احدث التدوينات

بينَ ليلِ طفٍ وفجرِ ظهور

بقلم: زينب عباس صباح اليوم الثامن من محرم_عام ١٤٤٢ صباحٌ مكسورُ الضياء سماءٌ تعكسُ صورَ أجسادٍ مُمزّقةِ الأشلاء كُلٌّ قد أخذَ مكانَه من جنانِ الخُلد، عاليًا؛ بينما طُرِحَت أعضاؤهم.. على أرضِ الدُنيا، مُضرّجةً بالدماء... فأيٌّ منهم أقِفُ بمُحاذاةِ عطاياه؟ وأيٌّ أنوخُ عندَ أعتابِ سجاياه؟ بأيّ عينٍ أنظرُ إلى نورٍ امتزجَ بنورٍ؟ وإيثارٍ احتضنَ إباء؟ بأيّ أُذُنٍ، أُنصِتُ لحكايا العشق، وأهلهُ يتسابقون للذودِ عن إمامِ زمانِهم؟ بأيّ كفٍ أتلمّسُ رمضاءَ التضحية... لأُيمِّمَ روحي من ذلك الطهر؟ فنفسي لا تُطاوعُني.. لإتيانِ وضوءٍ بماءٍ مُنِعَ عن آلِ الحياة، وقطبِ رحاها! تُرفرِفُ روحي كطيرٍ مذبوحٍ، مع طيرِ الجنان وهو يُنازِعُ سهمَ المنون! تلّةٌ بارتفاعِ قامةِ النبوّةِ والإمامةِ... تنخفضُ تحت موطأِ سيّدةٍ جليلةٍ، لا تبين لها ملامح، لِتوصفَ بها؛ غيرَ أذيالِ سترٍ تَجرُّها بِخُطىً ذاتِ هيبةٍ علوية، فاطمية! عزيزُ الحَسَنِ، وعَزيزُ الحُسين.. تتعانقُ هالاتُ النورِ منهما... الأكبرُ والقاسمُ.. شبابٌ تساوى عُمرُ إخلاصهم بشيبة! فحبيبٌ هو ذا.. وكذا أنصارٌ سارَ بهم العمرُ حتى وصلَ أُفُقَ الطفِّ... فامتزجتِ الأعمارُ كما امتزجتِ النوايا فاتحدت! ومع بدءِ المعركة؛ تقاسمَ الجميعُ الأنفاسَ بالتساوي... فبدا الكُلُّ يشبهُ الكُلّ ما من صغيرٍ فيُعفى، ولا كبيرٍ فيُعذر! كُلّما دنوتُ منهم، ابتعدتُ عن نفسي، حتى كأنّني لم أعُدْ أُميّزُ (أناتي) وأيُّ حضورٍ يُذكَرُ لها بين هاماتِ الوجود لا أزالُ أُحاوِل.. التقرُّب، التزوّد؛ ولا يزالُ الطفُّ... عامرًا بالعطايا وإنْ لاحتْ على مُحيّاه أطيافُ المنايا.. لا يكفي كُلّي؛ لاحتواءِ بعضٍ من بعضِهم! لم أستطِعْ أنْ أتمالكَ نفسي من هولِ ما أرى... بذكرِهم أطمئنُ، كُلَّ حين... إلا أنّ رؤيتي إيّاهم سلَبَتْ منّي كُلَّ ما يُهدِّئُ روعي! ثمّةَ بقايا من شيءٍ هُناك.. حبّاتُ ماءٍ تبلورَتْ حتى بَدتْ كلؤلؤٍ مكنون.. تأبى الأرضُ أنْ تبتلعَها.. فتُروى ولو من دونِ قصدٍ، تحتَ من أبى إلا أنْ يَروي، فيرتوي... ترتجفُ خُطواتي إذْ تقترِبُ من سراجي نور.. نهري وفاء.. إنّهما... إنّهما... -كفا الفضل والإباء-... هناك... حيثُ انحنَتْ أمُّ الحُجَجِ (عليها السلام) عليهِ، مكسورةَ الظهر! ترفعُهما بطُهرِها، بدمعِها، بأنينها... إلى منصةِ مُحاكمةٍ يقتصُّ فيها الحاكمُ من الظالمين... وهو من ليلِ الانتظار ليسَ ببعيد؛ فجرُ ظهورِ القائمِ من آلِ مُحمّدٍ فدتْهُ الأرواح... تُلملِمُ روحي المُتقطِّعةُ، أجزاءها المُتناثرة... هُنا وهُناك... راياتُ الموعود.. تلّفني كطفلٍ حديثِ الولادة، تهبُني الحياة على أملِ شهادة... تُزوِّدُني بكُلِّ ما يُعينني على المسير؛ وكُلّي رجاء أنْ أحظى مع قائدِ الركبِ برُتبةِ ناصرٍ.. أعودُ من حيثُ أتيتُ إلى غُرفتي، أتفحّصُ بنظري خطوطَ تلكُمِ الأحرفَ النورانية التي أقلّتني بلمحِ البصر، إلى ما يُرى بالبصيرةِ لا بالبصر!

اخرى
منذ سنتين
4481

يتصدر الان

لا تعاشر نفساً شبعت بعد جوع

يستشهد الكثير من الناس ــ وحتى بعض المثقفين ــ بقول:" لا تعاشر نفساً شبعت بعد جوع فإن الخير فيها دخيل وعاشر نفساً جاعت بعد شبع فإن الخير فيها أصيل" على أنه من أقوال أمير المؤمنين علي (عليه السلام)، كما يستشهدون أيضاً بقولٍ آخر ينسبونه إليه (عليه السلام) لا يبعد عن الأول من حيث المعنى:"اطلبوا الخير من بطون شبعت ثم جاعت لأن الخير فيها باق، ولا تطلبوا الخير من بطون جاعت ثم شبعت لأن الشح فيها باق"، مُسقطين المعنى على بعض المصاديق التي لم ترُق افعالها لهم، لاسيما أولئك الذين عاثوا بالأرض فساداً من الحكام والمسؤولين الفاسدين والمتسترين عل الفساد. ونحن في الوقت الذي نستنكر فيه نشر الفساد والتستر عليه ومداهنة الفاسدين نؤكد ونشدد على ضرورة تحرّي صدق الأقوال ومطابقتها للواقع وعدم مخالفتها للعقل والشرع من جهة، وضرورة التأكد من صدورها عن أمير المؤمنين أبي الأيتام والفقراء (عليه السلام) أو غيرها من المعصومين (عليهم السلام) قبل نسبتها إليهم من جهة أخرى، لذا ارتأينا مناقشة هذا القول وما شابه معناه من حيث الدلالة أولاً، ومن حيث السند ثانياً.. فأما من حيث الدلالة فإن هذين القولين يصنفان الناس الى صنفين: صنف قد سبق له أن شبع مادياً ولم يتألم جوعاً، أو يتأوه حاجةً ومن بعد شبعه جاع وافتقر، وصنف آخر قد تقلّب ليله هماً بالدين، وتضوّر نهاره ألماً من الجوع، ثم شبع واغتنى،. كما جعل القولان الخير متأصلاً في الصنف الأول دون الثاني، وبناءً على ذلك فإن معاشرة أفراد هذا الصنف هي المعاشرة المرغوبة والمحبوبة والتي تجرّ على صاحبها الخير والسعادة والسلام، بخلاف معاشرة أفراد الصنف الثاني التي لا تُحبَّذ ولا تُطلب؛ لأنها لا تجر إلى صاحبها سوى الحزن والندم والآلام... ولو تأملنا قليلاً في معنى هذين القولين لوجدناه مغايراً لمعايير القرآن الكريم بعيداً كل البعد عن روح الشريعة الاسلامية ، وعن المنطق القويم والعقل السليم ومخالفاً أيضاً لصريح التاريخ الصحيح، بل ومخالف حتى لما نسمعه من قصص من أرض الواقع أو ما نلمسه فيه من وقائع.. فأما مناقضته للقرآن الكريم فواضحة جداً، إذ إن الله (تعالى) قد أوضح فيه وبشكلٍ جلي ملاك التفاضل بين الناس، إذ قال (عز من قائل):" يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (13)"(1) جاعلاً التقوى مِلاكاً للتفاضل، فمن كان أتقى كان أفضل، ومن البديهي أن تكون معاشرته كذلك، والعكس صحيحٌ أيضاً. وعليه فإن من سبق حاجتُه وفقرُه شبعَه وغناه يكون هو الأفضل، وبالتالي تكون معاشرته هي الأفضل كذلك فيما لو كان تقياً بخلاف من شبع وكان غنياً ، ثم افتقر وجاع فإنه لن يكون الأفضل ومعاشرته لن تكون كذلك طالما كان بعيداً عن التقوى. وأما بُعده عن روح الشريعة الإسلامية فإن الشريعة لطالما أكدت على أن الله (سبحانه وتعالى) عادلٌ لا جور في ساحته ولا ظلمَ في سجيته، وبالتالي لا يمكن أن يُعقل إطلاقاً أن يجعل البعض فقيراً ويتسبب في دخالة الخير في نفوسهم، التي يترتب عليها نفور الناس من عشرتهم، فيما يُغني سواهم ويجعل الخير متأصلاً في نفوسهم بسبب إغنائه إياهم ليس إلا ومن ثم يتسبب في كون الخير متأصلاً في نفوسهم، وبالتالي حب الناس لعشرتهم. فإن ذلك مخالف لمقتضى العدل الإلهي لأنه ليس بعاجزٍ عن تركه ولا بمُكره على فعله، ولا محب لذلك لهواً وعبثاً (تعالى عن كل ذلك علواً كبيراً). كما إن تأصل الخير في نفوس بعض الناس ودخالته في نفوس البعض الآخر منهم بناءً على أمر خارج عن إرادتهم واختيارهم كـ(الغنى والشبع أو الجوع والفقر) إنما هو أمرٌ منافٍ لمنهج الشريعة المقدسة القائم على حرية الانسان في اختياره لسبيل الخير والرشاد أو سبيل الشر والفساد، قال (تعالى):" إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا (3)"(2) بل إن الانسان أحياناً قد يكون فقيراً بسبب حب الله (تعالى) له، كما ورد في الحديث القدسي: "أن من عبادي من لا يصلحه إلا الغنى فلو أفقرته لأفسده ذلك و أن من عبادي من لا يصلحه إلا الفقر فلو أغنيته لأفسده ذلك"(3) وهل يمكن ان نتصور أن الخيرَ دخيلٌ فيمن يحبه الله (تعالى) أو إن معاشرته لا تجدي نفعا، أو تسبب الهم والألم؟! نعم، ورد عن أمير المؤمنين (عليه السلام):"اِحْذَرُوا صَوْلَةَ اَلْكَرِيمِ إِذَا جَاعَ وَ اَللَّئِيمِ إِذَا شَبِعَ"(4) ولا يقصد به الجوع والشبع المتعارف عليه لدى الناس، وإنما المراد منه: احذروا صولة الكريم إذا اُمتُهِن، واحذروا صولة اللئيم إذا أكرم، وفي هذا المعنى ورد عنه (عليه السلام) أيضاً: "احذروا سطوة الكريم إذا وضع و سورة اللئيم إذا رفع"(5) وأما العقل السليم والمنطق القويم فإنهما يقتضيان أن تتأصل صفة الخير في الإنسان لملكاتٍ حميدة يتسم بها وصفات فضيلة يتميز بها، لا أن تتأصل صفة الخير في نفسه لمجرد أنه ولد في أسرة تتمتع بالرفاهية الاقتصادية ووجد في بيئة تتنعم بالثروات المادية! وعند مراجعتنا للتاريخ الصحيح نجد أن قادة البشر وصفوة الناس إنما كان أغلبهم ينتمي الى الطبقات الفقيرة من المجتمع، فهؤلاء الأنبياء ورسل الله (صلوات الله عليهم) منهم من كان نجاراً أو خياطاً أو راعياً، ومع ذلك فقد كانوا من أطيب الناس خلقاً، وأعظمهم شرفاً، وأرفعهم منزلةً، قد تأصّل الخير في نفوسهم تأصّلاً حتى غدوا قطعة منه، فكانوا هم الخير للبشر، وهم الرحمة للعالمين. وبالنزول إلى أرض الواقع نجد أن الكثير من الفقراء والمساكين طيبي الروح، كريمي النفس، يتألمون لألم المحتاج ولربما يؤثرونه على أنفسهم رغم حاجتهم. ولا نقصد من كلامنا هذا أن الأغنياء هم على نقيض ذلك، وإنما تأكيداً على مسألة عدم ارتباط تأصل الخير في النفوس وعدمه بمستواهم الاقتصادي الذي نشأوا فيه ارتباط العلة والمعلول، فكما إن بعض الفقراء أخيار، فإن بعض الأغنياء كذلك، والعكس صحيح أيضاً. ومن هنا يُفهم من بعض الروايات ضرورة عدم طلب الخير والحاجات ممن هم أهل للخير بقطع النظر عن مستواهم المعاشي الحالي والسابق، منها ما روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام):"أشد من الموت طلب الحاجة من غير أهلها"(5)، وعنه (عليه السلام) أيضاً: "فوت الحاجة أهون من طلبها إلى غير أهلها"(6) إذن فلا صحة لهاتين المقولتين من حيث الدلالة، حتى وإن تنزلنا وحملنا الجوع والشبع على المعنى المعنوي لا المادي؛ وذلك لأنه حتى من يفتقر الى الأخلاق المعنوية فإنه ما إن يتكامل بالفضائل ويقلع عن الرذائل حتى يتسم بالخير وتحسن عشرته وتطيب للناس صحبته، والعكس صحيحٌ أيضا.. ومن البديهي أن ما لا يوافق العقل والمنطق السليم، ويخالف صريح القرآن الكريم، لا يمكن أن يصدر من وصي الرسول الكريم (صلوات الله عليهما وآلهما)، وعليه لا تصح نسبة هذين القولين الى أمير المؤمنين (عليه السلام).. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) الحجرات 13 (2) الانسان 3 (3) عوالي الآلي ج2 ص29 (4) غرر الحكم ج1 227 (5) المدر السابق ج1 ص246 (6) ميزان الحكمة ج4 ص 238 رضا الله غايتي

اخرى
منذ 7 سنوات
86822

بين طيبة القلب وحماقة السلوك...

