تشغيل الوضع الليلي

الفناء العقائدي

منذ 5 سنوات عدد المشاهدات : 2107

بقلم: أم مصطفى الكعبي
إنَّ المتعرضَ لواقعةِ الطفِّ الأليمة ولشخصية الإمام الحسين (سلام الله عليه) يلمسُ أروعَ صورِ التضحية لأجل العقيدة والإخلاص لها وتحمُّلِ مسؤوليتها، وأنّ النبلَ والكمالَ الأخلاقي لقائدها يحمل جاذبيةً يُكسِبُها قوةً وجدانيةً عاطفيةً متوقدةً. فالمُتعرِّضُ لمعرفتِه وجزئيات تعامله قولًا وفعلًا مع المناصرين والمعادين، والصغير والكبير، والأسود والأبيض، والرجال والنساء يجد أنه كان في أعلى مراتبِ السموِ والرفعة؛ وأنّ أولَ بذرةٍ تُزرَعُ في قلبه هو حُبُّ الحسين (عليه السلام)، هذا البطلُ الهُمامُ والقائدُ الفذُّ، وصاحبُ القوةِ والقدرة والإرادةِ الصلبة في تحقيقِ هدفه على طريقِ الفناءِ في الحقِّ المحض.
يقول (عليه السلام): "إنّ الحلم زينة، والوفاء مروّة، والصلة نعمة،.."، وهو المُنوِّرُ للعقول (عليه السلام) يقول: "مِن دَلائِل عَلاماتِ القَبولِ الجُلوسُ إلى أهلِ العقول، ومِن علاماتِ أسبابِ الجَهل المُمَارَاة لِغَير أهلِ الكفر، وَمِن دَلائلِ العَالِم انتقَادُه لِحَديثِه، وَعِلمه بِحقَائق فُنون النظَر".
وهو الناصحُ إلى تركِ صفاتِ الضعفِ والشر، حيثُ يقول: "والاستكبار صلفٌ، والعجلةُ سفهٌ، والسفهُ ضعفٌ، والغلو ورطةٌ، ومجالسةُ أهلِ الدناءةِ شرٌ، ومجالسةُ أهلِ الفسقِ ريبةٌ".
وهو الواعظ (عليه السلام)، إذ يقول: "يَا هَذا، كُفَّ عَن الغِيبة، فَإنَّها إِدَامَ كِلاب النار".
وتكلّم رجلٌ عندَه (عليه السلام) فقال: "إنّ المعروف إذا أُسدِي إلى غيرِ أهله ضَاع"، فقال (عليه السلام): "ليس كذلك، ولكن تكونُ الصنيعةُ مثل وابلِ المطر تصيبُ البرّ والفاجر".
وهو العزةُ والقدوةُ للأحرار، إذ يقول: "موتٌ في عِزٍّ خَيرٌ مِن حَياةٍ في ذُلٍّ".
وهو ملهمُ العرفان والعبودية لله، يقول (عليه السلام): "البُكَاءُ مِن خَشيةِ اللهِ نَجاةٌ مِن النار".
وكلما تزيدُ معرفةُ المريدِ والساعي نحو الملهم، ازداد حبًا وشوقًا وشجونًا واقترابًا ونورًا، وكيف لا، وهو حبيبُ حبيبِ مالكِ الملك العظيم، تجلّت اسماؤهُ وعظمُت آلاؤه.
وكيف لا، وهو المعطي لله تعالى غاية ما عنده، فهو يريدُ الله (تعالى)، ويريدُ أن يحققَ شرعَ اللهِ تعالى ونهجه، وغايةَ ما أُرسِلَ لأجلهِ الرسلُ والأنبياءُ، فهو وراثُ الأنبياء، ألا نقول في الزيارة: "السلام عليك يا وراث آدم صفوة الله، السلام عليك يا وارث نوح".
فهو وراثهم؛ لأنّه مُحقِّقُ هدف الأنبياء (عليهم السلام)، وهو العبادةُ الخالصةُ لله وحده لا شريك له، وإقامةُ العدلِ والنهي عن الظلم وارتكاب المعاصي ما ظهر منها وما بطن؛ كونه إمامًا مفترضَ الطاعة يحملُ صفاتٍ خاصةً ومزايا خاصة، وهو الذي بوجوده تحفظُ الأرضُ، والذي لولاه لساختِ الأرضُ بأهلِها.
وهو الإمامُ الذي يتوقف إيمانُ كُلِّ شخصٍ من الأشخاص على معرفته، فقد روي عنه (صلى الله عليه وآله): "من مات ولم يعرف إمام زمانه مات ميتة جاهلية"
وهو الإمام الذي فعلهُ حجةٌ، وقولهُ حجةٌ، وتقريره حجة.
ولم يكن كلُّ ما نذكره من خصائص قد اكتسبها الإمامُ الحسينُ (عليه السلام) بعد قيامهِ وثورتهِ المباركة كما يظنُّ البعض، بل الحسينُ (عليه السلام) هو رحمةُ الله (تعالى) قبل الإسلام، قال (تعالى): "وفديناه بذبحٍ عظيم" وهو أبو عبد الله الحسين (عليه السلام)، فلولا الحسين (عليه السلام) لم يكُ إسماعيلُ أبو النبي الخاتم (صلى الله عليه وآله) وهو رسولُ الرحمة ومنقذ الأمة من الغمة والضلالة.
والحسين (عليه السلام) رحمةٌ للبشرية جمعاء؛ فهو لا يخصُّ الإسلامَ فقط، بل يدعو إلى كُلِّ ما يُقيمُ حقوق الإنسان التي خصّه الله (تعالى) بها دونَ جميعِ المخلوقات؛ فهو خليفةُ الله في أرضه، ومن حقِّه العيشُ بكرامةٍ، لا أنْ يتحكمَ به الطغاةُ والمُتجبّرون الذين يتخذون مال الله تعالى دولًا وعباده خولًا..
يقول الكاتب المسيحي المعروف، أنطوان بارا: "إنّ الحسين (عليه السلام) ضميرُ الأديانِ، ولولاه لاندرستْ كُلُّ الأديانِ السماوية، فالإسلامُ بدؤه مُحمّدي واستمراره حُسيني، وزينبُ (عليها السلام) هي صرخةٌ أكملتْ مسيرةَ الجهادِ والمُحافظة على الدين".
فكان المُنعطف "كربلاء"، فلو لم يقمِ الحسينُ (عليه السلام) بثورته، لما تبقّى شيءٌ من التوحيدِ أساسًا، ولأصبح الدينُ الإسلاميُ الجديد مُرتبطًا بمُمارساتِ السلاطين الذين على المُجتمعِ القبولُ بهم والرضوخُ لجورهم واضطهادِهم مهما حدثَ باعتبارِهم (ولاةٌ للأمر)".
ويُضيفُ بارا "إنّي أعتقدُ بأنّ الحُسينَ (عليه السلام) كان مُسيرًا في هذا الاتّجاه؛ لأنّ له وظيفةً إلهيةً مُحدّدة، كما للأنبياء وظائفُ إلهيةٌ مُحدّدةٌ، ولكن مع الأسف، فإنّه على الرُغم من أنّ الحسين (عليه السلام) شخصيةٌ مُقدّسةٌ عندكم أنتم الشيعة والمُسلمين، إلا أنّكم لم تعرفوا قدرَه وأهملتم تُراثه وثورته، إذ الواجبُ عليكم أن تعرفوا كيف تنصروا هذا الإمام العظيم".
ويرى أنطوان بارا أنّ "التشيّع هو أعلى درجات الحُب الإلهي، وهو طبيعيٌ لكُلِّ من يُحبُّ آلَ البيت (عليهم السلام) من ذُرّية مُحمّد وعلي (عليهما السلام)، وهو فخرٌ للبشرية، وكُلُّ شخصٍ في هذا العالم مهما كانت ديانته فإنّه يُمكنُ أنْ يكونَ شيعيًا لعظمةِ الاقتداء بأهل البيت (عليهم السلام)، وكي يُحافظَ على جمالياتِ عقيدته".
إنّ إمامَنا وحبيَبنا أبا عبد الله برفضه وقيامه وتضحيته بأعزِّ وأغلى ما يملك من الروحِ والأهلِ والأحباءِ والأصحابِ الذين قال المعصومُ عنهم: إنهم أنصارُ الله وأنصارُ رسولِ الله.. أراد أنْ يُثبِتَ للإنسانيةِ درسًا عظيمًا وهو: أنّ الحقَّ لابُدَّ أنْ ينتصر ولا يعلو على الحق شيء مهما كان الظلمُ والجبروتُ كبيرًا، ومهما طغى الطواغيتُ والفراعنةُ في كُلِّ زمانٍ ومكانٍ.
وهو درسٌ للمؤمنين وللمسلمين وللإنسانية جميعًا مفادُه الحفاظُ على العقيدة والدفاعُ عنها بإحياءِ ذكراه الخالدة، فهذا الشافعي يقول:
تأوّب قلبي فالفؤاد كئيب وأرّق نومي فالسهاد غريب
إلى أن يقول:
فمن مُبلغٌ عَنّي الحسينَ رسالةً وإن كَرِهَتْها أنفسٌ وقلوبُ
ذَبيحٌ بلاَ جُرمٍ كأنَّ قميصَه صَبِيغٌ بماءِ الاَرجوان خضيب
فإحياءُ ذكراهم يوجبُ الحفاظَ على عقيدتِهم التي قُتلوا من أجلها، تلك العقيدة التي يتكوّنُ جوهرُها من التفاني في سبيلِ الدينِ وعدمِ الخضوع للذُل والهوان. وهاهم شيعةُ أهل البيت (عليهم السلام) يجدّدون في كلّ يومِ عاشوراء هذا المنطق العظيم الذي يُعلِّمُ الشعوبَ والأُمم دروسًا حيويّةً من نهضتهم وثورتهم الكبرى، وهي أمانةٌ ومسؤوليةٌ عظيمة، إذ ينبغي عليهم إبراز الوجه الناصع والمتجدد، فلا يكتفون بالمنهج القديم والطرح السطحي للواقعة من حيث تسلسل الأحداث، بل لابُدّ من التعمق والبحث عن أسرارٍ معنوية وروحية عن تلك الشعلة التي في قلوب المؤمنين والتي لن تنطفئ أبدًا.
وعلى كلٍ مسؤوليته، فعلى الفرد مسؤولية وعلى المجتمع مسؤولية، وبحسب الظروف، فظروف الزمان المختلفة، وظروف زماننا تختلف عن كل ما فات من الأزمنة التي مرَّ بها المؤمنون، حيث الثقافة والتطور الفكري والتقنية والمعلوماتية بشكلٍ كبيرٍ وواسعِ النطاق؛ فبإمكان المؤمنِ أنْ يبحثَ وينشرَ الدين والعقيدة الحقة، وخاصةً الثورة الحسينية الباعثة والمحركة إلى القوة والتغيير بشكلٍ مستحدثٍ ومعبرٍ أكثر مما سبق كمًا ونوعًا؛ لأنّ أعداءَ الدين والإنسانية في المقابل يتآمرون ويخططون ويتفننون في أسلحتهم وأساليبهم بدقةٍ متناهيةٍ للقضاء على العقيدة لاسيما الثورة الحسينية، وهم كما نرى لهم شباكهم، وشراكهم، ومواقعهم، وجنودهم، مستهدفين كُلَّ شرائحِ المجتمع المحمدي بكُلِّ أنواعه، نسألُ اللهَ النجاةَ من الِفتَنِ والحفاظِ على الدين والأخلاق إلى ما فيه الصلاح والخير..
الحسين (عليه السلام) بقيامهِ جسّدَ عطاءً معنويًا وروحيًا كأنه سيلٌ يهزُّ الإنسانيةَ ويوقظها من الغفلةِ والركودِ والاستسلامِ، وإنّ العقيدةَ كالشجرة لابُدَّ أن نهتمَّ بها ونحافظ عليها ولو بدمائنا وأرواحنا؛ فهي غايةٌ تقودُنا إلى أسمى الغايات وهي تحقيقُ دولةِ العدلِ الإلهي بالانتظار الواعي وبسلاحِ العلمِ والمعرفة، نسألُ اللهَ أنْ نكونَ وجميعَ المؤمنين أهلًا لذلك، وصلى الله على رسولنا محمدٍ وآله الطيبين الطاهرين.

