تشغيل الوضع الليلي
وخبا نورُ السراج..
منذ 5 سنوات عدد المشاهدات : 3453
بقلم: نرجس مهدي
لا زلتُ قابعًا في مكاني، شاهدًا على قسوةِ زماني..
سراجٌ أنا مُلتصِقٌ في جداره، مُعلَّقًا بمسمارِ عمري، عبثًا كُنتُ أُحاولُ أنْ أُضيئَ أركانَ داره، والدارُ تتجلّى بفيوضاتِ أنواره.. وكُلُّ الكونِ يشعُّ من سنا وجوده...
جميلُ المُحيّا، حَسَنُ القامة، فريدٌ في نسيجه، وحيدُ عصرِه في تكوينه، رجُلٌ تزاحمتِ السجايا في شيَمِه جلالًا وهيبةً، صفاءَ سريرة..
اكتحلَ دينُ اللهِ تعالى بوجوده، بعدَ أنْ رَمدها بالهادي والده..
يا لبهاءِ طلعتِه، اقترنتْ بشمائلِ النبيين صفاتُه، فتعدَّدَتْ مواهبُه، تقطَّرَ بالندى يمينُه..
كثيرًا ماكُنتُ أسمعُ أنينَ صدرِه، يذكرُ بابًا... ضلعًا... مسمارًا... ينوحُ لعليلٍ... خيامٍ... نارٍ... مصابٍ وبلاء... يعيشُ أهوالَ كربلاء.. فأنوحُ لنوحِه، والحرفُ على شفتي يتحيّرُ، ودمعي بآهاتها يتعثر..
حبيسُ بيته، جليسُ داره، ممنوعٌ من لقاءِ شيعته، يُراقبونَ خطواتِه، يحسبونَ أنفاسَه..
غلّوا الحقَّ، وصفّدوا الكلمات، فزمجرتْ أعاصيرُ حقدِهم...
ليقتلوك...
وتحتَ مراجلِ غيّهم أوقدوا نار غِلَّهم، ولأنَّك سراجُ أهلِ الجنة؛ أبوا إلا أنْ يوتروك..
لم يمهلوه، ومن ذُعافِ سمِّهم سقوه، يلوكه الألم، تعتصرُ شغافَ قلبِه مخالبُ الفراق، يتنفّسُ ألمًا ويزفرُ حسرةً..
تأجَّجَتْ ناري ونزلتْ دمعةُ قلبي قبلَ جفني؛ أسفًا عليه، وتحنُنًا له..
ثاني شباب الأئمة بعدَ جدِّه الجواد (عليها السلام)..
إيهٍ يا أبا مُحمّد.. تُقرِّبُ صغيرَك إليك، تودِعُه أسرارَ الإمامة..
يسقيك ماءً ليرويك، ونظراتُ عينك تُناديه: ولدي يا مهدي، أنتَ البقيّةُ من أهلِ بيتي..
تصدَّعَ كبدي، وحبيبُ القلوبِ يتوسَّدُ الفراشَ وعيناه في عيني ولده على مَضضٍ يودِّعه..
فكان الفراقُ كالعلقمِ في طعمه، فذبُلَتْ تويجاتُ روحِه، ونحُلَتْ بتلاتُ عمره...
وكأنّي بمولاتي نرجس (عليها السلام) بلهفةٍ وتوجُّعٍ تحِنُّ إليه، تضمُّ مسبحتَه تُناجيها.. لا زالتْ تحتفظُ بدفءِ أناملِه...
تاجُ الإمامةِ يشكو حاله، يذرفُ حسرتَه...
محرابُه ظلَّ واجمًا لا يدري ما يقول...
كأنّه في خفاءٍ يُناديني، أواسيه ويواسيني..
والصدى صار له ضجيج..
فيا روحُ ما أجفاكِ..
كيف تستقرّين وأنتِ بعيدةٌ عن مولاكِ؟!
فقرَرتُ أنا السراجُ أنْ أُطفِئَ جذوتي؛
لِأُعلِنَ الحدادَ على مُصيبةِ مولاي الحسن العسكري (عليه السلام)..
اخترنا لكم
السيدة فاطمة (عليها السلام) قدوة العارفين بإمام كل زمان
بقلم: فاطمة الركابي إن الصديقة الزهراء (عليها السلام) لها من مقام علمي عالي تام، لكونها من أهل بيت العصمة الراسخين في العلم، وهذا ما ليس لأحد منا أن يبلغه لأنه مقام إلهي يُعطى للمصطفين من خواص خلقه، لذا نحن لن نتكلم عن الاقتداء وفق هذا المستوى لأنه خاص -كما قلنا-. فعن الإمام الصادق (عليه السلان): "إن الله تعالى أعطى عشرة أشياء لعشرة من النساء... إلى أن قال: والعلم لفاطمة زوجة المرتضى"(١)، ولكن نحن نتكلم عن جانب العلم الاكتسابي الذي يُمكن أن يُحصله كل فرد منا ليكون عارفاً بإمام زمانه وبمقدار ما ينشرح صدره له، ويستضئ بنور العلم الإلهي ليهتدي بهداه، ويثبت بذلك على صراط الله. فالعلم بالإمام هو على مراتب: فهناك مرتبة العلم العامة تلك المرتبة التي يحملها عوام الناس، كمعرفة الاسم والنسب وغيرها من الأمور العامة، وهذه المرتبة في الغالب لا يترتب عليها أثر بحيث تجعل حامليها من العارفين، ولكنها تكون مقدمة للارتباط به ومعرفته. وهناك مرتبة كمعرفة شيء من مقامات الإمام الإلهية، وتتبع سيرته ومنهجه الإلهي والعمل وفقها، وهذه مرتبة أعلى من تلك لما لها من أثر طيب بمقدار ما. وهناك مرتبة علم أعلى وهي للخواص ويترتب على أثرها درجة معرفة عليا تجعل الإنسان يعيش حالة الفناء والحب التام لإمامه، وهي المرتبة التي وصلت إلى أعلى مراتبها الصديقة الزهراء (عليها السلام)؛ ذلك العلم الموجب لحالة التسليم والطاعة التامة والانقياد، والعمل بمنهجه، ونصرته والدعوة إليه وتعريف الآخرين به. يمكن أن نتوصل لشيء حول حقيقة المعرفة بالإمام لما نقرأ ما نُقل عن إمامنا الصادق (عليه الصلاة والسلام) لما سئل (وجواب السؤال هنا يشمل معرفة جميع الأئمة، وإن كان وارداً في زيارة إمامنا الثامن الضامن فقط) حيث قال: "... من زاره عارفاً بحقه...، قِيل له ما عرفان حقه؟ قال: العلم بأنه إمام مفترض الطاعة غريب شهيد..."(٢) ويعلق أحد الفضلاء حول هذه الفقرة بهذه الالتفاته بقوله: "إن الإمام يُشير إلى مطلبين يجب أن يتحققا بالموالي وهما الانقياد على المستوى الجوارحي (الفعلي) بالعمل بمنهج الإمام الذي عبر عنه بوجوب الطاعة، وعلى المستوى الجوانحي (القلبي) أي حالة الارتباط المشاعري الوجداني بذلك الإمام من خلال استشعار مظلوميته وغربته، فهذان من أهم المقومات الموجبة للاتصال بالإمام وبتالي معرفته". تحقق المطلبين في الصديقة الزهراء (عليها السلام) من خلال بعض ما جاء في سيرتها: أولاً: تحقق الطاعة والتسليم: إن العلم المؤدي للمعرفة ثمرته الطاعة -كما ذكرنا- إي أن يكون الإنسان مستعدًا لقبول الأوامر الإلهية من دون قيد أو شرط، بل هو في حالة انتظار أي استعداد وتأهب لتلقيها ليعمل بها ووفقها، وهي تتجسد بطاعة الله ورسوله وولي أمره لا نفسه أو هواه! فعن ابن شهر أشوب في المناقب: دخل الحسن بن صالح بن حي على الإمام جعفر الصادق (عليه السلام) فقال: يا ابن رسول الله ما تقول في قوله تعالى: {أَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ}، من أولي الأمر الذين أمر الله بطاعتهم، قال: العلماء. فلما خرجوا قال الحسن: ما صنعنا شيئاً، ألَا سألناه : من هؤلاء العلماء؟ فرجعوا إليه فسألوه فقال: الأئمة منا أهل البيت(٣). وهذا ما تجسد في الصديقة الزهراء (عليها السلام)، فمعرفتها بمقام الإمام علي (عليه السلام) كإمام منصب من قِبل الله تعالى تجلى في طاعتها التامة، حيث قال رسول الله (صل الله عليه وآله): "إن ابنتي فاطمة ملأ الله قلبها وجوارحها إيماناً ويقيناً إلى مشاشها، ففرغت لطاعة الله"(٤). علمًا أننا عندما نذكر هذه الصفات للعارفين بالإمام، ونقيسها بالزهراء (عليها السلام) نحفظ المقام العالي لسيدتنا البضعة الطاهرة، وإنما هو قياس لنتعرف نحن على بعض هذه المراتب لا لنسلط الضوء على حقيقة ما كان عندها (صلوات الله عليها). ويمكن أن نقول: إن الطاعة نوعان: طاعة فرض، وطاعة حب وولاء؛ فطاعة الحب تجسد الطاعة الحقيقية، وهي أعلى مرتبة من طاعة الفرض (أي عن خوف من عقاب أو عن رغبة في ثواب) والله تعالى يريد منا أن ننمي في داخلنا الطاعة المثلى وهي طاعة الحبيب لمن يحب، وهذه المرتبة العالية قد جسدتها الصديقة؛ فان طاعتها لإمامها هي كانت امتدادًا لطاعتها لربها كما في قولها (عليها السلام): "رضيت بالله ربا وبك يا أبتي نبيا وبابن عمي بعلا ووليا"(٥) وكما في قول إمامنا علي (عليه السلام) فيها (سلام الله عليها): "أنتِ أعلم بالله وأبر وأتقى وأكرم وأشد خوفاً من الله، من أن أوبخك بمخالفة...." (٦). وكما صرح في مورد أخر حيث إن الإمام (عليه السلام) يظهر مدى رضاه عن الزهراء (عليها السلام) ومدى طاعتها له، بقوله :"... ولا عصيت لي أمراً، ..."(٧) الثاني: استشعار غربة الإمام ومظلوميته، وهذا الجانب من المعرفة لدى الزهراء (عليها السلام) كان متحققًا أيضاً فهي كانت مستشعرة لعظيم غربة الإمام (عليه السلام) كما ورد في رواية عن أخر يوم في حياتها، حيث قالت فاطمة (عليها السلام) في جواب أم سلمة (رضي الله عنها) حين قالت لها: "كيف أصبحت يا بنت رسول الله (صلى الله عليه وآله)؟ فقالت: "أصبحت في كمد وكرب: فقد النبي وظلم الوصي"(٨). فالزهراء (عليها السلام) قدمت التفكير بألآم إمامها وغربته على آلامها ومصابه، وفي رواية عن الإمام الصادق عن آبائه (عليهم السلام) أنه قال: "لما حضرت فاطمة الوفاة بكت، فقال لها أمير المؤمنين(عليه السلام) يا سيدتي ما يبكيك؟ قالت: ابكي لما تلقى من بعدي،..."