خلق الله الأشياء كلها في الحياة ضمن موازين وقياسات... فالزيادة أو النقيصة تسبب المشاكل فيها. وهكذا حياتنا وأفعالنا وعواطفنا لا بد أن تكون ضمن موازين دقيقة، وليست خالية منها، فالزيادة والنقيصة تسبب لنا المشاكل. ومحور كلامنا عن الطيبة فما هي؟ الطيبة: هي من الصفات والأخلاق الحميدة، التي يمتاز صاحبها بنقاء الصدر والسريرة، وحُبّ الآخرين، والبعد عن إضمار الشر، أو الأحقاد والخبث، كما أنّ الطيبة تدفع الإنسان إلى أرقى معاني الإنسانية، وأكثرها شفافية؛ كالتسامح، والإخلاص، لكن رغم رُقي هذه الكلمة، إلا أنها إذا خرجت عن حدودها المعقولة ووصلت حد المبالغة فإنها ستعطي نتائج سلبية على صاحبها، كل شيء في الحياة يجب أن يكون موزوناً ومعتدلاً، بما في ذلك المحبة التي هي ناتجة عن طيبة الإنسان، وحسن خلقه، فيجب أن تتعامل مع الآخرين في حدود المعقول، وعندما تبغضهم كذلك وفق حدود المعقول، ولا يجوز المبالغة في كلا الأمرين، فهناك شعرة بين الطيبة وحماقة السلوك... هذه الشعرة هي (منطق العقل). الإنسان الذي يتحكم بعاطفته قليلاً، ويحكّم عقله فهذا ليس دليلاً على عدم طيبته... بالعكس... هذا طيب عاقل... عكس الطيب الأحمق... الذي لا يفكر بعاقبة أو نتيجة سلوكه ويندفع بشكل عاطفي أو يمنح ثقة لطرف معين غريب أو قريب... والمبررات التي يحاول إقناع نفسه بها عندما تقع المشاكل أنه صاحب قلب طيب. الطيبة لا تلغي دور العقل... إنما العكس هو الصحيح، فهي تحكيم العقل بالوقت المناسب واتخاذ القرار الحكيم الذي يدل على اتزان العقل، ومهما كان القرار ظاهراً يحمل القسوة أحياناً لكنه تترتب عليه فوائد مستقبلية حتمية... وأطيب ما يكون الإنسان عندما يدفع الضرر عن نفسه وعن الآخرين قبل أن ينفعهم. هل الطيبة تصلح في جميع الأوقات أم في أوقات محددة؟ الطيبة كأنها غطاء أثناء الشتاء يكون مرغوباً فيه، لكنه اثناء الصيف لا رغبة فيه أبداً.. لهذا يجب أن تكون الطيبة بحسب الظروف الموضوعية... فالطيبة حالة تعكس التأثر بالواقع لهذا يجب أن تكون الطيبة متغيرة حسب الظروف والأشخاص، قد يحدث أن تعمي الطيبة الزائدة صاحبها عن رؤيته لحقيقة مجرى الأمور، أو عدم رؤيته الحقيقة بأكملها، من باب حسن ظنه بالآخرين، واعتقاده أن جميع الناس مثله، لا يمتلكون إلا الصفاء والصدق والمحبة، ماي دفعهم بالمقابل إلى استغلاله، وخداعه في كثير من الأحيان، فمساعدة المحتاج الحقيقي تعتبر طيبة، لكن لو كان المدّعي للحاجة كاذباً فهو مستغل. لهذا علينا قبل أن نستخدم الطيبة أن نقدم عقولنا قبل عواطفنا، فالعاطفة تعتمد على الإحساس لكن العقل أقوى منها، لأنه ميزان يزن الأشياء رغم أن للقلب ألماً أشد من ألم العقل، فالقلب يكشف عن نفسه من خلال دقاته لكن العقل لا يكشف عن نفسه لأنه يحكم بصمت، فالطيبة يمكن أن تكون مقياساً لمعرفة الأقوى: العاطفة أو العقل، فالطيّب يكون قلبه ضعيفاً ترهقه الضربات في أي حدث، ويكون المرء حينها عاطفياً وليس طيباً، لكن صاحب العقل القوي يكون طيباً أكثر من كونه عاطفياً. هل الطيبة تؤذي صاحبها وتسبب عدم الاحترام لمشاعره؟ إن الطيبة المتوازنة المتفقة مع العقل لا تؤذي صاحبها لأن مفهوم طيبة القلب هو حب الخير للغير وعدم الإضرار بالغير، وعدم العمل ضد مصلحة الغير، ومسامحة من أخطأ بحقه بقدر معقول ومساعدة المحتاج ... وغيرها كثير. أما الثقة العمياء بالآخرين وعدم حساب نية المقابل وغيرها فهذه ليست طيبة، بل قد تكون -مع كامل الاحترام للجميع- غباءً أو حماقة وسلوكاً غير عقلاني ولا يمت للعقل بصلة. إن المشكلة تقع عند الإنسان الطيب عندما يرى أن الناس كلهم طيبون، ثم إذا واجهه موقف منهم أو لحق به أذى من ظلم أو استغلال لطيبته، تُغلق الدنيا في وجهه، فيبدأ وهو يرى الناس الطيبين قد رحلوا من مجتمعه، وأن الخير انعدم، وتحصل له أزمة نفسية أو يتعرض للأمراض، لأن الطيّب يقدم الإحسان للناس بكل ما يستطيع فعله، ويقدّم ذلك بحسن نية وبراءة منه، فهو بالتالي ينتظر منهم الرد بالشكر أو المعاملة باللطف على الأقل... صحيح أن المعروف لوجه الله، ولكن من باب: من لم يشكر المخلوق لم يشكر الخالق، لذلك يتأذى عندما يصدر فعل من الشخص الذي كان يعامله بكل طيب وصدق. هل الطيبة والصدق من علامات ضعف الشخصية؟ الكثير من الناس يصف طيب القلب بأنه ضعيف الشخصية، لأنه يتصف بعدم الانتقام ممن ظلمه، والصفح عنه عند رجوعه عن الخطأ، وأنه لا يحب إيقاع الآخرين بالمشاكل؛ لأنه مقتنع أن الله سيأخذ له حقه. والحقيقة هي أن الصدق والطيبة وحسن الظن بالآخرين ليست ضعف شخصية، بل هي من الأخلاق الراقية وهي تزيد صاحبها سمواً وجمالاً روحياً، وليس من المعيب أن يمتلك الإنسان الطيبة بل العيب في من لا يُقدّر هذه الطيبة ويعطيها حقها في التعامل بالمثل. فالمشكلة الأساسية ليست في الطيبة، إنما في استغلال الآخرين لهذه الطيبة، نتيجة لعدم عقلنة قراراتنا والاعتماد على عواطفنا بشكل كلي. فالصدق والطيبة حسب المنطق والعقل، ولها فوائد جمة للنفس ولعموم أفراد المجتمع، فهي تحصين للشخص عن المعاصي، وزيادة لصلة الإنسان بربه، وتهذيب للنفس والشعور بالراحة النفسية، فالصادق الطيب ينشر المحبة بين الناس، وهذا يعزّز التماسك الاجتماعي وتقويته من سوء الظنون والحقد، وهذا التعامل أكّدت عليه جميع الشرائع السماوية، ولو تأمّلنا تاريخ وأخلاق الأنبياء والأوصياء لوجدنا كل ما هو راقٍ من الأخلاق والتعامل بالطيبة والصدق... حنان الزيرجاوي

اخرى
منذ 7 سنوات
72717

لا تقاس العقول بالأعمار!

(لا تقاس العقول بالأعمار، فكم من صغير عقله بارع، وكم من كبير عقله فارغ) قولٌ تناولته وسائل التواصل الاجتماعي بكل تقّبلٍ ورضا، ولعل ما زاد في تقبلها إياه هو نسبته الى أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام)، ولكننا عند الرجوع إلى الكتب الحديثية لا نجد لهذا الحديث أثراً إطلاقاً، ولا غرابة في ذلك إذ إن أمير البلاغة والبيان (سلام الله وصلواته عليه) معروفٌ ببلاغته التي أخرست البلغاء، ومشهورٌ بفصاحته التي إعترف بها حتى الأعداء، ومعلومٌ كلامه إذ إنه فوق كلام المخلوقين قاطبةً خلا الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله) ودون كلام رب السماء. وأما من حيث دلالة هذه المقولة ومدى صحتها فلابد من تقديم مقدمات؛ وذلك لأن معنى العقل في المفهوم الإسلامي يختلف عما هو عليه في الثقافات الأخرى من جهةٍ، كما ينبغي التطرق الى النصوص الدينية الواردة في هذا المجال وعرضها ولو على نحو الإيجاز للتعرف إلى مدى موافقة هذه المقولة لها من عدمها من جهةٍ أخرى. معنى العقل: العقل لغة: المنع والحبس، وهو (مصدر عقلت البعير بالعقال أعقله عقلا، والعِقال: حبل يُثنَى به يد البعير إلى ركبتيه فيشد به)(1)، (وسُمِّي العَقْلُ عَقْلاً لأَنه يَعْقِل صاحبَه عن التَّوَرُّط في المَهالِك أَي يَحْبِسه)(2)؛ لذا روي عنه (صلى الله عليه وآله): "العقل عقال من الجهل"(3). وأما اصطلاحاً: فهو حسب التصور الأرضي: عبارة عن مهارات الذهن في سلامة جهازه (الوظيفي) فحسب، في حين أن التصوّر الإسلامي يتجاوز هذا المعنى الضيّق مُضيفاً إلى تلك المهارات مهارة أخرى وهي المهارة العبادية. وعليه فإن العقل يتقوّم في التصور الاسلامي من تظافر مهارتين معاً لا غنى لأحداهما عن الأخرى وهما (المهارة العقلية) و(المهارة العبادية). ولذا روي عن الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله) أنه عندما سئل عن العقل قال :" العمل بطاعة الله وأن العمّال بطاعة الله هم العقلاء"(4)، كما روي عن الإمام الصادق(عليه السلام)أنه عندما سئل السؤال ذاته أجاب: "ما عُبد به الرحمن، واكتسب به الجنان. فسأله الراوي: فالذي كان في معاوية [أي ماهو؟] فقال(عليه السلام): تلك النكراء، تلك الشيطنة، وهي شبيهة بالعقل وليست بالعقل"(5) والعقل عقلان: عقل الطبع وعقل التجربة، فأما الأول أو ما يسمى بـ(الوجدان الأخلاقي) فهو مبدأ الادراك، وهو إن نَما وتطور سنح للإنسان فرصة الاستفادة من سائر المعارف التي يختزنها عن طريق الدراسة والتجربة وبالتالي يحقق الحياة الإنسانية الطيبة التي يصبو اليها، وأما إن وهن واندثر لإتباع صاحبه الأهواء النفسية والوساوس الشيطانية، فعندئذٍ لا ينتفع الانسان بعقل التجربة مهما زادت معلوماته وتضخمت بياناته، وبالتالي يُحرم من توفيق الوصول إلى الحياة المنشودة. وعقل التجربة هو ما يمكن للإنسان اكتساب العلوم والمعارف من خلاله، وما أروع تشبيه أمير البلغاء (عليه السلام) العلاقة التي تربط العقلين معاً إذ قال فيما نسب إليه: رأيت العقل عقلين فمطبوع ومسموع ولا ينفع مسموع إذ لم يك مطبــوع كما لا تنفع الشمس وضوء العين ممنوع(6) فقد شبّه (سلام الله عليه) عقل الطبع بالعين وعقل التجربة بالشمس، ومما لاشك فيه لكي تتحقق الرؤية لابد من أمرين: سلامة العين ووجود نور الشمس، وكما إن الثاني لا ينفع إن لم يتوفر الأول فكذلك عقل التجربة لا ينفع عند غياب عقل الطبع فضلاً عن موته. وبما إن عقل الطبع قد ينمو ويزدهر فينفع صاحبه من عقل التجربة، وقد يموت ويندثر عند الاستسلام لإضلال شبهةٍ أوبسبب إرتكاب معصية، فإنه ومن باب أولى أن يتعرض الى الزيادة والنقصان كما سيأتي... وقد ورد في النصوص الدينية أن للعقل زمناً ينمو فيه ويكتمل، فعن إمامنا أبي عبدالله (عليه السلام) قال: قال أمير المؤمنين (صلوات الله عليه):"يثغر الصبي لسبع، ويؤمر بالصلاة لتسع، ويفرق بينهم في المضاجع لعشر، ويحتلم لأربع عشرة، وينتهى طوله لإحدى وعشرين سنة، وينتهي عقله لثمان وعشرين إلا التجارب"(7)، وعن أمير المؤمنين (عليه السلام): "يربى الصبي سبعاً ويؤدب سبعاً، ويستخدم سبعاً، ومنتهى طوله في ثلاث وعشرين سنة، وعقله في خمس وثلاثين [سنة] وما كان بعد ذلك فبالتجارب"(8). إذن يتوقف النمو الطبيعي لعقل الانسان عند سن الثامنة والعشرين أو الخامسة والثلاثين كما ورد في الروايتين، وأية زيادة أخرى في طاقته بعد ذلك إنما تأتي عن طريق التجارب، وقد يُتوهم بأن ثمة تعارضاً ما بين الروايتين المتقدمتين في شأن تحديد سن النمو العقلي، إلا إنه لا تعارض ينهما إذا حملنا اختلافهما فيه على اختلاف الاشخاص وتباين استعدادات وقابليات كل منهم. وعلى الرغم من توقف نمو عقل الإنسان إلا إن له أنْ يزيده بالتجارب ومواصلة التعلم ــ كما تقدم في الروايات ــ وسواء أثبت العلم هذه الحقيقة الروائية أم لا، فنحن نريد الإشارة إلى ضرورة استمرار التجربة والتعلم لزيادة نمو العقل وهذا المقدار لا خلاف فيه وعلى الرغم من إن لعمر الانسان مدخلية في زيادة عقله كما تقدم وكما روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام): "يزيد عقل الرجل بعد الاربعين إلى خمسين وستين، ثم ينقص عقله بعد ذلك"(9)، إلا إن ذلك ليس على نحو العلة التامة، إذ يمكن للعقل أن يبقى شاباً وقوياً وإن شاب الإنسان وضعف جسمه، وتقدم في السن ووهن عظمه، فالعاقل لا يشيب عقله ولا تنتقص الشيخوخة من قوته بل وقد يزداد طاقةً وحيويةً لذا ورد عن أمير المؤمنين (عليه السلام):"رأي الشيخ أحب الي من جَلَد الغلام"(10)، وفي أخرى ".....من حيلة الشباب "(11) وأما من لم يوفر أسباب صقل عقله في مرحلة الشباب فإنه بلا شك يضمحل عقله في مرحلة الشيخوخة. وليس تقدم العمر هو العامل الوحيد في نقصان العقل بل إن النصوص الشرعية أشارت الى عوامل عديدة اخرى أهمها: أولاً: التعلم: فقد روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام): "من لم يصبر على ذل التعلم ساعة بقي في ذل الجهل أبداً"(13). ثانياً: التوبة: وعنه (عليه السلام) ايضاً:"من لم يرتدع يجهل"(14) ثالثاً: التقوى: فقد كتب إمامنا الباقر (عليه السلام) إلى سعد الخير: "بسم الله الرحمن الرحيم أما بعد فإني اوصيك بتقوى الله فإن فيها السلامة من التلف والغنيمة في المنقلب إن الله (عزوجل) يقي بالتقوى عن العبد ما عزب عنه عقله ويجلي بالتقوى عنه عماه وجهله"(15) إذن التوبة هي سبب للتوفيق الإلهي الذي يؤدي فيما يؤدي إليه من إكمال العقل. رابعاً: الوقوف عند الشبهة: وقال (عليه السلام ): "لا ورع كالوقوف عند الشبهة"(16). فإن الوقوف عند الشبهات سبب من أسباب التوفيق الإلهي بلا شك. خامساً: الاعتراف بالجهل: كما روي عن الإمام علي (عليه السلام): "غاية العقل الاعتراف بالجهل"(17) إذ الاعتراف بالجهل يدفع الإنسان دوماً إلى مزيد من بذل الجهد واكتساب المعارف. مما تقدم تتضح جلياً صحة هذه المقولة دلالةً، إذ إن العقول فعلاً لا تقاس بالأعمار لأن كلٍاً من زيادتها ونقيصتها منوطٌ بالعديد من العوامل الأخرى والتي تقدم ذكرها، بيد إن ذلك لا يبرر التساهل في نشرها والتهاون في الاستشهاد بها على إنها من أقوال أمير المؤمنين (صلوات الله وسلامه عليه) لعدم ثبوت ذلك سنداً من جهة ولضعف بلاغتها وركاكة تركيبها بالنسبة إلى سيد البلغاء والبلاغة. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) تهذيب اللغة ج1 ص65 (2) لسان العرب ج11 ص458 (3) نهاية الحكمة ص305 (4) ميزان الحكمة ج3 ص333 (5) أصول الكافي ج1، ح3 / 11 (6) نهج السعادة ج9 ص163 (7) الكافي ج7 ص94 (8) الفقيه ج3 ص493 (9) الاختصاص ص245 (10) نهج البلاغة حكمة 86 (11) بحار الأنوار ج72 ص105 (12) المصدر السابق ج1 ص94 (13) غرر الحكم ودرر الكلم ج1 ص118 (14) الكافي ج8 ص73 (15) وسائل الشيعة ج1 ص162 (16) غرر الحكم ودرر الكلم ج1 ص1 بقلم الكاتبة: رضا الله غايتي

اخرى
منذ 7 سنوات
59083

المرأة في فكر الإمام علي (عليه السلام)

بقلم: أم نور الهدى كان لأمير المؤمنين (عليه السلام) اهتمام خاص بالمرأة، فنراه تارة ينظر إليها كآية من آيات الخلق الإلهي، وتجلٍ من تجليات الخالق (عز وجل) فيقول: (عقول النساء في جمالهن وجمال الرجال في عقولهم). وتارة ينظر إلى كل ما موجود هو آية ومظهر من مظاهر النساء فيقول: (لا تملك المرأة من أمرها ما جاوز نفسها فإن المرأة ريحانة وليس قهرمانة). أي إن المرأة ريحانة وزهرة تعطر المجتمع بعطر الرياحين والزهور. ولقد وردت كلمة الريحان في قوله تعالى: (فأمّا إن كان من المقربين فروح وريحان وجنة النعيم) والريحان هنا كل نبات طيب الريح مفردته ريحانة، فروح وريحان تعني الرحمة. فالإمام هنا وصف المرأة بأروع الأوصاف حين جعلها ريحانة بكل ما تشتمل عليه كلمة الريحان من الصفات فهي جميلة وعطرة وطيبة، أما القهرمان فهو الذي يُكلّف بأمور الخدمة والاشتغال، وبما إن الإسلام لم يكلف المرأة بأمور الخدمة والاشتغال في البيت، فما يريده الإمام هو إعفاء النساء من المشقة وعدم الزامهن بتحمل المسؤوليات فوق قدرتهن لأن ما عليهن من واجبات تكوين الأسرة وتربية الجيل يستغرق جهدهن ووقتهن، لذا ليس من حق الرجل إجبار زوجته للقيام بأعمال خارجة عن نطاق واجباتها. فالفرق الجوهري بين اعتبار المرأة ريحانة وبين اعتبارها قهرمانة هو أن الريحانة تكون، محفوظة، مصانة، تعامل برقة وتخاطب برقة، لها منزلتها وحضورها. فلا يمكن للزوج التفريط بها. أما القهرمانة فهي المرأة التي تقوم بالخدمة في المنزل وتدير شؤونه دون أن يكون لها من الزوج تلك المكانة العاطفية والاحترام والرعاية لها. علماً أن خدمتها في بيت الزوجية مما ندب إليه الشره الحنيف واعتبره جهادًا لها أثابها عليه الشيء الكثير جدًا مما ذكرته النصوص الشريفة. فمعاملة الزوج لزوجته يجب أن تكون نابعة من اعتبارها ريحانة وليس من اعتبارها خادمة تقوم بأعمال المنزل لأن المرأة خلقت للرقة والحنان. وعلى الرغم من أن المرأة مظهر من مظاهر الجمال الإلهي فإنها تستطيع كالرجل أن تنال جميع الكمالات الأخرى، وهذا لا يعني أنها لا بد أن تخوض جميع ميادين الحياة كالحرب، والأعمال الشاقة، بل أن الله تعالى جعلها مكملة للرجل، أي الرجل والمرأة أحدهما مكمل للآخر. وأخيرًا إن كلام الإمام علي (عليه السلام) كان تكريمًا للمرأة ووضعها المكانة التي وضعها الله تعالى بها، حيث لم يحملها مشقة الخدمة والعمل في المنزل واعتبر أجر ما تقوم به من اعمال في رعاية بيتها كأجر الجهاد في سبيل الله.