اخترنا لكم

رسالاتٌ في زمن الوباء (٤)

بقلم: علوية الحسيني حدائقٌ وزهور إنّ النبات من نعم الله (سبحانه تعالى) العظيمة التي تدعونا للتفكر بدقة النظم الكوني الدقيق؛ من خلال الترابط بين مخلوقاته, هو النبات. فكما الإنسان يعتمد في عملية تنفسه بالشهيق على الغاز الذي يطرحه النبات, غاز الأوكسجين (O2), فإنّه في الوقت نفسه يغذّي النبات بغاز ثنائي أوكسيد الكاربون (CO2) بالزفير الذي يعتمده النبات في عملية بنائه الضوئي. إذًا تحتل النباتات مكانة كبرى في صحة الإنسان, ومن خلال تنقية الهواء الذي يستنشقه من بيئةٍ لا تكاد تخلو من تلوث, "سواء أكان تلوثًا طبيعيًا, كالغبار. أو صناعيًا كمخلفات المحطات وصناعة الاسمنت والاسفلت, وتوليد الطاقة الكهربائية, ناهيك عن المحطات النفطية. بريًا, كمخلفات السيارات التي تستخدم الذي يحتوي على نسبة عالية من الرصاص الذي يسبب استنشاقه أمراضًا عديدة كالسرطان والتشوهات الولادية, وهذا ما يسبب ضعف المناعة التي جميعنا بحاجة إلى تقويتها (اليوم خصوصًا)" (1). كما لا شك أنّ للنبات تأثيراً على مزاجيات الإنسان, سلبًا وإيجابًا, فكلما كانت البيئة التي تحيط به خلاّبة, نقيّة, كلّما كان أكثر استرخاءً, وأقل توترًا. ورسالتنا اليوم في زمن الوباء (كوفيد 19) هدفها التقليل من تلك التوترات التي يعيشها اغلب الناس نتيجة التفكير بالوباء؛ وعليه, سيكون الكلام حول البيئة النباتية (زرع النبات والاعتناء به) كأحد الوسائل التي من الممكن أن تقلل من التوتر, والتي تشغل الفرد فيما هو أصلح له. قال (تعالى): {وَآيَةٌ لَّهُمُ الْأَرْضُ الْمَيْتَةُ أَحْيَيْنَاهَا وَأَخْرَجْنَا مِنْهَا حَبًّا فَمِنْهُ يَأْكُلُون}(2), حرص الإسلام على الاعتناء بالبيئة؛ لعدّة أسباب, أهمها: التفكر في خلق الله (تعالى), والحفاظ على صحة جيدة من بيئة نقية, وللحفاظ على جمالية البيئة. إنّ الله (سبحانه وتعالى) هو الزارع الأول, لعظمة قدرته, ولطفه بتسخيره ما زرع لعباده؛ فعلّم الإنسان أسس عملية الزراعة, وتزيين الطبيعة بالمزروعات, فضلاً عن الحصول على ثمار. وكفى بذلك بيانًا واضحًا لأصل أهمية النبات للأرض عمومًا, وللإنسان خصوصًا, فيستطيع كلٌ منّا اليوم أن يزرع ويحصد ماديًا من صحةٍ جسدية, ومعنويًا من صحةٍ نفسية. ولم تخل حياة النبي محمد وأهل بيته (عليه وعليهم السلام) من زراعة النبات, والاعتناء به؛ لما لبعضها من ذكرٍ صريح في الآيات الواصفة للجنة, فضلاً عن اعطائها حقوقها باعتبارها خلقًا من مخلوقاته الله (سبحانه وتعالى), حتى روي عن النبي محمد (صلى الله عليه وآله): " إذا أتى أحدكم بريحان فليشمه وليضعه على عينيه، فإنه من الجنة، وإذا أتى أحدكم به فلا يرده" (3). أما الإمام الصادق (عليه السلام) فبدوره حثّ على زراعة النبات, ووصف ذلك العمل بأنّه عمل صالح, طيّب مبارك؛ روي عنه أنّه قال: "ازرعوا واغرسوا، فلا والله ما عمل الناس عملاً أحلَّ ولا أطيب منه" (4). كما وحثّ على عدم افساد جمالية البيئة النباتية بقطع الأشجار المثمرة؛ حيث روي عنه (عليه السلام): "لا تقطعوا الثمار (أي الأشجار المثمرة) فيصبّ الله عليكم العذاب صبّا" (5) لعله من باب الإشارة إلى أنّ قطع النبات فيه إفساد في الأرض؛ بالإضرار بالبيئة مجتمعًا وفردا, ولا يجوز الإضرار بالنفس والآخرين, لذا يصيب الفاعل عذابٌ. الورد أيضًا حظي بأهمية من أهل البيت (عليهم السلام)؛ حيث روي عن الإمام الحسن العسكري (عليه السلام) أنّه قال: "من تناول وردة أو ريحانة فقبلها ووضعها على عينيه، ثم صلى على محمد صلى الله عليه وآله والأئمة عليهم السلام كتب الله له من الحسنات مثل رمل عالج، ومحا عنه من السيئات مثل ذلك" (6). ثمار النبات أيضًا نال احترامًا من رسول الله محمد (صلى الله عليه وآله)؛ حيث روي أنّه كان يقبّل ثمار النباتات المأكولة, ويحمد الله (سبحانه وتعالى) ثم يأكلها, وفي ذلك إشارة واضحة إلى ضرورة زرعها, والاعتناء بها, بغض النظر عن تعليل فعله هذا بسببٍ دون آخر؛ روي عن الإمام علي (عليه السلام) أنّه قال: "كان النبي صلى الله عليه وآله إذا رأى الفاكهة الجديدة قبلها ووضعها على عينيه وفمه، ثم قال: اللهم كما أريتنا أولها (له خ ل) في عافية، فأرنا آخرها (ه -خ ل-) في عافية" (7). وأيضًا فإن الفقه بدوره اعتنى بالبيئة النباتية بكافة أقسامها, من خلال بيانه لأهم أحكام الزراعة, بل وحتى المساقاة, والرسائل العملية لمراجعنا العظام تصدح بذلك, لمن شاء المراجعة. وعلى كل حال، فلو اعتنى كلّ فردٍ منّا بنظافة وتعقيم بيئته النباتية, كحدائق بيته, لعادَ بالفائدة على نفسه أوّلًا, وعلى مجتمعه ثانيًا. وبالتالي ممكن أن يخفف من حدة التوتر الذي يعيشه البعض من التفكير بالوباء العالمي, ولانشغل الأغلب بذلك كثقافة زراعية, وكقضاء وقتٍ في بيئة معقمة نقية أفضل من الخروج والاحتكاك بحاملي الوباء أو المشتبه بهم. ثم إنّ الحفاظ على بيئة نقية أمرٌ حسن, والحسن يدركه العقل, وعليه جاءت أحكام الدّين تحث على سلامة البيئة. فينبغي الانشغال بالاعتناء بالبيئة النباتية, بغرس ما يعود عليه بالنفع جسديًا –كالفواكه والخضر-, ومعنويًا -كالأزهار ونبات الزينة-, والعقل يـستحسن هذا العمل. وبالتالي قد تكفي نظرة واحدة لجميل ما زرعت في التخفيف من القلق أو التوتر, أو قد تجبرك على عدم الخروج من المنزل بمجالستها. ولا شك أنّ تلوث البيئة ضرر, لكنه محتمل أن يصيب مناعة الإنسان, فبالتالي ينبغي أن يدفع ذلك الضرر بالحفاظ على نقاء بيئته, ونقاء بيئته يتحقق بكثرة المغروسات التي تصفي الجو الملوث, فينبغي عقلاً الانشغال بزرع النبات, والاعتناء به؛ ليدفع عن نفسه وأهله ذلك الضرر المحتمل, حتى لو كان ضررًا نفسيًا كالقلق والتوتر نتيجة التفكير بالوباء العالمي" (8). القوانين الدولية والاعتناء بالنبات هناك قانون عام يسن القوانين الكفيلة بحماية بيئة كلّ دولة, أعلى من دور وزارة البيئة في كلّ بلد؛ "كالإعلان العالمي للبيئة في ستوكهولم" (9), الذي عُد اللبنة الأولى في صرح القانون الدولي للبيئة. وكبعض المبادئ, مثل "مبدأ الوقاية الذي أوجب على الدول اتخاذ التدابير اللازمة قبل وقوع اي ضرر في البيئة" (10). وأيضًا "مبدأ الحيطة والحذر" (11). وبموجب ذلك يتعيّن على كلّ دولة الاعتناء بالبيئة الخاصة بها, وبتعاون الفرد مع الدولة تكون البيئة أكثر صحةً وجماليةً ونقاءً. ولاشك أنّ الحديث يشمل البيئة النباتية, فهلاّ زرعت, ووقيت نفسك ودولتك! ومن هنا ينبغي على كلّ دولة إلفات نظر مواطنيها إلى الحفاظ على البيئة النباتية كتعاون معها -مع قيامها بواجبها-, وكإشغالهم لوقتهم أثناء الحجر المنزلي بغرس النبات كحلٍ بديل من خروجهم من المنزل, وبالتالي ستقل حدّة قلقهم بمجرد كل نظرة إلى خلق الله (سبحانه وتعالى) من نباتٍ أو زهرٍ زرعوه. العرف الاجتماعي والاعتناء بالنبات بعض البيوتات, -بل وحتى المناطق- لا تولي للنبات أهمية, فلابد من زيادة الوعي الثقافي البيئي, من خلال هذه النقاط التي قد تنفع في المقام: 1/ نشر حملة توعية في كلّ حي يتنافس فيها الجار مع جاره في غرس النباتات في حديقة المنزل أو داخله. 2/ النشر في مواقع التواصل الاجتماعي الإنجازات الزراعية؛ لتحفيز الآخرين على انجاز مثلها, استغلالًا للوقت, بالتأمل في صنع الله (سبحانه وتعالى), وبما يعود عليه بالنفع جسديًا ومعنويًا. وهنا لن يعترض عليك أحد ويتهمك بالرياء. 3/ نشر ثقافة زرع الزهور الملونة بجانب كلّ بيت -على أن لا يتجاوز عن مساحة منزله-, ولو تم تطبيق ذلك لأصبح كل فرعٍ من الأحياء جنة أرضية ممكن أن تتجول سريعًا فيها, تغنيك عن انتهاك قوانين الحظر -مع أخذ الإجراءات الوقائية من ارتداء الكمامة والكفوف-. 4/ شراء بذور بعض النباتات المتسلقة دائمة الخضرة, التي لا تحتاج إلى أشعة الشمس, وغرسها داخل أحواض في البيت قرب الجدران, وبنموها تعطي وتسحب كل قلق أو توتر, وسبحان من خلق. 5/ العمل الدائم على تقليب التربة, وصبغ أحواض الزراعة بألوان زاهية. ◇وخلاصة الرسالة: إنّ إعطاء بعض الوقت للنظر أو الاشغال مع النبات يوجب صفاء الذهن, والذكر الدائم لله (سبحانه وتعالى), فهو نزهة وعبادة, فهلّا اغتنمت! ____________________ (1) ط: التلوث البيئي معوقًا للتنمية ومهددًا للسكان: لحارث حازم و فراس البياتي, جامعة الموصل/ كلية الآداب/ قسم علم الإجتماع, المجلة العراقية لبحوث السوق وحماية المستهلك, ج2, العدد2, سنة 2010م, ص253-254. (2) سورة يس: 33. (3) وسائل الشيعة: للحر العاملي, ج1, باب استحباب شم الريحان ووضعه على العينين وكراهة رده, ح2. (4) الكافي: للشيخ الكليني, ج5, باب فضل الزراعة, ح3. (5) وسائل الشيعة: للحر العاملي, ج19, ص39. (6) وسائل الشيعة: للحر العاملي, ج1, باب استحباب تقبيل الورد والريحان والفاكهة الجديدة، ح1. (7) المصدر نفسه, ح2. (8) ظ: التلوث البيئي من منظور اسلامي (المواد الكيميائية) انموذجًا: م.د ناهدة جليل الغالبي و م.د ضرغام كريم كاظم, مجلة أهل البيت عليهم السلام, العدد19, ص141-146. (9) الإعلان العالمي للبيئة المنعقد في السويد عام 1972. (10) ظ: إعلان ريو, م15, سنة 1992. (11) ظ: اتفاقية الإتحاد الأوروبي, م130. والحمد لله الذي لا يبلغ مدحته القائلون, ولا يحصي نعماءه العادّون, على بديع صنعه المخلوق بالكاف والنون.

