأة للمجتمعِ كثيرةٌ جدًا؛ لأنَّ الناس تحتاج المعلمة والمدرّسة والطبيبة وربّة البيت والشاعرة والمهندسة والتي تعمل في المصنع وغيرها من حقول المعرفة والخدمة في مرافق الحياة المختلفة التي تستطيع الإبداع فيها، فيُمكنها إثبات ذاتها في هذا المجال النافع. وقد يعترض أحدٌ بأنَّ الحجاب والعفة يقيّدان حرية المرأة، فلابُد من إعطائها حريتها الكاملة! والجواب يتلخص بالتالي: في جميع قارات الدنيا نجد أنَّ العقلاء يعتبرون من قمة التحضّر وضع أرقام سريّة عند الدخول للموبايل أو الحاسبة، وكذلك العقلاء يستعملون الملابس ويبنون الجدران والبيوت أو غيرها من أمثلة كثيرة، مع أنها جميعًا تقيّد حرية الإنسان لكنهم لم يتركوها بسبب هذا التقييد بل تعاملوا مع الموضوع بشكلٍ طبيعي جدًا وفي جميع المجتمعات، فالإنسان الذي يعيش حالة العقل وليست العاطفة لا يرفض بعض التقيّدات بل ولا يستغني عنها؛ من أجل حفظ نفسه أو أمواله، وليس من المعقول أنَّ جميع الناس في الدنيا لم يجدوا طريقة أخرى للعيش! ولا من المعقول أنهم لا يشعرون بقيود هذه التقيّدات التي يختارها الإنسان العاقل بإرادته حرصًا منه على سلامته؛ ولذلك يلبس ملابس وإنْ كانت سميكة جدًا، ويجلس بين جدران ويبني الأبواب ولا يقول هذه قيود. إذن فمن الطبيعي أنَّ الإنسان يحتمي مما يخاف وإنْ لم يشاهده، بل ويحتمي ايضًا لمجرد احتمال الضرر منه؛ وذلك لوجوب اتخاذ إجراءات السلامة، فالإنسان يخاف من الأعداء أو الحيوانات ويحتمي منها وإنْ لم يشاهدها، كما يحتمي من الفايروسات التي لا يراها؛ ربما فقط لأنَّ الطبيب يحذِّره منها فيسارع إلى التوقي منها مخافة أنْ تهاجمه وتهدد سلامة وجوده، وهذا من باب لزوم دفع الضرر ولو المحتمل، أي إنّ العقل يحتِّم على العاقل الابتعاد عن مصدر الخطر إذا احتمل حصوله، فيتوجب عليه أنْ يدفعه عن نفسه قبل وقوعه. إذا علمنا ذلك، فإنّ تساؤلًا يطرح نفسه وبشدة وهو: هل يوجد خطر أشد على كرامة المرأة من انتهاك عفتها؟ عندما يتغلب رجلٌ على عواطفها ويأخذ منها ما يريد ثم يتركها جثةً هامدة؟ أو أنه يورّطها في استعراض جسدها أو تهريب ممنوعات، وغير ذلك ثم يبدأ الابتزاز الإلكتروني أو التهديد بالفضيحة أو نشر الصور أو المحادثة، وغير ذلك من تصرفات تدلّ على الانحطاط. والجواب: إنَّ هذا الخطر يهدد حياة المرأة وأسرتها، فيلزم أنْ ننتبه جميعًا إلى ذلك ونطوّق دائرة الخطر، وتوعية المرأة بمخاطر استجابتها له مقابل لذةٍ عابرة أو مالٍ أو وعدٍ كاذب بالزواج أو الوظيفة أو النجاح؛ لأن جميع هذه الوعود وإنْ وفى بها حقًا فهي لا تعني شيئًا مقابل سمعة المرأة وأسرتها. كما أنّ الاستجابة تلك تعني الانحراف عن خط الزهراء (عليها السلام)، والانحراف عن مبادئ الإنسانية التي تؤكد على احتفاظ المرأة بما وهبها الله (تعالى) من الرمز الشخصي الذي لا يصح أنْ تمنحه في لحظةِ ضعفٍ أو عاطفةٍ لأحدٍ بحيث يبتزها و يتسبب بنهايتها المؤلمة. على حين يمكن للمرأة _ أيًا كانت _ أنْ تلتزم بمنهج الزهراء (عليها السلام) الذي ما زالت الأجيال تتناقله وترويه كموقفٍ كبير يعتز به الجميع؛ إذ جمعت بين المطالبة بالحقوق وعدم التهاون بأداء حقوق الله والإنسانية عليها. أسأل الله التوفيق للجميع والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. _____________ ١ عيون الحكم والمواعظ، علي بن محمد الليثي الواسطي، ص141 ٢ الخصال، الشيخ الصدوق، ص98 ٣ للاطلاع على المزيد ينظر كتاب (المخ ذكر أم أنثى؟)، د. عمرو شريف ود. نبيل كامل، ص204و205، الطبعة السادسة.
اخرى مدونة الكفيلأيتها المرأة الواعية أنتِ الأقوى بعقيدتكِ أنتِ الأجمل بأخلاقكِ لا تسمحي لأفكارهم بأن تثبط عزيمتكِ اجعلي أفكار الجاهلية تحت أقدامكِ تسلّحي بالعلم والايمان لا تبالي عندما تكون سيدة النساء قدوتكِ
اخرى مدونة الكفيلخيوط العنكبوت قف، تأمل، إبتسم، عش حياتك نعيش في زمن غريب أصبح كل شيء فيه غريباً، حياة تعيسة مملوءة بالهموم والمشاكل. بيوت يعمها الحزن بسبب الخلافات بدل المحبة والوئام. مجتمع يؤجج الخلافات لأسباب تافهة. زمن يشعل نار الحرب أكثر من ان يخمدها. مشاكل لاداعي لها. أسباب مضحكة. نتائج فضيعة .حياة تعيسة. هذا الواقع الذي تعيشه أغلب عوائلنا، وأمام هكذا حقيقة لابد لنا أن نقف وقفة تأمل، كل شخص يجب أن يقف ويتأمل حياته ليكتشف العلاج الصحيح والمناسب لوضعه. فلكل إنسان شخصية تختلف عن الآخر وأسلوب كلام وقوة تحمل، لذلك لابد من معالجة أنفسنا ومساعدة بعضنا البعض لحل هكذا مشاكل وخير مانستطيع أن نستعين به هو القرآن الكريم والسنة النبوية وتعاليم أهل البيت (عليهم السلام) التي أعطتنا الأمور الأساسية والقواعد المهمة في بناء حياة أسرية سعيدة وروابط اجتماعية رصينة، وسنتناول بعون الله بعض هذه المشاكل ونسأل من الله ان نستطيع ان نعطي للموضوع حقه ويستفيد منه الناس وللحديث تتمة إذا شاء الله ذلك. إن الهدف من بحثنا هو تسليط الضوء على جملة من المشاكل الاجتماعية التي تواجهها أغلب عوائلنا والتي تقوم على تعطيل حركة أفرادها وعدم بناء أسرة سعيدة. فالإشكالات التي تعاني منها الأسرة في الوقت الحالي في المجتمعات المعاصرة ليست وليدة يوم أو يومين فهي نتيجة تراكم. لعلنا لانستطيع أن نذكر كل المشاكل التي تواجه الأسرة ولكن نحاول ذكر بعضها. فكل فرد من الأسرة تختلف مشكلته عن الآخر فكل إنسان بداخله أفكار مختلفة فالزوجة تريد شيئاً والزوج يريد شيئاً والأولاد يريدون شيئاً والكل يريد أن تُطبق فكرته لكي يرتاح. ولكن العلاج لكل هذه الاختلافات يتحقق إذا كان هناك تعاون ومساعدة وتلاقح للأفكار فيما بين الأفراد مما يجعل كل فرد يبدع في مجاله الخاص. ولو نلاحظ ما حولنا وكل شيء نراه في حياتنا كجهاز أو آله كهربائية أو سيارة كل شيء متكون من عدة الآلآت وكلها تتحرك فتولد قوة تشغيل هذا الجهاز ليعطينا الفائدة التي صنع من أجلها. والسؤال الذي يطرح نفسه: هل استطعنا أن نقوم بالعمل الذي لأجله خلقنا الله؟ فهل عبدنا الله أحسن عبادة؟ فهل جعلنا من البيت سكناً وسكينة؟ هل اعطينا الأمومة حقها؟ هل اعطينا الأبوة حقها؟ و............والخ. إن دور الأسرة يهدف بشكل رئيسي إلى تحقيق مجموعة من الوظائف التي يجب أن يفهمها جميع أفراد الأسرة. فكل فرد في الأسرة له دور محدد مختص به فيجب عليه احترام هذا الدور واعطاؤه حقه. فسابقاً كانت الأسرة مكتفية بذاتها في الجانب الاقتصادي والاجتماعي فالاسرة سابقا كانت انتاجية وهذا يجعلها مكتفيةً اقتصادياً. بمعنى آخر إن الأكتفاء الاقتصادي للأسرة له تأثير مهم في سعادة الأسرة. وكانت تقوم بالتنشئة الاجتماعية ومنح المكانة لافرادها وتحديد التوجهات الدينية وأنواع الترفيه وكانت يعمها التعاطف والمحبة وهذا يجعلها مكتفية اجتماعياً، مما يؤدي إلى قلة الخلافات الأسرية. ويمكن القول إن التغيرات الثقافية والاجتماعية تنعكس سلباً أو إيجاباً في داخل الأسرة حسب طريقة استخدام هذه التغيرات والتطورات . فلذلك يكون أهم أعضاء الأسرة هو الزوج والزوجة فيجب أن تكون العلاقة بينهم علاقة تكامل وتفاعل ومودة لاعلاقة تنافر وصراع وتخاصم. حتى يتمكنوا من بناء أسرة متكاملة ومتوازنة وسعيدة . نتطرق هنا إلى عنصر مهم من عناصر الأسرة ألا وهي الزوجة للزوجة مكانة عظيمة في المجتمع، وقد أعطاها الله منزلة رفيعة فهي الأم والأخت والزوجة وقد جعل الله الجنة تحت أقدامها، الزوجة باعتبارها فرد من الأسرة إلا أنها تعتبر نصف المجتمع فهي التي تناط بها قضية بناء المجتمع فإن صلاح المجتمع من صلاح الزوجة، من هنا يتضح لنا أن أي مشكلة وإن كانت صغيرة تصدر من الزوجة فإنها تؤثر وبشكل كبير على الأسرة لأنها الشخص الوحيد المتصل بالأولاد اتصالاً مباشراً ولذلك فان على المرأة أن تعي حجم المسؤولية المناطة بها من أجل إبعاد الأسرة عن المشاكل. تحدث عادة الخلافات الزوجية بعد الزواج حيث إن الطرفين يدخلان في حياة جديدة لم يعتادا عليها فنجد الزوجة قد لاتستطيع أن تتأقلم في بداية زواجها لأنها وجدت عادات وتقاليداً وطباعاً غير التي اعتادت عليها، وكذلك الزوج يجد عند زوجته طباعاً مختلفة ومن أجل الحفاظ على نسيج الأسرة يجب على الطرفين تقديم التنازلات من أجل استمرار الحياة فإن هذه المشاكل لا قيمة لها وتعتبر تافهة في قبال الأسرة التي بدورها تنتج لنا مجتمعاً مترابطاً متماسكاً فعلينا أن نحافظ على هذا المكون العظيم. هناك الكثير من المشاكل التي تواجهها الزوجة في البيت رغم كثرة المسؤوليات عليها وهذا يحتاح إلى الكثير من الذكاء والفطنة من الزوجة التي تريد أن تجعل أسرتها وأطفالها وزوجها سعداء وناجحين. فالمرأة داخل البيت لها التاثير الكبير في نجاح أو تحطيم الأسرة. فالزوجة تحتاج إلى قوة تحمل وإرادة قوية لتستطيع أن تواجه كل المعوقات التي تتعرض لها. فالكثير من المشاكل التي تتعرض لها الزوجة في البيت -خاصة في مجتمعنا الشرقي- التي قد يعيش أهل الزوج وإخوانه وأخواته في نفس البيت فهذا له علاقة كبيرة وواضحة في كثرة المشاكل بين الزوجين . وكذلك الموروث الاجتماعي له تأثير وعبئ ثقيل على الزوجة لأن هناك الكثير من الناس تتوقع أن الزوجة مسؤولة عن خدمة كل أفراد أسرة الزوج وعليها أن تقوم بكل اشغال البيت ورغم عنها، وعليها أن لا تعترض علي أي شيء حتى وإن كان يخصها هي وزوجها، فيعتبرونه تدخل شرعي منهم فهو ابنهم وهكذا الكثير من الأمور والقوانين الموروثة اجتماعياً التي لايمكن بسهولة تغييرها رغم أن فيها كثيراً من الظلم. خاصة اذا كان الموروث الاجتماعي متخلفاً دينياً وثقافياً فإن له أثراً كبيراً على تكوين الأسرة الجديدة فلذلك الكثير من المشاكل تحدث بسبب ذلك . قد تواجه الزوجة بعض المشاكل ومن هذه المشاكل قضية اتخاذ القرار حيث تكون خارجة عن سلطة الزوج اذا لم يكن الزوج صاحب القرار وكان القرار بيد أحد أفراد الأسرة فهذه مشكلة قد تترك آثاراً سلبية على حياة الأسرة ومثالنا على ذلك في مجتمعاتنا الشرقية عادة يكون سكن الزوج مع أبويه في بداية حياته الزوجية وفي هذه الحالة قد يكون القرار بيد الأب أو الأم فلهم الحق في ذلك، فهما الأسرة الأولى والشجرة الأولى التي تفرع منها الأولاد وبهذا يكون بعض الأزواج في حالة انصياع تام للأبوين ومايريدانه وهنا تبدأ بعض المشاكل حيث أن بعض الزوجات تريد الإشتراك في القرار ونحن كما ذكرنا أن القرار ليس بيد الزوج وإنما يصدر من جهات أعلى منه رتبة، وفي هذه الحالة على الزوجة ان تتحلى بالصبر وتكون مطيعة لزوجها كما هو مطيع لوالديه فإن في ذلك رضا الله وسعادة الأسرة أيضاً واستمرار الحياة قائم على هذا التفاهم فعلى الزوجة أن تنظر أنها ستصبح في يوم من الأيام أماً ويعود الدور عليها، إذن ما عليك أيتها الزوجة إلا الحفاظ على نسيج هذه الأسرة من خلال مؤازرة زوجك. وهناك نقطة مهمة يجب على أهل الزوج أن يفهمها وهي أن زوجة الابن ليست ملزمة بأعمال البيت والطبخ والتنظيف لجميع أفراد أسرته وهذا إحسان وطيب أخلاق منها لهم إن فعلته، فيجب عليهم أن يشكروها ويحترموها فإنها ليست خادمة إنما هي زوجة ابنهم والمطلوب منهم مراعاتها واحترامها كأنها ابنتهم وكما تحبون أن تحترم ابنتكم في بيت زوجها احترموا بنات الناس. ومع افتراض كل هذه المشاكل والمعوقات التي قد تواجهها الزوجة من قبل أهل زوجها أو من زوجها يجب عليها أن تصبر وتحتسب