(٩). بل ولطالما كانت مصدر بهجته، والمؤنسة له، المدخلة للسرور على قلبه، وبلسماً لجراحاته، كما أن الإمام علي (عليه السلام)، صرح بذلك في ما روي عنه أنه قال :"ولقد كنت انظر لها فتنكشف عني الهموم والإحزان"(٧). ونحن نعيش في وقت يعيش فيه إمامنا غربتين كما يُعلق صاحب كتاب مكيال المكارم في معنى الغربة التي يعيشها إمام زماننا "أن للغربة معنيين: أحدهما البعد عن الأهل والأوطان والديار، والثاني قلة الأعوان والأنصار وهو روحي له الفدى غريب بكلى المعنيين..." (١٠). لذا فواجبنا تجاه هذه الأسوة العظيمة (صلوات الله عليها)، وتجاه إمام زماننا (عجل الله تعالى فرجه) هو أن نسعى لبلوغ درجة من العلم توصلنا لمعرفة مقامه. تلك المعرفة التي يترتب عليها أثر وهو الطاعة واستشعار غربته وآلامه بل والسعي لنكون سبباً لإدخال السرور على قلبه (عجل الله تعالى فرجه). بلى! فكما إن النبي (صلى الله عليه وآله) والإمام علي (عليه السلام) كانوا يطرقون باب دار مولاتنا الطاهرة لأنها مسكن راحة وانس. كذلك من الوفاء إن يسعى كل منتظر منا أن يجعل من قلبه دار راحة لإمامه في غيبتهِ، وموطن سعادة له في غربتهِ؛ لا دار ألم وزيادة في جراحاته، وبالتالي يكون سبباً لتأخر فرجه. -------- (١) المناقب لابن شهرا شوب ج٣، ص٣٢١. (٢) ضياء الصالحين، ص٢٢١. (٣) في رحاب النبي وآل بيته الطاهرين - محمد بيومي ص 39. (٤) الفضائل الخمسة من الصحاح الستة : ٣ / ١٨١، دلائل الإمامة للطبري: ١٣٩:٤٧. (٥) إحقاق الحق لسيد نور الله الحسيني المرعشي التستري: ج٥، ص١١٧. (٦) الخصال لشيخ الصدوق: ص٥٨٨، ح١٢ (٧) كشف الغمة للاريلي: ج١، ص٣٦٣، وبحار الأنوار: ج٤٣، ص١٣٤. (٨) بحار الأنوار للمجلسي ج٣٤، ص١٥٦- ١٥٧. (٩) بحار الأنوار للمجلسي ج٤٣، ص٢١٨، ح٤٩. (١٠)مكيال المكارم في فوائد الدعاء للقائم للحاج ميرزا محمد تقي الموسوي ج١، ص١٤٩.
اخرى
تجلياتٌ معرفية في الخطاب المهدوي (6)
بقلم: علوية الحسيني "اللهم احجبني عن عيون أعدائي" هذا أحد الأدعية المروية عن الإمام المهدي (عجّل الله فرجه الشريف) في الاحتجاب عن أعدائه (1)، يحتوي مضامين عالية من المعارف، ويسمى "باحتجاب الإمام المهدي (عليه السلام). ابتدأ الإمام دعاء بصيغة الدعاء، فنادى ربّه بقوله: "اللّهم": وهي "صيغة نداء ودعاء مثل: يا الله، حذف منها حرف النداء وعُوِّض عنه بميم مشدَّدة" (2). "احجبني" حجَبَ: الحجاب: الستر. حجبَ الشيء, يحجبه حُجبا وحِجابا, وحجبه: ستره. وقد احتجب وتحجب إذا اكتنّ من وراء حجاب" (3). إنّ طلب الدعاء هو خير درسٍ على شدة الارتباط بالله تعالى، وهذا اخلاص عبودية الإمام (عجّل الله فرجه الشريف) لله الواحد الأحد، ودليل أيضًا على فقره لله تعالى الغني عن خلقه، إذ الإمام بشر مخلوق، وكل المخلوقات فقيرة إلى خالقها، وعقيدتنا في الأئمة (عليهم السلام) "أنَّهم بشر مثلنا، لهم ما لنا، وعليهم ما علينا، وإنما هم عباد مكرمون، اختصّهم الله تعالى بكرامته، وحباهم بولايته" (4). فللإمام ما لنا من قواعد البشرية المحتاجة إلى خالقها، إلّا إنّه (عجّل الله فرجه الشريف) اصطفاه الله تعالى للولاية؛ لعلمه تعالى الأزلي بأهلية الإمام لها، وشدة أورعيته عن اقتحام الشبهات وارتكاب الذنوب، لكنه رغم عصمته يتذلل لله العزيز الجبار أدبًا، واستنانًا بسنة جدّه محمد (صلى الله عليه وآله). وطلب الإمام الاحتجاب لا يخدش كمال الإمام كمعصوم؛ فقد طلب الاحتجاب الأئمة من قبله الإمام علي (عليه السلام) في دعائه الشهير "بدعاء الاحتجاب" (5). وما طلبه هذا إلّا لوجود قوّة مضادة لمساره، وهم الأعداء، وهو تصرف عقلائي يتخذه كل من رام دفع الضرر عن نفسه. قوله: "عن عيون أعدائي" جرت سيرة العقلاء على أنّ المتكلم الحكيم إذا أراد أن يتكلّم فكل ما يريده يقوله، والإمام سيّد العقلاء، فقيّد كلامه بقيدٍ احترازيٍ، وهو (عيون الأعداء)، اشارةً منه إلى الأمور التالية: 1- إنّ قلوب الأعداء لا تناله، فهي ران عليها، وكذا فطنتهم لا تدلهم على الإمام (عجّل الله فرجه الشريف)، لذا قيّد كلامه بعيون أعدائه. وسواء كان قصد الإمام عين نفس العدو، أو الجاسوس التابع للعدو، فلا فرق من هذه الناحية. 2- إنّ الإمام (عجّل الله فرجه الشريف) لم يطلب الاحتجاب عن عيون أوليائه وأتباعه، لأنّه ظاهر لهم، وغائب عنهم في آنٍ واحد، كونه حيًا، يعيش بيننا؛ فظاهرٌ لهم حيث يراهم، وهم يعيشون معه بشعورهم، وغائبٌ عنهم حيث يرونه ولا يعرفونه. وهذه هي نظرية (خفاء العنوان) والتي تقول: "إنّ الناس يرون الامام المهدي عليه السلام بشخصه من دون أنْ يكونوا عارفين او ملتفتين لحقيقته" (6)؛ استنادًا إلى روايات عديدة منها: "ما روي عن الحميري، عن محمد بن عثمان العمري: والله إن صاحب هذا الامر يحضر الموسم [موسم الحج] كل سنة، فيرى الناس ويعرفهم ويرونه ولا يعرفونه" (7). 3- إنّ طلبه الاحتجاب عن عيون أعدائه، وخوفه على نفسه، لا ينافي عصمته (عليه السلام)؛ لسببين: السبب الأول: قرآني، حيث أنّ النبي موسى (عليه السلام) قد خاف من أمرين، وأكد خوفه في مورد منفصل ثالث: أ- خاف من تكذيب قومه له، كما قال تعالى حكايةً: {وَإِذْ نَادَى رَبُّكَ مُوسَى أَنِ ائْتِ الْقَوْمَ الظَّالِمِين* قَوْمَ فِرْعَوْنَ أَلا يَتَّقُونَ* قَالَ رَبِّ إِنِّي أَخَافُ أَن يُكَذِّبُون} (8). ب- خاف من قومه أن يقتلوه، كما قال تعالى حكايةً عن لسان نبيّه: {وَلَهُمْ عَلَيَّ ذَنبٌ فَأَخَافُ أَن يَقْتُلُون} (9). ج- إقرار النبي (عليه السلام) بالخوف حينما واجه فرعون، حيث قال تعالى حكايةً: {فَفَرَرْتُ مِنكُمْ لَمَّا خِفْتُكُمْ فَوَهَبَ لِي رَبِّي حُكْمًا وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُرْسَلِين} (10). فحتمًا إنّ النبي موسى (عليه السلام) ما ينطق عن الهوى، فكلامه كلام الوحي، وكلام الوحي كلام الله تعالى، وبالتالي يكون خوف النبي لأمر حكيم يعلمه الله تعالى، لا خوفاً من الموت مثلاً، فلا ينافي عصمته. وكذا وليّ الله الخاتم، الإمام القائم (عجّل الله فرجه الشريف)، خوفه من أعدائه، ولذلك طلب من الله تعالى أن يحجبه عنهم. السبب الثاني: روائي، حيث ذكرت بعض الروايات صريحاً مفردة الخوف؛ عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله) أنّه قال: "لابُدَّ لِلْغُلامِ [الإمام المهدي عليه السلام] مِنْ غَيْبَةٍ، فَقِيلَ لَهُ: وَلِمَ يا رَسُولَ اللهِ؟ قالَ: يَخافُ القَتْل"(11). فها هو رسول الله محمد (صلى الله عليه وآله) يصرّح بأحد أسباب غيبة الإمام واحتجابه، وهو خوفه (عجّل الله فرجه الشريف). فلو كان نقص كمالٍ منه لما ذكره (صلى الله عليه وآله). 4- ليبقى (عجّل الله فرجه الشريف) محافظًا على حياته؛ لأنّه بوجوده المبارك سيقضي الله تعالى على الفساد والجور والعدوان، وبه تحقيق وعد الله تعالى بأن يجعل وليّه خليفة في الأرض ولهذا طلب الاحتجاب عن عيون أعدائه؛ ليحقق لطف الله تعالى بعباده؛ حيث إنّ وجود الإمام لطفٌ لهم, والأتباع منتظرون ظهوره، فبالتالي متى ما حافظ الإمام على حياته، واكتنزها ليوم الظهور, فإنّه سيحقق وعد الله تعالى. *إنّ طلب احتجاب الإمام عن عيون أعدائه ليس أمرًا مستحيلًا، بل ممكنًا؛ حيث حصل وأن حجبه الله تعالى عن عيون أعدائه منذ غيبته الصغرى، عندما كانت تبحث عنه السلطات الظالمة آنذاك لكنها لم تعرف شكله؛ لأن الإمام العسكري (عليه السلام) كان يخفي ابنه عن أعين العامة، ولهذا استبعد جنود العدو أن يخرج الإمام من بيته، فخرج ولم يعرفه أحد منهم، وغاب غيبته الصغرى" (12). فما حصل مع الإمام سابقًا بالاحتجاب عن عيون أعدائه هو هين عند الله تعالى في زمن غيبته. ________________ (1) المصباح: للكفعمي, ص ٢١٩, ف26. بحار الأنوار: للعلاّمة المجلسي, ج91, ص ٣٧٨, ب52, الاحتجابات المروية. مهج الدعوات: للسيد ابن طاووس, ص303, حجاب مولانا صاحب الزمان (عليه السلام). (2) معجم اللغة العربية المعاصر. (3) لسان العرب: لابن منظور, ج1, ص298. (4) عقائد الامامية: للشيخ المظفر, ص85. (5) موسوعة أمير المؤمنين علي بن ابي طالب [عليه السلام]: للشيخ باقر شريف القرشي, ج4, ص203-204. (6) مقال الغيبة أقسامها وأسبابها: للشيخ عادل الحريري. (7) بحار الأنوار: للعلامة المجلسي, ج52, ح4, عن اكمال الدين. (8) سورة الشعراء: 10-12. (9) سورة الشعراء: 14. (10) سورة الشعراء: 21. (11) بحار الأنوار: للعلامة المجلسي, ج٥٢, ص٩٠, ب٢٠, ح١ - عن علل الشرائع. (12) ظ: دائرة معارف الغيبة. اللهم احفظه من كل باغٍ وطاغٍ، بحق محمد وآله الطاهرين.