القضايا الاجتماعية
منذ 6 سنوات
2844

بسمِ ربِّ الشهداء

بقلم: حوراء الساعدي رحمانيّون ساروا بإيمانهم للأمام، رغم كل المشقّة والجراح، ونُفِخ في بنادقهم الفتح المبين، فاستبقونا... نجومًا حلقوا في السماء، وتركونا ها هنا! لقد قاموا بواجباتهم، حينما ملأوا الجبهات وحققوا النصر.. وعادوا شهداء نورانيين، وجرحى مقطعي الأوصال، وأسرى، ومفقودي الأثر في الصحاري والجبال... رحلوا عنا ورسموا إيقاع النصر رسموا في الأفق فخرًا، تعلو بيارق جهادهم وتتقدس الأرض بأقدامكم وتتوضأ بطهر دمائهم "السلام عليكم يا عطر الجنة الذي يفوح عشقًا" إنما نحن الآن نعيش بفضل دماء سكبت على الأرض، دماء توحدت على كلمة لا إله الا الله، دماء بتضحيتها لم تكن تخص فئة معينة لإنقاذها ولم تفرق ما بين عربي وأعجمي وغيرهم بل شملت كل إنسان. أحيانًا نتساءل: ما هو الدافع الذي دفع شابًا بعمر الزهور أن يلتحق بصفوف الحشد الشعبي؟ إنهُ الحب. الحب لا يعرف مكانًا أو زمانًا ليطرق شغاف القلب. حب الوطن لدى المسلم الحقيقي اكتسبه من صدر أمه وحليبها الطاهر... الحب الذي سطره لنا هؤلاء لنحيا، لنعيش، لنعبد الله ونعطيه حق العبودية التي خُلقنا من أجلها. هناك الكثير والكثير من القصص في وقتنا الحالي تمر... وكل يوم هناك من ترك زوجته وأطفاله للدفاع عن الوطن. وهناك من ترك أمه وهنالك من ترك أصدقاءه وأحباءه، وقد تكون تلك القصص أبهى وأعظم مما نتصورها... إلّا أنها لم تخرج للنور، أو لم يكن لها صائغ يجيد صياغتها. هؤلاء اشخاص قد اختارهم الله لينالوا سعادة القرب ونشوة الوصال، قدموا كل ما يملكون حتى ضحّوا بأنفسهم من أجل أن نحيا، فأعطاهم الله خلودًا أبديًا... ونحن أين وصلنا؟ وماذا قدمنا لهم؟ أتذهب دماؤهم سُدا؟ أو ليس علينا أن نرد لهم هذا الجميل؟ من أجل دماء الشهداء... لنعش أحرار في دُنيانا فسلام الله على الشهداء ورحمة الله وبركاته.

