Profile Image

وردة النرجس

المنبرُ الحُسيني قضيةٌ وهدف

بقلم: وجدان الشوهاني لطالما اقترنَ المنبرُ بالإمامِ الحُسين (عليه السلام)، ولم يُفكِّرِ البعضُ بالسبب حتى توهّمَ الكثيرُ بأنَّ المنبرَ هو اكتشافٌ ظهرَ بعدَ عاشوراء الحسين (عليه السلام)! مع أنّ التأريخَ أثبتَ أنّ المنبرَ هو مرقاةٌ يرتقيها الخطيبُ ليُكلّمَ الناسَ، وهو مرتبطٌ بالأنبياء (عليهم السلام)؛ لأنّهم بُعثوا من أجلِ أنْ يُكلِّموا الناسَ ويُرشدوهم لطريقِ الحقِّ، كما إنّ القرآنَ أشار لذلك من خلالِ قصةِ النبي شُعيب (عليه السلام) مع قومِه؛ فكان من ألقابه (شيخُ الخطباء). ولا ننسى ارتقاءَ نبيّنا الأكرم مُحمدٍ (صلى الله عليه وآله) المنبرَ وكذلك المعصومين من أهل بيت النبوّةِ (عليهم السلام). وبهذا فالمنبرُ ليس اكتشافًا عاشورائيًا ولا إسلاميًا، بل هو قرآنيٌ ألهيٌ للخواصِ من الناس، ولكنّه كما الكثير من الشرائع التي أصابها التحريف فانحرفت، كذلك المنبرُ انحرف عن المسارِ الذي أرادَه اللهُ (عزّ وجل) له من خلالِ اعتلائه من قبل كُلِّ مَن هبَّ ودب، بعد شهادة النبي (صلوات الله عليه وآله) حتى عام 61 من الهجرة ،حيث واقعة الطفِّ وما جرى على أهلِ بيتِ النبوّةِ (عليهم السلام) من مصائبَ يشيبُ لها الرأس. فعاشوراءُ قضيةٌ خرجَ من أجلِها خامسُ أهلِ الكساء (عليه السلام)، وكتبَ بدمِه ودماءِ أهلِ بيتِه وأنصارِه عنوانَها وهو الإصلاح عندما قال (عليه السلام): "إنّي لم أخرج أشرًا ولا بطرًا ولا مُفسدًا ولا ظالمًا، وإنّما خرجتُ لطلبِ الإصلاحِ في أُمّةِ جدّي". ومن هُنا اقترنَ المنبرُ باسمِ الحُسين (عليه السلام)، وأصبحت له قضيةٌ اسمُها الإصلاح، وكان الهدفُ هو تنزيهُ المنبر من شوائب الانحرافِ التي طالته من قبلِ الكثير سواءً قبلَ الإسلام أو بعد استشهاد النبي (صلوات الله عليه وآله)، حيث اعتلاه من انحرف عن مساره (صلوات الله عليه وآله) وبالخصوص بني أميّة. وممّا يؤكِّدُ قولَنا هو كلامُ الإمام السجاد (عليه السلام) عند دخوله مجلسَ الطاغيةِ يزيدَ (لعنه الله) في الشام بعد مقتلِ أبيه الحسين (عليه السلام) فقال: "يا يزيد، ائذن لي حتى أصعدَ هذه الأعوادَ فأتكلّمُ بكلماتٍ للهِ فيهنَّ رضا ولهؤلاء الجلساء فيهنَّ أجرٌ وثواب". فربما كان وَصف إمامُنا السجاد (عليه السلام) -وهو أوّلُ خطيبٍ حُسيني- المنبر بالأعواد كنايةً وتأكيداً للانحراف الأموي، حيثُ كانت منابرُهم للتضليل، والمنبر إنّما أرادَه اللهُ وأهلُ بيته (صلوات الله عليهم) أنْ يكونَ منبرَ إصلاح. ومن بعدِ السجّادِ (عليه السلام) كانت لمولاتنا زينب ( عليها السلام) وقفةٌ منبريةٌ أخرى ضدَّ طاغيةِ الشام يزيد (لعنه الله)، وهذا هدفٌ آخر من أهدافِ الحُسين (عليه السلام) في أنَّ المرأةَ شريكٌ مهمٌ في القضيةِ الإصلاحية خصوصًا، وأنَّ مشيئةَ اللهِ (تعالى) اقتضت خروج النساء مع الحُسين (عليه السلام) في قضيته الإصلاحية، فكان للمرأةِ دورٌ بارزٌ؛ فزينبُ والسجّادُ (عليهما السلام) كانا رائدي المنبرِ الحُسيني.. ولكن لم يسلمِ المنبرُ الحُسيني بعدَ غيبةِ الإمام (عجّل الله فرجه) من المُغالطات، فهُناك الكثيرُ ممن يعتلي المنبر الحسيني، ويرفعُ رايةَ الإصلاح ولكن يُريدُ به تضليلَ الناس، وهذا ما يُسمّى (كلمةُ حقٍّ يُرادُ بها باطل).. ومن هنا سيكونُ أحدُ أهدافِ الإمام الحجة (عجّل الله فرجه)، هو تحقيقُ الهدفِ في تنزيهِ المنبر، ومن ذلك نفهمُ معنى نداء الإمام عند ظهوره –كما يُنقل عن لسان حاله-: "يا أهلَ العالمِ، إنَّ جدّي الحُسين قُتِلَ عطشانًا". وما ذلك إلَّا للتذكير بالقضية وتحقيق الهدف، فإلى ظهور الإمام (عجّل الله فرجه) نسأل الله (تعالى) أنْ نكون وكُلُّ من يُقدّسُ المنبرَ ممّن وعى قضيةَ وهدفَ المنبرِ الحُسيني وعمل به.