أجرها عند الله ولاتجزع لكسب محبة الزوج ومن باب الاحترام والصبر على البلاء. لأن الابتلاء له طرق كثيرة وامتحانات يختبرنا بها الله سبحانه وتعالى قد تكون عن طريق شخص يؤذينا بكلام أو تصرف، وفي مثل هكذا مواقف تظهر التربية والأخلاق والخوف من الله. فإذا كانت الزوجة تريد بناء أسرة سعيدة يجب عليها الصبر والتغافل عن تصرفات تزعجها ولاتجعل لها تأثيراً على علاقتها بزوجها وأطفالها . لانقصد أنها تتعرض للإهانة والإيذاء ونقول اصبري، كلا ومن باب الإنصاف انه هناك أُناساً ظلمة ولاتراعي مخافة الله مع الزوجة حتى في الأمور الشرعية، وقد تكون الزوجة نفسياً لاتتحمل كل هذا. ولكن نقول إن تدقيق الزوجة لكل مشكلة وكل كلمة تسمعها هذا يتسبب في تحطيم حياتها الزوجية وزرع الكراهية فيجب عليها الأخذ بعين الأعتبار أن الزوج هذا ولدهم وقد يحدث بعض الكلام والمشاكل فيجب عليها. أن تقف موقف خير ومخافة الله لأنك أيتها الزوجة في يوم ستكونين أماً وتتعرضين لهكذا أمور. من المشاكل التي قد تكون الزوجة سبباً هي مشكلة الآراء المستوردة: ونقصد بالآراء المستوردة هي كل فكرة أو رأي تأتي به الزوجة من خارج بيتها سواء كان بيت أهلها أو أي مكان آخر على المرأة أن تعي مسألة مهمة، وهي أنها تعيش في بيت خاضع لضوابط وقوانين اجتماعية خاصة تختلف عن بقية العوائل والمجتمعات ذلك ان كل عائلة في هذا المجتمع تخضع لضوابط وقوانين وعادات اجتماعية موروثة من الآباء والأجداد لايمكن تغييرها بسهولة، هنا على الزوجة أن لا تأتي بآراء سواء من أهلها أو صديقاتها أو أي مكان آخر لأن الذي يعطي تلك الآراء يعيش في بيئة وعائلة تختلف عادةً عن بيئة عائلة الزوج وأن آراءه تنطبق اولاً وبالذات عليه لا على غيره، فاذا قامت الزوجة بجلب تلك الآراء والأفعال لبيتها قد تواجه بعض المشاكل التي هي في غنىً عنها وما عليها إلا أن تقوم بدراسة تلك الأفكار التي حصلت عليها من خارج البيت فإن وجدتها مفيدة جاءت بها وطبقتها وإن وجدتها غير مفيدة وتجلب المشاكل تركتها. فيجب الانتباه لذلك، فمن أجل ان نحيا حياة سعيدة طيبة علينا أن نبتعد عن هذه الأمور التي لاتجدي نفعاً وما عليكِ أيتها الأخت العزيزة إلا التحلي بالحكمة والنظر إلى سعادة هذه الأسرة وكيف تجعلينها تعيش حياة هانئة خالية من المشاكل. من المشاكل التي تواجه المرأة هي مشكلة الإهمال الشخصي: يعتبر الإهمال من المشاكل التي تواجه الزوجة نتيجة الإهتمام ببعض الامور والإبتعاد عن أمور أخرى ومن هذه الأمور الإهتمام المفرط بالأولاد حيث نجد أن الكثير من الزوجات تهمل نفسها مقابل الإهتمام بأطفالها وهذه مشكلة أيضاً إذ يجب على الزوجة أن لاتهمل هذا الجانب من حياتها فكما أن للأطفال حقاً كذلك للزوج أيضاً حق. فيجب عليها الإهتمام بنفسها قدر المستطاع لأن هذا الجانب يعتبر من الجوانب المهمة التي تديم العلاقات الاجتماعية، ومن هنا نجد البعض من الأزواج يتوجه للبحث عن علاقات أُخرى ويبحث عن سبل كثيرة والسبب في ذلك هو الإهمال. نحن لا ننكر أن الزوج أحد المسببين في هذا الموضوع لأنه ترك تربية الأولاد مناطة بالزوجة فقط فتصبح الزوجة محاطة بالكثير من الأعمال ومنها الأعمال المنزلية بكل اشكالها أضف إلى ذلك تربية الأولاد ومتابعتهم في كل ظروف حياتهم اليومية وكذلك الإهتمام بمتطلبات الزوج فيحصل الإهمال، فلو تعاون الزوج مع زوجته في أمور الأولاد فإنه حينئذٍ يرفع عبئاً من أعبائها ويزيل هماً من همومها، ومن هنا على الزوج مشاركة زوجته على قدر المستطاع في تربية ومتابعة الأولاد. أما بالنسبة للزوجة فإنها تستطيع أن تقضي على هذا الإهمال من خلال تقسيم وقتها مابين المنزل والأولاد والزوج وحياتها الشخصية فإن لنفسها عليها حقاً، هذا ونلاحظ في بعض العوائل إهمال واضح من الزوجة لأطفالها نتيجة صرف إهتمامها في مسائل أُخرى أمثال البيت وما شابه ذلك. لاشك أن للمنزل أهمية خاصة عند الزوجة فهو البيئة الأساسية التي يتكون منها المجتمع والحفاظ عليه مسؤولية كبرى تقع اولاً وبالذات على عاتق الزوجة ومن هنا فإن مسؤوليتها كبيرة تجاه البيت لكن هذا لايمنع من الإهتمام بالأطفال ورعايتهم ومتابعتهم، فنجد بعض الزوجات تولي مسؤولية أطفالها لاي شخص متفرغ في البيت وهذا خطأ تربوي، إذ لايمكن تركهم بهذه الصورة لأن حنان الأم وعطفها على أطفالها لايعوضه أي شخص وهذا ما نشاهده في حياتنا اليومية فإننا نجد الشوارع قد امتلأت بالأطفال وللأسف الشارع في هذه الايام فيه الكثير من القضايا السلبية التي يجب أن نحفظ أطفالنا منها فهناك من يتعلم الألفاظ البذيئة والنابية وهناك من يتعلم المعصية وهناك من يتعلم الإنحراف والكثير من هذه القضايا التي انتشرت في مجتمعاتنا. من هنا على الزوجة أن تقوم بدورها الأساسي في متابعة أطفالها والنظر في أحوالهم وكذلك متابعة ما ينطقونه من كلام وألفاظ وأفكار من خارج المنزل ومعالجة كل هذه الأخطاء فإن استطاعت فبها ونعمت، وإن لم تستطع أخبرت زوجها ليتخذ الإجراء اللازم في ذلك، نحن لانقول إن على الزوج أن يعلم بصغائر الأمور وكبائرها ولكن هناك بعض المشاكل لايمكن للزوجة أن تخفيها عن زوجها، ومن هنا ما عليكِ أيتها الزوجة العزيزة إلا أن تعطي أطفالك الإهتمام الكبير من أجل أن نخرج بمجتمع واعٍ مثقف، منبعه الأول الأسرة. بعض النساء إذا اصابتها شدة أو مكروة تقول ماحيلتي هذه إرادة الله وتبقى تندب حظها وتجزع وهذا يؤدي بها للتقصير في واجباتها ويتحول الزواج إلى جحيم وعذاب، ودائما تقول الله أراد ذلك، ولا أستطيع أن أغير القدر. لا يا أُختي العزيزة هذا الكلام غير صحيح فالمسؤولية في جميع الاحوال تقع على الإنسان. لأن الإنسان كلما