اخرى
منذ 7 سنوات
3738

التنمية البشرية في الفكر المحمدي

في ظل تهافت شعوب العالم حول مفاهيم التنمية البشرية في عصرنا الحاضر ومحاولة اكتساب المهارات وتطوير الذات ومراجعة الكتب والمؤلفات والدراسات وإقامة الدورات والندوات والمحاضرات الكثيرة في هذا المجال، إلا إن هذه المفاهيم والسبل لتطوير الموارد البشرية قد جاء بها رسول الإنسانية محمد (صلى الله عليه وآله) ووضح مبادئها وأسسها وعمل على إرساء قواعدها في المجتمع الجاهلي منذ مئات السنين وبأساليب بسيطة جدا تحاكي حركة الوعي في المجتمع آنذاك وإن كانت المسميات مختلفة بعض الشيء إلا إنها تصب في نفس المعنى. علم التنمية البشرية يسمى أيضا بعلم تنمية الموارد البشرية مع وجود فارق بسيط، وعلى العموم فالتسميتان واحدة لأنهما تعتمدان على التنمية بشكل أساسي فعلم التنمية البشرية عام يشمل جميع جوانب الحياة لمختلف فئات المجتمع ويعتني باﻹنسان لكونه جوهر عملية التنمية، أما علم تنمية الموارد البشرية فهو متخصص أكثر ويهتم بفئات محددة من أجل زيادة الإنتاج وتحسينه كالموظفين والمدراء وغيرهم . والاصطلاح اللغوي للتنمية البشرية فيه لبس لغوي على العامة فأصل التنمية من الفعل (تنمّى) بتشديد النون وهو من النميمة ونمّيت -بتشديد الميم- الحديث تنمية: إذا بلغته -بتشديد اللام- على جهة الإفساد ونمَيته -بفتح الميم- نمْيا -بسكون الميم-: على جهة الإصلاح(1) ولجهل العامة بألفاظ اللغة العربية الفصيحة توهموا أن المصدر (تنمية) من الفعل (نما) من الزيادة والنمو والرفعة والذي مصدره نموا ونماءً(2) وليس تنمية كما تقدم. وعلى كل حال لا يهمنا المعنى اللغوي الدقيق بقدر ما يهمنا المعنى الاصطلاحي المعاصر للتنمية البشرية وهو تحفيز وتدريب قدرات الإنسان من خلال توفير البيئة الملائمة لتنمية القدرات والخبرات والسلوكيات والطموحات لكل فرد من أفراد المجتمع من جميع جوانبه بما يضمن وعي المجتمع لإمكانياته الفردية والجماعية ورقيه حاضرا ومستقبلا. وقد عمل على ذلك رسول الله (صلى الله عليه وآله) من خلال اعتماده على أهم مادة أساسية في دينه وهو الإنسان، فدين اﻹسلام هو دين اﻹنسانية يهدف في اﻷساس إلى صناعة الإنسان بما هو إنسان وتطوير قابلياته وقدراته وتسخير كل إمكانياته المتاحة لخدمة المجتمع -كالمجتمع الجاهلي مثلا- الذي ارتقى كثيرا بهذه الخطوات الجبارة والتي أحدثت فيه تغييرا ملحوظا في النهج والفكر والسلوك عن طريق استخدام رسول الله (صلى الله عليه وآله) عدة محاور منها: تطوير الذات واستثمار القدرات والطاقات البشرية في عملية زيادة الإنتاج. فعن أبي عبد الله (عليه السلام) قال : اشتدت حال رجل من أصحاب النبي (صلى الله عليه وآله) فقالت له امرأته: لو أتيت رسول الله (صلى الله عليه وآله) فسألته؟ فجاء إلى النبي (صلى الله عليه وآله) فلما رآه النبي (صلى الله عليه وآله) قال: من سألنا أعطيناه ومن استغنى أغناه الله. فقال الرجل: ما يعني غيري فرجع إلى امرأته فأعلمها فقالت: إن رسول الله بشر فأعلمه. فأتاه فلما رآه رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال: من سألنا أعطيناه ومن استغنى أغناه الله. حتى فعل الرجل ذلك ثلاثا ثم ذهب الرجل فاستعار معولا ثم أتى الجبل فصعده فقطع حطبا ثم جاء به فباعه بنصف مد من دقيق فأكله، ثم ذهب من الغد فجاء بأكثر من ذلك فباعه، فلم يزل يعمل ويجمع حتى اشترى بكرين وغلاما ثم أثرى حتى أيسر. فجاء إلى النبي (صلى الله عليه وآله) فأعلمه كيف جاء يسأله وكيف سمع النبي (صلى الله عليه وآله) فقال النبي (صلى الله عليه وآله) قلت لك: من سألنا أعطيناه ومن استغنى أغناه الله. (3) نلاحظ في هذا الحديث كيفية تحفيز رسول الله (صلى الله عليه وآله) الرجل للتفكير واستثمار الطاقات البشرية الكامنة فيه بالاعتماد على النفس، وبالتالي زيادة الإنتاج والعطاء والانطلاق من حالة الاكتفاء الفردي إلى الاكتفاء المجتمعي العام، مغيرا بذلك النظرة العامة لمجتمع ما قبل الإسلام الذي كان مجتمعا تسوده الطبقية. فالمقدرات الاقتصادية من التجارة وغيرها كانت تدار من قبل طبقة الأثرياء والوجهاء ويعمل عليها الرقيق والعبيد لتحقيق مصالح تلك الطبقة، أما طبقة الفقراء من الرعية فقد كانت ترزح تحت نير الفقر والعوز، ولهذا كان المجتمع استهلاكيا لا يقدر قيمة العمل والانتاج ، فكانت أرزاق الطبقة الفقيرة المعدمة تأتي إما من تسخيرهم للعمل لصالح الأثرياء مع الرقيق والعبيد، أو من خلال الحروب وشن الغارات على القبائل الأخرى لأجل الحصول على الغنائم. بينما حاول الرسول (صلى الله عليه وآله) بناء مجتمع إسلامي على أسس رصينة باستثمار الطاقات البشرية وتقدير قيمة العمل والجد والاجتهاد لا بالإغارة والسرقة ولا بالقعود وبذل ماء الوجه بالسؤال والاستعطاء مهما كانت الظروف صعبة على الأفراد عليهم مواجهتها بالعمل والصبر والتقوى وفي السيرة النبوية شواهد كثيرة في هذا المجال. ومن محاور التنمية البشرية التي عمل عليها رسول الله (صلى الله عليه وآله) لتعزيزها في أفراد أمته هي مسألة تهذيب الإنسان لملكاته النفسية وضبط نفسه عن الهوى. ولعل أهم ما يرمز لذلك هو (حفظ اللسان) فاللسان يوضح أول ردة فعل للإنسان من غضب أو حزن أو فرح. ولأن الكلمة في الإسلام لها وزن وقيمة وحساب، جاء عن رسول الله (صلى الله عليه وآله): يعذب اللسان بعذاب لا يعذب به شيئا من الجوارح فيقول :أي رب عذبتني بعذاب لم تعذب به سيئا من الجوارح قال: فيقال: خرجت منك كلمة بلغت مشارق الأرض ومغاربها فسفك بها الدم الحرام وانتهك بها الفرج الحرام وعزتي لأعذبنك بعذاب لا أعذب به شيئا من جوارحك.(4) وعنه (صلى الله عليه وآله): (نجاة المؤمن في حفظ لسانه)(5)، وجاء رجل إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله) فقال: يا رسول الله أوصني فقال: احفظ لسانك فقال: يا رسول الله أوصني فقال: احفظ لسانك فقال: يا رسول الله أوصني فقال : احفظ لسانك ويحك وهل يكب الناس على مناخرهم في النار إلا حصائد ألسنتهم.(6) وفي هذه الأحاديث تذكرة نبوية عظيمة لمن طلب النجاة في الدنيا والآخرة فهو (صلى الله عليه وآله) يؤسس بذلك إلى منهج ضبط النفس وعدم الانفلات، فالانضباطية هنا ليست سهلة على الفرد مطلقا وإنما يحتاج حفظ اللسان إلى مهارات وتدريبات مستمرة لاستحصال هذه الملكة وبالتالي تعزيز هذه القيمة لدى الفرد، وهو عينه ما يدعو إليه بعض مدربي التنمية البشرية في عملية تطوير المهارات الفردية عن طريق التحكم بالحواس والسيطرة عليها. وفيما يخص حاسة النطق (حفظ اللسان) فحفظه عن الكذب والغيبة والنميمة وكل ما هو شائن ويستحب إطلاقه في الكلمة الطيبة التي تعتبر في الإسلام صدقة والاصلاح بين الناس وغيرها والتي تقابلها في مصطلحات التنمية البشرية الحديثة فن الحوار والتفاوض والإقناع، وفي انضباط الحديث بهذه الأمور وتطوير القابليات على التحلي بها سنصل إلى ما يسمى بمعرفة الأنماط التمثيلية للبشر- وتسمى الانظمة التمثيلية أيضا وهي آلية استقبال المعلومات عن طريق الحواس الخمس ومعالجتها ومن ثم برمجتها على هيئة إما صور (نظام بصري) أو أصوات (نظام سمعي) أو مشاعر وأحاسيس(نظام حسي)- ومحاولة اعتمادنا عليها في تطوير قابلياتنا في الحوار مع الطرف الآخر بما يتناسب ونمطه التمثيلي فنحفظ بذلك ألسنتنا من الزلل والخطأ ،ولا يخفى التأثير الإيجابي لصفة حفظ اللسان بهذه الكيفية من الفهم والدقة في تحليل المعلومات قبل النطق بها على المجتمع وأفراده. وركز رسول الله (صلى الله عليه وآله) كثيرا في مسيرته التنموية لأمة الإسلام على نقطة مهمة جدا للفرد وهي مسألة (مداراة الناس) ويقصد بها في الإسلام: ملاينة الناس وحسن محبتهم واحتمال أذاهم، فعن رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال: ثلاث من لم يكن فيه لم يتم له عمل: ورع يحجزه عن معاصي الله وخلق يداري به الناس وحلم يرد به جهل الجاهل.(7) وقال (صلى الله عليه وآله): من عاش مداريا مات شهيدا.(8) وعنه (صلى الله عليه وآله): مداراة الناس صدقة.(9) وقال (صلى الله عليه وآله): مداراة الناس نصف الإيمان والرفق بهم نصف العيش.(10) وعن رسول الله (صلى الله عليه وآله): (رأس العقل بعد الإيمان بالله مداراة الناس في غير ترك حق...)(11) وقوله (صلى الله عليه وآله): (.... أعقل الناس أشدهم مداراة للناس.....).(12) وبالتأمل قليلا في كمِّ الأحاديث أعلاه عن مداراة الناس وغيرها الكثير التي حفلت بها مصادر الكتب الحديثية يتبين لنا التأكيد النبوي على أهمية هذه الصفة عند الفرد، ومن الواضح ان اكتساب هذه الصفة ليس بالأمر الهين، وكما قيل: رضا الناس غاية لا تدرك . ومن هنا يتبين أن على اﻹنسان أن يعمل على نفسه ويطور من قدراته وإمكانياته في ملاينة الناس وتحمل أذاهم. إنه لعمري من أعظم جهاد النفس خاصة في عصرنا الحالي في زمن اختلطت به الايديولوجيات وتعددت فيه اﻷفكار والتوجهات داخل المجتمع الواحد مع الأخذ بنظر الاعتبار اانفتاح الكبير على المجتمعات وتأثير العولمة في تغيير الأفكار والسلوكيات في المجتمع، وفي مداراة الناس بالإضافة إلى عظيم أجره وجزيل ثوابه الذي ذكرته الأحاديث النبوية المتقدمة. إلا إنه ينظم المجتمع من خلال تدريب الأفراد على التحلي بالذكاء الاجتماعي لخلق مجتمع متعاون متراحم وانعكاسه الإيجابي على اﻷمة من هدوء وانسجام بين الأفراد بعيدا عن الصراعات واانقسام الداخلي. إننا لا ننكر وجود الخلاف في التوجهات والأفكار داخل المجتمع الواحد ولكن بمداراة الناس فيما بينهم نستطيع احتواء هذا الخلاف كل ضمن دائرته مع احترام الرأي الآخر، فإن هذا حتما لا يؤدي الى الفرقة والتناحر والاختلاف، ومن خلال صقل مهارات الأفراد وإنجازات التنمية البشرية على ضوء السيرة النبوية نصل بأفراد المجتمع ككل إلى هذه الحالة من التنظيم الذاتي التي ستدفع بدورها عملية التنظيم المجتمعي الواعي. وبلحاظ ما تقدم نستطيع القول: بأن رسول الله (صلى الله عليه وآله) ارتكز في عملة التنموي لأفراد اﻷمة على عدة أسس منها: 1-تمهيد الأرضية الصالحة للعمل التنموي في المجتمع من خلال نبذ الايديولوجيات والأفكار الجاهلية المقيتة البعيدة عن روح الإنسانية والفطرة وزرع الأفكار والمفاهيم الصحيحة وتثبيتها شرعا وخلقا وسلوكا وتطبيقا. 2-العمل على ركنين مهمين في تركيبة الإنسان : أ-الركن المادي : ويعمل أساسا على العقل البشري بتطوير الأفكار فيه إلى مشاريع وأعمال مادية على أرض الواقع تضمن تقدم المجتمع وازدهاره مع التأكيد على قيمة العمل وإتقانه والإنجاز في أحاديث وسلوكيات الرسول (صلى الله عليه وآله). ب-الركن المعنوي : ويعمل أساسا على إصلاح سريرة الإنسان وتهذيب صفاته النفسية وبالتالي خلق فرد متوازن نفسيا يستطيع السيطرة على حواسه وانفعالاته الداخلية ويستطيع تصحيح اخطاءه. 3- توفير بيئة مثالية للأفراد في التعايش مع اﻵخر لتحقيق اهدافهم وصناعة جيل واعي يتحمل مسؤوليته في بناء المجتمع وعلى كافة الصعد. 4- التفكير الاستراتيجي لرسول الله (صلى الله عليه وآله) لأبعاد هذه التنمية البشرية لأمة الإسلام واستمراريتها مستقبلا ما بقيت محاولات اكتساب تلك المهارات والملكات النفسية والتحلي بالفضائل قائمة في المجتمع كإيديولوجيات تنموية لها جذورها الدينية والعقائدية والفطرية والإنسانية. وكنتيجة منطقية لما سبق فان التنمية البشرية في الاسلام التي جاء بها الرسول (صلى الله عليه وآله) لو طبقت بحذافيرها والتزمت بها الأمة سنصنع أمة تعتمد على التطوير الذاتي والاجتماعي ونصنع مجتمعا منتجا لا استهلاكيا ، مجتمعاً يقدر جيدا استثمار تلك الطاقات البشرية في زراعة الوعي في الأمة وصناعة الحضارة وهو ما نحتاج إليه في هذا المقطع الزمني الذي تمر به أمة الإسلام. ____________________________ (1) المحيط في اللغة ج2 ص477 (2)راجع العين للخليل الفراهيدي ج2 ص201 (3)الكافي ج2 ص139 ح7 (4)مستدرك الوسائل ج9 ص15 (5)الكافي ج2 ص114 ح9 (6)الكافي ج2 ص115 ح14 (7)الكافي ج2 ص116 ح1 (8)روضة الواعطين ص454 (9)مشكاة الأنوار ص218 (10) الكافي ج2 ص117 ح2 بحار الأنوار ج72 ص440 (11)بحار الأنوار ج74 ص145 (12)الأربعون حديثا للعاملي الجرني ص47 عبير المنظور