اخرى
منذ 7 سنوات
50346

الطلاق ليس نهاية المطاف

رحلةٌ مثقلة بالألم في طريق يئن من وطأة الظلم! ينهي حياة زوجية فشلت في الوصول إلى شاطئ الأمان. ويبدد طموحات أطفال في العيش في هدوء نفسي واجتماعي تحت رعاية أبوين تجمعهم المودة والرحمة والحب. الطلاق شرعاً: هو حل رابطة الزواج لاستحالة المعاشرة بالمعروف بين الطرفين. قال تعالى: [ لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (226) وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (227)].(١). الطلاق لغوياً: من فعل طَلَق ويُقال طُلقت الزوجة "أي خرجت من عصمة الزوج وتـحررت"، يحدث الطلاق بسبب سوء تفاهم أو مشاكل متراكمة أو غياب الانسجام والحب. المرأة المطلقة ليست إنسانة فيها نقص أو خلل أخلاقي أو نفسي، بالتأكيد إنها خاضت حروباً وصرعات نفسية لا يعلم بها أحد، من أجل الحفاظ على حياتها الزوجية، ولكن لأنها طبقت شريعة الله وقررت مصير حياتها ورأت أن أساس الـحياة الزوجيـة القائم على المودة والرحـمة لا وجود له بينهما. فأصبحت موضع اتهام ومذنبة بنظر المجتمع، لذلك أصبح المـجتمع يُحكم أهواءه بدلاً من الإسلام. ترى، كم من امرأة في مجتمعنا تعاني جرّاء الحكم المطلق ذاته على أخلاقها ودينها، لا لسبب إنما لأنها قررت أن تعيش، وكم من فتاة أُجبرت قسراً على أن تتزوج من رجل لا يناسب تطلعاتها، لأن الكثير منهن يشعرن بالنقص وعدم الثقة بسبب نظرة المجتمع، وتقع المرأة المطلّقة أسيرة هذه الحالة بسبب رؤية المجتمع السلبيّة لها. وقد تلاحق بسيل من الاتهامات وتطارد بجملة من الافتراءات. وتعاني المطلقة غالباً من معاملة من حولها، وأقرب الناس لها، بالرغم من أن الطلاق هو الدواء المر الذي قد تلجأ إليه المرأة أحياناً للخلاص من الظلم الذي أصبح يؤرق حياتها الزوجية، ويهدد مستقبلها النفسي، والله تعالى لم يشرع أمراً لخلقه إلا إذا كان فيه خير عظيم لهم، والطلاق ما شرّع إلا ليكون دواء فيه شفاء وإن كان مرّاً، وإن كان أمره صعباً على النفوس، حيث قال عز وجل: "وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ وَكَانَ اللَّهُ وَاسِعًا حَكِيمًا"، روي عن الرسول الأعظم (صلى الله عليه واله وسلم) ((أبغض الحلال إلى الله الطلاق) (٢). ورغم أن الشريعة الإسلامية أباحت الطلاق بشروط تلاءم لبناء المجتمع، وأولت أهمية في الإحسان دائمًا للطرف الأضعف والأكثر خسارة في هذه المعادلة وهي "المرأة"، إلا أن المجتمع الذي يدّعي الإسلام لا يرحمها، ويحكم عليها بالإدانة طوال حياتها دون النظر في صحة موقفها في الطلاق من عدمه! قال( تعالى ): [الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ] (٣). ولكن بعد كل هذا فالحياة لم ولن تتوقف بعد الطلاق! الطلاق ليس نهاية الحياة. - أخيتي. ليكن الطلاق بداية جديدة لحياة جديدة وللانطلاق. -قطار العطاء لن يتعطل. فإن كنت السبب في الطلاق فالحمد لله على كل حال وتلك أمة قد خلت وأيام ذهبت وانجلت فلست بالمعصومة من الخطأ. وعليك استدراك الأخطاء وتقوية مواطن الضعف في شخصيتك، واجعليها درساً مفيداً في الحياة لتطوير نفسك وتقويتها. وإذا كنتِ مظلومة فهناك جبار يُحصي الصغير والكبير وسيأتي يوم ينتصر لك فيه. -ومن الجميل أن تعطي نفسك الإحساس بالحب والاحترام، ولا تتأثري بأي نظرة سلبية من المجتمع وكون البعض يتعامل مع المطلقة على أنها حالة خاصة فعليكِ إثبات ذاتك حتى تفرضي على الكل شخصيتك. - نظرتك لنفسك اجعليها نظرة ايجابية مشرقة ولا تنزلقي في مستنقع نبذ الذات وظلم النفس. - ابحثي عن الصفات الجيدة فيك فإن ذلك سيشعرك بالثقة في ذاتك والتقدير لها. -حاولي مراجعة نفسك للخروج بإيجابيات حصلت لك من طلاقك. - خالطي الآخرين وإياك والعزلة بسبب وضعك الجديد فلست بأول من يبتلى بالطلاق. -استمتعي بالموجود ولا تتعلقي بالمفقود، حلقي بروح تعبق أملاً وتفاؤلاً، استمتعي بما وهبك الله من نعم (صحة وأولاد وأهل وصديقات وعمل وهوايات وغيرها من الأمور الجميلة) فما حصل لك حصل… ولابد أن تتقبليه برضا، وأعلمي أن ما أصابك لم يكن ليخطأك وما أخطأك لم يكن ليصيبك. وقال أصدق من قال: ( وعسى أن تكرهوا شيئاً وهو خير لكم). فالرضا سر السعادة الحقيقي. - اقتربي من صديقاتك الصالحات، واقضي معهن وقتاً طيباً تنسين به ألمك وحزنك. - احرصي على الصلوات وقراءة القرآن الكريم والذكر والاستغفار وأكثري من الطاعات قدر ما تستطيعين، ففيها السلوى والفرح والسعادة. ونعم سعادة القرب من الرحمن. - اشغلي نفسك بأعمال البر والإحسان بمساعدة محتاج. بكفالة يتيم. بتعلم الفقه والقرآن وتعليمه. - اجتهدي في عمل برنامج يومي لك يكون ممتلأ بكل ما هو مفيد لك. من قراءة وزيارة الأصدقاء وصلة الرحم. بحيث لا تكون هناك دقيقة أنت فارغة فيها. - وأسرعي بقاربك الجميل بمجذافين من إيمان بالله وثقة بالنفس وسوف تصلين بإذن الله نحو جزيرة السعادة والنجاح. لكي تتسلق جبال الإنجاز، وتصل لأعلى مراتب الاعجاز. وعندها جزماً سيكون للحياة معنى آخر. --------------------------------- (١)-سورة البقرة الآية (٢٢٦-٢٢٧). (٢)-الكافي (٢)-سورة البقرة الآية (٢٢٨) حنان ستار الزيرجاوي

اخرى
منذ 7 سنوات
47957

هَوَّنَ عَلَيَّ مَا نَزَلَ بِي أَنَّهُ بِعَيْنِ اللهِ

عاشوراء مدرسة أعطت وتعطي الكثير الكثير كل يوم للمتأمل فيما ورد عنها من كلمات وفيما وثق فيها من مواقف... ولعل من أهم الدروس التي ترسخها عاشوراء في الأذهان بعد ضرورة مواجهة الباطل والدفاع عن الحق مهما كلفت من تضحيات جسام هو: الصبر على البلاء بل والرضا به .. كيف لا، وقد ورد عن سيّد الشهداء (عليه السلام) في اللحظات الأخيرة من حياته حينما كان يتمرّغ في الدم والتراب: «رضاً بقضائك وتسليماً لأمرك لا معبود سواك»(1). وكذلك فيما جاء في خطبته عند خروجه من مكّة إلى المدينة: «رضا اللَّه رضانا أهل البيت»(2) . فما سر هذا الرضا رغم شدة الابتلاءات وقساوة المحن التي مر بها سيد الشهداء (عليه السلام) ؟ مما لا شك فيه أن يقين الامام الحسين (عليه السلام) هو الذي رفعه إلى مقام الرضا رغم ما جرى عليه في واقعة كربلاء، إلا أنه ومع هذا فقد أرشد المؤمنين إلى مفاتيح الصبر والرضا، ولعل من أهمها ما وَرَدَ عنه (عليه السلام) أَنَّهُ قَالَ بعد أن تفاقم الخطب أمامه في كربلاء، واستشهد أصحابه وأهل بيته: «هَوَّنَ عَلَيَّ مَا نَزَلَ بِي أَنَّهُ بِعَيْنِ اللهِ»(1). فهنا يلفت الامام الحسين (عليه السلام) نظر المؤمنين الى حقيقة مهمة وهي: أن الله سبحانه يعلم بكل مجريات الأُمور، وهو مطلع على كل معاناة المبتلى وما يكابده من ألم دونما اعتراض منه على قضائه هو في حد ذاته حافز للمبتلى للصبر والرضا.. ولتقريب المعنى نقول: إن المتسابقين في ساحة اللعب مثلا يشعرون بالارتياح حينما يعلمون أن أبويهم وأصدقاءهم ينظرون اليهم فيندفعون بقوّة أكبر في تحمل الصعاب لتحقيق الفوز. فإذا كان تأثير وجود الأبوين والأصدقاء كذلك، فما بالك بتأثير استشعار رؤية الله لما يجري على الانسان وهو يصارع الألم ويواجه المحن؟! ما أعظم القوّة التي يمنحها هذا الاستشعار لتحمل الامتحانات العسيرة والمصائب الخطيرة .. ولذا فقد جاء النداء الالهي لتثبيت قلب النبي نوح (عليه السلام) حين واجه أعظم المصائب والضغوط من قومه وهو يصنع الفلك، حيث قال (تعالى) : (وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا)(2). فكان لعبارة «بِأَعْيُنِنَا» وقع عظيم في نفسه (عليه السلام) فصبر وواصل عمله الى نهايته دونما أن يلتفت الى تقريع الأعداء أو يهتم باستهزائهم. ــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) موسوعة الامام علي بن أبي طالب (عليه السلام) ج8 ص42 (2) المصدر السابق (3) بحار الأنوار، ج 45، ص 46 (4) هود 37 رضا الله غايتي