اخرى
منذ 3 سنوات
226

فتوى عجوز!

بقلم: وجدان الشوهاني قطّبتْ وجهَها، عبسَتْ، بدأتْ تتلوّنُ بألوانِ الخوفِ والهلع.. - ماذا دهاكِ يا جدّتي؟ ردّتْ بنفور: - لا شيء، إنّه شهرُ صفر.. - وماذا يعني شهرُ صفر يا جدّتي، فهو شهرٌ كباقي الشهور؟ فغضبتْ وعلا صوتُها.. - أنتم جيلُ اليوم لا تفقهون شيئًا، تتعلّمون من الكُتُبِ ما يجعلُكم تنتفضون على عاداتِنا وتقاليدِنا التي ورثناها من أمهاتنا؛ فلم نكُنْ نُعارِضُ ما تواه أُمهاتُنا، أمّا أنتم فتُعارضونَ كُلَّ شيءٍ وتتبجّحون بالعلمِ والكُتُب. سكتتْ، وسكتَ الجميع، حتى هدأتْ ثورتُها؛ فداعبتُها، وقبّلتُ تجاعيدُها التي تجذبُني إليها فأزدادُ عشقًا لحكايتها. فقلتُ لها: كم أُحِبُكِ جدّتي! فردّتْ والغضبُ ما زالَ يعتليها، لو كُنتِ تُحبيني اسمعي كلامي . فتبسّمتُ لها قائلةً: حاضرة... هيّا قولي لي ما يجبُ وما لا يجبُ في شهر صفر.. وبدأتْ تُفتي بأنواعِ الفُتيا، بناءً على القاعدةِ الموروثة: (طبِّقْ ولا تُناقشْ). ومن تلك الفتاوى الخاصةِ بشهرِ صفر والتي صدرتْ من جدّتي من طريقٍ صحيحٍ عن سابقاتِها هي: *لا بيعَ فيه ولا شراءَ للأمورِ المُهمّةِ كبيعِ أو شراءِ دارٍ مثلًا، بسببِ موروثِ النحوسة. *لا عقدَ نكاحٍ فيه؛ لنفس السبب المُتقدِّم... وأنا أسمعُها تذكّرتُ فلمَ الرسالة، ومشهد أبي سفيان عندما يقول: (لا نتزوجُ منهم ولا يتزوجون منّا ....إلخ)... أتصوَّرُ أنّ المشهدَ قد استوحاه عباس محمود العقاد من موروثِ العجائز. *أما إذا رزقنا اللهُ (تعالى) بطفل في شهر صفر، فإنّها كارثةُ الكوارثِ عندَ جدّتي، لأنّه سيكونُ نحسًا، لا يبتسمُ إلّا بأموال، إضافةً إلى صفاتٍ أخرى منبوذةٍ سيتصفُ بها عندما يكبُرُ إنْ شاءَ اللهُ (تعالى)؛ والسببُ في كُلِّ تلك الصفات هو إنّه ولِدَ في شهرِ صفر، لكن عندَ جدّتي بعض التدابير فلا تقلقوا. *وإنْ تعرّضْنا لأمرٍ عارض؛ فالسببُ في ذلك الأمر هو أنّنا في شهر صفر؛ لأنّه يشهدُ نزولَ زخّاتٍ من البليّات، لن تنفعَ معها المظلّات ولذا ارتأت جدّتي الحذرَ منه بعملِ بعض الأمور، التي اختلفتْ فيها مع غيرِها من المُسنّات تبعًا لاختلاف