كان قوي الإرادة والإصرار يصبح أكثر عظماً وأكثر تأثيراً في مجتمعه وكلما كان يمتلك نفسا كبيرة كان أقدر على التغيير في نفسه واُسرته ومجتمعه قال تعالى: (إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ) (1) أختي العزيزة إبدائي بتغيير نفسك اولاً لكي تعيشي سعيدة لأن تعظيم الأمور التافهة تؤدي إلى تفاقم المشاكل ويصبح الحقد والبغضاء في نفسك وفي نفوس أسرتك، أن من شأن الباطل والشيطان أن يجعل من نفس الانسان ظلاماً دامساً ويزرع الحقد والبغضاء، بخلاف الحق الذي ينور الطريق ويبدد الظلام ودائماً الباطل ياتيك متلبس بالحق ويظهر أنك مظلومة وأنتي على حق ويجب أن تأخذي حقك. لا يا أختي يجب عليك التحلي بالصبر لتبني أسرة سعيدة ولتجعل بيتك مملوأً بالراحة والسكينة وقد ذكر الله في كتابه الكريم (مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ كَمَثَلِ الْعَنكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا ۖ وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنكَبُوتِ ۖ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ)(2) فأنتِ لاتتخذي الباطل والشيطان الذي يأمر بالبغضاء والمشاكل ولياً، والله يدعو للسكينة فلا تبني بيتاً كبيت العنكبوت . قفي وتاملي حياتك وفكري وعيشي كما أراد الله لك كانثى. _______________________________ (1) سورة الرعد آية (11) (2) سورة العنكبوت آية (41)
اخرى حنان الزيرجاويبقلم: كاردينيا ياس "نقلٌ مباشر" في ليلة العاشر.. نقلٌ مباشر... فالوسائل شتّى لنقلها.. المهم... أن يكون لكَ قلبٌ حاضر.. بلوعة و غصّة... اروِ لأهل بيتك القصة... آخذًا قلوبهم إلى كربلاء... علّها تعرج من هناك إلى السماء... وجّه قلوبهم لعزاء فاطمة... فمجالسها مدى الدهر قائمة... ونادوا بحناجر الولاء... وعهودٍ يُصدّقها الوفاء: أبد والله يا زهراء لن ننسى حسينا أبد والله يا زهراء لن ننسى حسينا
اخرى مدونة الكفيل
بقلم: الشيخ حسين التُرابي إنّ العفافَ هو الاستحياءُ عن التمادي في الاستجابةِ للغريزةِ الخاصّةِ التي يبتني عليها التناسلُ والتكاثرُ في الجنسِ البشريّ، ويُعتبرُ العفافُ قيمةً فطريّةً فاضلةً، فما من إنسانٍ إلّا وهو يجدُ في داخلِه أنّ كفَّ المرءِ عن الاستجابةِ للغريزةِ في غيرِ الإطارِ المُحدّدِ هي سمةٌ فاضلةٌ، فالشابُّ الذي لا يبحثُ عن إغراءِ الفتياتِ بنفسِه، بل يسعى إلى أنْ يتزوّجَ ويُشكّلَ أسرةً مُستقرّةً يجدُ كفافَه فيها ممدوحًا لدى الناسِ كُلِّهم. كما أنّ الفتاةَ التي لا تبحثُ عن إغراءِ الشبابِ بنفسِها وتستطيعُ أنْ تملكَ نفسَها عن الاستجابةِ لدواعي الإغراءِ تكونُ ممدوحةً كذلك. وما من مُجتمعٍ بشريّ إلّا وهو يتبنّى أمرَ العفافِ بدرجةٍ أو أخرى، وليس هناك أيّ مجتمعٍ إنسانيّ يبني على الإباحيّةِ المُطلقةِ والانفلاتِ المُطلق، وأرشدُ المُجتمعاتِ من هذه الزاوية هو المُجتمعُ الذي يتمسّكُ بأدواتٍ أكثر ملاءمةً للحفاظِ على عفافِ الرجلِ والمرأةِ وتوقّي السلبيّات التي تنشأُ عن انتهاكِ هذا المبدأ الإنسانيّ الهامّ. ويتقوّمُ العفافُ بأمورٍ ثلاثة: الأوّل: العفافُ عن العلاقةِ الخاطئة. والثاني: العفافُ عن المُمارساتِ الخاطئة، من قبيلِ التحرّشاتِ السلوكيّة واللفظيّة ونحوها. والثالث: العفافُ عن الإغراءِ بالنفسِ من خلالِ المظاهرِ والسلوكيّاتِ والحركاتِ العامّة. فهذه الأمورُ الثلاثةُ من العفافِ ذاتُ ارتباطٍ موثوق، فلنْ يستطيعَ المُجتمعُ أنْ يصلَ إلى العفافِ المطلوبِ إلّا برعايةِ أفرادِه لمستوى مقبول من التحذُّرِ عن العلاقاتِ الخاطئةِ وعن المُمارساتِ الخاطئة المُنتهية إليها، وعن المظاهرِ المُغرية بالشكلِ العامِّ في كُلِّ مُجتمعٍ بحسبِه للآخر. ويُمكِنُ للإنسانِ أنْ يجدَ المقدارَ المطلوبَ من العفافِ من المنظورِ الإنسانيّ العامّ من خلالِ القاعدةِ الأخلاقيّةِ المعروفة بـ(القاعدة الذهبيّة) وهي: (أنْ يُحِبَّ الإنسانُ لنفسِه ما يُحِبُّ لأخيه، ويكرهُ لنفسِه ما يكرهُ لأخيه). فعلينا أنْ نُطبّقَ هذا المبدأ بالنسبةِ إلى أنفسِنا في سلوكيّاتنا، فما الذي ترغبُ فيه المرأةُ أنْ تكونَ عليه الفتياتُ الأخرياتُ أمامَ زوجِها وأبيها وأخيها؟ وما الذي يرغبُ فيه الشابُ أنْ يكونَ الفتيانُ الآخرون أمامَ زوجتِه وأمِّه وأختِه وابنتِه وسائرِ قرابتِه، فهذا الميزانُ ميزانٌ إنسانيٌّ عادلٌ يُنبِّهُ الإنسان على التصرُّفِ اللائقِ مع الآخرين، فإذا كانتِ المرأةُ المُتزوّجةُ تكرهُ أنْ تظهرَ الفتياتُ أمامَ زوجِها بمظهرِ الإغراءِ والاستدراجِ والسلوكيّاتِ الأخرى فإنّ عليها أنْ تلتفتَ في شأنِ نفسِها إلى مثل ذلك. إنّ العفافَ يُمثّلُ ركيزةً أساسيّةً في الحياةِ الإنسانيّة؛ لأنّ العلاقةَ الخاصّةَ التي أودعَها اللهُ (سبحانه) في نفسِ كُلِّ إنسانٍ ذكرًا كان أو أنثى من الانجذابِ إلى الآخر إنّما جُعلَ لتكوينِ أسرة سليمة يجِدُ كُلٌّ من الطرفين سعادتَه فيها ويخلقون بذلك جيلًا آخر يتصدّون لتربيتِه وتنميتِه وإعدادِه واتصافِه بالرُشدِ والحكمةِ والفضيلة. فعلى الإنسانِ أنْ يسيرَ على هذهِ الركيزةِ الأساسيّةِ في الحياةِ ويهتمّ بمُراعاةِ مُقتضاه كما يُحِبُّ أنْ يُراعيَ الآخرونَ مُقتضاه بالنسبة إلى ذويه.
اخرى
بقلم: علي قاسم وتكتشفُ أنْ لا أحدَ بجانبِك تحكي له ما يدورُ في يومِك التافه، تُكلّمُهُ عن تلك التفاصيل، تشتاقُ لتلك الردودِ التي كانتْ في لحظةٍ ما باردة، ستشتاقُ إلى خلافاتكما، ستشتاقُ ويقتُلُك الحنينُ عندما لن تجدهُ بجانبِك ستهمسُ في أذُنِك الذكرياتُ والأماكنُ سيكونُ في كُلِّ ثانيةٍ ينبضُ قلبُك فيها اشتياق، تشتاقُ لتبحثَ عن قيمتِك في حياةِ ذلك الشخص..