اخرى
منذ 7 سنوات
40504

ليلة وداع شهر رمضان: حقيقتها، وآدابها

بقلم: وجدان الشوهاني (أيامًا معدودات) هكذا وصفَ للهُ سبحانه وتعالى شهره الفضيل. فأيّامه ليست سوى أيّاماً معدودة لو قورنت بأيّام السنة التي هي (365 يوم)، فسنراها قليلة، وكما جاء في بعض التفاسير إنّ كلمة أيّام الواردة في الآية الكريمة جاءت منّكرة؛ وذلك للتقليل من حيث عدد تلك الأيّام، أي إنّها لا شيء بالنسبة لعدد ايّام السنة وحيث إنّ أيّام شهر رمضان معدودة فهي كما تبدأ تنتهي. وكما كان هناك حث كبير واهتمام أكبر من أهل البيت (عليهم السلام) على استقبال الشهر الفضيل نجد نفس الحث والاهتمام على وداعه. والوداع ما هو إلّا عبارة عن مفارقة لضيف بعد صحبة طويلة كانت أم قصيرة، فكيف إن كان الضيفُ الذي صَحبناه هو أعظم الشهور والذي فيه أعظم الليالي لما فيه من نِعم إلهية، وفيوضاتٍ رحمانية، ولكنّ صحبته لأيّامٍ معدودة كما أشرنا لذلك. إنّ لذلك الوداع حقيقة وآداباً لا بد أن نعرفها حتى نعمل بها، وتلك الآداب تختلف عن أي آداب لوداعٍ آخر، والناس في صحبتهم للشهر الفضيل متفاوتون، كل حسب نظرته للضيف ومكانته عنده وتعامله معه فليس الناس على سواء في ذلك وحتى نفهم حقيقة الوداع كان علينا أن نبحث في المسألة من حيثيتين: الأولى: معرفة أهل الوداع: فقد ورد في كتبنا المعتبرة أنّ الناس على ثلاثِ أصناف بحسب تعاملهم مع الضيف الذي حلّ عليهم ألا وهو شهر رمضان. فالصنف الأول: هم مَن صحب ضيفه مصاحبة الضيف العزيز المنتظر له انتظار عاشق لمعشوقه، فهؤلاء يكون وداعهم وداعَ محزونٍ فاقدٍ لضيف حلّ عليهم وحضر للإنعام عليهم بنعم إلهية جليلة وعنايات ربانية، ولكنه سارع بمفارقتهم، ففارقوه باستيحاش، وببكاء الفاقدين له، ونجدهم يجددون العهد معه للقاء آخر ويلتزمون بآداب وداعه؛ لأنهم وجدوا فيه رُقيّهم. والصنف الثاني: هم مَن صحبوه على نحوين، فمرة يرونه ضيفًا عزيزًا عليهم، وأُخرى يقاطعونه ويجدونه ثقيلًا ويحسبون الساعات والثواني لرحيله فهم في ذلك (بين صحبةٍ ومقاطعة أو قل بين علمٍ وغفلة) وهؤلاء يودعون الشهر بحسب حالهم، فإن رحل عنهم الشهر الفضيل وهم في صحبة صفاء وعلمٍ بعظمة مَن حلّ عليهم كانوا ملازمين لآداب الوداع، وإن كانوا في مقاطعة وغفلةٍ عنه فهم مقاطعون وغافلون عن آداب الوداع.. أما الصنف الأخير: فهم صنف مَن لم يكونوا على وفاق مع شهر الله تعالى، بل كانوا كارهين له لأنه حرمهم من ملذات دنيوية كثيرة فهؤلاء لم يصاحبوا الشهر نهائيًا مصاحبةً قلبية ولم يحسنوا معاملة الضيف ولا مجاورته فليسوا من أهل الوداع في شيء فكما استقبلوه كارهين رحل عنهم وهم كارهون له فلا معنى لآداب الوداع عندهم. وبهذه الأصناف الثلاثة لأهل الوداع أمكننا الكلام بالحيثية الثانية: الثانية: آداب الوداع والكلام في آداب وداع شهر رمضان ما هو إلّا مرآة لأهل الوداع الذين تكلمنا عنهم، والحقيقة التي لا بد أن نقف عندها ونتمعن بها كي نستفيق من غفلتنا هي: إننا لو تمعنّا في كل الآداب والأدعية التي جاءت بخصوص آخر ليلة من شهر رمضان فسنجد أنّ للصنف الأول الحظ الأوفر والنصيب الأكبر من آداب الوداع لكونهم أهل الوداع الحقيقيين، نعم قد يحظى الصنف الثاني بشيء من تلك الآداب إن ودعوا ضيفهم وهم في حال صفاءٍ وصحبةٍ مع ذلك الضيف، ولو أردنا أن نتأكد من ذلك فلنقرأ الأدعية الواردة عن الأئمة (عليهم السلام) في وداع شهر رمضان الذين إن بحثنا عنهم بين أصناف أهل الوداع فسنجدهم (عليهم السلام) في رأس الصنف الأول ومن أهمّ تلك الأدعية الدعاء الوارد في الصحيفة السجادية عن الإمام السجاد (عليه السلام) فصفات المودعين الواردة في الدعاء هي صفات مَن صحب الشهر صحبةَ الحبيب وجاورهُ بأحسنِ ما يكون وهي في الحقيقة صفات المعصومين (عليهم السلام) التي أرادوا أن تكون لنا منهجًا لنسير بهديهم وخطاهم فحثّونا على العمل بها، فدعاء الإمام السجاد (عليه السلام) لوداع الشهر قد عكست حقيقته سلام الله عليه، فتلك الأوراد والأغسال والأدعية التي جاءت على مدى شهرٍ كامل وعن لسان جميع المعصومين بدءًا من الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله) وباقي أهل البيت (عليهم السلام) حتى أتت ليلة الوداع لنقف عندها فوجدنا الحث على إحيائها حثًا دعانا للبحث عن حقيقتها التي حملت في طياتها حقائق عن أهل بيت النبوة (عليهم السلام) لنراهم من خلال أداء تلك الآداب ولكن الأغلب يعيش في غفلة. ولذا نجد أنّ المعصوم عندما يودع الشهر يبدأ بذكر النعم التي جاءت بمجيء الشهر وأفضل تلك النعم هي صيام الشهر فكل لحظة من لحظات هذا الشهر هي ارتقاء فهو الشهر الذي يكون فيه الإنسان ملائكياً، ولذا نجد أنّ الإمام السجاد (عليه السلام) يضج بالبكاء والدعاء في آخر الشهر، وكيف لا يضج وهو العالم بحقيقة تلك النعم. فما أن أتت اللحظة التي سيرحل فيها أعز ضيف نرى أهل الوداع فد تهيأوا لوداعه بأفضل ما يكون فبدأت آداب الوداع بالغسل؛ والغسل في حقيقته تطهير للقلوب بالكامل حتى تشملهم المغفرة الإلهية. ثم التوجه إلى زيارة أوسع السفن وأسرعها ألا وهي زيارة الإمام الحسين (عليه السلام) سواء كانت زيارة عن قرب أو بُعد وقراءة الأدعية الخاصة بالوداع. ثم الصلاة الخاصة بآخر ليلة. حتى يصِلوا إلى آخر مرحلة من مراحل الوداع وهو العفو عمن ظلمهم وأساء إليهم وتجديد العهد بصيامه وقيامه وقد ورد تجديد العهد في حديث عن النبي الأكرم ( صلى الله عليه وآله) عندما قال: (اللهم لا تجعله آخر العهد من صيامنا إيّاه فإن جعلته فاجعلني مرحومًا ولا تجعلني محرومًا. ثم قال (صلى الله عليه وآله): فإنه من قال ذلك ظفر بإحدى الحسنين إما ببلوغ شهر رمضان من قابل وإما بغفران الله ورحمته) وأهل الوداع مع كل تلك الآداب هم مستوحشون وتلهج ألسنتهم بكثرة التسليم عليه فيقولون: السلام عليك يا شهر الله الأكبر ويا عيد أوليائه. وهو سلام توديع لشهر أنفرد من دون سائر الشهور بذكره في كتاب الله تعالى لما فيه من نعم وفيوضات حتى صار نفس الصائم تسبيحاً ونومه عبادة، فكل سكنات الصائم هي طاعة، فالليلة الأخيرة هي ليلة الجوائز، ولذا نجد المعصوم في سلامه على الشهر يصفه بأنه عيد أوليائه وذلك لأن هدية الضيافة وجزاءها تكون في آخر الشهر. فعلينا أن نبحث عن أنفسنا في أصناف أهل الوداع فما زالت الفرصة سانحة لنكون من أهل الوداع فنقوم بآخر الشهر بآداب الوداع التي حثّ أهل البيت (عليهم السلام) عليها عسى أن يعطينا الله ثواب الصائمين والعابدين في هذا الشهر ونحظى بمنحٍ إلهية وجوائز ربانية. وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين والصلاة والتسليم على نبينا محمد وآله الطيبين .

اخرى وجدان صبري

زينب (عليها السلام) آيات للعابرين

بقلم: منتهى محسن لم تكن كبيرة لتتحمل ألم الفراق، ولم تكن ناضجة لترتق شق الفقدان، فما زالت غضة تسبقها دموعها كلما اشتاقت لأمها، وهالة الفقد ترتسم على سيماء وجهها الطفولي الجميل، جُل ما كانت تستطيع فعله أن تجلس بحجر أبيها، تتلمس بقايا لمسات أمها البتول، او تتصفح وجهي أخويها لعلها تروي ضمأها الشديد نحو تلك الطلة النورانية الراحلة . _ اشتقت لعطرك الملكوتي أمي، ودفء حجرك، وتناسيم صوتك في الدعاء، وهمهمتك وتهجدك في الصلاة، وأنفاسك الزكية العبقة بعطر الجنان. _ أماه.. هل تسمعينني، أنا بنيتك "زينب"، أطارح الليل الطويل ودموعي تملأ وسادتي حنينًا اليك . _ بالله عليك، هلا أخبرتني من سرقك مني؟ ومن أوجعني على صغري بحرماني وفقدي إياك ؟! هكذا غُيبت شمس النهار واستحال الكون ظلامًا في حياة تلك الطفلة الصغيرة التي أذاقتها الدنيا طعم المر على نعومة أظفارها، ولم تكن تلك المأساة أول الصدمات وآخرها، فلطالما توجع قلبها مرارا وتكرارا . _ أبتاه يا سندي، كلما اشتقت لوجه أمي النوراني حدّقت بوجهك فيصلني قبس نورك، فمالي أراك تنعى نفسك في هذه الليلة؟ وتجيبني : "يا بنية قد قرب الأجل وانقطع الأمل".. فهل ينفع البكاء والعويل ؟! _ أبتاه .. حتى الإوزة أبت رحيلك فخرجت وراءك تستبقيك، ورفرفت بجناحيها تناديك، وصاحت بوجهك تثنيك! _ حتى الباب شد وثاقك وهاله خروجك الأخير، فأَمسك بمئزرك لا يود فراقك، كأنه هو الآخر يحاول ثنيك عن الخروج هذه الساعة ويخشى ابتعادك، ورحت ترفعه وتشده من جديد وأنت تردد : أشـدد حيازيمك للموت *** فإن المـوت لا قيكـا ولا تجـزع من الموت *** إذا حــل بنـاديكـا كما أضحكـك الـدهر *** كذاك الدهـر يبكيكـا _ أبتاه ..لما فقدتُ أمي البتول، كنتَ أنت عكازي الذي اتكأ عليه، ومرفأي الذي ألوذ اليه، والظل الذي احتمي فيه، فمن لي بعد انطفاء نورك ورحيلك؟ لقد آن لذلك القلب أن يتجرع الحزن مرات طوالًا، وأن تنهال عليه الهموم باستمرار ، ليتجلد ويتقوى ويتهيأ لفاجعة مهولة قادمة بمشيئة الله، وبصدور حرى، وقلوب عبرى، جرى القدر وفاضت روح الأب المغوار، وصار الفقد عظيمًا والمصاب جسيمًا، والحزن عميقًا، فلم يبق قربها الا أخواها الحسنان (عليهما السلام) يؤنسانها ويكفكفان دموعها ويخففان عنها ألم الحرمان . _ أخي حسن، يا أشبه الناس برسول الله (صلى الله عليه وآله ) خلقاً وخُلقاً وهدياً وسؤدداً، هل ستغادرني أنت أيضًا وتتركني أقاسي فراقك الموجع؟، يا لِلوعة قلبي المنفطر وقد تقطع كبدك اثر ذلك السم اللعين، ويا لحنانك الأخّاذ وأنت تأمر بإخفاء الطشت الذي تلفظت به كبدك رحمة بي وإشفاقا! واغربتي بعدك يا ابن الأكرمين ؟! وتستمر المواجع تنهال على ذلك القلب الصبور، وكل محنة تهدّ الجبال الراسيات، وتظل تلك الروح تتجرع الآهات والصدمات كل حين، والضربات تتوالى دون توقف أو نفاد. ومضت السنين تخطف الأحباب واحدًا تلوى الأخر، تاركة الندبات في شغاف القلوب الذابلات، لترتمي زهرة الحياة مياسة تتدلى ذابلة بعد ان أدمتها النوائب والفاجعات ، وأشدها وقعًا ومصابًا فاجعة كربلاء. فلقد ذوى قمر بني هاشم على رمضاء كربلاء بعدما استبسل لجلب الماء لعيال الحسين، وقد قطع الأوغاد كلتا يديه بكل لؤم وخبث، فلما سقط صريعا انهارت اخر محطات الوفاء والإخلاص. _ الآن انكسر ظهري وشمت عدوي وقلة حيلتي . _ « وأخاه ، وا عباساه ، وا ضيعتنا بعدك » تشظى صراخ العقيلة في صحراء كربلاء، وقد رمتها الدنيا بسهم الغدر من جديد، وهذه المرة بأخيها قمر بني هاشم، فتلظت تحترق على جمر الصبر والاحتساب . ولم يبق لها في الوجود الا ذلك المصدر الوهاج، عشقها الوحيد وملاذها الفريد، وتوأم روحها وشقيق فكرها ومهجة قلبها، فلقد كانت تبصر من عينيه شجاعة أبيها، وصبر أمها، وحلم أخيها، وبهاء جدها رسول الأنام (صلى الله عليه وآله) . _ ألا من ناصر ينصرنا ، ألا من موحد يخاف الله فينا؟! تعالت داعية الحسين على رمضاء كربلاء نذيرًا حزينًا، بعد أن تساقط الأصحاب والإخوان وفلذات الأكباد صرعى على وجه الثرى، وزينب (عليها السلام) تتجرع كأس المنون . _ أي أخت تقدم لأخيها جواد المنية؟ وا غربتنا بعدك يا أخي ؟ وا ضيعتنا بعدك يا عزيز أمي الزهراء ؟ _ وا أخاه ، واسيداه، وا أهل بيتاه، ليت السماء أطبقت على الأرض، وليت الجبال تدكدكت على السهل. _ يا عدو الله ويلك! أما علمت أنّ هذا الصدر تربى على صدر رسول الله، وصدر فاطمة الزهراء؟! ويحك ! هذا الذي ناغاه جبرئيل ، وهز مهده ميكائيل!! لم تقف الحكاية الى هذا الحد من الظلم والإقصاء، ولم يكتفِ حفنة الأوغاد من شن همجيتهم على اشرف بيوت الإسلام، بل تمادوا أكثر وسجلوا أبشع المواقف وأخزى الأحداث؛ أحداث يندى لها جبين الإسلام . حتى أهالوا الأطفال والنساء ومارسوا عنجهيتهم بكل إتقان، وأمروا بحرق الخيام وروعوا حرائر بيت رسول الله، فتعالى الصراخ وزاد الهلع والخوف ببنات الرسالة أمام لهب النيران، فلم يبق يومئذ من الأشراف إلا زين العباد (عليه السلام) _ يا ابن أخي : ما لي أرى الكون قد تغير؟ والشمس انكسفت ؟ والأرض ترجف ؟! _ لقد قتل أبي الحسين ، قُتل أسد الله الباسل ، قتل ابن سيد الأوصياء ، قتل ابن فاطمة الزهراء . سقط أرضا باقي العترة الاطهار وقد غشي عليه مكبوباً على وجهه، تلقفته سليلة المجد والفخر بارتجاف يديها وبقلبها الكبير ومحبتها الفائقة، لتنظّم سيناريوهات الحقد وقعاتها المدوية على ذلك القلب الصابر المجاهد بأشد ما يكون. _ يا بقية الماضين وثمال الباقين، واغربتاه ! وا أخاه ! وا حسيناه ! وا عباساه ! وا رجالاه ! وا ضيعتاه بعدك يا أبا عبد الله. عزفت السماء سمفونية العزاء وشاركت ملائكة السماء ذلك الرثاء، وشارك الكون النوح والبكاء، فأي فقد بعد فقد سيد الشهداء، وأي خطب حل بالأرض والسماء ، وأي ظليمة لحقت بالآل الأطهار؟! وكل تلك السلسلة من الأحداث المريرة والفقد العظيم حواه قلب واحد أبصر مختلف المحن والانتهاكات، وبهذا ذابت شمعتها بعد عام واحد من تلك الأحداث، ورحلت الى بارئها تشكو جور الظالمين القساة، رحلت بجسدها الفاني وخلدت بروحها السامية ومواقفها البطولية الرائدة التي أبهرت بها العدو قبل الصديق . رحلت مودعة أفق الحياة التي لم تُذِقها سوى الويلات، رحلت إلى جنة عالية قطوفها دانية حيث الروح والريحان ، لتجتمع في الفردوس الأعلى مع جدها رسول الله وأبيها حيدر الكرار وأمها سيدة النساء وأخوتها البواسل أجمعين، واولادها الذين تساقطوا نجوما على ارض كرب وبلاء، رحلت وظل حراكها وصبرها آيات للعابرين ابد الزمان .