الاجتهاد الموروث؛ فبعضُهن يُفتين بكسرِ شيءٍ زجاجي عند استقبال الشهر، أو حرق شيءٍ ما، والبعضُ الآخرُ -وجدّتي منهن- ترى أنْ يكونَ الكسرُ أو الحرقُ في آخرِ الشهر.. وكلُّ فريقٍ منهما له دليله في ذلك. ولكنّي أستوحي التخريبَ من تلك الفُتيا، وكأنّهن يتمتّعنَ بحنكةٍ سياسيةٍ لمُجابهةِ الأعداء، وبالخصوص شهر صفر، ويتفقنَ على أنْ يكونَ يومُ الأربعاء يومًا لذلك التخريب، وكُلُّ ما يختلفن فيه هو اختياره من أولِ الشهرِ أو آخره. فلا اجتهادَ في قِبالِ النص، فقد وردَ من الموروثِ التقليدي بروايةٍ مُعتبرةٍ عن جدّاتِنا الثقات أنّ يومَ الأربعاء ثقيلٌ، ولم يُذكَر دليلُ سببِ ثقلِ هذا اليوم. ولتخفيف عبء ثقله، سيشهدُ كرنفالًا لتكسيرِ الزجاج بشتّى أنواعه، وحرق بعضِ الحطبِ أمامَ أبوابِ الدور، وترديد هتافات الخروج.. ألمْ أقُلْ إنهنّ يتمتّعْنَ بحنكةٍ سياسية؟! طبعًا وأنا أستمعُ لكُلِّ كلامِ جدّتي والابتسامةُ تعلو وجهي، مع تفكيرٍ ينتابُني ويُقلقُني.. هل سأكونُ مثلَ جدّتي عندما أكبر؟ فنحنُ اليومَ في القرنِ الواحدِ والعشرين وعصرِ النهضة، ولكنّ فُتيا العجائزِ لا زالتْ ساريةَ المفعول عِبرَ قرونٍ مضت وإلى اليوم، بل إنّ تأثيرَ فتواها سرى للرجال أيضًا، ولبعضِ العقول التي تحملُ شهادةً أكاديميةً... ومن هُنا انتابني القلقُ في إنّني سأكونُ يومًا ما كجدّتي؛ فأنا اليوم بين أمرين إمّا أنْ آخذُ بما هو موجودٌ في كُتُبِ الفقهاء وأعمل به، وإمّا أنْ أرميها عرضَ الجدار، وآخذُ بما تقولُه جدّتي من فقهِ العجائز. وقبل أنْ أختمَ، لا تتوقعوا أنّ جدّتي وقفت عندَ شهرِ صفر فقط، لا، إنْ كان تفكيرُكم هكذا فأنتم تجهلون معنى (فتوى عجوز)؛ فهي مُجتهدةٌ بمعنى الكلمة، ومن يُرد التأكُد فليُراجع فتواها في شهر رمضان وعدّةِ المُتوفّى عنها زوجُها وغيرها من فتاوى، وستجدون العجب العجاب. أيّتُها العجوزُ المحبوبة، رغمَ حُبّي الشديدِ لكِ يا جدّتي، لكنّني أعتذرُ عن تنفيذِ فتواكِ، ففقد وهبَنا اللهُ (تعالى) نعمةَ العقل، ومن الظلمِ تعطيله. فعُذرًا جدتي، سوف أقودُ انتفاضةً على فتواكِ وفتوى كُلِّ عجوز، ولن يُكبِّلَني حُبُّكِ.