اخرى
بقلم: يا مهدي أدركني هذه آخرُ ورقةٍ سقطتْ من شهرِ صفر لينتهيَ موسمٌ ذُرِفتْ فيه الدموع واعتصرتْ فيه القلوبُ ألمًا وحزنًا تقرُبًا وزُلفةً، تطهُرًا وولاءً لآلِ الرسول ولكن! هل سنرى ماذا جرى على تلك القلوب بعدَ أنْ حلَّ بها ذلك الحُزنُ؟ أم سنخلعُها كما نخلعُ السوادَ، ونضعُها جانبًا في تلك الخِزانةِ حتى تنتظرَنا إلى عامٍ آخر قد يُقبِلُ علينا وقد نكونُ تحتَ التراب! عَبَقُ نسائمِ الأحزانِ حلّتْ فينا؛ لتُغيرنا، لا لتُبكينا... فلنُلَملِمْ أوراقَ الحُزنِ تلك، ونستلهِمُ ما فيها من إيمانٍ صادق عقيدةٍ وثباتٍ توحيدٍ ونبوّةٍ إمامةٍ ومَعادٍ إيثارٍ بالنفس... وأيُّ نفسٍ تلك؟ وقفةٌ قصيرةٌ لنُراجِعَ فيها ماذا صنعَ الشوقُ والحنينُ والألمُ والحُزنُ العميق؟ هل سنُعاهِدُ على التغيير ونكون أهلًا لتلك التضحياتِ العظيمة؟ نواظبُ على الصلاة، ونُحييها، أم نُضيّعُها كما ضيّعها بنو أمية؟ ماذا عن الحجاب؟ هل سنتمسكُ بتلك العباءةِ التي تلقّتِ السياطَ والحرقَ والبُكاءَ والدماءَ، ولكنّها لم تمِلْ عن تلك الرؤوسِ الشامخاتِ، بل كانتْ تمنعُ نسماتِ الهواء من أنْ ترسمَ تفاصيلَ النساء؟ هل سنكونُ أحرارًا كالحُرِّ، ونُخيّرُ أنفسَنا بين الجنةِ والنار كُلّما وقفْنا على مُفترقِ الطريق، فنختار طريق الجنة؟ أم سترجعُ حواسُنا إلى سُباتِها العميق لتكونَ عبارةً عن آلاتٍ للشهوات والملذّات تقودُنا كالبهائمِ، نستمعُ لصوتِها وتخرسُ ألسنة الحقِّ مرةً أخرى! هل سننفِضُ رمالَ كربلاء ورمادَ الخيام وننسى طعمَ السمِّ والسهام؟ مهلًا يا أيتها النفس، هُنا رُفِعَتِ الرؤوس قُطِّعَتِ الكفوف وحُزَّ النحر هنا جرى سمٌ زُعاف مزّقَ أكبادَ الأئمةِ الأطهار ومن قبلِها جرى في جسدِ الرسول (صلاةٌ من الله عليه وعلى الآل) ليقتلوا شريعةَ السماء فلا تكوني شوكةً تزيدُ من عُمقِ الجِراح بل طيّبي جراحاتِ قائمٍ يبكي على جدِّه دمًا احملي سلاحًا من أرضِ نينوى، وقاتلي بشجاعةٍ حتى وإنْ كان العدوُّ أنتِ فقد قتل الأصحابُ أنفسَهم مرارًا لتكونَ جاهزةً للنزالِ الأخير... الذي فيه ارتفعتْ لتخلُدَ في سماءِ المجدِ والسؤددِ، وتنالَ الفلاحَ في جنةٍ يصبو لها كُلُّ مؤمنٍ.. جنةُ القُربِ حيثُ الأقمار تجتمعُ بالشموس بلا كسوف ولا خسوف
اخرى
بقلم: سماهر الخزرجي الذي يُراجعُ سيرةَ أصحابِ الحُسين (عليه السلام) يُلاحظُ فيهم عدّةَ صفاتٍ وشمائلَ اجتمعتْ فيهم، فهم زُهّادٌ، عُبّادٌ، شُجعانُ حروبٍ وغزوات، والتأملُ في هذه المسألة تدعو الفردَ المُسلم في زمنِ الغيبة، أنْ يكونَ على جهوزيةٍ عاليةٍ، عقائديًا ونفسيًا وبدنيًا، حتى من حيث الكفاءات أيضًا. والتمهيدُ لدولةِ العدلِ الإلهي يحتاجُ إلى وجودِ أفرادٍ بهذه الصفاتِ لاستقامةِ الأمرِ لقائمِ آل مُحمّد (صلوات الله عليهم أجمعين)؛ فالإمامُ يريد جماعاتٍ وأجهزةٍ ومؤسساتٍ تعملُ على التهيئةِ له والجهوزية للشروع في الحركةِ الإصلاحية، وهذه الجماعات عبارةٌ عن أفرادٍ انضووا تحتَ تلك الدائرة. فيجبُ على كُلِّ فردٍ الاستعدادُ لنُصرةِ الإمامِ (عليه السلام) بتهذيبِ النفس وتزكيتِها وتكميلها بحملِها على تركِ المُحرّمات ولزوم الطاعات، وتوطينِ النفس على تحمُّلِ الأذى والمشاق في سبيلِ هدفه، فإن تمّ له ذلك رجِعَ إلى أهلِ بيته لإصلاحِهم، فإنّهم نواةُ المُجتمعِ ومنهم يتجذَّرُ الإصلاح، ثمّ بعدها ينخرطُ في المُجتمع، فتقع عليه مسؤوليةُ إنارةِ وإراءةِ الطريق لأيتامِ آلِ محمدٍ في الطُرُق المُلتوية، والمسالكِ الحالكة، والفتنِ الخطيرة، والمزالقِ الكثيرة، لينضووا تحتَ لوائه ويتشرّفوا بخدمته. فكيف يتمُّ ذلك؟ إنّ ذلك يتمُّ بعدّةِ أمورٍ منها انتظارُ الفرج؛ فهو من أفضلِ الأعمال، وقد وردتْ فيه رواياتٌ كثيرةٌ، منها ما جاء عن الرسولِ (صلى الله عليه وآله): "إنّ أحبَّ أعمالِ أمّتي إلى الله (عز وجل) انتظار الفرج" وعن أمير المؤمنين (عليه السلام): "من ثبتَ على موالاتِنا في غيبةِ قائمِنا، أعطاه اللهُ أجرَ ألفِ شهيدٍ مثلِ شُهداءِ بدرٍ وأحُد" والانتظارُ ليس أنْ يجلسَ الإنسانُ حليسَ بيتِه، ينتظرُ ظهورَ الإمامِ من دون عمل! الانتظارُ هو الثباتُ على ولايةِ أهلِ البيت (عليهم السلام) والاعتقادُ بالإمامِ الحُجّة (عجّل الله فرجه)، بوجوده وغيابه، والحفاظُ على هذه العقيدة حتى يُزهِرَ مصباحُ الهُدى في قلبه، ويمتلكَ الحصانةَ من العقائدِ الباطلة والأراجيفِ الضالّة، وتحمُّل مسؤوليةِ نشرِ التعاليمِ السماوية، ففي هذا تعجيلٌ لفرجه. وقد وردَ في التوقيعِ الشريفِ الصادر منه إلى الشيخِ المُفيد (طيّب اللهُ رمسه) "فما يحبسُنا عنهم إلا ما يتصلُ بنا مما نكرهه ولا نؤثره منهم، واللهُ المُستعانُ وهو حسبُنا ونعمَ الوكيل" فتعجيلُ ظهورِ الأمر منوطٌ بأفعالِ العباد، فارتكابُ المعاصي واستباحةُ المُحرّمات تؤخِرُ ظهورَ الإمامَ (عجل الله فرجه). والثباتُ وقوّةُ العقيدة هي من سماتِ المؤمن المُنتظر، فنرى أنّ الإمامَ الصادق (عليه السلام) يسردُ صفاتِ أصحابِ القائم (عجل الله فرجه): "ورجالٌ كأنّ قلوبَهم زُبُرُ الحديد، لا يشوبُها شكٌ في ذات الله، أشدُّ من الحجر، لو حملوا على الجبالِ لأزالوها" لا تُزلزِلهم الشبهاتُ ولا تُضعِفهم الظُلُمات. فبعدَ أنْ تترسّخَ فيهم العقيدةُ الحقّةُ يصلونَ لمقامِ الفداء؛ فلا يهمّهم إنْ وقعوا على الموت أو وقع الموتُ عليهم، يقولُ الإمامُ الصادقُ واصفًا إيّاهم: "يقونه بأنفسِهم في الحروب، ويكفونه ما يُريدُ فيهم، ينصرُ اللهُ بهم الإمامَ الحقّ" فنُلاحِظُ هناك تكاملًا في جنباتِ شخصياتِهم، فهم مع كُلِّ ذلك نشطون في عبادتِهم، مُقبِلون على الله (تعالى)، لا يفترون عن ذكره لهم دويٌّ كدويّ النحل "رجالٌ لا ينامون الليلَ، لهم دويٌّ في صلاتِهم كدويّ النحل، يبيتون قيامًا على أطرافِهم ويُصبحون على خيولهم، رُهبانٌ بالليل ليوثٌ بالنهار" فمن ضمن صفاتِهم بعدَ الشجاعةِ والإقدام والفداء، النشاطُ في العبادة والإقبال عليها دون فتورٍ وملل، مما يُعطيهم هذا النشاطُ الطاقةَ الإيجابيةَ ويمدُّ أجسامَهم بالقوّةِ الغيبية، فإذا قويَتِ الروحُ قويَ البدن على وظائفه ومهامه، فيتحوّلُ الإنسانُ إلى منظومةٍ تمهيديةٍ كاملةٍ من جميعِ حيثياته: روحه، بدنه، تذليله لنفسه وكبح جماحها وحثها على وفق ما يقتضيه التمهيد للعدل الإلهيّ.. وهذه الصفات كُلُّها تجسّدت في أصحابِ الحُسين (عليه السلام)؛ لذلك وصلوا لتلك المرحلةِ من الفداءِ للعقيدة، حيث كانوا لا يُبالون بما يُصيبهم بعد ذلك في جنبِ اللهِ (تعالى) والإمام (عجل الله فرجه)، فعلى المُمهِّد والمُنتظِر اتخاذ سيَرهم دليلًا ومُرشدًا للوصول إلى مُبتغاه في التكامُلِ ليكونَ خيرَ عونٍ للإمام الحجة (عجل الله فرجه).