اخرى أقلام

الطلاق العاطفي أسبابه وعلاجه

جسدان يتحركان، يؤديان واجباتهما الأسرية بجفاف وبصورة رسمية، بعيدان كل البعد عن بعضهما مشاعراً وعاطفة، على الرغم من قربهما مكاناً ومساحةً، قلبان ولكنهما مجردان من العاطفة لبعضهما، قد اقتصر عملهما على ضخّ الدم للجسد ليس إلا، لا ينبضان لبعضهما، ولا يشعران ببعضهما، قد جفّ الحب وتجمّدت المشاعر فيهما، فانعكست على علاقتهما التي بردت هي الأخرى وخبت نار الأشواق وخمدت شعلة اللهفة والحنين... أجساد تتظاهر بالقوة وهي تتآكل من الباطن يوماً بعد يوم، ولِمَ لا؟ وهل يمكن للإنسان أن يعيش جسداً بلا روح؟ وقلباً بلا عاطفة؟ وحياةً بلا مشاعر؟... ثم كيف لتلك الأرواح المنهكة أن تُمِدّ فلذات أكبادها بالدفء والأمان وتغمره بالحب والحنان؟! واقعٌ يُقطّع القلب ويدمى له الفؤاد... واقع أمر من الحنظل وأقسى من المشي على حسك السعدان... واقع مأساوي يدفع جميع أفراد الأسرة فيه الثمن... تعريف الطلاق العاطفي يمكن تعريف الطلاق العاطفي بأنه حالة غياب المشاعر والعواطف من الحياة الزوجية ، فيعيشان في مكان واحد وتحت سقف واحد وكأنهما غريبين عن بعضهما وهما مضطران الى ذلك، إما حفاظاً على شكل الأسرة أمام المجتمع الذي يستنكر الطلاق الفعلي عادة، أو حفاظاً على الأولاد من الضياع. ولا تقتصر الآثار السلبية للطلاق العاطفي على الزوجين بل إنها تمتد إلى باقي أفراد الأسرة. أنماط الطلاق العاطفي والطلاق العاطفي قد يتخذ وضعاً صامتاً فعلى الرغم من انعدام المشاعر والعواطف بين الزوجين إلا أنهما هادئان كما لو تم عقد اتفاق بينهما على ذلك. وقد يتخذ وضعاً عاصفاً بحيث تشق أجواء الصمت بينهما بين فترة وأخرى زوبعةٌ من الصراخ والصياح.. والطلاق العاطفي كما يكون من جهة الزوجين معا قد يكون من جهة أحدهما فقط لسبب ما، فيعمد إلى إماتة مشاعره تجاه الطرف الآخر عمداً أو أنها قد تدخل في سبات تدريجياً من غير قصد، رغم حياة مشاعر الطرف الآخر تجاهه ورجواه بالعودة إلى سابق عهده. أسباب الطلاق العاطفي والطلاق العاطفي كأي ظاهرة اجتماعية أخرى لابد من وجود أسباب قد أدت إليه، ومن أهم أسباب الطلاق العاطفي: شعور الشريك بعدم أهميته في حياة الطرف الآخر بسبب تفضيل الطرف الآخر للعمل أو الأولاد أو الأصدقاء أو الأهل عليه، فضلاً عن قيامه بقولٍ أو فعل من شأنه أن يقلل من أهمية شريكه، لاسيما إن كان ذلك أمام الأولاد والأهل. بالاضافة إلى تركيزه المتكرر على حقوقه فقط واهتمامه بها مع إغفال حقوق وحاجات الطرف الآخر وإهمالها ، و التعالي عليه وتحسيسه بالنقص والدونية .. ومن أسباب الطلاق العاطفي أيضاً: بخل الزوج على زوجته في الأمور المادية أو المعنوية أو فيما يمنحها من وقته لغرض إشباع حاجاتها. وانغماسه أو كلاهما بالعمل لمواجهة الضغوطات المادية وسد احتياجات البيت والأولاد مهملين كل ما من شأنه أن يثير العاطفة دون انتباه منهما، الأمر الذي يتسبب في اتساع الفجوة بينهما تدريجياً، وانعدام العلاقة الحميمية بينهما أو تحولها إلى مجرد روتين أو واجب مفروض عليه. بالاضافة الى انعدام الثقة بين الطرفين أو من قبل أحدهما بسبب ممارسة الكذب أو الخيانة. ومن البديهي أن تؤثر الأسباب المتقدمة على التواصل الناجح بين الشريكين فيضعف تدريجياً أو يقتصر على ما يتصل بشؤون البيت والأولاد الاعتيادية فقط . كما أن التواصل الناجح فضلاً عن التفاهم قد يضعفان أيضاً وبشكل ملحوظ فيما لو اختلف الطرفان في الاهداف والاهتمامات أو تباينا في المستوى الثقافي والاجتماعي. آثـــار الطلاق العاطفي يعد الطلاق العاطفي من أوضح العلامات التي تشير الى انتهاء صلاحية الزواج بين الطرفين طالما لم يشرعا في علاجه، وهو بلا شك في هذه الحالة يعد الحلقة الأخيرة في سلسلة الحياة الزوجية التي قد تنتهي بالطلاق الفعلي، إلا أن البعض يفضل تحمّل معاناته وآلامه، إما حفاظاً على الأبناء من الضياع أو حفاظاً على الشكل الخارجي للعائلة في المجتمع لأن المجتمع يستنكر الطلاق عادةً... والطلاق العاطفي لا تقل آثاره السلبية عن الطلاق الفعلي، بل قد تكون أشد في أحيان كثيرة، فأما بالنسبة للزوجين فهو ينتزع من قلبيهما الحب والود لبعضهما ويجردهما من الاهتمام ببعضهما، وأي حياةٍ هي تلك التي تخلو من الحب وتتجرد من الاهتمام؟ إنها ظاهراً حياة وأما باطنها فالجحيم عينه؛ لأنها تولد مشاعر الإحباط والحزن فضلاً عن الفراغ العاطفي، وكل ذلك يتصل اتصالاً وثيقاً على المدى البعيد بحالات الاكتئاب والقلق والاضطرابات في الصحة النفسية والجسمية على حد سواء.. بالاضافة إلى أنه يُضيّع فرصتهما في بدء حياة جديدة من خلال زواج آخر قد يجدان فيه ما يفتقدانه من دفء وأمان وحب وحنان. وعلى الرغم من أن الطلاق العاطفي يترك آثاره السلبية على الطرفين إلا أنه يكون على الزوجة أشد وأصعب، لأنها الأكثر حاجة إلى العاطفة والاهتمام من جهة، ومن جهة أخرى لأن الزوج بإمكانه أن يعوض ما قد يفتقده في حياته الزوجية هذه في حياة زوجية أخرى، وأما الزوجة فليس لها ذلك، ولذا يمكن إعتبار الطلاق العاطفي من أهم الاسباب التي تدفع الزوجة الى الخيانة والعياذ بالله وإن كان ليس مبررا لها. وأما بالنسبة للأبناء، فهم الخاسر الأكبر، إذ تتمزق زهرة طفولتهما بأشواك هذا الداء العضال حيث يغرس أنيابه ومخالبه في جسد أسرتهم فيحيلها إلى أسرة آسرة للطفولة مصادِرة لأحلامهم الجميلة قاتلة لسعادتهم. حيث الوالدان لا يلتفتان سوى إلى الإحتياجات اليومية للأسرة، غير مكترثين لمشاعر الأبناء مما ينعكس ذلك على مرحلة المراهقة في صورة انحراف بحثاً عن الحنان الذي يفتقدونه داخل الأسرة، فضلاً عن حالة القلق التي تلازمهم لسوء العلاقات بين والديهما وتوترها والتي قد تصل أحيانا إلى السُباب والضرب؛ ولذا فإن أغلب الأبناء في حالة الطلاق العاطفي يعانون من الاكتئاب وعدم القدرة على مواجهة الحياة، فضلاً عن انطباع صورة سلبية مشوّهة للزواج في أذهانهم... وقد يتصور الزوجان أنهما إنْ نجحا في إخفاء الطلاق العاطفي عن الأبناء فسيجنبونهم آثاره السلبية إلا أنه تصور عارٍ عن الصحة إذ إن الابناء سيستشعرون حتماً الطاقة السلبية المشحونة بين الأبوين علاج الطلاق العاطفي تقدم أن الطلاق العاطفي يعد الحلقة الأخيرة في سلسلة الحياة الزوجية في حال عدم معالجته، وأما إذا ما عولج بالشكل الصحيح فإن هناك أملاً بعودة الحياة الزوجية إلى مسارها الطبيعي، ومن أهم النصائح التي تنفع في علاج الطلاق العاطفي: أولاً: اعتراف الزوجين بوجود فيروس خطير قد اخترق جسم الحياة الزوجية وعمل على إعاقته وهو الطلاق العاطفي. والاتفاق على ضرورة تكاتفهما وبذل كل ما في وسعهما من جهود من أجل القضاء عليه لتستعيد حياتهما الزوجية كامل صحتها وتمام جمالها.. ثانياً: العمل على تأصيل سمة الصراحة والوضوح في التعامل بين الزوجين ليتمكن كل منهما من فهم الآخر وفهم مشاعره بالشكل الصحيح، والتعرف على احتياجاته وأفكاره و مشاكله و مخاوفه التي تساعد كثيراً على فهم الآخر وتعميق العلاقة بينهما وتقويتها. ثالثاً: اعتماد لغة الحوار والتفاهم بين الزوجين والابتعاد عن الاتهام والتجريح والحرص على الخروج من الحوار بثمرة مفيدة تتمثل في الحل الذي يرتضيه الطرفان .. رابعاً: تقدير كل من الزوجين الأعمال التي يقدمها الآخر وشكره عليها مهما كانت بسيطة، والاهتمام بإيجابياته ومدحه عليها والامتنان منه لغرض تعزيزها. خامساً : احترام الطرف الآخر وتجنب فعل أو قول كل ما يشعره بالإهانة مهما بدا بسيطاً. وإشعاره بأهميته البالغة في حياة شريكه وجعله من أولوياته ومنحه الاهتمام اللازم. سادساً: الاهتمام بالعلاقة الخاصة بين الزوجين والإقلاع عن إشعار الطرف الآخر بأنها مجرد تأدية واجب. سابعاً: مشاركة كل طرف هوايات واهتمامات الطرف الآخر. ثامناً: اعتماد اللطف والرقة في الأقوال والأفعال مع الطرف الآخر لجذب وده ومحبته. تاسعاً: أكثر ما يجمد العلاقات هو الروتين اليومي فمن المفيد إدخال أمور جديدة في الحياة الزوجية لكسر هذا الروتين من قبيل القيام بنزهات أسبوعية أو زيارة الأماكن التي كانا يزورانها معاً في أيام الخطوبة وبداية الزواج لإستذكار تلك الذكريات الجميلة العبقة بحب الطرف الآخر... ‏ عاشراً: على كل من الطرفين أن يحاول تقبُّل الطرف الآخر وغض الطرف عما قد يشتمل عليه من عيوب، وتذكُّر أننا لسنا بمعصومين ومن الطبيعي أن تصدر منا بعض الأخطاء، ومن لا يغفر لصاحبه اليوم خطأه كيف يتوقع منه أن يغفر له أخطاءه بعدئذ؟ إذن فالطلاق العاطفي على الرغم من أعراضه الأليمة وآثاره الوخيمة إلا أنه بالإمكان معالجته إذا ما توفرت النية الصادقة لدى الزوجين وعزما على القضاء عليه وإعادة الحيوية والنشاط إلى علاقتهما الزوجية من جديد. رضا الله غايتي

اخرى أقلام

الاختيار السديد مفتاح العيش الرغيد (6)

المطلب الثالث: التكافؤ بين الزوجين تقدم أن الهدف الأساسي من الزواج هو السكن النفسي، وبما أن السبل التي تحقق هذا الهدف تتباين بتباين الأفراد، فقد تتباين بينهم تبعاً لذلك السمات الواجب توفرها في الطرف الآخر لكي يحقق لديهم ذلك السكن النفسي. ولذا لم يحدد الشرع المقدس ــ وفقاً لمذهبنا الشريف ــ سمات معينة يجب توفرها في الزوجين لتحقق التكافؤ بينهما سوى الإيمان، فقد روي عن الإمام الصادق عليه السلام: "المؤمنون بعضهم أكفاء بعض"(1) وفي بعض الروايات العفة واليسار كما ورد عنه(عليه السلام) أيضاً: "الكفؤ أن يكون عفيفا وعنده يسار"(2) وأما سوى ذلك من التكافؤ في العمر، والتكافؤ في الوضع الاجتماعي والمادي، والتكافؤ في المستوى العلمي فلم يُلزم المذهب الشريف طرفي العلاقة الزوجية بشروط خاصة، ولكن أشار أحياناً إلى بعض الأمور على نحو الإرشاد لا الالزام، تاركاً الخيار النهائي فيها لطرفي العلاقة آخذاً في نظر الاعتبار تباين الأهداف والأذواق والتوجهات، فقد يجد شابٌ من الأهمية بمكان أن تكون زوجته من مستواه العلمي والثقافي مثلاً لتحقيق السكن في حياته الزوجية، فيما قد لا يرى غيره ذلك، وقد ترى شابةٌ ما أن من الضروري جداً أن يكون الشاب من طبقتها الاجتماعية مثلاً لتراه كفؤاً لها، فيما لا ترى سواها ذلك. ولو نسلط الضوء قليلاً على العلاقات الزوجية اليوم وأهم المشاكل التي تعترض سبيل نجاحها، نجد أن للتكافؤ الثقافي الدور الأكبر في ذلك، لذا من المفيد أن نتعرض لذلك بشيء من الإيجاز... *التكافؤ الثقافي وأثره على الحياة الزوجية ربما يكون التكافؤ العلمي هو الأمر المرغوب به من قبل الطرفين في أغلب الأحيان، بيدَ أن أهميته لا يمكن أن تضاهي أهمية التكافؤ الثقافي بين الزوجين ــ كما سيتضح ذلك لاحقاً ــ . أضف إلى ذلك أن المستوى العلمي أو الشهادة الدراسية كما هو المتعارف ليست سوى وثيقة تثبت لصاحبها أنه قد أكمل نوعاً من أنواع الدراسة، أما هل أنها أمارة قطعية على مستوى ثقافة ذلك الشخص؟ أو هل أنها مؤشرٌ واقعي على مدى توظيفه للعلوم التي تعلمها في بناء حياته؟ أو هل هي ضمانٌ حقيقي على كونه انساناً معاملته راقية ومعاشرته حسنة؟ كل هذه الأسئلة تعجز عن الاجابة عنها الشهادة الدراسية إجابة شافية. وإلى جانب ذلك فإن روافد العلم والمعرفة باتت كثيرة، وسبل التثقيف الإيجابي أو السلبي على حدٍ سواء، واكتساب القيم والمبادئ الحسنة والسيئة سواءٌ بسواء باتت وفيرة، ولذا لم تعد الشهادة الدراسية الملاك الوحيد لرقي ثقافة المرء، بل هي ليست بملاك لذلك أساساً في كثير من الأحيان، إذ كم من صاحب شهادة عالية ثقافته هابطة، وكم مِن مَن لا يملك شهادةً ثقافته جداً راقية.. والتكافؤ الثقافي قد يكون ضرورياً جداً لمن يضع المستوى الثقافي للطرف الآخر من أولى أولوياته، لأنه يعشق أن يشاركه في أجمل مناحي حياته، ويتوق لئن يصحبه في أهم مجالات اهتماماته، ويتخذه عضداً ورفيقاً في مسيرة تحقيق أهدافه، فتجده شغوفاً في محاورته فكرياً كمغازلة بعضهم للبعض عاطفياً، فهو يتوق إلى أن لا يكتفي به شريكاً لحياته الزوجية، وإنما يرغب بشراكته لحياته الفكرية والثقافية. وعلى النقيض من ذلك قد تجد البعض لا يأبه لمستوى الشريك الثقافي ولا يدخله في دائرة اهتماماته، فهو يعده شريكاً في حياته الزوجية وما يتعلق بها وحسب، وأما حياته الفكرية والثقافية فله عالمه الخاص حيث يلتقي بأمثاله في العمل أو أقرانه في الدراسة أو ما إلى ذلك، ولا يجد في ذلك أدنى ضير يذكر. ومنهم بين هذا وذاك.. من البديهي أن يكون التكافؤ الثقافي بالنسبة للأول أمراً غاية في الأهمية لا يمكن أن يمر عليه في صفات شريك حياته مرور الكرام، بل لابد أن يقف ويتأمل ليرى مدى التوافق والانسجام، على حين أن الأمر مختلفٌ تماماً بالنسبة للثاني، فيما يقف الأخير موقفاً وسطاً. ولكن الواقع يثبت أن توافق الزوجين وانسجامهما يعتمد اعتماداً كبيراً على مدى التوافق الثقافي، وإن معظم الخلافات والمشاكل التي تحدث بين الزوجين تعود في جذورها إلى الاختلاف الثقافي بينهما سواء اهتم الطرفان بهذا الجانب أو لا! قد تستغرب أخي القارئ، عزيزتي القارئة، ولكنها حقيقة يمكن الوقوف عليها بالتعرف ولو بشكل خاطف إلى معنى الثقافة ومكمن الأهمية فيها.. الثقافة: لغةً: من (ثَقُفَ، ككَرُمَ وفَرِحَ، ثَقْفاً وثَقَفاً وثَقافَةً صارَ حاذِقاً خَفِيفاً فَطِناً)(3) وأما اصطلاحاً: فهي (مجموع المعارف والقيم الحاكمة للسلوك)(4) فهي التي تشكل شخصية الإنسان وتحدد هويته وتوضح معالمها واهتماماته في الحاضر وترسم طموحه وأهدافه ورغباته في المستقبل، وبالتالي لها تأثير كبير على مدى انسجام الطرفين وعمق الرابطة الزوجية بينهما ومدى قوتها وصمودها أمام مختلف الظروف القاسية التي يواجهانها في الحياة، ولا غرو في ذلك ولا مغالاة؛ لأن الثقافة لا تقتصر على المعارف كما هو المتعارف، بل وتشمل القيم والمبادئ أيضاً، وهما من أهم العوامل التي تحدد مسار الانسان في الحياة، وبالتالي فإن كانا متناقضين فيها كانا في الأغلب متناقضين في مسار حياتهما، وكلما ازدادت حدة التناقض بينهما في الثقافة ازدادت تبعاً لها فجوة التباعد وحدة التناقض في مسار حياتهما، والعكس صحيحٌ أيضاً.. فإذا اتضح ذلك، لم تعد ضرورة التكافؤ الثقافي مقتصرةً على من يهتمون بهذا الجانب فقط، بل وتشمل غيرهم أيضاً. كما لا تقتصر على المتعلمين أو(المثقفين بحسب الاصطلاح الدارج) فقط، بل تشمل كل انسان بما هو انسان له معتقدات ومعارف وله قيم ومبادئ، بقطع النظر عن مدى صحتها، وبلغت ما بلغت درجة بساطتها.. ولتتضح الفكرة بشكلٍ جلي نستشهد ببعض الوقائع من صميم الحياة الواقعية، كمسألة تمضية الوقت مثلاً، فمن يرى أن للوقت أهمية كبيرة لا يحسن بالمرء هدره كيفما اتفق وفي أي أمر كان، فمن الصعب أن يتفق مع شريك حياته الذي لا يأبه لقيمة الوقت ويقتله في سفاسف الأمور وإن كانت عند نفسه ذات بال، فيحدث الصراع، فالأول يتهم الثاني بعدم المسؤولية والعيش على هامش الحياة، بينما يتهم الأخير الطرف الأول بعدم تقدير الحياة الزوجية! هذا مثال بسيط، وإليك مثالاً آخر: فمن يجد أن التربية المثلى للأبناء هي تلك التربية التي تقوم على التحفيز والحب والمكافأة يعاني كثيراً ومن دون أدنى شك مع شريك حياته الذي يتخذ من العقاب والعتاب والتأنيب أسلوباً في التربية.. ومن يعتمد في حياته على التنظيم ويتبع أسلوب الجدولة بحيث إنه ما إن يستيقظ صباحاً حتى يشرع في تطبيق جدوله لإنجاز أعماله ومهامه، قد لا يتفق كثيراً مع من يعيش حياته بعفوية قد تصل إلى حد الفوضى في بعض الأحيان بحيث لا يعلم ما الذي عليه فعله بعد ساعتين أو ثلاث! ومن يرى السعادة في الترفيه عن النفس والترويح عبر الزيارات الدينية والسفرات العائلية والاصطياف وما الى ذلك، غالباً ما يواجه صعوبة في إقناع من يرفع شعار السعادة بجمع المال وضمان المستقبل فقط وهكذا... هذه جملة من الأمور التي قد تبدو للوهلة الأولى قليلة الأهمية ولا تستحق أن تكون مثاراً للجدل بين الزوجين، ويمكن تجاوزها بسهولة بالغة، ولكن الواقع يثبت أن العديد من حالات الطلاق تحدث بسببها. وقد ينعدم التكافؤ الثقافي بسبب اختلاف المنظار الذي ينظر من خلاله الطرفان إلى الحياة، فمن يرى أن الحياة عقيدة وكفاحٌ سواء كانت الشهادة في سبيل الله تعالى والمعتقد غاية مناه أو بلوغ درجة عالية من العلم لاسيما العلوم الدينية أعلى مبتغاه، فإنه بلا شك سيواجه صعوبة في التعامل مع من تنظر إلى الحياة بمنظار وردي لا تراها مشرقةً إلا بمنتهى الرومانسية، تتهم شريكها بالجفاف العاطفي والإهمال إذا ما وجد لذته يوماً بين الكتب، وتثبط همته وتفت من عزيمته إذا ما نوى الانطلاق إلى ساحات الحرب.. وقد يهون الأمر في كثير من الاشكالات المتقدمة وغيرها فيما إذا اتخذ الزوجان مبدأ الحوار لحلها والتفاهم في شأنها بعد النية الجادة والعزم الحقيقي على ذلك مهما كلّف الأمر، فيعود السلام ويسود الوئام. ولكن ما يُدمي القلب حقاً أن يكون اختلافهما في تشخيص الواقعة على كونها مشكلة أو لا، او كالاختلاف في مفتاح المشاكل نفسه، كاختلافهما في مبدأ الحوار مثلاً، وهذا النوع من الخلافات في الحقيقة يولِّد من الخلافات الكثير، وتضع الطرف الضعيف عادةً في موقف صعب عسير، إذ إن المشاكل لا يمكن أن توضع على طاولة الحوار والبحث عن الحل إلا بعد الاتفاق على أنها مشاكل، ولا يمكن أن تُحل إلا بالحوار والتفاهم ووضع النقاط على الحروف وتشخيص السبب ومعالجته من الجذور، وتوضيح كلا الطرفين لما يفضلانه وما يبغضانه من الأمور، للحرص على الإتيان بالأولى وتجنب الثانية ما أمكن، وبذا تنتعش الحياة الزوجية وتعم في أرجائها المودة وتفعم بالحبور... ولكن قد تجد من لا يؤمن بمبدأ الحوار، متخذاً في حل المشاكل وخصوصًا إن كان هو الطرف الأقوى أسلوب القسر وقوة الاجبار.. فتُصبح الحياة الزوجية أشبه بساحة حرب وحلبة صراع على الدوام، تتحول فيها آصرة المودة والرحمة والحب والاحترام إلى رابطة استقواء القوي على الضعيف تحقيقاً للنصر وإكراهاً لشريكه على الرضوخ والاستسلام، ولكن حينئذٍ تلفظ الحياة الزوجية أنفاسها الأخيرة ولا يبقى منها سوى المظهر العام.. من كل ما تقدم يتضح جلياً أن الثقافة وإن كان البعض يعدها أمراً ثانوياً أو قد يعدها الآخر كمالياً حتى، بيد أن الأمر مختلف تماماً، لأن الثقافة بشكل عام هي الوعاء الذي يجمع مبادئ وقيم الانسان، ولا بد من أخذها بنظر الاعتبار لمن يرغب بإنجاح حياته الزوجية بل وحياته بشكل عام، وأن يتفحّص جيداً جميع عناصر ذلك الوعاء، ليرى مدى توافقها مع عناصر وعائه، وليدرسها جيداً قبل الاختيار، متريثاً ما أمكنه قبل اتخاذ القرار.. وإن كان الأمر على هذه الدرجة من الأهمية لكلا الزوجين، فهو بالنسبة للزوجة أهم بأضعافٍ كثيرة، وذلك لأنها ليست من يدير العلاقة الزوجية، بل هي غالباً من ضمن ما يُدار، فإن كانت هي الأكفأ بما قد تتمتع من ثقافة ومؤهلات، فستعاني بلا شك في أغلب الأحوال، لاسيما إن كان الزوج يرى في ذلك نقصاً فيه فيحاول أن يجبره بالعناد وإعدام لغة الحوار، فتراها تقف عاجزة أمام ما يتخذه من قرار خاطئ تلو القرار، لأنها إن اعترضت اُتهِمت بالتباهي، وإن سكتت كانت أول من يضار، ومما يزيد الأمر صعوبةً إنها بمجرد عقد القران يُصبح أمرها بيد غيرها، وتُعدم كل خيار.. ما تقدم هو أهم النقاط التي ارتأيت أنه لابد من إنارتها في هذا المختصر، وقد تكون هناك نقاط أخرى على قدر من الأهمية، كالتكافؤ العمري مثلاً، ولكن المجتمع واعٍ لها ولله الحمد، كما أنها نادرة الوقوع، لذا اكتفيت بالذكر دون التوضيح، أسأل الله تعالى التوفيق والسداد لجميع المقبلين على الزواج والمقبلات، آملةً أن يستفيدوا من هذا الموجز ولا يكتفوا به بل يجعلوه نقطة انطلاقتهم إلى الكتب التي فصلت في هذا الموضوع طالما كانوا في مرحلة الخيار والاختيار.. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) الكافي ج 5 ص 337 (2) المصدر السابق ج 5 ص 347 (3) القاموس المحيط ج2 ص361 (4) صناعة الثقافة ج1 ص31 رضا الله غايتي