العقائد
حوارٌ مبين في زيارة الأمين (٥)
بقلم: علوية الحسيني/ ودعاء الربيعي "صابرةً على نزول بلائك" الصبر على نزول البلاء. روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام) أنه قال: "الصبر ثلاثة: الصبر على المصيبة، والصبر على الطاعة، والصبر عن المعصية". ونطرح هنا عدة اسئلة: ■السؤال الأول: ما المراد من الصبر بشكل عام، ولماذا قرن الله تعالى الصبر مع الصلاة في الآية الكريمة {واستعينوا بالصبر والصلاة}؟ وما هو فضل الصبر؟ وكيف أنّ الصبر ذا أهمية بالغة فيقع من الإيمان بمنزلة الرأس من الجسد كما قال مولانا الصادق عليه السلام حديثه، (الصبر من الايمان بمنزلة الرأس من الجسد، فإذا ذهب الرأس ذهب الجسد، وكذلك إذا ذهب الصبر ذهب الايمان)؟ ج/قبل بيان مفردة الصبر لابد من معرفة لماذا قال الإمام زين العابدين(عليه السلام) "نزول بلائك"؟ ولم يقل صابرة على بلائك؟ هنا سؤال يثار عقائديًا، وإن كان المطلب أخلاقيًا؛ إلّا أنّ الأخلاق لا تستقيم بلا عقيدة، وجوابه: إنّ النزول يدل على أن يكون هناك علو ودنو، والسماء علو، والأرض دنو، وظاهر العبارة أنّ بلاء الله تعالى نازل من السماء على العبد المبتلى، وهذا يوحي للمؤمن أنّ الله تعالى على السماء وشاءت مشيئته بأن ينزل على عبدٍ من عبيده البلاء! والحال ليس كذلك؛ فبلاء الله تعالى وإن كان نازلاً من السماء إلاّ أنّه نازل من ملائكة الله تعالى وبأمره سبحانه، فتعالى أن تحدّه سماواته. فالملائكة مكانها السماء، لا الله تعالى. بيان الصبر: "هو ثبات النفس وعدم اضطرابها في الشدائد والمصائب، بأن تقاوم معها، بحيث لا تخرجها عن سعة الصدر وما كانت عليه قبل ذلك من السرور والطمأنينة، فيحبس لسانه عن الشكوى، وأعضائه عن الحركات الغير متعارفة" (1). والآية قرنت بين الصلاة والصبر؛ إذ إنّ معنى الصبر توطين النفس على احتمال المكاره، ويحتاج هذا إلى الثقة باللَّه تعالى، والإيمان بأنه « مع الصابرين »... وليس من شك أن الصلاة تؤكد هذه الثقة، وتثبت هذا الإيمان... بالإضافة إلى ان مناجاة اللَّه سبحانه تخفف من وطأة المصاب" (2). وأمــــا فضيلة الصبر، فنستوحيها من الآيات الكريمة والروايات الشريفة: 1- الصابرون يصلي الله تعالى عليهم وينزل عليهم رحمته، ويصفهم بأنّهم أهل هدى؛ بدلالة الآية الكريمة: {وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ * الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ* أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُون} (3). 2- جهد الصابرين لا يضيعه الله تعالى، وهو صبرهم على ما صبروا؛ بدلالة قوله تعالى: {وَاصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِين} (4). 3- للصابرين عقبى الدار؛ بدلالة قوله تعالى: {وَالَّذِينَ صَبَرُوا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ أُولَئِكَ لَهُمْ عُقْبَى الدَّار} (5). 4- الصابرون في عين الله تعالى -رعاية الله-؛ بدلالة الآية الكريمة {وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا} (6). 5- الصابرون يغفر الله تعالى ذنوبهم؛ بدلالة ما روي عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: ما من عبد يصاب بمصيبة فيسترجع عند ذكره المصيبة ويصبر حين تفجأه إلا غفر الله له ما تقدم من ذنبه وكلما ذكر مصيبته فاسترجع عند ذكر المصيبة غفر الله له كل ذنب اكتسب فيما بينهما" (7). 6- الخلود في الجنة، والنظر إلى كرامات الله تعالى له؛ بدلالة ما روي "أن الله تعالى قال لجبرائيل: ما جزاء من سلبت كريمته؟ فقال: سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا. قال: جزاؤه الخلود في داري، والنظر إلى وجهي" (8). 7- الصابرون لا ينصب لهم ميزان يوم القيامة؛ بدلالة ما روي عن النبي محمد (صلى الله عليه وآله): "... فإذا كان يوم القيامة جيء بأهل الأعمال فوزنوا أعمالهم بالميزان، أهل الصلاة والصيام والصدقة والحج، ثم يؤتى بأهل البلاء، فلا ينصب لهم ميزان، ولا ينشر لهم ديوان، يصب عليهم الأجر صبا كما كان يصب عليهم البلاء صبا، فيود أهل العافية في الدنيا لو أنهم كانت تقرض أجسادهم بالمقاريض لم يرون ما يذهب به أهل البلاء من الثواب، فذلك قوله تعالى: إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب" (9). ■السؤال الثاني: ماهي مراتب الصبر وفضائلها؟ ج/ للصبر مراتب أو درجات، تطرقت إليها كتب الأخلاق تفصيلًا، إلاّ أنّها اختلفت في اللحاظ الذي كان أساس التقسيم. *فهناك من قسَّم مراتب الصبر بلحاظ ارتباطه وعدم ارتباطه بأفعال الإنسان، فكان على ثلاثة أقسام، اعتمادًا على حديثٍ مرويٍ عن رسول الله محمد (صلى الله عليه وآله) جاء فيه: "الصبر ثلاثة: صبر عند المصيبة، وصبر على الطاعة، وصبر عن المعصية، فمن صبر على المصيبة حتّى يردّها بحسن عزائها كتب اللّه له ثلاثمائة درجة ما بين الدّرجة إلى الدّرجة كما بين السّماء و الأرض، و من صبر على الطاعة كتب اللّه له ستّمائة درجة ما بين الدّرجة إلى الدرجة كما بين تخوم الأرض إلى العرش، و من صبر عن المعصية كتب اللّه له تسعمائة درجة ما بين الدّرجة إلى الدّرجة كما بين تخوم الأرض إلى منتهى العرش" (10). فالرواية قسّمت الصبر على ثلاث مراتب، وبيّنت فضيلتها، وللتفصيل أكثر حول تلك المراتب نتطرق إلى ما ذكرته بعض كتب الأخلاق عنها: "[القــــسم] الاول ما يرتبط باختياره وهو سائر أفعاله التي توصف بكونها طاعة أو معصية. أما الطاعة فالصبر عليها شديد؛ لأن النفس بطبعها تنفر عن العبودية وتشتهي الرّبوبيّة...، ثمّ من العبادات ما يُكره بسبب الكسل كالصّلاة؛ و منها ما يُكره بسبب البخل كالزّكاة ، ومنها ما يُكره بسببهما جميعا كالحج و الجهاد... . فأما الصبر على المعاصي فاشدّ أنواع الصّبر عما كان مألوفًا بالعادة، فإن العادة طبيعة ثانية فاذا انضافت إلى الشّهوة تظاهر جندين من جنود الشيطان على جند اللّه، فلا يقوى باعث الدين على قمعها... القسم الثاني: ما لا يرتبط هجومه باختياره وله اختيار في دفعه: كما لو اوذي بفعل أو قول أو جُني عليه في نفسه أو ماله فالصّبر على ذلك بترك المكافأة، قال اللّه تعالى: {وَلَنَصْبِرَنَّ عَلَى مَا آذَيْتُمُونَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ} [إبراهيم : 12]، و قال تعالى : {وَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَاهْجُرْهُمْ هَجْرًا جَمِيلًا} [المزمل : 10]، و قال: {وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيرًا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ} [آل عمران : 186]. القسم الثالث: ما لا يدخل تحت الاختيار أوّله و آخره كالمصائب، مثل موت الأعزّة و هلاك الأموال و زوال الصّحة بالمرض ونحو ذلك وهذا صبر مستنده اليقين" (11). وهناك من قسّم الصبر إلى عدة مراتب بلحاظ أصناف الناس، فكان على ثلاثة أقسام: "الأوّل: صبر العوام: وهو حبس النفس على وجه التجلُّد وإظهار الثّبات في التحمُّل لتكون حاله عند العقلاء وعامّة الناس مرضيّةً "يَعْلَمُونَ ظَاهِراً مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الآَخِرَةِ هُمْ غَافِلُون". والثاني: صبر الزهّاد والعبّاد وأهل التقوى وأرباب الحلم، لتوقُّع ثواب الآخرة "إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَاب} سورة الزمر: الآية 10. والثالث: صبر العارفين فإنّ لبعضهم التذاذاً بالمكروه لتصوّرهم أنّ معبودهم خصّهم به من