اخرى
بقلم: أم حوراء النداف القرآنُ الكريم هو معجزةُ خاتم الأنبياء محمد بن عبد الله (صلوات ربي وسلامه عليه وعلى آله الطيبين الطاهرين)؛ فلكُلِّ نبي معجزةٌ تؤيدُ دعواه وتكون خارقةً للعادة، أي إنَّ مادة المعجزة موجودةٌ لكن الناس لم يألفوا هكذا إنجاز من هذه المادة، كما ويعجزُ الناسُ عن مُجاراتها والإتيان بمثلها. فهل يُعقلُ أنْ تكون المعجزة مؤيدةً للنبي من جهة، ومُشكِّكةً فيه من جهةٍ أخرى؟! وما قصةُ تلك السور والآيات التي تحكي عن سوءِ خُلُقِ الرسول (صلى الله عليه وآله) -حاشاه- كما في سورة عبس وتولى، أو الآيات التي تنسِبُ إليه الذنوب السابقة واللاحقة "ليغفر لك الله ما تقدّم من ذنبك وما تأخر"، وما شاكلها من الآيات التي تبدو في ظاهرها أنّها تنسِبُ النقصَ -والعياذ بالله- لشخص النبي الخاتم (عليه وعلى آله آلاف التحية والسلام). يقول عالمُ الرياضيات الأمريكي جفري لانج: "إنّ مؤلفَ هذا الكتاب [أي القرآن الكريم] عبقريٌ، وأنّه بلا شك يتبعُ أسلوبًا ساحرًا في جذب القارئ، حيث اعتمد القرآن كليًا على أسلوب الحوار، فتسلسلُ الآيات يدفعُك للتعجُبِ والسؤال، ومن ثم تجدُ الإجابةَ بعد أسطُرٍ قليلة" لقد اشار هذا العالم، من حيثُ يعلم أو لا يعلم إلى الطريقةِ المُثلى لفهم القرآن الكريم، وهي تفسيرُ القرآن بالقرآن! ماذا حصل عندما تكلّف المُفسرون وعُلماءُ القرآن بتفسير آياتِ الله تعالى بمُقتضى الرأي أو القياس أو نصوصِ الروايات التي خالطَها الدسُّ والتلاعبُ والمُخالفةُ لروحِ القرآن الكريم قلبًا وقالبًا؟ لقد وقعوا فريسةَ التناقضات! وللأسفِ نُسِبت تلك التناقضات للقرآن الكريم. فمن جهةٍ يقرأون "وإنّك لعلى خُلُقٍ عظيم"، ومن جهةٍ أخرى ينسبون العبوس للرسول الكريم وأنّه أعرضَ عمّن يُريدُ أنْ يتزكّى وأقبلَ على من استغنى من المشركين! القرآن الكريم وإن كان ميسرا للذكر وذلك لقوله (تعالى): "ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدّكر"، أي إن إلقاءه على نحوٍ يسهُلُ فهمَ مقاصده لعموم الناس وخصوصهم، والأفهام البسيطة والمُتعمقة، كُلٍّ على مقدارِ فهمه، إلا أنّ فهمَ مُراد الآيات الكريمة يحتاجُ إلى ذوقٍ قرآني رفيعٍ ينسجمُ مع إرادةِ الحقِّ (سبحانه)، ويكون بعيدًا عن الأهواء الشخصية والتعصبات الفكرية، قال (تعالى): "هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إلا أولوا ألالباب"[آل عمران ٧]. كما انّ الله (سبحانه) يدعونا إلى التفكُّر والتدبُّر في آيات القرآن الكريم، "أفلا يتدبرون القرآن ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافًا كبيرًا" إنّها دعوةٌ إلى التمسُّكِ بمُحكمِ الآيات الواضحة الدلالة ورد الشبهات إليها، فالحقُّ (سبحانه) لا يُجامل أحدًا، ووصفه للنبي (صلى الله عليه وآله) بأنّه على خُلُقٍ عظيمٍ كافٍ لقطعِ كُلِّ الشكوك والشبهات حولَ ما يُنسَبُ زورًا وبهتانًا لمقام صاحب العصمة الكبرى الذي يصفُ نفسه قائلًا: "أدّبني ربي فأحسَنَ تأديبي" و "أنا أديب ربي" و"إنّما بُعِثْتُ لأتمِّمَ مكارمَ الأخلاق" إنّه التجسيدُ الفعلي للإنسان الكامل الحاكي عن كمالاتِ الحقِّ (سبحانه) المبعوث رحمةً للعالمين ولا مجالَ للنقصِ ولو بمقدارِ أنمُلةٍ بمُقتضى العصمة الرسالية. لقد تمكّنَ، بحُسنِ خُلُقِه العظيم وصبره ومداراته للناس، من تأليفِ قلوبٍ طالما فرّقتها حروبُ الجاهلية، وجعلهم أمةً واحدةً، فلقد "كان خُلُقُه القرآن" أي يأتمِرُ بما أمرَ اللهُ في كتابه المجيد وينتهي عمّا نهى عنه، وإلى ذلك دعا، بأبي وأمي، ونحنُ على ذلك من الشاهدين. وأبيضُ يُستسقى الغمامُ بوجهه ربيعٌ لليتامى، بهجةٌ للأرامل السلامُ عليك يا أبا الزهراء، يا حبيب الله.. ––––––––––––––––––––––– تفسير الميزان للعلامة الطباطبائي ج١٩،ج٣ بحار الانوار للعلامة المجلسي جيفري لانج رحلتي إلى الإسلام
اخرى
بقلم: نجاة رزاق قال (تعالى): {وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلَىٰ أَعْقَابِكُمْ وَمَن يَنقَلِبْ عَلَىٰ عَقِبَيْهِ فَلَن يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللهُ الشَّاكِرِينَ}(١) القرآنُ الكريمُ هو مُعجزةُ الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله)، أرسله على فترةٍ من الرسل، وتميّزَ هذا الكتاب السماوي بالإعجازِ اللُغوي والعلمي وكذلك الاعجازِ الغيبي؛ فقد أخبر (صلى الله عليه وآله) بالكثيرِ من الأحداثِ والمُغيّبات التي اتضحتْ في حياتِه كفتحِ مكة، وانتشارِ الإسلام في الجزيرة، وغَلَبةِ الروم، وفتحِ بلادِ فارس، ومصارعِ قريش يومَ بدرٍ وغيرها من الغيبيات؛ دليلًا على أنّ هذا القرآن كلامُ الله (تعالى)، وليس من البشر كما اتهمه المُشركون بأنّه يتلقّاه من عبده بن الحضرمي صاحب الكتب. كما اتهموه أنّه قولُ ساحرٍ وكاهنٍ؛ ومن الأحداث التي أخبرَ عنها القرآنُ وحدثت بعد استشهاده (صلى الله عليه وآله) هو الانقلابُ بعدَ انتقاله إلى الرفيق الأعلى. والآيةُ التي بدأنا بها الكلامَ أحدُ مصاديق المُغيّبات؛ وقد يقولُ قائلٌ: إنّ سببَ نزولِ هذه الآية هي معركةُ أُحُدٍ حيثُ انتشرَ بين المُسلمين خبرُ مقتلِ النبي (صلى آلله عليه وآله) واضطراب المسلمين وتركهم موقعهم على جبل أُحُد، يقولُ السيّدُ الطباطبائي (قدسَ اللهُ نفسه): {أخرج ابن جرير عن السدي قال: فشا في يومِ أُحُدٍ أنّ رسولَ الله (صلّى الله عليه وآله وسلم) قد قُتِلَ -فقال بعضُ أصحابِ الصخرة-ليتَ لنا رسولًا إلى عبدِ الله بن أُبي فيأخذ لنا أمانًا من أبي سفيان}(٢) كما يقولُ الشيخُ ناصرُ مُكارم الشيرازي: {جاءَ أنسُ بن النضر إلى ذلك الفريق الذي كان يُفكِّرُ في الفِرارِ وقال لهم: يا قومُ إنْ كان قد قُتِلَ مُحمدٌ فربُّ مُحمّدٍ لم يُقتَلْ، فقاتلوا على ما قاتلَ عليه رسولُ الله (صلى الله عليه وآله)، وموتوا