اخرى رضا الله غايتي

احدث التدوينات

تذكرةٌ في العفاف: مُقتبسٌ من مُحاضرةٍ أُلقيتْ على مجموعةٍ من الطالبات /السيد محمد باقر السيستاني.

بقلم: الشيخ حسين التُرابي إنّ العفافَ هو الاستحياءُ عن التمادي في الاستجابةِ للغريزةِ الخاصّةِ التي يبتني عليها التناسلُ والتكاثرُ في الجنسِ البشريّ، ويُعتبرُ العفافُ قيمةً فطريّةً فاضلةً، فما من إنسانٍ إلّا وهو يجدُ في داخلِه أنّ كفَّ المرءِ عن الاستجابةِ للغريزةِ في غيرِ الإطارِ المُحدّدِ هي سمةٌ فاضلةٌ، فالشابُّ الذي لا يبحثُ عن إغراءِ الفتياتِ بنفسِه، بل يسعى إلى أنْ يتزوّجَ ويُشكّلَ أسرةً مُستقرّةً يجدُ كفافَه فيها ممدوحًا لدى الناسِ كُلِّهم. كما أنّ الفتاةَ التي لا تبحثُ عن إغراءِ الشبابِ بنفسِها وتستطيعُ أنْ تملكَ نفسَها عن الاستجابةِ لدواعي الإغراءِ تكونُ ممدوحةً كذلك. وما من مُجتمعٍ بشريّ إلّا وهو يتبنّى أمرَ العفافِ بدرجةٍ أو أخرى، وليس هناك أيّ مجتمعٍ إنسانيّ يبني على الإباحيّةِ المُطلقةِ والانفلاتِ المُطلق، وأرشدُ المُجتمعاتِ من هذه الزاوية هو المُجتمعُ الذي يتمسّكُ بأدواتٍ أكثر ملاءمةً للحفاظِ على عفافِ الرجلِ والمرأةِ وتوقّي السلبيّات التي تنشأُ عن انتهاكِ هذا المبدأ الإنسانيّ الهامّ. ويتقوّمُ العفافُ بأمورٍ ثلاثة: الأوّل: العفافُ عن العلاقةِ الخاطئة. والثاني: العفافُ عن المُمارساتِ الخاطئة، من قبيلِ التحرّشاتِ السلوكيّة واللفظيّة ونحوها. والثالث: العفافُ عن الإغراءِ بالنفسِ من خلالِ المظاهرِ والسلوكيّاتِ والحركاتِ العامّة. فهذه الأمورُ الثلاثةُ من العفافِ ذاتُ ارتباطٍ موثوق، فلنْ يستطيعَ المُجتمعُ أنْ يصلَ إلى العفافِ المطلوبِ إلّا برعايةِ أفرادِه لمستوى مقبول من التحذُّرِ عن العلاقاتِ الخاطئةِ وعن المُمارساتِ الخاطئة المُنتهية إليها، وعن المظاهرِ المُغرية بالشكلِ العامِّ في كُلِّ مُجتمعٍ بحسبِه للآخر. ويُمكِنُ للإنسانِ أنْ يجدَ المقدارَ المطلوبَ من العفافِ من المنظورِ الإنسانيّ العامّ من خلالِ القاعدةِ الأخلاقيّةِ المعروفة بـ(القاعدة الذهبيّة) وهي: (أنْ يُحِبَّ الإنسانُ لنفسِه ما يُحِبُّ لأخيه، ويكرهُ لنفسِه ما يكرهُ لأخيه). فعلينا أنْ نُطبّقَ هذا المبدأ بالنسبةِ إلى أنفسِنا في سلوكيّاتنا، فما الذي ترغبُ فيه المرأةُ أنْ تكونَ عليه الفتياتُ الأخرياتُ أمامَ زوجِها وأبيها وأخيها؟ وما الذي يرغبُ فيه الشابُ أنْ يكونَ الفتيانُ الآخرون أمامَ زوجتِه وأمِّه وأختِه وابنتِه وسائرِ قرابتِه، فهذا الميزانُ ميزانٌ إنسانيٌّ عادلٌ يُنبِّهُ الإنسان على التصرُّفِ اللائقِ مع الآخرين، فإذا كانتِ المرأةُ المُتزوّجةُ تكرهُ أنْ تظهرَ الفتياتُ أمامَ زوجِها بمظهرِ الإغراءِ والاستدراجِ والسلوكيّاتِ الأخرى فإنّ عليها أنْ تلتفتَ في شأنِ نفسِها إلى مثل ذلك. إنّ العفافَ يُمثّلُ ركيزةً أساسيّةً في الحياةِ الإنسانيّة؛ لأنّ العلاقةَ الخاصّةَ التي أودعَها اللهُ (سبحانه) في نفسِ كُلِّ إنسانٍ ذكرًا كان أو أنثى من الانجذابِ إلى الآخر إنّما جُعلَ لتكوينِ أسرة سليمة يجِدُ كُلٌّ من الطرفين سعادتَه فيها ويخلقون بذلك جيلًا آخر يتصدّون لتربيتِه وتنميتِه وإعدادِه واتصافِه بالرُشدِ والحكمةِ والفضيلة. فعلى الإنسانِ أنْ يسيرَ على هذهِ الركيزةِ الأساسيّةِ في الحياةِ ويهتمّ بمُراعاةِ مُقتضاه كما يُحِبُّ أنْ يُراعيَ الآخرونَ مُقتضاه بالنسبة إلى ذويه.

اخرى
منذ سنتين
4735

احدث التدوينات

خواطــــر اشتياق

بقلم: علي قاسم وتكتشفُ أنْ لا أحدَ بجانبِك تحكي له ما يدورُ في يومِك التافه، تُكلّمُهُ عن تلك التفاصيل، تشتاقُ لتلك الردودِ التي كانتْ في لحظةٍ ما باردة، ستشتاقُ إلى خلافاتكما، ستشتاقُ ويقتُلُك الحنينُ عندما لن تجدهُ بجانبِك ستهمسُ في أذُنِك الذكرياتُ والأماكنُ سيكونُ في كُلِّ ثانيةٍ ينبضُ قلبُك فيها اشتياق، تشتاقُ لتبحثَ عن قيمتِك في حياةِ ذلك الشخص..

اخرى
منذ سنتين
3399

الورقة الأخيرة...

بقلم: يا مهدي أدركني هذه آخرُ ورقةٍ سقطتْ من شهرِ صفر لينتهيَ موسمٌ ذُرِفتْ فيه الدموع واعتصرتْ فيه القلوبُ ألمًا وحزنًا تقرُبًا وزُلفةً، تطهُرًا وولاءً لآلِ الرسول ولكن! هل سنرى ماذا جرى على تلك القلوب بعدَ أنْ حلَّ بها ذلك الحُزنُ؟ أم سنخلعُها كما نخلعُ السوادَ، ونضعُها جانبًا في تلك الخِزانةِ حتى تنتظرَنا إلى عامٍ آخر قد يُقبِلُ علينا وقد نكونُ تحتَ التراب! عَبَقُ نسائمِ الأحزانِ حلّتْ فينا؛ لتُغيرنا، لا لتُبكينا... فلنُلَملِمْ أوراقَ الحُزنِ تلك، ونستلهِمُ ما فيها من إيمانٍ صادق عقيدةٍ وثباتٍ توحيدٍ ونبوّةٍ إمامةٍ ومَعادٍ إيثارٍ بالنفس... وأيُّ نفسٍ تلك؟ وقفةٌ قصيرةٌ لنُراجِعَ فيها ماذا صنعَ الشوقُ والحنينُ والألمُ والحُزنُ العميق؟ هل سنُعاهِدُ على التغيير ونكون أهلًا لتلك التضحياتِ العظيمة؟ نواظبُ على الصلاة، ونُحييها، أم نُضيّعُها كما ضيّعها بنو أمية؟ ماذا عن الحجاب؟ هل سنتمسكُ بتلك العباءةِ التي تلقّتِ السياطَ والحرقَ والبُكاءَ والدماءَ، ولكنّها لم تمِلْ عن تلك الرؤوسِ الشامخاتِ، بل كانتْ تمنعُ نسماتِ الهواء من أنْ ترسمَ تفاصيلَ النساء؟ هل سنكونُ أحرارًا كالحُرِّ، ونُخيّرُ أنفسَنا بين الجنةِ والنار كُلّما وقفْنا على مُفترقِ الطريق، فنختار طريق الجنة؟ أم سترجعُ حواسُنا إلى سُباتِها العميق لتكونَ عبارةً عن آلاتٍ للشهوات والملذّات تقودُنا كالبهائمِ، نستمعُ لصوتِها وتخرسُ ألسنة الحقِّ مرةً أخرى! هل سننفِضُ رمالَ كربلاء ورمادَ الخيام وننسى طعمَ السمِّ والسهام؟ مهلًا يا أيتها النفس، هُنا رُفِعَتِ الرؤوس قُطِّعَتِ الكفوف وحُزَّ النحر هنا جرى سمٌ زُعاف مزّقَ أكبادَ الأئمةِ الأطهار ومن قبلِها جرى في جسدِ الرسول (صلاةٌ من الله عليه وعلى الآل) ليقتلوا شريعةَ السماء فلا تكوني شوكةً تزيدُ من عُمقِ الجِراح بل طيّبي جراحاتِ قائمٍ يبكي على جدِّه دمًا احملي سلاحًا من أرضِ نينوى، وقاتلي بشجاعةٍ حتى وإنْ كان العدوُّ أنتِ فقد قتل الأصحابُ أنفسَهم مرارًا لتكونَ جاهزةً للنزالِ الأخير... الذي فيه ارتفعتْ لتخلُدَ في سماءِ المجدِ والسؤددِ، وتنالَ الفلاحَ في جنةٍ يصبو لها كُلُّ مؤمنٍ.. جنةُ القُربِ حيثُ الأقمار تجتمعُ بالشموس بلا كسوف ولا خسوف