اخرى
منذ 7 سنوات
7233

التعليقات

يتصدر الان

لا تعاشر نفساً شبعت بعد جوع

يستشهد الكثير من الناس ــ وحتى بعض المثقفين ــ بقول:" لا تعاشر نفساً شبعت بعد جوع فإن الخير فيها دخيل وعاشر نفساً جاعت بعد شبع فإن الخير فيها أصيل" على أنه من أقوال أمير المؤمنين علي (عليه السلام)، كما يستشهدون أيضاً بقولٍ آخر ينسبونه إليه (عليه السلام) لا يبعد عن الأول من حيث المعنى:"اطلبوا الخير من بطون شبعت ثم جاعت لأن الخير فيها باق، ولا تطلبوا الخير من بطون جاعت ثم شبعت لأن الشح فيها باق"، مُسقطين المعنى على بعض المصاديق التي لم ترُق افعالها لهم، لاسيما أولئك الذين عاثوا بالأرض فساداً من الحكام والمسؤولين الفاسدين والمتسترين عل الفساد. ونحن في الوقت الذي نستنكر فيه نشر الفساد والتستر عليه ومداهنة الفاسدين نؤكد ونشدد على ضرورة تحرّي صدق الأقوال ومطابقتها للواقع وعدم مخالفتها للعقل والشرع من جهة، وضرورة التأكد من صدورها عن أمير المؤمنين أبي الأيتام والفقراء (عليه السلام) أو غيرها من المعصومين (عليهم السلام) قبل نسبتها إليهم من جهة أخرى، لذا ارتأينا مناقشة هذا القول وما شابه معناه من حيث الدلالة أولاً، ومن حيث السند ثانياً.. فأما من حيث الدلالة فإن هذين القولين يصنفان الناس الى صنفين: صنف قد سبق له أن شبع مادياً ولم يتألم جوعاً، أو يتأوه حاجةً ومن بعد شبعه جاع وافتقر، وصنف آخر قد تقلّب ليله هماً بالدين، وتضوّر نهاره ألماً من الجوع، ثم شبع واغتنى،. كما جعل القولان الخير متأصلاً في الصنف الأول دون الثاني، وبناءً على ذلك فإن معاشرة أفراد هذا الصنف هي المعاشرة المرغوبة والمحبوبة والتي تجرّ على صاحبها الخير والسعادة والسلام، بخلاف معاشرة أفراد الصنف الثاني التي لا تُحبَّذ ولا تُطلب؛ لأنها لا تجر إلى صاحبها سوى الحزن والندم والآلام... ولو تأملنا قليلاً في معنى هذين القولين لوجدناه مغايراً لمعايير القرآن الكريم بعيداً كل البعد عن روح الشريعة الاسلامية ، وعن المنطق القويم والعقل السليم ومخالفاً أيضاً لصريح التاريخ الصحيح، بل ومخالف حتى لما نسمعه من قصص من أرض الواقع أو ما نلمسه فيه من وقائع.. فأما مناقضته للقرآن الكريم فواضحة جداً، إذ إن الله (تعالى) قد أوضح فيه وبشكلٍ جلي ملاك التفاضل بين الناس، إذ قال (عز من قائل):" يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (13)"(1) جاعلاً التقوى مِلاكاً للتفاضل، فمن كان أتقى كان أفضل، ومن البديهي أن تكون معاشرته كذلك، والعكس صحيحٌ أيضاً. وعليه فإن من سبق حاجتُه وفقرُه شبعَه وغناه يكون هو الأفضل، وبالتالي تكون معاشرته هي الأفضل كذلك فيما لو كان تقياً بخلاف من شبع وكان غنياً ، ثم افتقر وجاع فإنه لن يكون الأفضل ومعاشرته لن تكون كذلك طالما كان بعيداً عن التقوى. وأما بُعده عن روح الشريعة الإسلامية فإن الشريعة لطالما أكدت على أن الله (سبحانه وتعالى) عادلٌ لا جور في ساحته ولا ظلمَ في سجيته، وبالتالي لا يمكن أن يُعقل إطلاقاً أن يجعل البعض فقيراً ويتسبب في دخالة الخير في نفوسهم، التي يترتب عليها نفور الناس من عشرتهم، فيما يُغني سواهم ويجعل الخير متأصلاً في نفوسهم بسبب إغنائه إياهم ليس إلا ومن ثم يتسبب في كون الخير متأصلاً في نفوسهم، وبالتالي حب الناس لعشرتهم. فإن ذلك مخالف لمقتضى العدل الإلهي لأنه ليس بعاجزٍ عن تركه ولا بمُكره على فعله، ولا محب لذلك لهواً وعبثاً (تعالى عن كل ذلك علواً كبيراً). كما إن تأصل الخير في نفوس بعض الناس ودخالته في نفوس البعض الآخر منهم بناءً على أمر خارج عن إرادتهم واختيارهم كـ(الغنى والشبع أو الجوع والفقر) إنما هو أمرٌ منافٍ لمنهج الشريعة المقدسة القائم على حرية الانسان في اختياره لسبيل الخير والرشاد أو سبيل الشر والفساد، قال (تعالى):" إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا (3)"(2) بل إن الانسان أحياناً قد يكون فقيراً بسبب حب الله (تعالى) له، كما ورد في الحديث القدسي: "أن من عبادي من لا يصلحه إلا الغنى فلو أفقرته لأفسده ذلك و أن من عبادي من لا يصلحه إلا الفقر فلو أغنيته لأفسده ذلك"(3) وهل يمكن ان نتصور أن الخيرَ دخيلٌ فيمن يحبه الله (تعالى) أو إن معاشرته لا تجدي نفعا، أو تسبب الهم والألم؟! نعم، ورد عن أمير المؤمنين (عليه السلام):"اِحْذَرُوا صَوْلَةَ اَلْكَرِيمِ إِذَا جَاعَ وَ اَللَّئِيمِ إِذَا شَبِعَ"(4) ولا يقصد به الجوع والشبع المتعارف عليه لدى الناس، وإنما المراد منه: احذروا صولة الكريم إذا اُمتُهِن، واحذروا صولة اللئيم إذا أكرم، وفي هذا المعنى ورد عنه (عليه السلام) أيضاً: "احذروا سطوة الكريم إذا وضع و سورة اللئيم إذا رفع"(5) وأما العقل السليم والمنطق القويم فإنهما يقتضيان أن تتأصل صفة الخير في الإنسان لملكاتٍ حميدة يتسم بها وصفات فضيلة يتميز بها، لا أن تتأصل صفة الخير في نفسه لمجرد أنه ولد في أسرة تتمتع بالرفاهية الاقتصادية ووجد في بيئة تتنعم بالثروات المادية! وعند مراجعتنا للتاريخ الصحيح نجد أن قادة البشر وصفوة الناس إنما كان أغلبهم ينتمي الى الطبقات الفقيرة من المجتمع، فهؤلاء الأنبياء ورسل الله (صلوات الله عليهم) منهم من كان نجاراً أو خياطاً أو راعياً، ومع ذلك فقد كانوا من أطيب الناس خلقاً، وأعظمهم شرفاً، وأرفعهم منزلةً، قد تأصّل الخير في نفوسهم تأصّلاً حتى غدوا قطعة منه، فكانوا هم الخير للبشر، وهم الرحمة للعالمين. وبالنزول إلى أرض الواقع نجد أن الكثير من الفقراء والمساكين طيبي الروح، كريمي النفس، يتألمون لألم المحتاج ولربما يؤثرونه على أنفسهم رغم حاجتهم. ولا نقصد من كلامنا هذا أن الأغنياء هم على نقيض ذلك، وإنما تأكيداً على مسألة عدم ارتباط تأصل الخير في النفوس وعدمه بمستواهم الاقتصادي الذي نشأوا فيه ارتباط العلة والمعلول، فكما إن بعض الفقراء أخيار، فإن بعض الأغنياء كذلك، والعكس صحيح أيضاً. ومن هنا يُفهم من بعض الروايات ضرورة عدم طلب الخير والحاجات ممن هم أهل للخير بقطع النظر عن مستواهم المعاشي الحالي والسابق، منها ما روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام):"أشد من الموت طلب الحاجة من غير أهلها"(5)، وعنه (عليه السلام) أيضاً: "فوت الحاجة أهون من طلبها إلى غير أهلها"(6) إذن فلا صحة لهاتين المقولتين من حيث الدلالة، حتى وإن تنزلنا وحملنا الجوع والشبع على المعنى المعنوي لا المادي؛ وذلك لأنه حتى من يفتقر الى الأخلاق المعنوية فإنه ما إن يتكامل بالفضائل ويقلع عن الرذائل حتى يتسم بالخير وتحسن عشرته وتطيب للناس صحبته، والعكس صحيحٌ أيضا.. ومن البديهي أن ما لا يوافق العقل والمنطق السليم، ويخالف صريح القرآن الكريم، لا يمكن أن يصدر من وصي الرسول الكريم (صلوات الله عليهما وآلهما)، وعليه لا تصح نسبة هذين القولين الى أمير المؤمنين (عليه السلام).. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) الحجرات 13 (2) الانسان 3 (3) عوالي الآلي ج2 ص29 (4) غرر الحكم ج1 227 (5) المدر السابق ج1 ص246 (6) ميزان الحكمة ج4 ص 238 رضا الله غايتي

اخرى
منذ 8 سنوات
88648

بين طيبة القلب وحماقة السلوك...