دون الناس، وصاروا ملحوظين بشريف نظره "وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ * الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا للهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ *أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ} سورة البقرة: الآية 155" (12). وهناك من قسّم الصبر بلحاظ الشيء الذي وقع الصبر عليه: " كالصبر في الحروب، وهو من أنواع الشجاعة، وضده الجبن والصبر في كظم الغيظ، وهو الحلم، وضده الغضب. والصبر على المشاق، كالعبادة، وضده الفسق، أي الخروج عن العبادات الشرعية. والصبر على شهوة البطن والفرج من قبائح اللذات، وهي العفة وإليه أشير في قوله سبحانه: (وأما من خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى، فإن الجنة هي المأوى)، وضده الشره. والصبر عن فضول العيش، وهو الزهد، وضده الحرص. والصبر في كتمان السر، وضده الإذاعة، والأولان، كالصبر على المكروه من فضائل قوة الغضب. والرابع، من نتائج المحبة والخشية". وهناك من قسّم الصبر على أسمى تقسيم، وهو تقسيم بلحاظ الله تعالى، فكان على أربعة أقسام: - "صبر لله تعالى: وهو الصبر لأجل ثواب الله وغفرانه. - وصبر بالله تعالى : وهو القائم على تأييد الله وقوته. - وصبر على الله تعالى: وهو الصبر على حكمة الله تعالى مع مكابدة الألم. - وصبر عن الله تعالى: وهو الصبر على فراقه، وهو أشد من عذاب النار عند أهل المحبة" (13). ■السؤال الثالث: هناك ملازمة واقتران بين صبر العبد وبين حب الله تعالى له ونرى هذا المفهوم في الكثير من الآيات منها قوله تعالى (واللّه يحب الصابرين) وقوله تعالى (واصبر إنّ اللّه يحب الصابرين) فما هو السر في ذلك؟ ج/ عقيدتنا بالله تعالى أنّه حكيم، لا يفعل ولا يقول عبثًا، وكل متكلم حكيم يوضح كلامه، فكل قيد يذكره في كلامه إذًا هو يريده، فحينما ذكر كلمة "يحب" مع الصابرين حتمًا هو سبحانه قاصدها، ولو لم بقصدها لم يقلها. وهذه الملازمة نجدها عند أمير المؤمنين (عليه السلام) في دعائه الذي علّمه لكميل بن زياد، قائلًا: فَلَئِنْ صَيَّرْتَنِي لِلْعُقُوباتِ مَعَ أَعْدائِكَ، وَجَمَعْتَ بَيْنِي وَبَيْنَ أَهْلِ بَلائِكَ، وَفَرَّقْتَ بَيْنِي وَبَيْنَ أَحِـــبّائِكَ وَأَوْلِيائِكَ؛ فَهَبْنِي يا إِلهِي وَسَيِّدِي وَمَوْلايَ وَرَبِّي، صَـــبَرْتُ عَلَى عَذابِكَ فَكَيْفَ أَصْبِرُ عَلَى فِراقِكَ؟ وَهَبْنِي صَبَرْتُ عَلى حَرِّ نارِكَ فَكَيْفَ أَصْبِرُ عَنِ النَّظَرِ إِلى كَرامَتِكَ؟ أَمْ كَيْفَ أَسْكُنُ فِي النّارِ وَرَجَائِي عَفْوُكَ؟ فَبِعِزَّتِكَ يا سَيِّدِي وَمَوْلايَ أُقْسِمُ صادِقاً، لَئِنْ تَرَكْتَنِي نَاطِقاً لَأَضِجَّنَّ إِلَيْكَ بَيْنَ أَهْلِها ضَجِيجَ الآمِلِينَ، وَلَأَصْرُخَنَّ إِلَيْكَ صُراخَ المُسْتَصْرِخِينَ، وَلَأَبْكِيَنَّ عَلَيْكَ بُكاءَ الفاقِدِينَ، وَلَأُنادِيَنَّكَ أَيْنَ أَنْتَ يا وَلِيَّ المُؤْمِنِينَ، يا غايَةَ آمالِ العارِفِينَ، يا غِياثَ المُسْتَغِيثِينَ، يا حَبِيبَ قُلوُبِ الصّادِقِينَ، وَيا إِلهَ العالَمين...". بل وللأمام زين العابدين (عليه السلام) ربط كذلك بين المحبة والصبر؛ فحينما قدّم فقرة "مولعة بذكرك" على "صابرةً على نزول بلائك"، فمن لا يولع أو يحب الله تعالى كيف له أن يصبر على بلائه؟! وبالتالي المحبة تسبقها معرفة الله تعالى، وهذا هو كمال الدّين، "كمال الدّين معرفته" وهذا هو قول أمير المؤمنين (عليه السلام)، فالارتباط واضح ووثيق. ■السؤال الرابع: كيف يمكن للعبد المؤمن أن يصل إلى أعلى درجات الصبر؟ ج/ طريق تحصيل مرتبة الصبر، يكون بمراعاة الأمور التالية: الأوّل: التأمل والتفكّر في الأحاديث التي تتحدّث عن فضيلة الابتلاء في الدُّنيا، وأنه في مقابل أية مصيبة يرتفع الصابر درجةً أو تُمحى عنه سيئة، وأن يستيقن أنه لا خير في مَن لا يُبتلى. الثاني: أن يتذكّر أنّ زمان المصيبة قصير وقليل، وأنّه سيرفع عنه عما قريب. الثالث: أن ينظر الى الجزوع الذي لا صبر له، ويرى هل استفاد شيئاً من جزعه، أو أنّه بلغه ما كان مقدراً له؛ صبر عليه أم جزع؟ وما كان مقدرًا له لا يتغيّر بالجزع والاضطراب وشق الثياب، بل إنّ الجزع يُذهب ثوابه ويضيعه، ويسقط وقاره. الرابع: أن يتأمّل حال من ابتُلِي ببلاء أعظم من بلائه. الخامس: أن يعلم أنّ الابتلاء والمصائب هي دليل الفضل والسعادة، فإن الإنسان كلما كان مقرّبًا من الله أكثر كلما كان ابتلاؤه أكثر... السادس: أنّ الآدمي يتكامل برياضة المصائب. السابع: أن يتذكّر أن هذه المصيبة إنما أتته من الله -تعالى- الذي هو أحب الموجودات إليه، ذلك الذي لا يريد سوى خيره وصلاحه. الثامن: أن يتتبّع ويتفحّص في أحوال المقربين، وبلائهم وصبرهم عليه، الى أن تحصل عنده رغبة الصبر واستعداد النفس" (14). ■السؤال الخامس: ما هي أبرز الشواهد على من صبر؟ ج/ أبرز الشواهد: 1- على صعيد الصفوة: روي انّه (صلى الله عليه وآله) قال: "ما أوذي نبي بمثل ما اوذيت"، فمنذ عصر التبليغ تعرّض إلى ما لم يتعرّض له أحد، حيث كان الكفار يلقون عليه القمامة لأنّه كان يدعو إلى توحيد الله تعالى؛ فصبر وصبر. وكذلك اوذي في أهل بيته (عليهم السلام)، وظلاماتهم تشهد بصبرهم، لا يليق بفجائعها حصرها بأسطر. 2- على صعيد عامة الناس: المنتظرون للإمام المهدي (عجّل الله فرجه الشريف) الذين يعيشون وسط شبهاتٍ تحاول النيل من عقيدتهم بالإمام أو بغيره، أو تريد زلزلتهم وتشكيكهم، ذلك الوسط الذي كثر فيه أهل الباطل، وقلّ فيه أهل الحق، لكن اولئك المنتظرين ثبتوا على عقيدتهم، حتى فاق فضلهم فضل من أصحاب النبي (صلى الله عليه وآله)؛ حيث روي "عَنْ أبِي حَمْزَةَ الثُّمَالِيَّ، عَنْ أبِي خَالِدٍ الْكَابُلِيَّ، عَنْ عَلِيَّ بْن الْحُسَيْن (عليهما السلام) قَالَ: تَمْتَدُّ الْغَيْبَةُ بِوَلِيَّ اللهِ الثَّانِي عَشَرَ مِنْ أوْصِيَاءِ رَسُول اللهِ (صلى الله عليه وآله وسلم) وَالأئِمَّةِ بَعْدَهُ، يَا أبَا خَالِدٍ إِنَّ أهْلَ زَمَان غَيْبَتِهِ، الْقَائِلُونَ بِإمَامَتِهِ، الْمُنْتَظِرُونَ لِظُهُورهِ، أفْضَلُ أهْل كُلّ زَمَانٍ، لأنَّ اللهَ تَعَالَى ذِكْرُهُ أعْطَاهُمْ مِنَ الْعُقُول وَالأفْهَام وَالْمَعْرفَةِ مَا صَارَتْ بِهِ الْغَيْبَةُ عِنْدَهُمْ بِمَنْزلَةِ الْمُشَاهَدَةِ، وَجَعَلَهُمْ فِي ذَلِكَ الزَّمَان بِمَنْزلَةِ الْمُجَاهِدِينَ بَيْنَ يَدَيْ رَسُول اللهِ (صلى الله عليه وآله وسلم) بِالسَّيْفِ، اُولَئِكَ الْمُخْلَصُونَ حَقّاً، وَشِيعَتُنَا صِدْقاً، وَالدُّعَاةُ إِلَى دِين اللهِ سِرّاً وَجَهْرا"(15). ______________________ (1) جامع السعادات: للمحقق النراقي، ج3، ص225. (2) تفسير الكاشف: لمحمد جواد مغنية، ج1، ص240-244. (3) البقرة: 155-157. (4) هود: 115. (5) الرعد:22. (6) الطور: 48. (7) الكافي: للشيخ الكليني، ج3،ح5. (8) جامع السعادات: للمحقق النراقي، ج3، ص231-232. (9) المصدر نفسه،ص 232. (10) تنبيه الخواطر : ج 1 ، ص 40، و جامع الأخبار: ص 111، و الكافي : ج 2 ، ص 91. (11) الحقائق في محاسن الأخلاق: للمحدّث الفيض الكاشاني، ص144-146. (12) أوصاف الأشراف: للشيخ نصير الدّين الطوسي، ص59. (13) مقامات السالكين: للسيد عباس نور الدين، ص108. (14) خمسون درس في الأخلاق: للشيخ عباس القمي، ص106-110. (15) الاحتجاج: للشيخ الطبرسي، ص122. ربّنا أفرغ علينا صبرًا وتوفنا مسلمين، بحق محمدٍ وآله الطاهرين.