اخرى
منذ 3 سنوات
182

رسولُ الإنسانية

بقلم: إيمان الشوهاني في أرضٍ القويُّ فيها يأكلُ الضعيفَ، والغنيٌّ يتعالى على الفقير، والسيّدُ فيها يُعذّبُ العبدَ، والبنتُ توأد، والابنُ يرثُ زوجةَ أبيه وله أنْ يتزوّجها، يعبدونَ ما يصنعون من أوثان، الخمرُ والميسرُ غيّبا عقولهم فتراهم قُساةً، تحكمُهم العصبيةُ للونِ والقبيلةِ، عقولُهم كالحجارةِ بل أشدّ. في هكذا أرضٍ وهكذا مُجتمعٍ ولِدَ ونشأ رسولُنا الكريمُ (صلّى الله عليه وعلى آله)، وكان مُختلفًا عنهم مُميّزًا في كُلِّ شيء، فكان بعيداً كُل البُعدِ عن فعلِ الموبقات التي ميّزتْ ذلك المُجتمع، بل كانَ صادقًا أمينًا نزيهًا كثيرَ الحياءِ وغيرها من الصفاتِ الحميدة... كان يمتلكُ من الخُلُقِ الرفيعِ ما يجعلُ ذلك المُجتمعُ الوثني يحترمُه ويُجِلُّه. وما إنْ جاءتْ لحظةُ التغيير بأمرٍ إلهي؛ ليُبعثَ رسولاً لأمّةِ الجهل؛ وليهديهم إلى النور، لم يتقبلْ ذلك المُجتمعُ الجاهلُ وجودَ شخصٍ واحدٍ ليسَ من عشائرٍهم ولا من الأغنياء يكونُ نبيًا عليهم، ولم تتحملْ عقولُهم الحجريةُ أنّ هذا الرسولَ بعثَه اللهُ (تعالى) إليهم رحمةً؛ ليُنهيَ على يديه ذلك الجهل ويُنيرَ به الدربَ، فحاربوه بشتّى الوسائلِ حتّى خرجَ من تلك الأرضِ إلى أرضٍ أخرى؛ لتكونَ أساسًا لبدايةِ دولةِ الرحمةِ والإنسانية. دولةٌ فيها الإنسانُ له قيمةٌ بغضِّ النظر عن جِنسِه أو لونِه، حُرًا كان أو عبدًا، غنيًا أو فقيرًا، الجميعُ فيها له حقوقٌ، كما عليه واجبات، وما هي إلا سنواتٌ قليلةٌ حتّى أصبحتْ تلك الدولةُ من أعظمِ الدول. إنّه النبيُّ الإنسانُ صاحبُ الخُلُقِ العظيم، تلك الإنسانيةُ، وذلك الخُلُقُ جعلتِ القلوبَ تتهافتُ عليه، حيث حرّرَهم من عبوديتِهم لينطلقوا إلى الحرية، فكانتْ خيرَ أمّةٍ أُخرِجتْ للناس. اليومَ نستذكرُ برحيله تلك الأمّةَ التي غيّرها ابتعادُها عنه وعن إنسانيته، وخُلُقِه الرفيع، فعادتْ إلى الجهل شيئًا فشيئًا، ونحنُ ندعو اللهَ (تعالى) أنْ يردَّنا إليها ردًا جميلًا بحقِّ نبي الرحمة (صلوات الله عليه وآله).. اللهم آمين