خلق الله الأشياء كلها في الحياة ضمن موازين وقياسات... فالزيادة أو النقيصة تسبب المشاكل فيها. وهكذا حياتنا وأفعالنا وعواطفنا لا بد أن تكون ضمن موازين دقيقة، وليست خالية منها، فالزيادة والنقيصة تسبب لنا المشاكل. ومحور كلامنا عن الطيبة فما هي؟ الطيبة: هي من الصفات والأخلاق الحميدة، التي يمتاز صاحبها بنقاء الصدر والسريرة، وحُبّ الآخرين، والبعد عن إضمار الشر، أو الأحقاد والخبث، كما أنّ الطيبة تدفع الإنسان إلى أرقى معاني الإنسانية، وأكثرها شفافية؛ كالتسامح، والإخلاص، لكن رغم رُقي هذه الكلمة، إلا أنها إذا خرجت عن حدودها المعقولة ووصلت حد المبالغة فإنها ستعطي نتائج سلبية على صاحبها، كل شيء في الحياة يجب أن يكون موزوناً ومعتدلاً، بما في ذلك المحبة التي هي ناتجة عن طيبة الإنسان، وحسن خلقه، فيجب أن تتعامل مع الآخرين في حدود المعقول، وعندما تبغضهم كذلك وفق حدود المعقول، ولا يجوز المبالغة في كلا الأمرين، فهناك شعرة بين الطيبة وحماقة السلوك... هذه الشعرة هي (منطق العقل). الإنسان الذي يتحكم بعاطفته قليلاً، ويحكّم عقله فهذا ليس دليلاً على عدم طيبته... بالعكس... هذا طيب عاقل... عكس الطيب الأحمق... الذي لا يفكر بعاقبة أو نتيجة سلوكه ويندفع بشكل عاطفي أو يمنح ثقة لطرف معين غريب أو قريب... والمبررات التي يحاول إقناع نفسه بها عندما تقع المشاكل أنه صاحب قلب طيب. الطيبة لا تلغي دور العقل... إنما العكس هو الصحيح، فهي تحكيم العقل بالوقت المناسب واتخاذ القرار الحكيم الذي يدل على اتزان العقل، ومهما كان القرار ظاهراً يحمل القسوة أحياناً لكنه تترتب عليه فوائد مستقبلية حتمية... وأطيب ما يكون الإنسان عندما يدفع الضرر عن نفسه وعن الآخرين قبل أن ينفعهم. هل الطيبة تصلح في جميع الأوقات أم في أوقات محددة؟ الطيبة كأنها غطاء أثناء الشتاء يكون مرغوباً فيه، لكنه اثناء الصيف لا رغبة فيه أبداً.. لهذا يجب أن تكون الطيبة بحسب الظروف الموضوعية... فالطيبة حالة تعكس التأثر بالواقع لهذا يجب أن تكون الطيبة متغيرة حسب الظروف والأشخاص، قد يحدث أن تعمي الطيبة الزائدة صاحبها عن رؤيته لحقيقة مجرى الأمور، أو عدم رؤيته الحقيقة بأكملها، من باب حسن ظنه بالآخرين، واعتقاده أن جميع الناس مثله، لا يمتلكون إلا الصفاء والصدق والمحبة، ماي دفعهم بالمقابل إلى استغلاله، وخداعه في كثير من الأحيان، فمساعدة المحتاج الحقيقي تعتبر طيبة، لكن لو كان المدّعي للحاجة كاذباً فهو مستغل. لهذا علينا قبل أن نستخدم الطيبة أن نقدم عقولنا قبل عواطفنا، فالعاطفة تعتمد على الإحساس لكن العقل أقوى منها، لأنه ميزان يزن الأشياء رغم أن للقلب ألماً أشد من ألم العقل، فالقلب يكشف عن نفسه من خلال دقاته لكن العقل لا يكشف عن نفسه لأنه يحكم بصمت، فالطيبة يمكن أن تكون مقياساً لمعرفة الأقوى: العاطفة أو العقل، فالطيّب يكون قلبه ضعيفاً ترهقه الضربات في أي حدث، ويكون المرء حينها عاطفياً وليس طيباً، لكن صاحب العقل القوي يكون طيباً أكثر من كونه عاطفياً. هل الطيبة تؤذي صاحبها وتسبب عدم الاحترام لمشاعره؟ إن الطيبة المتوازنة المتفقة مع العقل لا تؤذي صاحبها لأن مفهوم طيبة القلب هو حب الخير للغير وعدم الإضرار بالغير، وعدم العمل ضد مصلحة الغير، ومسامحة من أخطأ بحقه بقدر معقول ومساعدة المحتاج ... وغيرها كثير. أما الثقة العمياء بالآخرين وعدم حساب نية المقابل وغيرها فهذه ليست طيبة، بل قد تكون -مع كامل الاحترام للجميع- غباءً أو حماقة وسلوكاً غير عقلاني ولا يمت للعقل بصلة. إن المشكلة تقع عند الإنسان الطيب عندما يرى أن الناس كلهم طيبون، ثم إذا واجهه موقف منهم أو لحق به أذى من ظلم أو استغلال لطيبته، تُغلق الدنيا في وجهه، فيبدأ وهو يرى الناس الطيبين قد رحلوا من مجتمعه، وأن الخير انعدم، وتحصل له أزمة نفسية أو يتعرض للأمراض، لأن الطيّب يقدم الإحسان للناس بكل ما يستطيع فعله، ويقدّم ذلك بحسن نية وبراءة منه، فهو بالتالي ينتظر منهم الرد بالشكر أو المعاملة باللطف على الأقل... صحيح أن المعروف لوجه الله، ولكن من باب: من لم يشكر المخلوق لم يشكر الخالق، لذلك يتأذى عندما يصدر فعل من الشخص الذي كان يعامله بكل طيب وصدق. هل الطيبة والصدق من علامات ضعف الشخصية؟ الكثير من الناس يصف طيب القلب بأنه ضعيف الشخصية، لأنه يتصف بعدم الانتقام ممن ظلمه، والصفح عنه عند رجوعه عن الخطأ، وأنه لا يحب إيقاع الآخرين بالمشاكل؛ لأنه مقتنع أن الله سيأخذ له حقه. والحقيقة هي أن الصدق والطيبة وحسن الظن بالآخرين ليست ضعف شخصية، بل هي من الأخلاق الراقية وهي تزيد صاحبها سمواً وجمالاً روحياً، وليس من المعيب أن يمتلك الإنسان الطيبة بل العيب في من لا يُقدّر هذه الطيبة ويعطيها حقها في التعامل بالمثل. فالمشكلة الأساسية ليست في الطيبة، إنما في استغلال الآخرين لهذه الطيبة، نتيجة لعدم عقلنة قراراتنا والاعتماد على عواطفنا بشكل كلي. فالصدق والطيبة حسب المنطق والعقل، ولها فوائد جمة للنفس ولعموم أفراد المجتمع، فهي تحصين للشخص عن المعاصي، وزيادة لصلة الإنسان بربه، وتهذيب للنفس والشعور بالراحة النفسية، فالصادق الطيب ينشر المحبة بين الناس، وهذا يعزّز التماسك الاجتماعي وتقويته من سوء الظنون والحقد، وهذا التعامل أكّدت عليه جميع الشرائع السماوية، ولو تأمّلنا تاريخ وأخلاق الأنبياء والأوصياء لوجدنا كل ما هو راقٍ من الأخلاق والتعامل بالطيبة والصدق... حنان الزيرجاوي

اخرى
منذ 7 سنوات
79858

لا تقاس العقول بالأعمار!