البيان والبلاغة في كلمات أهل البيت عليهم السلامالتعليقات
يتصدر الان
لا تعاشر نفساً شبعت بعد جوع
يستشهد الكثير من الناس ــ وحتى بعض المثقفين ــ بقول:" لا تعاشر نفساً شبعت بعد جوع فإن الخير فيها دخيل وعاشر نفساً جاعت بعد شبع فإن الخير فيها أصيل" على أنه من أقوال أمير المؤمنين علي (عليه السلام)، كما يستشهدون أيضاً بقولٍ آخر ينسبونه إليه (عليه السلام) لا يبعد عن الأول من حيث المعنى:"اطلبوا الخير من بطون شبعت ثم جاعت لأن الخير فيها باق، ولا تطلبوا الخير من بطون جاعت ثم شبعت لأن الشح فيها باق"، مُسقطين المعنى على بعض المصاديق التي لم ترُق افعالها لهم، لاسيما أولئك الذين عاثوا بالأرض فساداً من الحكام والمسؤولين الفاسدين والمتسترين عل الفساد. ونحن في الوقت الذي نستنكر فيه نشر الفساد والتستر عليه ومداهنة الفاسدين نؤكد ونشدد على ضرورة تحرّي صدق الأقوال ومطابقتها للواقع وعدم مخالفتها للعقل والشرع من جهة، وضرورة التأكد من صدورها عن أمير المؤمنين أبي الأيتام والفقراء (عليه السلام) أو غيرها من المعصومين (عليهم السلام) قبل نسبتها إليهم من جهة أخرى، لذا ارتأينا مناقشة هذا القول وما شابه معناه من حيث الدلالة أولاً، ومن حيث السند ثانياً.. فأما من حيث الدلالة فإن هذين القولين يصنفان الناس الى صنفين: صنف قد سبق له أن شبع مادياً ولم يتألم جوعاً، أو يتأوه حاجةً ومن بعد شبعه جاع وافتقر، وصنف آخر قد تقلّب ليله هماً بالدين، وتضوّر نهاره ألماً من الجوع، ثم شبع واغتنى،. كما جعل القولان الخير متأصلاً في الصنف الأول دون الثاني، وبناءً على ذلك فإن معاشرة أفراد هذا الصنف هي المعاشرة المرغوبة والمحبوبة والتي تجرّ على صاحبها الخير والسعادة والسلام، بخلاف معاشرة أفراد الصنف الثاني التي لا تُحبَّذ ولا تُطلب؛ لأنها لا تجر إلى صاحبها سوى الحزن والندم والآلام... ولو تأملنا قليلاً في معنى هذين القولين لوجدناه مغايراً لمعايير القرآن الكريم بعيداً كل البعد عن روح الشريعة الاسلامية ، وعن المنطق القويم والعقل السليم ومخالفاً أيضاً لصريح التاريخ الصحيح، بل ومخالف حتى لما نسمعه من قصص من أرض الواقع أو ما نلمسه فيه من وقائع.. فأما مناقضته للقرآن الكريم فواضحة جداً، إذ إن الله (تعالى) قد أوضح فيه وبشكلٍ جلي ملاك التفاضل بين الناس، إذ قال (عز من قائل):" يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (13)"(1) جاعلاً التقوى مِلاكاً للتفاضل، فمن كان أتقى كان أفضل، ومن البديهي أن تكون معاشرته كذلك، والعكس صحيحٌ أيضاً. وعليه فإن من سبق حاجتُه وفقرُه شبعَه وغناه يكون هو الأفضل، وبالتالي تكون معاشرته هي الأفضل كذلك فيما لو كان تقياً بخلاف من شبع وكان غنياً ، ثم افتقر وجاع فإنه لن يكون الأفضل ومعاشرته لن تكون كذلك طالما كان بعيداً عن التقوى. وأما بُعده عن روح الشريعة الإسلامية فإن الشريعة لطالما أكدت على أن الله (سبحانه وتعالى) عادلٌ لا جور في ساحته ولا ظلمَ في سجيته، وبالتالي لا يمكن أن يُعقل إطلاقاً أن يجعل البعض فقيراً ويتسبب في دخالة الخير في نفوسهم، التي يترتب عليها نفور الناس من عشرتهم، فيما يُغني سواهم ويجعل الخير متأصلاً في نفوسهم بسبب إغنائه إياهم ليس إلا ومن ثم يتسبب في كون الخير متأصلاً في نفوسهم، وبالتالي حب الناس لعشرتهم. فإن ذلك مخالف لمقتضى العدل الإلهي لأنه ليس بعاجزٍ عن تركه ولا بمُكره على فعله، ولا محب لذلك لهواً وعبثاً (تعالى عن كل ذلك علواً كبيراً). كما إن تأصل الخير في نفوس بعض الناس ودخالته في نفوس البعض الآخر منهم بناءً على أمر خارج عن إرادتهم واختيارهم كـ(الغنى والشبع أو الجوع والفقر) إنما هو أمرٌ منافٍ لمنهج الشريعة المقدسة القائم على حرية الانسان في اختياره لسبيل الخير والرشاد أو سبيل الشر والفساد، قال (تعالى):" إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا (3)"(2) بل إن الانسان أحياناً قد يكون فقيراً بسبب حب الله (تعالى) له، كما ورد في الحديث القدسي: "أن من عبادي من لا يصلحه إلا الغنى فلو أفقرته لأفسده ذلك و أن من عبادي من لا يصلحه إلا الفقر فلو أغنيته لأفسده ذلك"(3) وهل يمكن ان نتصور أن الخيرَ دخيلٌ فيمن يحبه الله (تعالى) أو إن معاشرته لا تجدي نفعا، أو تسبب الهم والألم؟! نعم، ورد عن أمير المؤمنين (عليه السلام):"اِحْذَرُوا صَوْلَةَ اَلْكَرِيمِ إِذَا جَاعَ وَ اَللَّئِيمِ إِذَا شَبِعَ"(4) ولا يقصد به الجوع والشبع المتعارف عليه لدى الناس، وإنما المراد منه: احذروا صولة الكريم إذا اُمتُهِن، واحذروا صولة اللئيم إذا أكرم، وفي هذا المعنى ورد عنه (عليه السلام) أيضاً: "احذروا سطوة الكريم إذا وضع و سورة اللئيم إذا رفع"(5) وأما العقل السليم والمنطق القويم فإنهما يقتضيان أن تتأصل صفة الخير في الإنسان لملكاتٍ حميدة يتسم بها وصفات فضيلة يتميز بها، لا أن تتأصل صفة الخير في نفسه لمجرد أنه ولد في أسرة تتمتع بالرفاهية الاقتصادية ووجد في بيئة تتنعم بالثروات المادية! وعند مراجعتنا للتاريخ الصحيح نجد أن قادة البشر وصفوة الناس إنما كان أغلبهم ينتمي الى الطبقات الفقيرة من المجتمع، فهؤلاء الأنبياء ورسل الله (صلوات الله عليهم) منهم من كان نجاراً أو خياطاً أو راعياً، ومع ذلك فقد كانوا من أطيب الناس خلقاً، وأعظمهم شرفاً، وأرفعهم منزلةً، قد تأصّل الخير في نفوسهم تأصّلاً حتى غدوا قطعة منه، فكانوا هم الخير للبشر، وهم الرحمة للعالمين. وبالنزول إلى أرض الواقع نجد أن الكثير من الفقراء والمساكين طيبي الروح، كريمي النفس، يتألمون لألم المحتاج ولربما يؤثرونه على أنفسهم رغم حاجتهم. ولا نقصد من كلامنا هذا أن الأغنياء هم على نقيض ذلك، وإنما تأكيداً على مسألة عدم ارتباط تأصل الخير في النفوس وعدمه بمستواهم الاقتصادي الذي نشأوا فيه ارتباط العلة والمعلول، فكما إن بعض الفقراء أخيار، فإن بعض الأغنياء كذلك، والعكس صحيح أيضاً. ومن هنا يُفهم من بعض الروايات ضرورة عدم طلب الخير والحاجات ممن هم أهل للخير بقطع النظر عن مستواهم المعاشي الحالي والسابق، منها ما روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام):"أشد من الموت طلب الحاجة من غير أهلها"(5)، وعنه (عليه السلام) أيضاً: "فوت الحاجة أهون من طلبها إلى غير أهلها"(6) إذن فلا صحة لهاتين المقولتين من حيث الدلالة، حتى وإن تنزلنا وحملنا الجوع والشبع على المعنى المعنوي لا المادي؛ وذلك لأنه حتى من يفتقر الى الأخلاق المعنوية فإنه ما إن يتكامل بالفضائل ويقلع عن الرذائل حتى يتسم بالخير وتحسن عشرته وتطيب للناس صحبته، والعكس صحيحٌ أيضا.. ومن البديهي أن ما لا يوافق العقل والمنطق السليم، ويخالف صريح القرآن الكريم، لا يمكن أن يصدر من وصي الرسول الكريم (صلوات الله عليهما وآلهما)، وعليه لا تصح نسبة هذين القولين الى أمير المؤمنين (عليه السلام).. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) الحجرات 13 (2) الانسان 3 (3) عوالي الآلي ج2 ص29 (4) غرر الحكم ج1 227 (5) المدر السابق ج1 ص246 (6) ميزان الحكمة ج4 ص 238 رضا الله غايتي
اخرىبين طيبة القلب وحماقة السلوك...