على ما ماتَ عليه، ثم شدَّ بسيفِه وحملَ على الكفار وقاتلَ حتى قُتِلَ، ثم لم يمضِ وقت طويل حتى تبيّنَ أنّ النبيَّ على قيدِ الحياة}(٣) وفي الجواب نقول: توجد قاعدةٌ في علمِ الأصول تقول: إنّ الموردَ لا يُخصِّصُ الوارد. يقولُ الشيخُ باقرُ الأيرواني (حفظه الله (تعالى)): {ولو كان الموردُ يُخصّصُ الواردَ للزم أنّ الكثيرَ من آياتِ القرآنِ الكريم أنْ تكونَ خاصّةً بمواردها وهذا شيءٌ بعيد، وهذا لا أذكره كدليلٍ بل كمنبّهٍ على أنّ الموردَ لا ينبغي أن يكونَ مخصّصًا للوارد}(٤) ونعودُ إلى الآية القرآنية ونبيّنُ ما هو الانقلابُ أي الرجوع إلى الكفر، والذي حدثَ بعدَ استشهادِ النبي الأكرم (صلى الله عليه واله وسلم)، وهو: أولًا: نكث البيعة: تذكرُ جميعُ كتبِ العامة والخاصة أنّ كُلًا من أبي بكر وعمر بايعا الإمامَ علي (عليه السلام) على الإمامةِ، وقالا: بخٍ بخٍ لكَ يا علي، أصبحتَ مولايَ ومولى كُلِّ مؤمنٍ ومؤمنة. كما أنّ كُلَّ من بايعهما على الخلافة كان قد بايعه (عليه السلام) على الإمامة. ثانيًا: عدمُ الالتحاقِ بجيشِ أُسامة: وهذه الحادثة كانت قُبيلَ انتقالِ الرسولِ الأعظم (صلى الله عليه وآله) إلى جوارِ ربِّه، وكان يُردِّدُ: أنفذوا جيشَ أُسامة، لَعَنَ اللهُ من تخلّفَ عن جيشِ أُسامة، (إنّ تخلفه دونَ عُذرٍ عن جيشِ أسامة بالرغمِ من إصرارِ رسولِ الله (صلى الله عليه وآله) على الحملة، وحتى تخلُّفَه رغمَ سماعِه من رسولِ الله (صلى الله عليه وآله) لعنَ اللهُ من تخلَّفَ عن جيشِ أسامة، تلك اللعنةُ وذلك الأمرُ الذي ما كانَ يستطيعُ إخفاءه وإخفاء أثره للمُخالفةِ الصريحة)(٥) والآيةُ تقول: "فليحذرِ الذين يُخالفون عن أمرِه أنْ تُصيبَهم فتنةٌ أو يُصيبَهم عذابٌ أليم)(٦) ثالثًا: هجومُهم على دارِ الزهراء (صلوات الله عليها) وما جرى عليها من أحداث. فقد وردَ عن السيّدِ بن طاووس عن الإمامِ موسى بن جعفر (عليهما السلام) بعدَ ذكرِ وصيةِ النبي (صلى الله عليه وآله) للأنصار قال: "ألا فاسمعوا ومن حضر، ألا إنَّ فاطمةَ بابُها بابي وبيتُها بيتي، فمن هتكَه فقد هتكَ حجابَ الله"(٧) رابعًا: منعُ الزهراء (عليها السلام) إرثها بحُجّةِ أنَّ الأنبياءَ لا يورثون. خامسًا: منعُ إقامةِ الحدودِ كما في قصةِ خالد بن الوليد وقتله مالك بن نويرة. سادسًا: بدعةُ صلاةِ التراويح، وتحريمُ زواجِ المُتعة. وما هذه النقاط إلا شواهدُ قليلةٌ على الانقلاب على الإسلام وعودةُ القومِ إلى الكفر، ومن ينقلب على عقبيه فلن يضرَ اللهَ شيئًا، وسيجزي اللهُ الشاكرين.. اللهم ثبِّتْنا على دينك، واجعل عاقبتنا إلى خير، وارزقنا حُبَّ مُحمدٍ وآلِ مُحمدٍ (صلواتُ اللهِ عليهم أجمعين). ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ١- سورة آل عمران: الآية ١٤٤ ٢-تفسير الميزان، الطباطبائي، ج٤، ص67. ٣-تفسير الأمثل، ناصر مكارم الشيرازي، ج٢، ص718. ٤-دروس الأصول، باقر الأيراواني، ٧/٨ / ١٤٣٦. ٥-محاكمات الخلفاء وأتباعهم، جواد جعفر الخليلي ص٧٠ ٦-سورة النور:٦٣ ٧-بحار الأنوار، المجلسي، ج٢٢ ، ص ٤٧٦.
اخرى
بقلم: رشا عبد الجبار ناصر بدا كُلُّ شيءٍ واضحًا.. وكأنّ كُلَّ شيءٍ لم يكنْ غامضًا بالأصل، أنعمُ بروحٍ هادئةٍ، مُفعمةٍ بالأمل، لحظاتي مُكلَّلةٌ بنشاطٍ دائمٍ وعطاءٍ زاخر.. بدا حُلُمًا، حُلُماً جميلاً، ولكنّي إلى هذه اللحظةِ وأنا أنعمُ بذلك الهدوءِ الذي عشتُه في ذلك المكان، كروضةٍ مُزهرةٍ بأنواعِ الزهور والرياحين، وذلك العَبَقُ الأخّاذُ الذي يأخذُ بتلابيبِ الروح، فتعيش في أمانٍ، بعيدًا عن كُلِّ ما يُعكِّرُ صفوها وهدوءها، تعودُ إلى سيرتِها الأولى من النقاء.. روحٌ ساميةٌ حقيقتُها من روحِ الله (تعالى)، وأيُّ شيءٍ أكثرُ نقاءً من قلبٍ أزهرتْ وأينعتْ ثمارُ عطائه بذكرِ المحبوب المُطلق؟! كُنتُ هناك بجسدٍ وروحٍ، كُنتُ أشعرُ بشعورٍ غريبٍ وجميلٍ في آنٍ واحدٍ، لم يكُ ذلك المكانُ مألوفًا، لكنّه كانَ يُشعِرُني بالطمأنينة، ومع أنّي كُنتُ أجهلُ سببَ تلك الطمأنينة؛ فالإنسانُ بطبعِه عدوُّ ما يجهله، إلا أنّني كنتُ أحسبُه بيتًا، عشتُ فيه عمرًا بأكملِه في تلك الروضة! كان هناك بيتٌ صغير، بدا وكأنّه بيتي، وبينما كُنتُ مُستغرقةً برؤيةِ ما حولي؛ تهادى لي أنّ رسولَ الله محمدًا (صلى الله عليه وآله) جالسٌ في إحدى غُرَفِ تلك الدار، وأخبروني أنِ اذهبي حيثُ هو. صار المكانُ يعجُّ بالناس بعدَ أنْ كان خاليًا، وأضفى نبأُ وجودِ النبي المُختار على ذلك المكان نكهةً أخرى. وحيثُ كان المكانُ يحملُ طابعَ الجمالِ والسكينة، صارَ يبعثُ على الراحةِ أضعافَ المرّاتِ، تحفُّه الطهارةُ من كُلِّ جانبٍ، وكأنّ أعمدةَ النور اتخذتْ منه مركزًا. لم أعُدْ أُفكِّرُ في ذلك المكان، وتلك الروضة، وجلُّ ما يشغلني أن أرى ذلك النور الذي أضاءَ المكانَ بأسره. كنتُ أخطو بحذرٍ نحو تلك الغرفة، تبادرَ إلى خاطري أنْ أذهب هناك، فلرُبّما كانت لي حاجة.. واقعًا، الكُلُّ كان يقصدُ تلك الغرفة لغرضٍ ما في نفوسهم، وبعدَ كُلِّ هذا الحذر استجمعتُ كُلَّ قوتي لأدخل، لكنّي لم أكنْ أرى شيئًا لشدّةِ الضياءِ المُنبعثِ من تلك الغرفة، وكأنّ كُلَّ شيءٍ في تلكَ الغرفةِ قد خيطَ من النور! خارجُ ذلك المكان، لم يكنْ أقلَّ بهاءً من داخله! لا عجبَ إن تكلَّلتْ أرضُ تلك القِفارِ بنورٍ سماوي أودعَه اللهُ (تعالى) في أصلابٍ طاهرةٍ وأرحامٍ مُطهَّرة.. حيثُ ملأ نورُه المُباركُ مساحةً واسعةً من الجزيرةِ العربيةِ، وسقطتِ الأصنامُ على وجوهها.. وكيف لا، وهو خاتمُ الرُسُلِ المبعوث رحمةً للعالمين، فلا عَجَبَ إذا أضفى ذكرُ اسمِه المبارك أريجًا أزكى عطرًا من كُلِّ عطورِ زهورِ الأرض.. لبُرهةٍ.. كان ذلك المكانُ أجملَ ما رأتْ عيني.. فالسلامُ على حبيبِ إلهِ العالمين مُحمدٍ المُصطفى وآله الطيبين الطاهرين..
