تشغيل الوضع الليلي
نفحاتٌ ملكوتيةٌ من الخطابِ الزينبي (١٠) "مُنتَحيًا على ثنايا أبي عبد الله سيّد شباب أهل الجنّة تنكتها بمِخْصَرتك"
منذ 5 سنوات عدد المشاهدات : 2092
بقلم: علوية الحسيني
ظاهرًا هذا هو الموقفُ الذي دفعَ السيّدةَ زينبَ (عليها السلام) لإلقاءِ خطبتِها البليغة؛ حينما كانت في مجلس الطاغيةِ يزيد (عليه لعنة الله)؛ وكان (لعنه الله) يتجاسرُ على رأسِ الإمامِ الحسين (عليه السلام) بضربِ ثناياه الشريفة بالمخصرة، مما أفجعها، حتى قالت ما قالت.
ولاشكَّ أنّ لهذهِ العبارةِ جوانب عقائدية، وأخلاقية، وبلاغية، يتمُّ توضيحُ شيء منها بالتالي:
■الناحيةُ الأولى: الناحيةُ العقائدية
نعلمُ -كما وصلَنا عن أئمتِنا (عليهم السلام)- أنّه لولا ثورة الإمام الحسين (عليه السلام) لمُحيَ الدّينُ محوًا على يدِ الطاغيةِ يزيد ومن مكّن له من الحكم (عليهم لعنة الله جميعًا)، ومن لم يكنْ يعلمُ بذلك فليعلمْ من خلالِ التأمُّلِ في تجاسرِ يزيد على رأسِ سيّدِ شبابِ أهلِ الجنة -كمثال- وإلا فشنائعُ أفعالِ ذلك العتل كثيرةٌ.
وقد روَتْ هذا الحدثَ الفجيعَ كتبُ أبناءِ العامة؛ إذ روى الذهبي: "... ثم قاتلَ [الإمام الحسين] حتى قُتِل، قتلَه رجلٌ مذحجي، وحزَّ رأسَه، ومضى به إلى عُبيدِ الله، فقال:
وقرْ ركابي ذهبا فقد قتلتُ الملكَ المُحجّبا
قتلتُ خيرَ الناسِ أمًا وأبا
فوفدَهُ إلى يزيد ومعه الرأس، فوضعَ بين يديه، وعنده أبو برزة الأسلمي، فجعلَ يزيدُ ينكتُ بالقضيبِ على فيه، ويقول:
نفلقُ هامًا من أناسٍ أعزة علينا وهم كانوا أعقّ وأظلما"(1)
وهذا فعلٌ غيرُ مُستبعدِ الصدورِ ممّن هتكَ حُرمةَ الكعبةِ حينما رماها بالمنجنيق!
ولو تأمّلْنا في قولِ السيّدةِ زينب (عليها السلام) وتساءلنا: لماذا هُنا تحديدًا وصفتِ الإمامَ الحسين (عليه السلام) بأنّه سيّدُ شبابِ أهلِ الجنة، دونَ أنْ تصفَه بصفةٍ أخرى، أو تُطلِقُ قولَها؟
لكان الجوابُ: إنّها حكيمةٌ، والحكيمُ أفعالُه وأقوالُه مُعلّلةٌ بغرض؛ وتتجلّى الحكمةُ من قولِها (سيّد شباب أهل الجنة) تذكيرًا للطاغيةِ بأنّ عقيدتَه شوهاء؛ لأنّ سيّدَ شبابِ أهلِ الجنة هو إمامُ أهلِ الأرض، والخروجُ على الإمام، فضلًا عن قتله والتمثيل برأسه الشريف لهوَ انسلاخٌ عن الدّينِ المحمدي.
والنصوص متوفرة كثيرة حتى عند يزيد تشهدُ أنّ رسولَ الله (صلى الله عليه وآله) قد وصفَ الإمامَ الحسينَ (عليه السلام) بأنّه سيّدُ شبابِ أهلِ الجنة؛ "فعن أبي سعيدٍ الخدري، قال: قال رسولُ الله (ص[صلى الله عليه وآله]): الحسنُ والحسينُ سيّدا شبابِ أهلِ الجنة"(2).
تُرى بأي ّ طريقةٍ بعدُ أُثبتُ للعالمِ بأسرِه كفرَ الطاغيةِ يزيد؟!
إن السيّدة زينب (عليها السلام) قد أعطت للطاغيةِ وجلسائه وجميعِ الحضور، ومضةً عقائديةً بحقِّ الإمام، ووجوب احترامه، وأنّ الخروجَ عليه -فضلًا عن التمثيل برأسه- هو الكفرُ الصريح؛ لأنّه فعلٌ مُخالفٌ للعقيدةِ بمن جعلَه إمامًا وهو اللهُ (تعالى)، وما أراه إلاّ بدرجةِ كُفرِ فرعون بل أشد.
■الناحيةُ الثانيةُ: الناحيةُ الإنسانية.
لم ينقلْ لنا التاريخُ واقعةً كواقعةِ الطف، وهذا يدلُّ على وحشيّةِ العدو، وعدمِ إنسانيته؛ بعدم مراعاته للقواعد الإسلامية في الحروب، هذا على فرضِ كونِ الإمامِ الحسين وعيالاته (عليه وعليهم السلام) أناسًا عاديين، وإلاّ لاكتفى بمبارزة الإمام.