خلق الله الأشياء كلها في الحياة ضمن موازين وقياسات... فالزيادة أو النقيصة تسبب المشاكل فيها. وهكذا حياتنا وأفعالنا وعواطفنا لا بد أن تكون ضمن موازين دقيقة، وليست خالية منها، فالزيادة والنقيصة تسبب لنا المشاكل. ومحور كلامنا عن الطيبة فما هي؟ الطيبة: هي من الصفات والأخلاق الحميدة، التي يمتاز صاحبها بنقاء الصدر والسريرة، وحُبّ الآخرين، والبعد عن إضمار الشر، أو الأحقاد والخبث، كما أنّ الطيبة تدفع الإنسان إلى أرقى معاني الإنسانية، وأكثرها شفافية؛ كالتسامح، والإخلاص، لكن رغم رُقي هذه الكلمة، إلا أنها إذا خرجت عن حدودها المعقولة ووصلت حد المبالغة فإنها ستعطي نتائج سلبية على صاحبها، كل شيء في الحياة يجب أن يكون موزوناً ومعتدلاً، بما في ذلك المحبة التي هي ناتجة عن طيبة الإنسان، وحسن خلقه، فيجب أن تتعامل مع الآخرين في حدود المعقول، وعندما تبغضهم كذلك وفق حدود المعقول، ولا يجوز المبالغة في كلا الأمرين، فهناك شعرة بين الطيبة وحماقة السلوك... هذه الشعرة هي (منطق العقل). الإنسان الذي يتحكم بعاطفته قليلاً، ويحكّم عقله فهذا ليس دليلاً على عدم طيبته... بالعكس... هذا طيب عاقل... عكس الطيب الأحمق... الذي لا يفكر بعاقبة أو نتيجة سلوكه ويندفع بشكل عاطفي أو يمنح ثقة لطرف معين غريب أو قريب... والمبررات التي يحاول إقناع نفسه بها عندما تقع المشاكل أنه صاحب قلب طيب. الطيبة لا تلغي دور العقل... إنما العكس هو الصحيح، فهي تحكيم العقل بالوقت المناسب واتخاذ القرار الحكيم الذي يدل على اتزان العقل، ومهما كان القرار ظاهراً يحمل القسوة أحياناً لكنه تترتب عليه فوائد مستقبلية حتمية... وأطيب ما يكون الإنسان عندما يدفع الضرر عن نفسه وعن الآخرين قبل أن ينفعهم. هل الطيبة تصلح في جميع الأوقات أم في أوقات محددة؟ الطيبة كأنها غطاء أثناء الشتاء يكون مرغوباً فيه، لكنه اثناء الصيف لا رغبة فيه أبداً.. لهذا يجب أن تكون الطيبة بحسب الظروف الموضوعية... فالطيبة حالة تعكس التأثر بالواقع لهذا يجب أن تكون الطيبة متغيرة حسب الظروف والأشخاص، قد يحدث أن تعمي الطيبة الزائدة صاحبها عن رؤيته لحقيقة مجرى الأمور، أو عدم رؤيته الحقيقة بأكملها، من باب حسن ظنه بالآخرين، واعتقاده أن جميع الناس مثله، لا يمتلكون إلا الصفاء والصدق والمحبة، ماي دفعهم بالمقابل إلى استغلاله، وخداعه في كثير من الأحيان، فمساعدة المحتاج الحقيقي تعتبر طيبة، لكن لو كان المدّعي للحاجة كاذباً فهو مستغل. لهذا علينا قبل أن نستخدم الطيبة أن نقدم عقولنا قبل عواطفنا، فالعاطفة تعتمد على الإحساس لكن العقل أقوى منها، لأنه ميزان يزن الأشياء رغم أن للقلب ألماً أشد من ألم العقل، فالقلب يكشف عن نفسه من خلال دقاته لكن العقل لا يكشف عن نفسه لأنه يحكم بصمت، فالطيبة يمكن أن تكون مقياساً لمعرفة الأقوى: العاطفة أو العقل، فالطيّب يكون قلبه ضعيفاً ترهقه الضربات في أي حدث، ويكون المرء حينها عاطفياً وليس طيباً، لكن صاحب العقل القوي يكون طيباً أكثر من كونه عاطفياً. هل الطيبة تؤذي صاحبها وتسبب عدم الاحترام لمشاعره؟ إن الطيبة المتوازنة المتفقة مع العقل لا تؤذي صاحبها لأن مفهوم طيبة القلب هو حب الخير للغير وعدم الإضرار بالغير، وعدم العمل ضد مصلحة الغير، ومسامحة من أخطأ بحقه بقدر معقول ومساعدة المحتاج ... وغيرها كثير. أما الثقة العمياء بالآخرين وعدم حساب نية المقابل وغيرها فهذه ليست طيبة، بل قد تكون -مع كامل الاحترام للجميع- غباءً أو حماقة وسلوكاً غير عقلاني ولا يمت للعقل بصلة. إن المشكلة تقع عند الإنسان الطيب عندما يرى أن الناس كلهم طيبون، ثم إذا واجهه موقف منهم أو لحق به أذى من ظلم أو استغلال لطيبته، تُغلق الدنيا في وجهه، فيبدأ وهو يرى الناس الطيبين قد رحلوا من مجتمعه، وأن الخير انعدم، وتحصل له أزمة نفسية أو يتعرض للأمراض، لأن الطيّب يقدم الإحسان للناس بكل ما يستطيع فعله، ويقدّم ذلك بحسن نية وبراءة منه، فهو بالتالي ينتظر منهم الرد بالشكر أو المعاملة باللطف على الأقل... صحيح أن المعروف لوجه الله، ولكن من باب: من لم يشكر المخلوق لم يشكر الخالق، لذلك يتأذى عندما يصدر فعل من الشخص الذي كان يعامله بكل طيب وصدق. هل الطيبة والصدق من علامات ضعف الشخصية؟ الكثير من الناس يصف طيب القلب بأنه ضعيف الشخصية، لأنه يتصف بعدم الانتقام ممن ظلمه، والصفح عنه عند رجوعه عن الخطأ، وأنه لا يحب إيقاع الآخرين بالمشاكل؛ لأنه مقتنع أن الله سيأخذ له حقه. والحقيقة هي أن الصدق والطيبة وحسن الظن بالآخرين ليست ضعف شخصية، بل هي من الأخلاق الراقية وهي تزيد صاحبها سمواً وجمالاً روحياً، وليس من المعيب أن يمتلك الإنسان الطيبة بل العيب في من لا يُقدّر هذه الطيبة ويعطيها حقها في التعامل بالمثل. فالمشكلة الأساسية ليست في الطيبة، إنما في استغلال الآخرين لهذه الطيبة، نتيجة لعدم عقلنة قراراتنا والاعتماد على عواطفنا بشكل كلي. فالصدق والطيبة حسب المنطق والعقل، ولها فوائد جمة للنفس ولعموم أفراد المجتمع، فهي تحصين للشخص عن المعاصي، وزيادة لصلة الإنسان بربه، وتهذيب للنفس والشعور بالراحة النفسية، فالصادق الطيب ينشر المحبة بين الناس، وهذا يعزّز التماسك الاجتماعي وتقويته من سوء الظنون والحقد، وهذا التعامل أكّدت عليه جميع الشرائع السماوية، ولو تأمّلنا تاريخ وأخلاق الأنبياء والأوصياء لوجدنا كل ما هو راقٍ من الأخلاق والتعامل بالطيبة والصدق... حنان الزيرجاوي
اخرىلا تقاس العقول بالأعمار!