(لا تقاس العقول بالأعمار، فكم من صغير عقله بارع، وكم من كبير عقله فارغ) قولٌ تناولته وسائل التواصل الاجتماعي بكل تقّبلٍ ورضا، ولعل ما زاد في تقبلها إياه هو نسبته الى أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام)، ولكننا عند الرجوع إلى الكتب الحديثية لا نجد لهذا الحديث أثراً إطلاقاً، ولا غرابة في ذلك إذ إن أمير البلاغة والبيان (سلام الله وصلواته عليه) معروفٌ ببلاغته التي أخرست البلغاء، ومشهورٌ بفصاحته التي إعترف بها حتى الأعداء، ومعلومٌ كلامه إذ إنه فوق كلام المخلوقين قاطبةً خلا الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله) ودون كلام رب السماء. وأما من حيث دلالة هذه المقولة ومدى صحتها فلابد من تقديم مقدمات؛ وذلك لأن معنى العقل في المفهوم الإسلامي يختلف عما هو عليه في الثقافات الأخرى من جهةٍ، كما ينبغي التطرق الى النصوص الدينية الواردة في هذا المجال وعرضها ولو على نحو الإيجاز للتعرف إلى مدى موافقة هذه المقولة لها من عدمها من جهةٍ أخرى. معنى العقل: العقل لغة: المنع والحبس، وهو (مصدر عقلت البعير بالعقال أعقله عقلا، والعِقال: حبل يُثنَى به يد البعير إلى ركبتيه فيشد به)(1)، (وسُمِّي العَقْلُ عَقْلاً لأَنه يَعْقِل صاحبَه عن التَّوَرُّط في المَهالِك أَي يَحْبِسه)(2)؛ لذا روي عنه (صلى الله عليه وآله): "العقل عقال من الجهل"(3). وأما اصطلاحاً: فهو حسب التصور الأرضي: عبارة عن مهارات الذهن في سلامة جهازه (الوظيفي) فحسب، في حين أن التصوّر الإسلامي يتجاوز هذا المعنى الضيّق مُضيفاً إلى تلك المهارات مهارة أخرى وهي المهارة العبادية. وعليه فإن العقل يتقوّم في التصور الاسلامي من تظافر مهارتين معاً لا غنى لأحداهما عن الأخرى وهما (المهارة العقلية) و(المهارة العبادية). ولذا روي عن الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله) أنه عندما سئل عن العقل قال :" العمل بطاعة الله وأن العمّال بطاعة الله هم العقلاء"(4)، كما روي عن الإمام الصادق(عليه السلام)أنه عندما سئل السؤال ذاته أجاب: "ما عُبد به الرحمن، واكتسب به الجنان. فسأله الراوي: فالذي كان في معاوية [أي ماهو؟] فقال(عليه السلام): تلك النكراء، تلك الشيطنة، وهي شبيهة بالعقل وليست بالعقل"(5) والعقل عقلان: عقل الطبع وعقل التجربة، فأما الأول أو ما يسمى بـ(الوجدان الأخلاقي) فهو مبدأ الادراك، وهو إن نَما وتطور سنح للإنسان فرصة الاستفادة من سائر المعارف التي يختزنها عن طريق الدراسة والتجربة وبالتالي يحقق الحياة الإنسانية الطيبة التي يصبو اليها، وأما إن وهن واندثر لإتباع صاحبه الأهواء النفسية والوساوس الشيطانية، فعندئذٍ لا ينتفع الانسان بعقل التجربة مهما زادت معلوماته وتضخمت بياناته، وبالتالي يُحرم من توفيق الوصول إلى الحياة المنشودة. وعقل التجربة هو ما يمكن للإنسان اكتساب العلوم والمعارف من خلاله، وما أروع تشبيه أمير البلغاء (عليه السلام) العلاقة التي تربط العقلين معاً إذ قال فيما نسب إليه: رأيت العقل عقلين فمطبوع ومسموع ولا ينفع مسموع إذ لم يك مطبــوع كما لا تنفع الشمس وضوء العين ممنوع(6) فقد شبّه (سلام الله عليه) عقل الطبع بالعين وعقل التجربة بالشمس، ومما لاشك فيه لكي تتحقق الرؤية لابد من أمرين: سلامة العين ووجود نور الشمس، وكما إن الثاني لا ينفع إن لم يتوفر الأول فكذلك عقل التجربة لا ينفع عند غياب عقل الطبع فضلاً عن موته. وبما إن عقل الطبع قد ينمو ويزدهر فينفع صاحبه من عقل التجربة، وقد يموت ويندثر عند الاستسلام لإضلال شبهةٍ أوبسبب إرتكاب معصية، فإنه ومن باب أولى أن يتعرض الى الزيادة والنقصان كما سيأتي... وقد ورد في النصوص الدينية أن للعقل زمناً ينمو فيه ويكتمل، فعن إمامنا أبي عبدالله (عليه السلام) قال: قال أمير المؤمنين (صلوات الله عليه):"يثغر الصبي لسبع، ويؤمر بالصلاة لتسع، ويفرق بينهم في المضاجع لعشر، ويحتلم لأربع عشرة، وينتهى طوله لإحدى وعشرين سنة، وينتهي عقله لثمان وعشرين إلا التجارب"(7)، وعن أمير المؤمنين (عليه السلام): "يربى الصبي سبعاً ويؤدب سبعاً، ويستخدم سبعاً، ومنتهى طوله في ثلاث وعشرين سنة، وعقله في خمس وثلاثين [سنة] وما كان بعد ذلك فبالتجارب"(8). إذن يتوقف النمو الطبيعي لعقل الانسان عند سن الثامنة والعشرين أو الخامسة والثلاثين كما ورد في الروايتين، وأية زيادة أخرى في طاقته بعد ذلك إنما تأتي عن طريق التجارب، وقد يُتوهم بأن ثمة تعارضاً ما بين الروايتين المتقدمتين في شأن تحديد سن النمو العقلي، إلا إنه لا تعارض ينهما إذا حملنا اختلافهما فيه على اختلاف الاشخاص وتباين استعدادات وقابليات كل منهم. وعلى الرغم من توقف نمو عقل الإنسان إلا إن له أنْ يزيده بالتجارب ومواصلة التعلم ــ كما تقدم في الروايات ــ وسواء أثبت العلم هذه الحقيقة الروائية أم لا، فنحن نريد الإشارة إلى ضرورة استمرار التجربة والتعلم لزيادة نمو العقل وهذا المقدار لا خلاف فيه وعلى الرغم من إن لعمر الانسان مدخلية في زيادة عقله كما تقدم وكما روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام): "يزيد عقل الرجل بعد الاربعين إلى خمسين وستين، ثم ينقص عقله بعد ذلك"(9)، إلا إن ذلك ليس على نحو العلة التامة، إذ يمكن للعقل أن يبقى شاباً وقوياً وإن شاب الإنسان وضعف جسمه، وتقدم في السن ووهن عظمه، فالعاقل لا يشيب عقله ولا تنتقص الشيخوخة من قوته بل وقد يزداد طاقةً وحيويةً لذا ورد عن أمير المؤمنين (عليه السلام):"رأي الشيخ أحب الي من جَلَد الغلام"(10)، وفي أخرى ".....من حيلة الشباب "(11) وأما من لم يوفر أسباب صقل عقله في مرحلة الشباب فإنه بلا شك يضمحل عقله في مرحلة الشيخوخة. وليس تقدم العمر هو العامل الوحيد في نقصان العقل بل إن النصوص الشرعية أشارت الى عوامل عديدة اخرى أهمها: أولاً: التعلم: فقد روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام): "من لم يصبر على ذل التعلم ساعة بقي في ذل الجهل أبداً"(13). ثانياً: التوبة: وعنه (عليه السلام) ايضاً:"من لم يرتدع يجهل"(14) ثالثاً: التقوى: فقد كتب إمامنا الباقر (عليه السلام) إلى سعد الخير: "بسم الله الرحمن الرحيم أما بعد فإني اوصيك بتقوى الله فإن فيها السلامة من التلف والغنيمة في المنقلب إن الله (عزوجل) يقي بالتقوى عن العبد ما عزب عنه عقله ويجلي بالتقوى عنه عماه وجهله"(15) إذن التوبة هي سبب للتوفيق الإلهي الذي يؤدي فيما يؤدي إليه من إكمال العقل. رابعاً: الوقوف عند الشبهة: وقال (عليه السلام ): "لا ورع كالوقوف عند الشبهة"(16). فإن الوقوف عند الشبهات سبب من أسباب التوفيق الإلهي بلا شك. خامساً: الاعتراف بالجهل: كما روي عن الإمام علي (عليه السلام): "غاية العقل الاعتراف بالجهل"(17) إذ الاعتراف بالجهل يدفع الإنسان دوماً إلى مزيد من بذل الجهد واكتساب المعارف. مما تقدم تتضح جلياً صحة هذه المقولة دلالةً، إذ إن العقول فعلاً لا تقاس بالأعمار لأن كلٍاً من زيادتها ونقيصتها منوطٌ بالعديد من العوامل الأخرى والتي تقدم ذكرها، بيد إن ذلك لا يبرر التساهل في نشرها والتهاون في الاستشهاد بها على إنها من أقوال أمير المؤمنين (صلوات الله وسلامه عليه) لعدم ثبوت ذلك سنداً من جهة ولضعف بلاغتها وركاكة تركيبها بالنسبة إلى سيد البلغاء والبلاغة. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) تهذيب اللغة ج1 ص65 (2) لسان العرب ج11 ص458 (3) نهاية الحكمة ص305 (4) ميزان الحكمة ج3 ص333 (5) أصول الكافي ج1، ح3 / 11 (6) نهج السعادة ج9 ص163 (7) الكافي ج7 ص94 (8) الفقيه ج3 ص493 (9) الاختصاص ص245 (10) نهج البلاغة حكمة 86 (11) بحار الأنوار ج72 ص105 (12) المصدر السابق ج1 ص94 (13) غرر الحكم ودرر الكلم ج1 ص118 (14) الكافي ج8 ص73 (15) وسائل الشيعة ج1 ص162 (16) غرر الحكم ودرر الكلم ج1 ص1 بقلم الكاتبة: رضا الله غايتي

اخرى
منذ 8 سنوات
60994

المرأة في فكر الإمام علي (عليه السلام)

بقلم: أم نور الهدى كان لأمير المؤمنين (عليه السلام) اهتمام خاص بالمرأة، فنراه تارة ينظر إليها كآية من آيات الخلق الإلهي، وتجلٍ من تجليات الخالق (عز وجل) فيقول: (عقول النساء في جمالهن وجمال الرجال في عقولهم). وتارة ينظر إلى كل ما موجود هو آية ومظهر من مظاهر النساء فيقول: (لا تملك المرأة من أمرها ما جاوز نفسها فإن المرأة ريحانة وليس قهرمانة). أي إن المرأة ريحانة وزهرة تعطر المجتمع بعطر الرياحين والزهور. ولقد وردت كلمة الريحان في قوله تعالى: (فأمّا إن كان من المقربين فروح وريحان وجنة النعيم) والريحان هنا كل نبات طيب الريح مفردته ريحانة، فروح وريحان تعني الرحمة. فالإمام هنا وصف المرأة بأروع الأوصاف حين جعلها ريحانة بكل ما تشتمل عليه كلمة الريحان من الصفات فهي جميلة وعطرة وطيبة، أما القهرمان فهو الذي يُكلّف بأمور الخدمة والاشتغال، وبما إن الإسلام لم يكلف المرأة بأمور الخدمة والاشتغال في البيت، فما يريده الإمام هو إعفاء النساء من المشقة وعدم الزامهن بتحمل المسؤوليات فوق قدرتهن لأن ما عليهن من واجبات تكوين الأسرة وتربية الجيل يستغرق جهدهن ووقتهن، لذا ليس من حق الرجل إجبار زوجته للقيام بأعمال خارجة عن نطاق واجباتها. فالفرق الجوهري بين اعتبار المرأة ريحانة وبين اعتبارها قهرمانة هو أن الريحانة تكون، محفوظة، مصانة، تعامل برقة وتخاطب برقة، لها منزلتها وحضورها. فلا يمكن للزوج التفريط بها. أما القهرمانة فهي المرأة التي تقوم بالخدمة في المنزل وتدير شؤونه دون أن يكون لها من الزوج تلك المكانة العاطفية والاحترام والرعاية لها. علماً أن خدمتها في بيت الزوجية مما ندب إليه الشره الحنيف واعتبره جهادًا لها أثابها عليه الشيء الكثير جدًا مما ذكرته النصوص الشريفة. فمعاملة الزوج لزوجته يجب أن تكون نابعة من اعتبارها ريحانة وليس من اعتبارها خادمة تقوم بأعمال المنزل لأن المرأة خلقت للرقة والحنان. وعلى الرغم من أن المرأة مظهر من مظاهر الجمال الإلهي فإنها تستطيع كالرجل أن تنال جميع الكمالات الأخرى، وهذا لا يعني أنها لا بد أن تخوض جميع ميادين الحياة كالحرب، والأعمال الشاقة، بل أن الله تعالى جعلها مكملة للرجل، أي الرجل والمرأة أحدهما مكمل للآخر. وأخيرًا إن كلام الإمام علي (عليه السلام) كان تكريمًا للمرأة ووضعها المكانة التي وضعها الله تعالى بها، حيث لم يحملها مشقة الخدمة والعمل في المنزل واعتبر أجر ما تقوم به من اعمال في رعاية بيتها كأجر الجهاد في سبيل الله.