اخرى
منذ 3 سنوات
205

أوّلُ أوجاعِ الزهراء برحيلِ خاتمِ الأنبياء

بقلم: وجدان الشوهاني عبارةٌ وردت في كتابِ مفاتيح الجنان للشيخِ القُمّي في ذكرى شهادةِ نبي الرحمة (صلى الله عليه وآله) وهو يروي قولَ أنسٍ بن مالك حين قال: "لما فرغنا من دفنِ النبي (صلى الله عليه وآله) أتتْ إليّ فاطمةُ (عليها السلام) فقالت: كيف طاوعتْكم أنفسكم على أنْ تهيلوا الترابَ على وجهِ رسولِ الله وبكت". وقفتُ عندَها، تأمّلتُها وأمعنتُ النظرَ فيها طويلًا لأستقيَ منها حقيقة رحيل النبي الموجعة، فلا يُعقَلُ أنّها لا تؤمنُ بقضاءِ اللهِ (تعالى) وقدره وهي سيدةُ النساء والمُتصفةُ بالعصمةِ فحاشاها من عدمِ الإيمان؛ لكنّها فقدتْ من كانتْ صفاتُه إلهيةً. حاولتُ أنْ أستقصيَ صورةً للوجعِ الفاطمي، من تلك العبارة، وإذا بالعجز يتحدّاني، فأغلقتُ كتابَ مفاتيحِ الجنانِ مُحمّلةً بخيبةِ العجز. ولكنَّ العبارةَ رافقتني رغمَ إغلاقي للكتاب بسببِ حفظها، وبدأ أرقُ التفكير ينتابُني، فيُخيّلُ لي صوتُها الحزين وهي تُردِّدُ تلك العبارة. حقيقةً لا أعرفُ كيفَ أصِفُ حالَ الزهراءِ (عليها السلام) في تلك اللحظةِ، فأيُّ وجعٍ استشعرتْه مولاتي بفقدانِ أبيها وهي أم أبيها؟! لا أُنكِرُ أنّي أستشعِرُ ألمَ رحيلِ النبي (صلوات الله عليه وآله)، وأشكو للهِ (تعالى) ألمَ فقدِه في شهرِ رمضان من خلالِ دعاء الافتتاح، وحينما أستأذنه للدخولِ لأيّ مرقدٍ من مراقدِ ذُريّته؛ ولكن يبقى وجعُ الزهراءِ (عليها السلام) مُختلفًا، خصوصًا وإنّها العالمةُ غير المُعلَّمة. تعالوا معي لنُسلِّطَ الضوءَ على تلكَ الأوجاعِ ونتركَ الحكمَ للقارئ الحاذق، ولنبدأَ بماضٍ ليس ببعيدٍ عن الزهراء (عليها السلام)، فلقد كانت ذات مكانةٍ عندَ أبيها، حتى إنّه يقفُ لها إجلالًا، يُقبّلُ يديها، يطرقُ بابَها، وجبريلُ يزورُ بيتَها لوجودِ النبي (صلى الله عليه وآله) فيه حتى تركَ أثر زغبِه في بيتِها، إلى آخرِ الأمورِ التي لا يُمكِنُ أنْ تُجمع بسطور.. فقد ودّعت كُلَّ ذلك، ولم يبقَ سوى (أشهدُ أنّ مُحمدًا رسولُ الله)، فبعدَ أنْ كانتْ تراه أصبحتْ تسمعُ اسمَه عند الأذان، ويوماً ما أذِّنُ بلال، فوقعت مغشيًا عليها فأمر الحسنان بلالاً بالسكوتِ خوفًا على أُمِّهما الزهراء وعلي بن أبي طالب يُصبّرها. لكِ كُلُّ الحقِّ مولاتي، فمُحمّدٌ (صلوات الله عليه وآله) أبوكِ ونبيّكِ، نعم، نتألّمُ لفقدِه لكنّه ليس كألمكِ ووجعكِ فهو عظيمٌ بعِظَمِ ما فقدته. وأمّا المُستقبلُ الذي أنبأها به النبيُّ (صلوات الله عليه)، فسوف اختصرُه لأنّي إنْ فتحتُ الملفَ فلن أتوقفَ عن سردِ أوجاعِ الزهراء (عليها السلام) ولذا سأكتفي ببعضِ الكلماتِ علّها تُفصِحُ ولو بشيءٍ قليلٍ عن أوجاعٍ ستقطفُ زهرةَ أبيها عن قريبٍ؛ فرحيلُه كانَ إيذانًا بأوجاعٍ ستبدأ بتهديدٍ بحرقِ البيتِ الذي لامسَت بابَه يدُ النبوة، ولن تنتهيَ حتى ظهورِ القائم (عجّل الله فرجه). فمعَ ما فقدتْه من ماضٍ جميل، وما ستُلاقيه من قادمٍ مؤلم، سقطتْ كُلُّ علاماتِ الاستفهامِ في بحرِ أوجاعِ الزهراء (عليها السلام). سيّدتي لقد تحيّرتُ في وصفِ وجعكِ، فعُذرًا يا بنتَ خيرِ الورى بيومِ فقدِ خيرِ الورى، فعِظمُ الوجعِ كبّلَ قلمي، وباتَ عاجزًا عن الوصف؛ لأنّ وجعكِ برحيل خاتمِ الأنبياءِ (صلى الله عليه وآله) قد فاقَ كُلَّ الأوصاف. سيّدتي ليتني كُنتُ عندَك في ذلك اليوم لأواسيكِ؛ ولكن للأسف شاءَ اللهُ (تعالى) أنْ يجعلني في زمانٍ ليس لي طريقٌ لمواساتكِ سوى بكلماتٍ أخطُّها بقلمي، حاولتُ مع تهديدِ العجزِ لي أنْ أرسمَ ملامحَ وجعكِ الذي ما زال يئنُّ مُنذُ أنْ رحلَ خاتمِ الأنبياء (صلى الله عليه وآله)، ونحنُ اليومَ ننادي: "اللهم عجّل لظهور خاتم الأوصياء لينتهي بظهوره وجع الزهراء (عليها السلام)". فعظّمَ اللهُ أجر الزهراء بفقدِ خاتمِ الأنبياء..

اخرى
منذ 3 سنوات
251