(لا تقاس العقول بالأعمار، فكم من صغير عقله بارع، وكم من كبير عقله فارغ) قولٌ تناولته وسائل التواصل الاجتماعي بكل تقّبلٍ ورضا، ولعل ما زاد في تقبلها إياه هو نسبته الى أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام)، ولكننا عند الرجوع إلى الكتب الحديثية لا نجد لهذا الحديث أثراً إطلاقاً، ولا غرابة في ذلك إذ إن أمير البلاغة والبيان (سلام الله وصلواته عليه) معروفٌ ببلاغته التي أخرست البلغاء، ومشهورٌ بفصاحته التي إعترف بها حتى الأعداء، ومعلومٌ كلامه إذ إنه فوق كلام المخلوقين قاطبةً خلا الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله) ودون كلام رب السماء. وأما من حيث دلالة هذه المقولة ومدى صحتها فلابد من تقديم مقدمات؛ وذلك لأن معنى العقل في المفهوم الإسلامي يختلف عما هو عليه في الثقافات الأخرى من جهةٍ، كما ينبغي التطرق الى النصوص الدينية الواردة في هذا المجال وعرضها ولو على نحو الإيجاز للتعرف إلى مدى موافقة هذه المقولة لها من عدمها من جهةٍ أخرى. معنى العقل: العقل لغة: المنع والحبس، وهو (مصدر عقلت البعير بالعقال أعقله عقلا، والعِقال: حبل يُثنَى به يد البعير إلى ركبتيه فيشد به)(1)، (وسُمِّي العَقْلُ عَقْلاً لأَنه يَعْقِل صاحبَه عن التَّوَرُّط في المَهالِك أَي يَحْبِسه)(2)؛ لذا روي عنه (صلى الله عليه وآله): "العقل عقال من الجهل"(3). وأما اصطلاحاً: فهو حسب التصور الأرضي: عبارة عن مهارات الذهن في سلامة جهازه (الوظيفي) فحسب، في حين أن التصوّر الإسلامي يتجاوز هذا المعنى الضيّق مُضيفاً إلى تلك المهارات مهارة أخرى وهي المهارة العبادية. وعليه فإن العقل يتقوّم في التصور الاسلامي من تظافر مهارتين معاً لا غنى لأحداهما عن الأخرى وهما (المهارة العقلية) و(المهارة العبادية). ولذا روي عن الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله) أنه عندما سئل عن العقل قال :" العمل بطاعة الله وأن العمّال بطاعة الله هم العقلاء"(4)، كما روي عن الإمام الصادق(عليه السلام)أنه عندما سئل السؤال ذاته أجاب: "ما عُبد به الرحمن، واكتسب به الجنان. فسأله الراوي: فالذي كان في معاوية [أي ماهو؟] فقال(عليه السلام): تلك النكراء، تلك الشيطنة، وهي شبيهة بالعقل وليست بالعقل"(5) والعقل عقلان: عقل الطبع وعقل التجربة، فأما الأول أو ما يسمى بـ(الوجدان الأخلاقي) فهو مبدأ الادراك، وهو إن نَما وتطور سنح للإنسان فرصة الاستفادة من سائر المعارف التي يختزنها عن طريق الدراسة والتجربة وبالتالي يحقق الحياة الإنسانية الطيبة التي يصبو اليها، وأما إن وهن واندثر لإتباع صاحبه الأهواء النفسية والوساوس الشيطانية، فعندئذٍ لا ينتفع الانسان بعقل التجربة مهما زادت معلوماته وتضخمت بياناته، وبالتالي يُحرم من توفيق الوصول إلى الحياة المنشودة. وعقل التجربة هو ما يمكن للإنسان اكتساب العلوم والمعارف من خلاله، وما أروع تشبيه أمير البلغاء (عليه السلام) العلاقة التي تربط العقلين معاً إذ قال فيما نسب إليه: رأيت العقل عقلين فمطبوع ومسموع ولا ينفع مسموع إذ لم يك مطبــوع كما لا تنفع الشمس وضوء العين ممنوع(6) فقد شبّه (سلام الله عليه) عقل الطبع بالعين وعقل التجربة بالشمس، ومما لاشك فيه لكي تتحقق الرؤية لابد من أمرين: سلامة العين ووجود نور الشمس، وكما إن الثاني لا ينفع إن لم يتوفر الأول فكذلك عقل التجربة لا ينفع عند غياب عقل الطبع فضلاً عن موته. وبما إن عقل الطبع قد ينمو ويزدهر فينفع صاحبه من عقل التجربة، وقد يموت ويندثر عند الاستسلام لإضلال شبهةٍ أوبسبب إرتكاب معصية، فإنه ومن باب أولى أن يتعرض الى الزيادة والنقصان كما سيأتي... وقد ورد في النصوص الدينية أن للعقل زمناً ينمو فيه ويكتمل، فعن إمامنا أبي عبدالله (عليه السلام) قال: قال أمير المؤمنين (صلوات الله عليه):"يثغر الصبي لسبع، ويؤمر بالصلاة لتسع، ويفرق بينهم في المضاجع لعشر، ويحتلم لأربع عشرة، وينتهى طوله لإحدى وعشرين سنة، وينتهي عقله لثمان وعشرين إلا التجارب"(7)، وعن أمير المؤمنين (عليه السلام): "يربى الصبي سبعاً ويؤدب سبعاً، ويستخدم سبعاً، ومنتهى طوله في ثلاث وعشرين سنة، وعقله في خمس وثلاثين [سنة] وما كان بعد ذلك فبالتجارب"(8). إذن يتوقف النمو الطبيعي لعقل الانسان عند سن الثامنة والعشرين أو الخامسة والثلاثين كما ورد في الروايتين، وأية زيادة أخرى في طاقته بعد ذلك إنما تأتي عن طريق التجارب، وقد يُتوهم بأن ثمة تعارضاً ما بين الروايتين المتقدمتين في شأن تحديد سن النمو العقلي، إلا إنه لا تعارض ينهما إذا حملنا اختلافهما فيه على اختلاف الاشخاص وتباين استعدادات وقابليات كل منهم. وعلى الرغم من توقف نمو عقل الإنسان إلا إن له أنْ يزيده بالتجارب ومواصلة التعلم ــ كما تقدم في الروايات ــ وسواء أثبت العلم هذه الحقيقة الروائية أم لا، فنحن نريد الإشارة إلى ضرورة استمرار التجربة والتعلم لزيادة نمو العقل وهذا المقدار لا خلاف فيه وعلى الرغم من إن لعمر الانسان مدخلية في زيادة عقله كما تقدم وكما روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام): "يزيد عقل الرجل بعد الاربعين إلى خمسين وستين، ثم ينقص عقله بعد ذلك"(9)، إلا إن ذلك ليس على نحو العلة التامة، إذ يمكن للعقل أن يبقى شاباً وقوياً وإن شاب الإنسان وضعف جسمه، وتقدم في السن ووهن عظمه، فالعاقل لا يشيب عقله ولا تنتقص الشيخوخة من قوته بل وقد يزداد طاقةً وحيويةً لذا ورد عن أمير المؤمنين (عليه السلام):"رأي الشيخ أحب الي من جَلَد الغلام"(10)، وفي أخرى ".....من حيلة الشباب "(11) وأما من لم يوفر أسباب صقل عقله في مرحلة الشباب فإنه بلا شك يضمحل عقله في مرحلة الشيخوخة. وليس تقدم العمر هو العامل الوحيد في نقصان العقل بل إن النصوص الشرعية أشارت الى عوامل عديدة اخرى أهمها: أولاً: التعلم: فقد روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام): "من لم يصبر على ذل التعلم ساعة بقي في ذل الجهل أبداً"(13). ثانياً: التوبة: وعنه (عليه السلام) ايضاً:"من لم يرتدع يجهل"(14) ثالثاً: التقوى: فقد كتب إمامنا الباقر (عليه السلام) إلى سعد الخير: "بسم الله الرحمن الرحيم أما بعد فإني اوصيك بتقوى الله فإن فيها السلامة من التلف والغنيمة في المنقلب إن الله (عزوجل) يقي بالتقوى عن العبد ما عزب عنه عقله ويجلي بالتقوى عنه عماه وجهله"(15) إذن التوبة هي سبب للتوفيق الإلهي الذي يؤدي فيما يؤدي إليه من إكمال العقل. رابعاً: الوقوف عند الشبهة: وقال (عليه السلام ): "لا ورع كالوقوف عند الشبهة"(16). فإن الوقوف عند الشبهات سبب من أسباب التوفيق الإلهي بلا شك. خامساً: الاعتراف بالجهل: كما روي عن الإمام علي (عليه السلام): "غاية العقل الاعتراف بالجهل"(17) إذ الاعتراف بالجهل يدفع الإنسان دوماً إلى مزيد من بذل الجهد واكتساب المعارف. مما تقدم تتضح جلياً صحة هذه المقولة دلالةً، إذ إن العقول فعلاً لا تقاس بالأعمار لأن كلٍاً من زيادتها ونقيصتها منوطٌ بالعديد من العوامل الأخرى والتي تقدم ذكرها، بيد إن ذلك لا يبرر التساهل في نشرها والتهاون في الاستشهاد بها على إنها من أقوال أمير المؤمنين (صلوات الله وسلامه عليه) لعدم ثبوت ذلك سنداً من جهة ولضعف بلاغتها وركاكة تركيبها بالنسبة إلى سيد البلغاء والبلاغة. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) تهذيب اللغة ج1 ص65 (2) لسان العرب ج11 ص458 (3) نهاية الحكمة ص305 (4) ميزان الحكمة ج3 ص333 (5) أصول الكافي ج1، ح3 / 11 (6) نهج السعادة ج9 ص163 (7) الكافي ج7 ص94 (8) الفقيه ج3 ص493 (9) الاختصاص ص245 (10) نهج البلاغة حكمة 86 (11) بحار الأنوار ج72 ص105 (12) المصدر السابق ج1 ص94 (13) غرر الحكم ودرر الكلم ج1 ص118 (14) الكافي ج8 ص73 (15) وسائل الشيعة ج1 ص162 (16) غرر الحكم ودرر الكلم ج1 ص1 بقلم الكاتبة: رضا الله غايتي
اخرىالمرأة في فكر الإمام علي (عليه السلام)
بقلم: أم نور الهدى كان لأمير المؤمنين (عليه السلام) اهتمام خاص بالمرأة، فنراه تارة ينظر إليها كآية من آيات الخلق الإلهي، وتجلٍ من تجليات الخالق (عز وجل) فيقول: (عقول النساء في جمالهن وجمال الرجال في عقولهم). وتارة ينظر إلى كل ما موجود هو آية ومظهر من مظاهر النساء فيقول: (لا تملك المرأة من أمرها ما جاوز نفسها فإن المرأة ريحانة وليس قهرمانة). أي إن المرأة ريحانة وزهرة تعطر المجتمع بعطر الرياحين والزهور. ولقد وردت كلمة الريحان في قوله تعالى: (فأمّا إن كان من المقربين فروح وريحان وجنة النعيم) والريحان هنا كل نبات طيب الريح مفردته ريحانة، فروح وريحان تعني الرحمة. فالإمام هنا وصف المرأة بأروع الأوصاف حين جعلها ريحانة بكل ما تشتمل عليه كلمة الريحان من الصفات فهي جميلة وعطرة وطيبة، أما القهرمان فهو الذي يُكلّف بأمور الخدمة والاشتغال، وبما إن الإسلام لم يكلف المرأة بأمور الخدمة والاشتغال في البيت، فما يريده الإمام هو إعفاء النساء من المشقة وعدم الزامهن بتحمل المسؤوليات فوق قدرتهن لأن ما عليهن من واجبات تكوين الأسرة وتربية الجيل يستغرق جهدهن ووقتهن، لذا ليس من حق الرجل إجبار زوجته للقيام بأعمال خارجة عن نطاق واجباتها. فالفرق الجوهري بين اعتبار المرأة ريحانة وبين اعتبارها قهرمانة هو أن الريحانة تكون، محفوظة، مصانة، تعامل برقة وتخاطب برقة، لها منزلتها وحضورها. فلا يمكن للزوج التفريط بها. أما القهرمانة فهي المرأة التي تقوم بالخدمة في المنزل وتدير شؤونه دون أن يكون لها من الزوج تلك المكانة العاطفية والاحترام والرعاية لها. علماً أن خدمتها في بيت الزوجية مما ندب إليه الشره الحنيف واعتبره جهادًا لها أثابها عليه الشيء الكثير جدًا مما ذكرته النصوص الشريفة. فمعاملة الزوج لزوجته يجب أن تكون نابعة من اعتبارها ريحانة وليس من اعتبارها خادمة تقوم بأعمال المنزل لأن المرأة خلقت للرقة والحنان. وعلى الرغم من أن المرأة مظهر من مظاهر الجمال الإلهي فإنها تستطيع كالرجل أن تنال جميع الكمالات الأخرى، وهذا لا يعني أنها لا بد أن تخوض جميع ميادين الحياة كالحرب، والأعمال الشاقة، بل أن الله تعالى جعلها مكملة للرجل، أي الرجل والمرأة أحدهما مكمل للآخر. وأخيرًا إن كلام الإمام علي (عليه السلام) كان تكريمًا للمرأة ووضعها المكانة التي وضعها الله تعالى بها، حيث لم يحملها مشقة الخدمة والعمل في المنزل واعتبر أجر ما تقوم به من اعمال في رعاية بيتها كأجر الجهاد في سبيل الله.