اخرى
منذ 7 سنوات
51796

الطلاق ليس نهاية المطاف

رحلةٌ مثقلة بالألم في طريق يئن من وطأة الظلم! ينهي حياة زوجية فشلت في الوصول إلى شاطئ الأمان. ويبدد طموحات أطفال في العيش في هدوء نفسي واجتماعي تحت رعاية أبوين تجمعهم المودة والرحمة والحب. الطلاق شرعاً: هو حل رابطة الزواج لاستحالة المعاشرة بالمعروف بين الطرفين. قال تعالى: [ لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (226) وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (227)].(١). الطلاق لغوياً: من فعل طَلَق ويُقال طُلقت الزوجة "أي خرجت من عصمة الزوج وتـحررت"، يحدث الطلاق بسبب سوء تفاهم أو مشاكل متراكمة أو غياب الانسجام والحب. المرأة المطلقة ليست إنسانة فيها نقص أو خلل أخلاقي أو نفسي، بالتأكيد إنها خاضت حروباً وصرعات نفسية لا يعلم بها أحد، من أجل الحفاظ على حياتها الزوجية، ولكن لأنها طبقت شريعة الله وقررت مصير حياتها ورأت أن أساس الـحياة الزوجيـة القائم على المودة والرحـمة لا وجود له بينهما. فأصبحت موضع اتهام ومذنبة بنظر المجتمع، لذلك أصبح المـجتمع يُحكم أهواءه بدلاً من الإسلام. ترى، كم من امرأة في مجتمعنا تعاني جرّاء الحكم المطلق ذاته على أخلاقها ودينها، لا لسبب إنما لأنها قررت أن تعيش، وكم من فتاة أُجبرت قسراً على أن تتزوج من رجل لا يناسب تطلعاتها، لأن الكثير منهن يشعرن بالنقص وعدم الثقة بسبب نظرة المجتمع، وتقع المرأة المطلّقة أسيرة هذه الحالة بسبب رؤية المجتمع السلبيّة لها. وقد تلاحق بسيل من الاتهامات وتطارد بجملة من الافتراءات. وتعاني المطلقة غالباً من معاملة من حولها، وأقرب الناس لها، بالرغم من أن الطلاق هو الدواء المر الذي قد تلجأ إليه المرأة أحياناً للخلاص من الظلم الذي أصبح يؤرق حياتها الزوجية، ويهدد مستقبلها النفسي، والله تعالى لم يشرع أمراً لخلقه إلا إذا كان فيه خير عظيم لهم، والطلاق ما شرّع إلا ليكون دواء فيه شفاء وإن كان مرّاً، وإن كان أمره صعباً على النفوس، حيث قال عز وجل: "وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ وَكَانَ اللَّهُ وَاسِعًا حَكِيمًا"، روي عن الرسول الأعظم (صلى الله عليه واله وسلم) ((أبغض الحلال إلى الله الطلاق) (٢). ورغم أن الشريعة الإسلامية أباحت الطلاق بشروط تلاءم لبناء المجتمع، وأولت أهمية في الإحسان دائمًا للطرف الأضعف والأكثر خسارة في هذه المعادلة وهي "المرأة"، إلا أن المجتمع الذي يدّعي الإسلام لا يرحمها، ويحكم عليها بالإدانة طوال حياتها دون النظر في صحة موقفها في الطلاق من عدمه! قال( تعالى ): [الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ] (٣). ولكن بعد كل هذا فالحياة لم ولن تتوقف بعد الطلاق! الطلاق ليس نهاية الحياة. - أخيتي. ليكن الطلاق بداية جديدة لحياة جديدة وللانطلاق. -قطار العطاء لن يتعطل. فإن كنت السبب في الطلاق فالحمد لله على كل حال وتلك أمة قد خلت وأيام ذهبت وانجلت فلست بالمعصومة من الخطأ. وعليك استدراك الأخطاء وتقوية مواطن الضعف في شخصيتك، واجعليها درساً مفيداً في الحياة لتطوير نفسك وتقويتها. وإذا كنتِ مظلومة فهناك جبار يُحصي الصغير والكبير وسيأتي يوم ينتصر لك فيه. -ومن الجميل أن تعطي نفسك الإحساس بالحب والاحترام، ولا تتأثري بأي نظرة سلبية من المجتمع وكون البعض يتعامل مع المطلقة على أنها حالة خاصة فعليكِ إثبات ذاتك حتى تفرضي على الكل شخصيتك. - نظرتك لنفسك اجعليها نظرة ايجابية مشرقة ولا تنزلقي في مستنقع نبذ الذات وظلم النفس. - ابحثي عن الصفات الجيدة فيك فإن ذلك سيشعرك بالثقة في ذاتك والتقدير لها. -حاولي مراجعة نفسك للخروج بإيجابيات حصلت لك من طلاقك. - خالطي الآخرين وإياك والعزلة بسبب وضعك الجديد فلست بأول من يبتلى بالطلاق. -استمتعي بالموجود ولا تتعلقي بالمفقود، حلقي بروح تعبق أملاً وتفاؤلاً، استمتعي بما وهبك الله من نعم (صحة وأولاد وأهل وصديقات وعمل وهوايات وغيرها من الأمور الجميلة) فما حصل لك حصل… ولابد أن تتقبليه برضا، وأعلمي أن ما أصابك لم يكن ليخطأك وما أخطأك لم يكن ليصيبك. وقال أصدق من قال: ( وعسى أن تكرهوا شيئاً وهو خير لكم). فالرضا سر السعادة الحقيقي. - اقتربي من صديقاتك الصالحات، واقضي معهن وقتاً طيباً تنسين به ألمك وحزنك. - احرصي على الصلوات وقراءة القرآن الكريم والذكر والاستغفار وأكثري من الطاعات قدر ما تستطيعين، ففيها السلوى والفرح والسعادة. ونعم سعادة القرب من الرحمن. - اشغلي نفسك بأعمال البر والإحسان بمساعدة محتاج. بكفالة يتيم. بتعلم الفقه والقرآن وتعليمه. - اجتهدي في عمل برنامج يومي لك يكون ممتلأ بكل ما هو مفيد لك. من قراءة وزيارة الأصدقاء وصلة الرحم. بحيث لا تكون هناك دقيقة أنت فارغة فيها. - وأسرعي بقاربك الجميل بمجذافين من إيمان بالله وثقة بالنفس وسوف تصلين بإذن الله نحو جزيرة السعادة والنجاح. لكي تتسلق جبال الإنجاز، وتصل لأعلى مراتب الاعجاز. وعندها جزماً سيكون للحياة معنى آخر. --------------------------------- (١)-سورة البقرة الآية (٢٢٦-٢٢٧). (٢)-الكافي (٢)-سورة البقرة الآية (٢٢٨) حنان ستار الزيرجاوي

اخرى
منذ 8 سنوات
48798

هَوَّنَ عَلَيَّ مَا نَزَلَ بِي أَنَّهُ بِعَيْنِ اللهِ

عاشوراء مدرسة أعطت وتعطي الكثير الكثير كل يوم للمتأمل فيما ورد عنها من كلمات وفيما وثق فيها من مواقف... ولعل من أهم الدروس التي ترسخها عاشوراء في الأذهان بعد ضرورة مواجهة الباطل والدفاع عن الحق مهما كلفت من تضحيات جسام هو: الصبر على البلاء بل والرضا به .. كيف لا، وقد ورد عن سيّد الشهداء (عليه السلام) في اللحظات الأخيرة من حياته حينما كان يتمرّغ في الدم والتراب: «رضاً بقضائك وتسليماً لأمرك لا معبود سواك»(1). وكذلك فيما جاء في خطبته عند خروجه من مكّة إلى المدينة: «رضا اللَّه رضانا أهل البيت»(2) . فما سر هذا الرضا رغم شدة الابتلاءات وقساوة المحن التي مر بها سيد الشهداء (عليه السلام) ؟ مما لا شك فيه أن يقين الامام الحسين (عليه السلام) هو الذي رفعه إلى مقام الرضا رغم ما جرى عليه في واقعة كربلاء، إلا أنه ومع هذا فقد أرشد المؤمنين إلى مفاتيح الصبر والرضا، ولعل من أهمها ما وَرَدَ عنه (عليه السلام) أَنَّهُ قَالَ بعد أن تفاقم الخطب أمامه في كربلاء، واستشهد أصحابه وأهل بيته: «هَوَّنَ عَلَيَّ مَا نَزَلَ بِي أَنَّهُ بِعَيْنِ اللهِ»(1). فهنا يلفت الامام الحسين (عليه السلام) نظر المؤمنين الى حقيقة مهمة وهي: أن الله سبحانه يعلم بكل مجريات الأُمور، وهو مطلع على كل معاناة المبتلى وما يكابده من ألم دونما اعتراض منه على قضائه هو في حد ذاته حافز للمبتلى للصبر والرضا.. ولتقريب المعنى نقول: إن المتسابقين في ساحة اللعب مثلا يشعرون بالارتياح حينما يعلمون أن أبويهم وأصدقاءهم ينظرون اليهم فيندفعون بقوّة أكبر في تحمل الصعاب لتحقيق الفوز. فإذا كان تأثير وجود الأبوين والأصدقاء كذلك، فما بالك بتأثير استشعار رؤية الله لما يجري على الانسان وهو يصارع الألم ويواجه المحن؟! ما أعظم القوّة التي يمنحها هذا الاستشعار لتحمل الامتحانات العسيرة والمصائب الخطيرة .. ولذا فقد جاء النداء الالهي لتثبيت قلب النبي نوح (عليه السلام) حين واجه أعظم المصائب والضغوط من قومه وهو يصنع الفلك، حيث قال (تعالى) : (وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا)(2). فكان لعبارة «بِأَعْيُنِنَا» وقع عظيم في نفسه (عليه السلام) فصبر وواصل عمله الى نهايته دونما أن يلتفت الى تقريع الأعداء أو يهتم باستهزائهم. ــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) موسوعة الامام علي بن أبي طالب (عليه السلام) ج8 ص42 (2) المصدر السابق (3) بحار الأنوار، ج 45، ص 46 (4) هود 37 رضا الله غايتي

اخرى
منذ 7 سنوات
45234