اخرى
منذ سنتين
7888

أصحابُ الحُسين (عليه السلام) تجلياتٌ للمُنتظِر والمُمهِّد لدولةِ الحق

بقلم: سماهر الخزرجي الذي يُراجعُ سيرةَ أصحابِ الحُسين (عليه السلام) يُلاحظُ فيهم عدّةَ صفاتٍ وشمائلَ اجتمعتْ فيهم، فهم زُهّادٌ، عُبّادٌ، شُجعانُ حروبٍ وغزوات، والتأملُ في هذه المسألة تدعو الفردَ المُسلم في زمنِ الغيبة، أنْ يكونَ على جهوزيةٍ عاليةٍ، عقائديًا ونفسيًا وبدنيًا، حتى من حيث الكفاءات أيضًا. والتمهيدُ لدولةِ العدلِ الإلهي يحتاجُ إلى وجودِ أفرادٍ بهذه الصفاتِ لاستقامةِ الأمرِ لقائمِ آل مُحمّد (صلوات الله عليهم أجمعين)؛ فالإمامُ يريد جماعاتٍ وأجهزةٍ ومؤسساتٍ تعملُ على التهيئةِ له والجهوزية للشروع في الحركةِ الإصلاحية، وهذه الجماعات عبارةٌ عن أفرادٍ انضووا تحتَ تلك الدائرة. فيجبُ على كُلِّ فردٍ الاستعدادُ لنُصرةِ الإمامِ (عليه السلام) بتهذيبِ النفس وتزكيتِها وتكميلها بحملِها على تركِ المُحرّمات ولزوم الطاعات، وتوطينِ النفس على تحمُّلِ الأذى والمشاق في سبيلِ هدفه، فإن تمّ له ذلك رجِعَ إلى أهلِ بيته لإصلاحِهم، فإنّهم نواةُ المُجتمعِ ومنهم يتجذَّرُ الإصلاح، ثمّ بعدها ينخرطُ في المُجتمع، فتقع عليه مسؤوليةُ إنارةِ وإراءةِ الطريق لأيتامِ آلِ محمدٍ في الطُرُق المُلتوية، والمسالكِ الحالكة، والفتنِ الخطيرة، والمزالقِ الكثيرة، لينضووا تحتَ لوائه ويتشرّفوا بخدمته. فكيف يتمُّ ذلك؟ إنّ ذلك يتمُّ بعدّةِ أمورٍ منها انتظارُ الفرج؛ فهو من أفضلِ الأعمال، وقد وردتْ فيه رواياتٌ كثيرةٌ، منها ما جاء عن الرسولِ (صلى الله عليه وآله): "إنّ أحبَّ أعمالِ أمّتي إلى الله (عز وجل) انتظار الفرج" وعن أمير المؤمنين (عليه السلام): "من ثبتَ على موالاتِنا في غيبةِ قائمِنا، أعطاه اللهُ أجرَ ألفِ شهيدٍ مثلِ شُهداءِ بدرٍ وأحُد" والانتظارُ ليس أنْ يجلسَ الإنسانُ حليسَ بيتِه، ينتظرُ ظهورَ الإمامِ من دون عمل! الانتظارُ هو الثباتُ على ولايةِ أهلِ البيت (عليهم السلام) والاعتقادُ بالإمامِ الحُجّة (عجّل الله فرجه)، بوجوده وغيابه، والحفاظُ على هذه العقيدة حتى يُزهِرَ مصباحُ الهُدى في قلبه، ويمتلكَ الحصانةَ من العقائدِ الباطلة والأراجيفِ الضالّة، وتحمُّل مسؤوليةِ نشرِ التعاليمِ السماوية، ففي هذا تعجيلٌ لفرجه. وقد وردَ في التوقيعِ الشريفِ الصادر منه إلى الشيخِ المُفيد (طيّب اللهُ رمسه) "فما يحبسُنا عنهم إلا ما يتصلُ بنا مما نكرهه ولا نؤثره منهم، واللهُ المُستعانُ وهو حسبُنا ونعمَ الوكيل" فتعجيلُ ظهورِ الأمر منوطٌ بأفعالِ العباد، فارتكابُ المعاصي واستباحةُ المُحرّمات تؤخِرُ ظهورَ الإمامَ (عجل الله فرجه). والثباتُ وقوّةُ العقيدة هي من سماتِ المؤمن المُنتظر، فنرى أنّ الإمامَ الصادق (عليه السلام) يسردُ صفاتِ أصحابِ القائم (عجل الله فرجه): "ورجالٌ كأنّ قلوبَهم زُبُرُ الحديد، لا يشوبُها شكٌ في ذات الله، أشدُّ من الحجر، لو حملوا على الجبالِ لأزالوها" لا تُزلزِلهم الشبهاتُ ولا تُضعِفهم الظُلُمات. فبعدَ أنْ تترسّخَ فيهم العقيدةُ الحقّةُ يصلونَ لمقامِ الفداء؛ فلا يهمّهم إنْ وقعوا على الموت أو وقع الموتُ عليهم، يقولُ الإمامُ الصادقُ واصفًا إيّاهم: "يقونه بأنفسِهم في الحروب، ويكفونه ما يُريدُ فيهم، ينصرُ اللهُ بهم الإمامَ الحقّ" فنُلاحِظُ هناك تكاملًا في جنباتِ شخصياتِهم، فهم مع كُلِّ ذلك نشطون في عبادتِهم، مُقبِلون على الله (تعالى)، لا يفترون عن ذكره لهم دويٌّ كدويّ النحل "رجالٌ لا ينامون الليلَ، لهم دويٌّ في صلاتِهم كدويّ النحل، يبيتون قيامًا على أطرافِهم ويُصبحون على خيولهم، رُهبانٌ بالليل ليوثٌ بالنهار" فمن ضمن صفاتِهم بعدَ الشجاعةِ والإقدام والفداء، النشاطُ في العبادة والإقبال عليها دون فتورٍ وملل، مما يُعطيهم هذا النشاطُ الطاقةَ الإيجابيةَ ويمدُّ أجسامَهم بالقوّةِ الغيبية، فإذا قويَتِ الروحُ قويَ البدن على وظائفه ومهامه، فيتحوّلُ الإنسانُ إلى منظومةٍ تمهيديةٍ كاملةٍ من جميعِ حيثياته: روحه، بدنه، تذليله لنفسه وكبح جماحها وحثها على وفق ما يقتضيه التمهيد للعدل الإلهيّ.. وهذه الصفات كُلُّها تجسّدت في أصحابِ الحُسين (عليه السلام)؛ لذلك وصلوا لتلك المرحلةِ من الفداءِ للعقيدة، حيث كانوا لا يُبالون بما يُصيبهم بعد ذلك في جنبِ اللهِ (تعالى) والإمام (عجل الله فرجه)، فعلى المُمهِّد والمُنتظِر اتخاذ سيَرهم دليلًا ومُرشدًا للوصول إلى مُبتغاه في التكامُلِ ليكونَ خيرَ عونٍ للإمام الحجة (عجل الله فرجه).

اخرى
منذ سنتين
3120

كان خُلُقُه القرآن

بقلم: أم حوراء النداف القرآنُ الكريم هو معجزةُ خاتم الأنبياء محمد بن عبد الله (صلوات ربي وسلامه عليه وعلى آله الطيبين الطاهرين)؛ فلكُلِّ نبي معجزةٌ تؤيدُ دعواه وتكون خارقةً للعادة، أي إنَّ مادة المعجزة موجودةٌ لكن الناس لم يألفوا هكذا إنجاز من هذه المادة، كما ويعجزُ الناسُ عن مُجاراتها والإتيان بمثلها. فهل يُعقلُ أنْ تكون المعجزة مؤيدةً للنبي من جهة، ومُشكِّكةً فيه من جهةٍ أخرى؟! وما قصةُ تلك السور والآيات التي تحكي عن سوءِ خُلُقِ الرسول (صلى الله عليه وآله) -حاشاه- كما في سورة عبس وتولى، أو الآيات التي تنسِبُ إليه الذنوب السابقة واللاحقة "ليغفر لك الله ما تقدّم من ذنبك وما تأخر"، وما شاكلها من الآيات التي تبدو في ظاهرها أنّها تنسِبُ النقصَ -والعياذ بالله- لشخص النبي الخاتم (عليه وعلى آله آلاف التحية والسلام). يقول عالمُ الرياضيات الأمريكي جفري لانج: "إنّ مؤلفَ هذا الكتاب [أي القرآن الكريم] عبقريٌ، وأنّه بلا شك يتبعُ أسلوبًا ساحرًا في جذب القارئ، حيث اعتمد القرآن كليًا على أسلوب الحوار، فتسلسلُ الآيات يدفعُك للتعجُبِ والسؤال، ومن ثم تجدُ الإجابةَ بعد أسطُرٍ قليلة" لقد اشار هذا العالم، من حيثُ يعلم أو لا يعلم إلى الطريقةِ المُثلى لفهم القرآن الكريم، وهي تفسيرُ القرآن بالقرآن! ماذا حصل عندما تكلّف المُفسرون وعُلماءُ القرآن بتفسير آياتِ الله تعالى بمُقتضى الرأي أو القياس أو نصوصِ الروايات التي خالطَها الدسُّ والتلاعبُ والمُخالفةُ لروحِ القرآن الكريم قلبًا وقالبًا؟ لقد وقعوا فريسةَ التناقضات! وللأسفِ نُسِبت تلك التناقضات للقرآن الكريم. فمن جهةٍ يقرأون "وإنّك لعلى خُلُقٍ عظيم"، ومن جهةٍ أخرى ينسبون العبوس للرسول الكريم وأنّه أعرضَ عمّن يُريدُ أنْ يتزكّى وأقبلَ على من استغنى من المشركين! القرآن الكريم وإن كان ميسرا للذكر وذلك لقوله (تعالى): "ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدّكر"، أي إن إلقاءه على نحوٍ يسهُلُ فهمَ مقاصده لعموم الناس وخصوصهم، والأفهام البسيطة والمُتعمقة، كُلٍّ على مقدارِ فهمه، إلا أنّ فهمَ مُراد الآيات الكريمة يحتاجُ إلى ذوقٍ قرآني رفيعٍ ينسجمُ مع إرادةِ الحقِّ (سبحانه)، ويكون بعيدًا عن الأهواء الشخصية والتعصبات الفكرية، قال (تعالى): "هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إلا أولوا ألالباب"[آل عمران ٧]. كما انّ الله (سبحانه) يدعونا إلى التفكُّر والتدبُّر في آيات القرآن الكريم، "أفلا يتدبرون القرآن ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافًا كبيرًا" إنّها دعوةٌ إلى التمسُّكِ بمُحكمِ الآيات الواضحة الدلالة ورد الشبهات إليها، فالحقُّ (سبحانه) لا يُجامل أحدًا، ووصفه للنبي (صلى الله عليه وآله) بأنّه على خُلُقٍ عظيمٍ كافٍ لقطعِ كُلِّ الشكوك والشبهات حولَ ما يُنسَبُ زورًا وبهتانًا لمقام صاحب العصمة الكبرى الذي يصفُ نفسه قائلًا: "أدّبني ربي فأحسَنَ تأديبي" و "أنا أديب ربي" و"إنّما بُعِثْتُ لأتمِّمَ مكارمَ الأخلاق" إنّه التجسيدُ الفعلي للإنسان الكامل الحاكي عن كمالاتِ الحقِّ (سبحانه) المبعوث رحمةً للعالمين ولا مجالَ للنقصِ ولو بمقدارِ أنمُلةٍ بمُقتضى العصمة الرسالية. لقد تمكّنَ، بحُسنِ خُلُقِه العظيم وصبره ومداراته للناس، من تأليفِ قلوبٍ طالما فرّقتها حروبُ الجاهلية، وجعلهم أمةً واحدةً، فلقد "كان خُلُقُه القرآن" أي يأتمِرُ بما أمرَ اللهُ في كتابه المجيد وينتهي عمّا نهى عنه، وإلى ذلك دعا، بأبي وأمي، ونحنُ على ذلك من الشاهدين. وأبيضُ يُستسقى الغمامُ بوجهه ربيعٌ لليتامى، بهجةٌ للأرامل السلامُ عليك يا أبا الزهراء، يا حبيب الله.. ––––––––––––––––––––––– تفسير الميزان للعلامة الطباطبائي ج١٩،ج٣ بحار الانوار للعلامة المجلسي جيفري لانج رحلتي إلى الإسلام

اخرى
منذ 5 سنوات
4679

الانقلابُ السريع

بقلم: نجاة رزاق قال (تعالى): {وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلَىٰ أَعْقَابِكُمْ وَمَن يَنقَلِبْ عَلَىٰ عَقِبَيْهِ فَلَن يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللهُ الشَّاكِرِينَ}(١) القرآنُ الكريمُ هو مُعجزةُ الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله)، أرسله على فترةٍ من الرسل، وتميّزَ هذا الكتاب السماوي بالإعجازِ اللُغوي والعلمي وكذلك الاعجازِ الغيبي؛ فقد أخبر (صلى الله عليه وآله) بالكثيرِ من الأحداثِ والمُغيّبات التي اتضحتْ في حياتِه كفتحِ مكة، وانتشارِ الإسلام في الجزيرة، وغَلَبةِ الروم، وفتحِ بلادِ فارس، ومصارعِ قريش يومَ بدرٍ وغيرها من الغيبيات؛ دليلًا على أنّ هذا القرآن كلامُ الله (تعالى)، وليس من البشر كما اتهمه المُشركون بأنّه يتلقّاه من عبده بن الحضرمي صاحب الكتب. كما اتهموه أنّه قولُ ساحرٍ وكاهنٍ؛ ومن الأحداث التي أخبرَ عنها القرآنُ وحدثت بعد استشهاده (صلى الله عليه وآله) هو الانقلابُ بعدَ انتقاله إلى الرفيق الأعلى. والآيةُ التي بدأنا بها الكلامَ أحدُ مصاديق المُغيّبات؛ وقد يقولُ قائلٌ: إنّ سببَ نزولِ هذه الآية هي معركةُ أُحُدٍ حيثُ انتشرَ بين المُسلمين خبرُ مقتلِ النبي (صلى آلله عليه وآله) واضطراب المسلمين وتركهم موقعهم على جبل أُحُد، يقولُ السيّدُ الطباطبائي (قدسَ اللهُ نفسه): {أخرج ابن جرير عن السدي قال: فشا في يومِ أُحُدٍ أنّ رسولَ الله (صلّى الله عليه وآله وسلم) قد قُتِلَ -فقال بعضُ أصحابِ الصخرة-ليتَ لنا رسولًا إلى عبدِ الله بن أُبي فيأخذ لنا أمانًا من أبي سفيان}(٢) كما يقولُ الشيخُ ناصرُ مُكارم الشيرازي: {جاءَ أنسُ بن النضر إلى ذلك الفريق الذي كان يُفكِّرُ في الفِرارِ وقال لهم: يا قومُ إنْ كان قد قُتِلَ مُحمدٌ فربُّ مُحمّدٍ لم يُقتَلْ، فقاتلوا على ما قاتلَ عليه رسولُ الله (صلى الله عليه وآله)، وموتوا على ما ماتَ عليه، ثم شدَّ بسيفِه وحملَ على الكفار وقاتلَ حتى قُتِلَ، ثم لم يمضِ وقت طويل حتى تبيّنَ أنّ النبيَّ على قيدِ الحياة}(٣) وفي الجواب نقول: توجد قاعدةٌ في علمِ الأصول تقول: إنّ الموردَ لا يُخصِّصُ الوارد. يقولُ الشيخُ باقرُ الأيرواني (حفظه الله (تعالى)): {ولو كان الموردُ يُخصّصُ الواردَ للزم أنّ الكثيرَ من آياتِ القرآنِ الكريم أنْ تكونَ خاصّةً بمواردها وهذا شيءٌ بعيد، وهذا لا أذكره كدليلٍ بل كمنبّهٍ على أنّ الموردَ لا ينبغي أن يكونَ مخصّصًا للوارد}(٤) ونعودُ إلى الآية القرآنية ونبيّنُ ما هو الانقلابُ أي الرجوع إلى الكفر، والذي حدثَ بعدَ استشهادِ النبي الأكرم (صلى الله عليه واله وسلم)، وهو: أولًا: نكث البيعة: تذكرُ جميعُ كتبِ العامة والخاصة أنّ كُلًا من أبي بكر وعمر بايعا الإمامَ علي (عليه السلام) على الإمامةِ، وقالا: بخٍ بخٍ لكَ يا علي، أصبحتَ مولايَ ومولى كُلِّ مؤمنٍ ومؤمنة. كما أنّ كُلَّ من بايعهما على الخلافة كان قد بايعه (عليه السلام) على الإمامة. ثانيًا: عدمُ الالتحاقِ بجيشِ أُسامة: وهذه الحادثة كانت قُبيلَ انتقالِ الرسولِ الأعظم (صلى الله عليه وآله) إلى جوارِ ربِّه، وكان يُردِّدُ: أنفذوا جيشَ أُسامة، لَعَنَ اللهُ من تخلّفَ عن جيشِ أُسامة، (إنّ تخلفه دونَ عُذرٍ عن جيشِ أسامة بالرغمِ من إصرارِ رسولِ الله (صلى الله عليه وآله) على الحملة، وحتى تخلُّفَه رغمَ سماعِه من رسولِ الله (صلى الله عليه وآله) لعنَ اللهُ من تخلَّفَ عن جيشِ أسامة، تلك اللعنةُ وذلك الأمرُ الذي ما كانَ يستطيعُ إخفاءه وإخفاء أثره للمُخالفةِ الصريحة)(٥) والآيةُ تقول: "فليحذرِ الذين يُخالفون عن أمرِه أنْ تُصيبَهم فتنةٌ أو يُصيبَهم عذابٌ أليم)(٦) ثالثًا: هجومُهم على دارِ الزهراء (صلوات الله عليها) وما جرى عليها من أحداث. فقد وردَ عن السيّدِ بن طاووس عن الإمامِ موسى بن جعفر (عليهما السلام) بعدَ ذكرِ وصيةِ النبي (صلى الله عليه وآله) للأنصار قال: "ألا فاسمعوا ومن حضر، ألا إنَّ فاطمةَ بابُها بابي وبيتُها بيتي، فمن هتكَه فقد هتكَ حجابَ الله"(٧) رابعًا: منعُ الزهراء (عليها السلام) إرثها بحُجّةِ أنَّ الأنبياءَ لا يورثون. خامسًا: منعُ إقامةِ الحدودِ كما في قصةِ خالد بن الوليد وقتله مالك بن نويرة. سادسًا: بدعةُ صلاةِ التراويح، وتحريمُ زواجِ المُتعة. وما هذه النقاط إلا شواهدُ قليلةٌ على الانقلاب على الإسلام وعودةُ القومِ إلى الكفر، ومن ينقلب على عقبيه فلن يضرَ اللهَ شيئًا، وسيجزي اللهُ الشاكرين.. اللهم ثبِّتْنا على دينك، واجعل عاقبتنا إلى خير، وارزقنا حُبَّ مُحمدٍ وآلِ مُحمدٍ (صلواتُ اللهِ عليهم أجمعين). ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ١- سورة آل عمران: الآية ١٤٤ ٢-تفسير الميزان، الطباطبائي، ج٤، ص67. ٣-تفسير الأمثل، ناصر مكارم الشيرازي، ج٢، ص718. ٤-دروس الأصول، باقر الأيراواني، ٧/٨ / ١٤٣٦. ٥-محاكمات الخلفاء وأتباعهم، جواد جعفر الخليلي ص٧٠ ٦-سورة النور:٦٣ ٧-بحار الأنوار، المجلسي، ج٢٢ ، ص ٤٧٦.