اخرىالطلاق ليس نهاية المطاف
رحلةٌ مثقلة بالألم في طريق يئن من وطأة الظلم! ينهي حياة زوجية فشلت في الوصول إلى شاطئ الأمان. ويبدد طموحات أطفال في العيش في هدوء نفسي واجتماعي تحت رعاية أبوين تجمعهم المودة والرحمة والحب. الطلاق شرعاً: هو حل رابطة الزواج لاستحالة المعاشرة بالمعروف بين الطرفين. قال تعالى: [ لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (226) وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (227)].(١). الطلاق لغوياً: من فعل طَلَق ويُقال طُلقت الزوجة "أي خرجت من عصمة الزوج وتـحررت"، يحدث الطلاق بسبب سوء تفاهم أو مشاكل متراكمة أو غياب الانسجام والحب. المرأة المطلقة ليست إنسانة فيها نقص أو خلل أخلاقي أو نفسي، بالتأكيد إنها خاضت حروباً وصرعات نفسية لا يعلم بها أحد، من أجل الحفاظ على حياتها الزوجية، ولكن لأنها طبقت شريعة الله وقررت مصير حياتها ورأت أن أساس الـحياة الزوجيـة القائم على المودة والرحـمة لا وجود له بينهما. فأصبحت موضع اتهام ومذنبة بنظر المجتمع، لذلك أصبح المـجتمع يُحكم أهواءه بدلاً من الإسلام. ترى، كم من امرأة في مجتمعنا تعاني جرّاء الحكم المطلق ذاته على أخلاقها ودينها، لا لسبب إنما لأنها قررت أن تعيش، وكم من فتاة أُجبرت قسراً على أن تتزوج من رجل لا يناسب تطلعاتها، لأن الكثير منهن يشعرن بالنقص وعدم الثقة بسبب نظرة المجتمع، وتقع المرأة المطلّقة أسيرة هذه الحالة بسبب رؤية المجتمع السلبيّة لها. وقد تلاحق بسيل من الاتهامات وتطارد بجملة من الافتراءات. وتعاني المطلقة غالباً من معاملة من حولها، وأقرب الناس لها، بالرغم من أن الطلاق هو الدواء المر الذي قد تلجأ إليه المرأة أحياناً للخلاص من الظلم الذي أصبح يؤرق حياتها الزوجية، ويهدد مستقبلها النفسي، والله تعالى لم يشرع أمراً لخلقه إلا إذا كان فيه خير عظيم لهم، والطلاق ما شرّع إلا ليكون دواء فيه شفاء وإن كان مرّاً، وإن كان أمره صعباً على النفوس، حيث قال عز وجل: "وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ وَكَانَ اللَّهُ وَاسِعًا حَكِيمًا"، روي عن الرسول الأعظم (صلى الله عليه واله وسلم) ((أبغض الحلال إلى الله الطلاق) (٢). ورغم أن الشريعة الإسلامية أباحت الطلاق بشروط تلاءم لبناء المجتمع، وأولت أهمية في الإحسان دائمًا للطرف الأضعف والأكثر خسارة في هذه المعادلة وهي "المرأة"، إلا أن المجتمع الذي يدّعي الإسلام لا يرحمها، ويحكم عليها بالإدانة طوال حياتها دون النظر في صحة موقفها في الطلاق من عدمه! قال( تعالى ): [الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ] (٣). ولكن بعد كل هذا فالحياة لم ولن تتوقف بعد الطلاق! الطلاق ليس نهاية الحياة. - أخيتي. ليكن الطلاق بداية جديدة لحياة جديدة وللانطلاق. -قطار العطاء لن يتعطل. فإن كنت السبب في الطلاق فالحمد لله على كل حال وتلك أمة قد خلت وأيام ذهبت وانجلت فلست بالمعصومة من الخطأ. وعليك استدراك الأخطاء وتقوية مواطن الضعف في شخصيتك، واجعليها درساً مفيداً في الحياة لتطوير نفسك وتقويتها. وإذا كنتِ مظلومة فهناك جبار يُحصي الصغير والكبير وسيأتي يوم ينتصر لك فيه. -ومن الجميل أن تعطي نفسك الإحساس بالحب والاحترام، ولا تتأثري بأي نظرة سلبية من المجتمع وكون البعض يتعامل مع المطلقة على أنها حالة خاصة فعليكِ إثبات ذاتك حتى تفرضي على الكل شخصيتك. - نظرتك لنفسك اجعليها نظرة ايجابية مشرقة ولا تنزلقي في مستنقع نبذ الذات وظلم النفس. - ابحثي عن الصفات الجيدة فيك فإن ذلك سيشعرك بالثقة في ذاتك والتقدير لها. -حاولي مراجعة نفسك للخروج بإيجابيات حصلت لك من طلاقك. - خالطي الآخرين وإياك والعزلة بسبب وضعك الجديد فلست بأول من يبتلى بالطلاق. -استمتعي بالموجود ولا تتعلقي بالمفقود، حلقي بروح تعبق أملاً وتفاؤلاً، استمتعي بما وهبك الله من نعم (صحة وأولاد وأهل وصديقات وعمل وهوايات وغيرها من الأمور الجميلة) فما حصل لك حصل… ولابد أن تتقبليه برضا، وأعلمي أن ما أصابك لم يكن ليخطأك وما أخطأك لم يكن ليصيبك. وقال أصدق من قال: ( وعسى أن تكرهوا شيئاً وهو خير لكم). فالرضا سر السعادة الحقيقي. - اقتربي من صديقاتك الصالحات، واقضي معهن وقتاً طيباً تنسين به ألمك وحزنك. - احرصي على الصلوات وقراءة القرآن الكريم والذكر والاستغفار وأكثري من الطاعات قدر ما تستطيعين، ففيها السلوى والفرح والسعادة. ونعم سعادة القرب من الرحمن. - اشغلي نفسك بأعمال البر والإحسان بمساعدة محتاج. بكفالة يتيم. بتعلم الفقه والقرآن وتعليمه. - اجتهدي في عمل برنامج يومي لك يكون ممتلأ بكل ما هو مفيد لك. من قراءة وزيارة الأصدقاء وصلة الرحم. بحيث لا تكون هناك دقيقة أنت فارغة فيها. - وأسرعي بقاربك الجميل بمجذافين من إيمان بالله وثقة بالنفس وسوف تصلين بإذن الله نحو جزيرة السعادة والنجاح. لكي تتسلق جبال الإنجاز، وتصل لأعلى مراتب الاعجاز. وعندها جزماً سيكون للحياة معنى آخر. --------------------------------- (١)-سورة البقرة الآية (٢٢٦-٢٢٧). (٢)-الكافي (٢)-سورة البقرة الآية (٢٢٨) حنان ستار الزيرجاوي
اخرىهَوَّنَ عَلَيَّ مَا نَزَلَ بِي أَنَّهُ بِعَيْنِ اللهِ
عاشوراء مدرسة أعطت وتعطي الكثير الكثير كل يوم للمتأمل فيما ورد عنها من كلمات وفيما وثق فيها من مواقف... ولعل من أهم الدروس التي ترسخها عاشوراء في الأذهان بعد ضرورة مواجهة الباطل والدفاع عن الحق مهما كلفت من تضحيات جسام هو: الصبر على البلاء بل والرضا به .. كيف لا، وقد ورد عن سيّد الشهداء (عليه السلام) في اللحظات الأخيرة من حياته حينما كان يتمرّغ في الدم والتراب: «رضاً بقضائك وتسليماً لأمرك لا معبود سواك»(1). وكذلك فيما جاء في خطبته عند خروجه من مكّة إلى المدينة: «رضا اللَّه رضانا أهل البيت»(2) . فما سر هذا الرضا رغم شدة الابتلاءات وقساوة المحن التي مر بها سيد الشهداء (عليه السلام) ؟ مما لا شك فيه أن يقين الامام الحسين (عليه السلام) هو الذي رفعه إلى مقام الرضا رغم ما جرى عليه في واقعة كربلاء، إلا أنه ومع هذا فقد أرشد المؤمنين إلى مفاتيح الصبر والرضا، ولعل من أهمها ما وَرَدَ عنه (عليه السلام) أَنَّهُ قَالَ بعد أن تفاقم الخطب أمامه في كربلاء، واستشهد أصحابه وأهل بيته: «هَوَّنَ عَلَيَّ مَا نَزَلَ بِي أَنَّهُ بِعَيْنِ اللهِ»(1). فهنا يلفت الامام الحسين (عليه السلام) نظر المؤمنين الى حقيقة مهمة وهي: أن الله سبحانه يعلم بكل مجريات الأُمور، وهو مطلع على كل معاناة المبتلى وما يكابده من ألم دونما اعتراض منه على قضائه هو في حد ذاته حافز للمبتلى للصبر والرضا.. ولتقريب المعنى نقول: إن المتسابقين في ساحة اللعب مثلا يشعرون بالارتياح حينما يعلمون أن أبويهم وأصدقاءهم ينظرون اليهم فيندفعون بقوّة أكبر في تحمل الصعاب لتحقيق الفوز. فإذا كان تأثير وجود الأبوين والأصدقاء كذلك، فما بالك بتأثير استشعار رؤية الله لما يجري على الانسان وهو يصارع الألم ويواجه المحن؟! ما أعظم القوّة التي يمنحها هذا الاستشعار لتحمل الامتحانات العسيرة والمصائب الخطيرة .. ولذا فقد جاء النداء الالهي لتثبيت قلب النبي نوح (عليه السلام) حين واجه أعظم المصائب والضغوط من قومه وهو يصنع الفلك، حيث قال (تعالى) : (وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا)(2). فكان لعبارة «بِأَعْيُنِنَا» وقع عظيم في نفسه (عليه السلام) فصبر وواصل عمله الى نهايته دونما أن يلتفت الى تقريع الأعداء أو يهتم باستهزائهم. ــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) موسوعة الامام علي بن أبي طالب (عليه السلام) ج8 ص42 (2) المصدر السابق (3) بحار الأنوار، ج 45، ص 46 (4) هود 37 رضا الله غايتي
اخرى