المناسبات الدينية
بقلم: عباس قاسم المرياني مهما كتبْنا من المقالاتِ والكتبِ وحتى الموسوعات في عَظَمةِ رسولِ الله محمدٍ (صلى الله عليه وآله) وفضائله، فإننا نبقى عاجزين ومُقصرين في حقِّ حضرته، لما له من الأوصافِ الحميدة والخصالِ الطيّبة الطاهرة التي امتازَ بها، فقد بلغ أوجَ الكمالِ الإنساني، وقد أثنى عليه (سبحانه وتعالى) فقال: "وإنّك لعلى خُلُقٍ عظيم"، وقال (عزّ من قائل): "لو كُنتَ فظًا غليظَ القلبِ لانفضوا من حولك". إنَّ عظمةَ شخصيةِ النبيّ مُحمدٍ (صلى الله عليه وآله) لم تُستمد من جاهٍ أو مالٍ، ولا من الأُمّةِ التي عاشَ فيها، وليس لسمو حسبه ونسبه فحسب، بل لجلالِ شخصيتِه، وكمالِ خُلُقِه الفريد، وسعةِ أُفقِه العجيب، فكانَ المَثَلَ الأعلى للإنسان الكامل من جميعِ الجوانب. وها هو (صلى الله عليه وآله) قد مضى على استشهاده أربعةَ عشرَ قرنًا وواحدٌ وثلاثون عاماً ولا يزالُ حُبُّه يملأ القلوب، وذكرُه يُطرِبُ الأسماع. عاش مُجاهدًا، وماتَ مُجاهدًا في سبيلِ الله (تعالى)، اختارته العنايةُ الإلهيةُ من بين جميعِ الخلقِ ليُبلِّغَ رسالةَ ربِّه، حاربَ الشركَ والضلال، وتمكَّنَ من هدايةِ الناسِ إلى هُدى الله (سبحانه)، فكانتْ دعوتُه قد انتشلتِ الأمّةَ من الانحدارِ والتخلُّفِ إلى أوجِ العَظَمةِ والسعادة. رغم ذلك فقد عانى رسولُ الله (صلى الله عليه وآله) بعد أنْ صَدَحَ برسالةِ ربِّه، وأعلنَ ثورتَه الإلهية العظيمة على واقعِ الوثنيةِ والشركِ والإلحادِ، وعانى مُعاناة لا مثيلَ لها مطلقًا؛ فقد انقلبت أوضاعُ حياتِه رأسًا على عقب، إذ لم يكنْ من السهلِ على المُشركين الذين اعتادوا عبادة الأصنام، وتربّوا على الوثنيةِ والفسادِ أنْ يتخلّوا عن عاداتِهم، وممارساتِهم المُتجذِّرةِ في حياتهم، كما أنّ زعاماتِ قُريشٍ ومراكزِ القوى فيها كانتْ تبذلُ كُلَّ جُهدِها للحفاظِ على نفوذِها ومكانتِها، وترى في الرسالةِ المُحمّديةِ هدمًا لمواقعِها، وضربًا لمصالحِها؛ لهذا ولغيره انتفضتْ قريشُ وزعماؤها لصدِّ وردعِ رسولِ الله (صلى الله عليه وآله)، وشنّوا عليه حربًا ضاريةً شاملةً، اتهموه فيها بالكذبِ، والجنونِ، والسحرِ، وغيرها، بعد ما كان يُعرفُ بينهم بالصادق الأمين، وكان لهذه الاتهامات والأكاذيب التي أُلصِقت به الأثرُ بعد ذلك، حيث تلقّفتْها الألسُنُ المُبغضةُ، وجعلتْ منها حقائقَ لتشويهِ صورةِ هذه الشخصية العظيمة بكُلِّ المقاييس. من هذه الاتهاماتِ الباطلةِ تعدُّدُ زوجاتِه (صلى الله عليه وأله) فحرّفتْها الأقلامُ الغربيةُ المُغرضةُ من بعضِ المُستشرقين، واتهمته بحُبِّه للنساء؛ للنيلِ من كماله الإنساني، وفي الحقيقة لم يكنْ هذا التعدُّدُ لنزعةٍ شهوانية، أو لحُبّهِ للنساء، بل كان لحكمةٍ مُعينةٍ أرادها اللهُ (سبحانه) لرسولِه (صلى الله عليه وآله)، وتكمُنُ هذه الحكمة في تقويةِ رسالةِ الإسلام، وكسبِ المُناصرين له بالتقرُّبِ للقبائلِ وإدخالِهم في الإسلام، وكسبِ ودِّ بعضِ الأطرافِ ذوي الدورِ الفاعلِ لتقوية الدين بهم، أو جبرِ خواطرِ اللاتي استُشهِدَ أزواجهن وإعالةِ ذوات الأيتام، أو إرساءِ قواعدَ تشريعيةٍ، وإزالةِ قواعدَ جاهلية. لكنَّ الأغربَ والأعجبَ من ذلك بعضُ التُهَمِ التي أُلصِقتْ به (صلى الله عليه وآله) والتي لم يأتِ بها المُستشرقون من وحيهم فقط، بل جاءتْ جاهزةً ومُقولبةً في كُتُبِ بعض المُسلمين، منها ما يُذكَرُ أنَّ رسولَ الله (صلى الله عليه وآله) كان يستمع إلى الغناء، وتُضرَبُ الدفوفُ في بيته، ومنها أنّه كان يقرأُ القرآنَ الكريم في حُضنِ إحدى زوجاته وهي حائض! ومنها أنّه كان مُغرمًا بزوجةِ ربيبِه زيد بن حارثة؛ لذلك طلّقَها زيدٌ وتزوّجها رسولُ اللهِ (صلى الله عليه وآله). لا أعرفُ كيفَ قبلوا مثلَ هذه الروايات على من طهّرَه اللهُ (تعالى)، وعصمَه، وأكمَلَه، وأعلى منزلتَه، وحباهُ بقوله: "وَإٕنَّكَ لعلى خُلُقٍ عَظِيمٍ"، وخصّه بمكارمِ الأخلاقِ التي يقولُ فيها هو (صلى الله عليه وآله): "بُعِثْتُ لأتمِّمَ مكارمَ الأخلاق"، ويقولُ فيها الإمامُ الصادق (عليه السلام): "اللهُ (تبارك وتعالى) خصَّ رسولَ الله (صلى الله عليه وآله) بمكارمِ الأخلاق، فامتحنوا أنفسَكم فإنْ كانت فيكم فاحمدوا الله (عزّ وجل)، وارغبوا إليه في الزيادةِ منها، فذكرها عشرة: اليقين، والقناعة، والصبر، والشكر، والرضا، وحُسن الخُلُق، والسخاء، والغيرة، والشجاعة، والمروءة. لذلك نقولُ: إنَّ سيرتَه العَطِرة قد شابَها من الدسِّ والتلفيق، سواء عن قصدٍ من مُبغضيه، أو عن جهلٍ، وعليه يجِبُ التحرّي والتأكُدُ والتيقُنُ مما يُنقلُ عن هذه السيرة، ويَجِبُ استبيانُ الخبرِ قبلَ قولِه، يقولُ أميرُ المؤمنين علي (عليه السلام): "اعقلوا الخبرَ إذا سمعتموه عقلَ درايةٍ، لا عقلَ رواية؛ فإنّ رواةَ العلمِ كثيرٌ، ورُعاتَه قليل"، ويُنقَلُ عن الإمام الصادق (عليه السلام) عن رسول الله (صلى الله عليه وآله): "إنّ على كُلِّ حقٍّ حقيقة، وعلى كُلِّ صوابٍ نورًا، فما وافقَ كتابَ اللهِ فخُذوه، وما خالفَ كتابَ اللهِ فدعوه". من هذا يَجِبُ أن لا نظلمَ حبيبَ الله (صلى الله عليه وآله) بهذه الشائعات الخبيثة التي لا نقبلُها لشخصٍ عادي، فما بالك بمنِ اصطفاه وخصّه وشرّفه على سائرِ خلقِه، وهو النبيُّ المُخلصُ ومُلهِمُ الإيمانِ في القلوب، رسولُ اللهِ (صلى الله عليه وآله) قدوةٌ نستنيرُ بنوره، لا أنْ نُلصِقَ به العيوبَ ونرميه بالافتراءاتِ (حاشاه اللهُ عن ذلك).
اخرى