اخرى
منذ 5 سنوات
2625

برهة

بقلم: رشا عبد الجبار ناصر بدا كُلُّ شيءٍ واضحًا.. وكأنّ كُلَّ شيءٍ لم يكنْ غامضًا بالأصل، أنعمُ بروحٍ هادئةٍ، مُفعمةٍ بالأمل، لحظاتي مُكلَّلةٌ بنشاطٍ دائمٍ وعطاءٍ زاخر.. بدا حُلُمًا، حُلُماً جميلاً، ولكنّي إلى هذه اللحظةِ وأنا أنعمُ بذلك الهدوءِ الذي عشتُه في ذلك المكان، كروضةٍ مُزهرةٍ بأنواعِ الزهور والرياحين، وذلك العَبَقُ الأخّاذُ الذي يأخذُ بتلابيبِ الروح، فتعيش في أمانٍ، بعيدًا عن كُلِّ ما يُعكِّرُ صفوها وهدوءها، تعودُ إلى سيرتِها الأولى من النقاء.. روحٌ ساميةٌ حقيقتُها من روحِ الله (تعالى)، وأيُّ شيءٍ أكثرُ نقاءً من قلبٍ أزهرتْ وأينعتْ ثمارُ عطائه بذكرِ المحبوب المُطلق؟! كُنتُ هناك بجسدٍ وروحٍ، كُنتُ أشعرُ بشعورٍ غريبٍ وجميلٍ في آنٍ واحدٍ، لم يكُ ذلك المكانُ مألوفًا، لكنّه كانَ يُشعِرُني بالطمأنينة، ومع أنّي كُنتُ أجهلُ سببَ تلك الطمأنينة؛ فالإنسانُ بطبعِه عدوُّ ما يجهله، إلا أنّني كنتُ أحسبُه بيتًا، عشتُ فيه عمرًا بأكملِه في تلك الروضة! كان هناك بيتٌ صغير، بدا وكأنّه بيتي، وبينما كُنتُ مُستغرقةً برؤيةِ ما حولي؛ تهادى لي أنّ رسولَ الله محمدًا (صلى الله عليه وآله) جالسٌ في إحدى غُرَفِ تلك الدار، وأخبروني أنِ اذهبي حيثُ هو. صار المكانُ يعجُّ بالناس بعدَ أنْ كان خاليًا، وأضفى نبأُ وجودِ النبي المُختار على ذلك المكان نكهةً أخرى. وحيثُ كان المكانُ يحملُ طابعَ الجمالِ والسكينة، صارَ يبعثُ على الراحةِ أضعافَ المرّاتِ، تحفُّه الطهارةُ من كُلِّ جانبٍ، وكأنّ أعمدةَ النور اتخذتْ منه مركزًا. لم أعُدْ أُفكِّرُ في ذلك المكان، وتلك الروضة، وجلُّ ما يشغلني أن أرى ذلك النور الذي أضاءَ المكانَ بأسره. كنتُ أخطو بحذرٍ نحو تلك الغرفة، تبادرَ إلى خاطري أنْ أذهب هناك، فلرُبّما كانت لي حاجة.. واقعًا، الكُلُّ كان يقصدُ تلك الغرفة لغرضٍ ما في نفوسهم، وبعدَ كُلِّ هذا الحذر استجمعتُ كُلَّ قوتي لأدخل، لكنّي لم أكنْ أرى شيئًا لشدّةِ الضياءِ المُنبعثِ من تلك الغرفة، وكأنّ كُلَّ شيءٍ في تلكَ الغرفةِ قد خيطَ من النور! خارجُ ذلك المكان، لم يكنْ أقلَّ بهاءً من داخله! لا عجبَ إن تكلَّلتْ أرضُ تلك القِفارِ بنورٍ سماوي أودعَه اللهُ (تعالى) في أصلابٍ طاهرةٍ وأرحامٍ مُطهَّرة.. حيثُ ملأ نورُه المُباركُ مساحةً واسعةً من الجزيرةِ العربيةِ، وسقطتِ الأصنامُ على وجوهها.. وكيف لا، وهو خاتمُ الرُسُلِ المبعوث رحمةً للعالمين، فلا عَجَبَ إذا أضفى ذكرُ اسمِه المبارك أريجًا أزكى عطرًا من كُلِّ عطورِ زهورِ الأرض.. لبُرهةٍ.. كان ذلك المكانُ أجملَ ما رأتْ عيني.. فالسلامُ على حبيبِ إلهِ العالمين مُحمدٍ المُصطفى وآله الطيبين الطاهرين..

المناسبات الدينية
منذ 5 سنوات
2317

نبيُّنا سيرةٌ ناصعةٌ رغمَ الافتراءات

بقلم: عباس قاسم المرياني مهما كتبْنا من المقالاتِ والكتبِ وحتى الموسوعات في عَظَمةِ رسولِ الله محمدٍ (صلى الله عليه وآله) وفضائله، فإننا نبقى عاجزين ومُقصرين في حقِّ حضرته، لما له من الأوصافِ الحميدة والخصالِ الطيّبة الطاهرة التي امتازَ بها، فقد بلغ أوجَ الكمالِ الإنساني، وقد أثنى عليه (سبحانه وتعالى) فقال: "وإنّك لعلى خُلُقٍ عظيم"، وقال (عزّ من قائل): "لو كُنتَ فظًا غليظَ القلبِ لانفضوا من حولك". إنَّ عظمةَ شخصيةِ النبيّ مُحمدٍ (صلى الله عليه وآله) لم تُستمد من جاهٍ أو مالٍ، ولا من الأُمّةِ التي عاشَ فيها، وليس لسمو حسبه ونسبه فحسب، بل لجلالِ شخصيتِه، وكمالِ خُلُقِه الفريد، وسعةِ أُفقِه العجيب، فكانَ المَثَلَ الأعلى للإنسان الكامل من جميعِ الجوانب. وها هو (صلى الله عليه وآله) قد مضى على استشهاده أربعةَ عشرَ قرنًا وواحدٌ وثلاثون عاماً ولا يزالُ حُبُّه يملأ القلوب، وذكرُه يُطرِبُ الأسماع. عاش مُجاهدًا، وماتَ مُجاهدًا في سبيلِ الله (تعالى)، اختارته العنايةُ الإلهيةُ من بين جميعِ الخلقِ ليُبلِّغَ رسالةَ ربِّه، حاربَ الشركَ والضلال، وتمكَّنَ من هدايةِ الناسِ إلى هُدى الله (سبحانه)، فكانتْ دعوتُه قد انتشلتِ الأمّةَ من الانحدارِ والتخلُّفِ إلى أوجِ العَظَمةِ والسعادة. رغم ذلك فقد عانى رسولُ الله (صلى الله عليه وآله) بعد أنْ صَدَحَ برسالةِ ربِّه، وأعلنَ ثورتَه الإلهية العظيمة على واقعِ الوثنيةِ والشركِ والإلحادِ، وعانى مُعاناة لا مثيلَ لها مطلقًا؛ فقد انقلبت أوضاعُ حياتِه رأسًا على عقب، إذ لم يكنْ من السهلِ على المُشركين الذين اعتادوا عبادة الأصنام، وتربّوا على الوثنيةِ والفسادِ أنْ يتخلّوا عن عاداتِهم، وممارساتِهم المُتجذِّرةِ في حياتهم، كما أنّ زعاماتِ قُريشٍ ومراكزِ القوى فيها كانتْ تبذلُ كُلَّ جُهدِها للحفاظِ على نفوذِها ومكانتِها، وترى في الرسالةِ المُحمّديةِ هدمًا لمواقعِها، وضربًا لمصالحِها؛ لهذا ولغيره انتفضتْ قريشُ وزعماؤها لصدِّ وردعِ رسولِ الله (صلى الله عليه وآله)، وشنّوا عليه حربًا ضاريةً شاملةً، اتهموه فيها بالكذبِ، والجنونِ، والسحرِ، وغيرها، بعد ما كان يُعرفُ بينهم بالصادق الأمين، وكان لهذه الاتهامات والأكاذيب التي أُلصِقت به الأثرُ بعد ذلك، حيث تلقّفتْها الألسُنُ المُبغضةُ، وجعلتْ منها حقائقَ لتشويهِ صورةِ هذه الشخصية العظيمة بكُلِّ المقاييس. من هذه الاتهاماتِ الباطلةِ تعدُّدُ زوجاتِه (صلى الله عليه وأله) فحرّفتْها الأقلامُ الغربيةُ المُغرضةُ من بعضِ المُستشرقين، واتهمته بحُبِّه للنساء؛ للنيلِ من كماله الإنساني، وفي الحقيقة لم يكنْ هذا التعدُّدُ لنزعةٍ شهوانية، أو لحُبّهِ للنساء، بل كان لحكمةٍ مُعينةٍ أرادها اللهُ (سبحانه) لرسولِه (صلى الله عليه وآله)، وتكمُنُ هذه الحكمة في تقويةِ رسالةِ الإسلام، وكسبِ المُناصرين له بالتقرُّبِ للقبائلِ وإدخالِهم في الإسلام، وكسبِ ودِّ بعضِ الأطرافِ ذوي الدورِ الفاعلِ لتقوية الدين بهم، أو جبرِ خواطرِ اللاتي استُشهِدَ أزواجهن وإعالةِ ذوات الأيتام، أو إرساءِ قواعدَ تشريعيةٍ، وإزالةِ قواعدَ جاهلية. لكنَّ الأغربَ والأعجبَ من ذلك بعضُ التُهَمِ التي أُلصِقتْ به (صلى الله عليه وآله) والتي لم يأتِ بها المُستشرقون من وحيهم فقط، بل جاءتْ جاهزةً ومُقولبةً في كُتُبِ بعض المُسلمين، منها ما يُذكَرُ أنَّ رسولَ الله (صلى الله عليه وآله) كان يستمع إلى الغناء، وتُضرَبُ الدفوفُ في بيته، ومنها أنّه كان يقرأُ القرآنَ الكريم في حُضنِ إحدى زوجاته وهي حائض! ومنها أنّه كان مُغرمًا بزوجةِ ربيبِه زيد بن حارثة؛ لذلك طلّقَها زيدٌ وتزوّجها رسولُ اللهِ (صلى الله عليه وآله). لا أعرفُ كيفَ قبلوا مثلَ هذه الروايات على من طهّرَه اللهُ (تعالى)، وعصمَه، وأكمَلَه، وأعلى منزلتَه، وحباهُ بقوله: "وَإٕنَّكَ لعلى خُلُقٍ عَظِيمٍ"، وخصّه بمكارمِ الأخلاقِ التي يقولُ فيها هو (صلى الله عليه وآله): "بُعِثْتُ لأتمِّمَ مكارمَ الأخلاق"، ويقولُ فيها الإمامُ الصادق (عليه السلام): "اللهُ (تبارك وتعالى) خصَّ رسولَ الله (صلى الله عليه وآله) بمكارمِ الأخلاق، فامتحنوا أنفسَكم فإنْ كانت فيكم فاحمدوا الله (عزّ وجل)، وارغبوا إليه في الزيادةِ منها، فذكرها عشرة: اليقين، والقناعة، والصبر، والشكر، والرضا، وحُسن الخُلُق، والسخاء، والغيرة، والشجاعة، والمروءة. لذلك نقولُ: إنَّ سيرتَه العَطِرة قد شابَها من الدسِّ والتلفيق، سواء عن قصدٍ من مُبغضيه، أو عن جهلٍ، وعليه يجِبُ التحرّي والتأكُدُ والتيقُنُ مما يُنقلُ عن هذه السيرة، ويَجِبُ استبيانُ الخبرِ قبلَ قولِه، يقولُ أميرُ المؤمنين علي (عليه السلام): "اعقلوا الخبرَ إذا سمعتموه عقلَ درايةٍ، لا عقلَ رواية؛ فإنّ رواةَ العلمِ كثيرٌ، ورُعاتَه قليل"، ويُنقَلُ عن الإمام الصادق (عليه السلام) عن رسول الله (صلى الله عليه وآله): "إنّ على كُلِّ حقٍّ حقيقة، وعلى كُلِّ صوابٍ نورًا، فما وافقَ كتابَ اللهِ فخُذوه، وما خالفَ كتابَ اللهِ فدعوه". من هذا يَجِبُ أن لا نظلمَ حبيبَ الله (صلى الله عليه وآله) بهذه الشائعات الخبيثة التي لا نقبلُها لشخصٍ عادي، فما بالك بمنِ اصطفاه وخصّه وشرّفه على سائرِ خلقِه، وهو النبيُّ المُخلصُ ومُلهِمُ الإيمانِ في القلوب، رسولُ اللهِ (صلى الله عليه وآله) قدوةٌ نستنيرُ بنوره، لا أنْ نُلصِقَ به العيوبَ ونرميه بالافتراءاتِ (حاشاه اللهُ عن ذلك).

اخرى
منذ 5 سنوات
2509

احدث المدونين

User Image

علوية الحسيني

User Image

حنان الزيرجاوي

User Image

رضا الله غايتي

User Image

أقلام

User Image

علي جابر

User Image

Qasim Salim

User Image

حنان الزيرجاوي

User Image

أم قنوت

User Image

نجاة رزاق شمخي جبر الكناني

User Image

رحاب سالم ورور جوهر البهادلي