بل ولكونه جبانًا، ثملًا، لن يخوضَ حربًا مباشرةً مع الإمام الأسد الفارس (عليه السلام)، فقد تجسّدتْ عدمُ إنسانيته بالغدر بالإمام، بل وبالجرأةِ بالتمثيلِ برأسه، وضرب ثناياه أمامَ سليلاتِ النبوّةِ (عليهنّ السلام) -هذا فضلًا عن سبيهنَّ-فهذه هي بهيميّةُ يزيد (عليه لعنة الله).
■الناحيةُ الثالثةُ: الناحيةُ البلاغية.
اشتملَ خطابُ السيّدةِ زينب (عليها السلام) هذا على أسلوبٍ بلاغي، غاية في الأهمية، وهو الإطناب.
"أي زيادةُ اللفظِ على المعنى لفائدةٍ مرجوّة"(3). فالسيّدةُ زادتْ على لفظِ (أبي عبد الله) لفظ (سيّدِ شبابِ أهلِ الجنة)، وكذا زادتْ على لفظِ (مُنتحيًا على ثنايا) لفظَ (تنكتُها بمِخْصَرتك)، فأطنبتْ بالكلام؛ أي أطالته؛ لفائدةٍ طبعًا.
فحينما أضافت لـ(أبي عبد الله) صفةَ (سيّد شباب أهل الجنة) فلعلّها تقصدُ عدّةَ أمورٍ، منها:
1- دفعُ الإيهامِ عن سامعي خُطبتِها من عامةِ الناس، "وهذا أحدُ أغراضِ الإطنابِ بلاغيًا"(4)؛ فليسَ كُلّ من كان حاضرًا في مجلسِ الطاغية يزيد (عليه لعنة الله) يعلمُ بمقامِ السبايا والرؤوس المشالات.
لهذا أجّجتِ الحضورَ بخُطبتِها (عليها السلام)، مما جعل البعضُ يثور على يزيد الذي كان قد خدعهم بأنّ السبايا هم من الخارجين على أمير المسلمين؛ "كالشيخ الذي قال للسبايا: الحمدُ لله الذي قتلكم وأهلككم وأراحَ البلادَ عن رجالِكم، وأمكنَ أميرُ المؤمنين منكم"(5). فما أبلغ الحوراء!
2- إثارةُ الحميّةِ عند المُتلقين"(6)، وهذا غرضٌ لا يقلُّ أهميةً عن السابق؛ إذ يُروى " أنّ رسولَ ملكِ الرومِ كان حاضرًا في مجلسِ الطاغية، فلّما عرفَ صاحبَ الرأسِ وبّخَ الطاغية، ووثبَ إلى رأسِ الحسينِ (عليه السلام) فضمَّهُ إلى صدره وجعلَ يُقبِّلُه ويبكي حتى قتلَه الطاغيةُ لئلا يُفتَضَح"(7).
*وحينما أضافت لــ(منتحيًا على ثنايا) لفظ (تنكتها بمِخْصَرتك)، فلعلّها تقصدُ توضيحَ مرادها"(8), لأنّ المُخاطبَ الطاغيةَ (عليه لعنة الله) لا يفقهُ إلا بالإطناب؛ فبلاغةُ السيّدةِ كثيرةٌ عليه؛ مما اضطرها إلى التوضيحِ بأنّ معنى (مُنتحٍ) هو اتخاذُه ناحيةً يقرُبُ فيها من الرأسِ الشريفِ لينكُتَ الثنايا الطاهرة!
فلم يكنْ إطنابُها معيبًا؛ لأنّه لم يخل من فائدة.
____________________
(1) سير أعلام النبلاء: للإمام الذهبي, ج3, ص309.
(2) مسند أحمد بن حنبل: لأحمد بن حنبل, مسند أبي سعيد الخدري, ج3, ح10616.
(3) البلاغة الواضحة: لعلي الجارم ومصطفى أمين, ص250.
(4) التحفة الباهرة في بلاغة المخدرة الطاهرة: لحسين البحراني, ص88.
(5) اللهوف في قتلى الطفوف: للسيد ابن طاووس, ص102.
(6) مصدر سابق, ص88.
(7) اللهوف في قتلى الطفوف: لسيد ابن طاووس, ص110-111.
(8) المصدر نفسه.
وثواكلٌ في النوحِ تُسعِدُ مثلَها أرأيتَ ذا ثكلٍ يكونُ سعيدًا؟!
حنّتْ فلم ترَ مثلَهنَّ نوائحًا إذ ليس مثلُ فقيدهن فقيدًا
اخترنا لكم
خيرة النساء وظلم التاريخ (1)
خيرة النساء لقب أطلقه الإمام الحسين (عليه السلام) على ابنته سكينة التي أحبها حبا شديدا وأخذت بمجامع قلبه لقداستها وطهرها حتى وصفها (عليه السلام) بهذا الوصف لما وقف عليها يوم الطف، ورآها باكية نادبة، فقال : سيطول بعدي يا سكينة فاعلمي منك البكاء إذا الحمام دهاني لا تحرقي قلبي بدمعك حسرة ما دام مني الروح في جثماني فإذا قتلت فأنت أولى بالذي تأتينه يا خيرة النسوان ومما لا شك فيه أن المعصوم بأقواله وأفعاله هو الفاروق بين الحق والباطل، فلا يحب إلا من كان حبيبا لله (تعالى)، فكيف بمن يشتد حبه إليها ؟ بل وكيف بمن يصفها بالسمو والرفعة، بأنها من خيرة النساء ؟! والسيدة سكينة اسمها آمنة، وإنما لقبتها أمها الرباب بلقب (سَكينة) لهدوئها وسكونها. عاشت في كنف أبيها ريحانة رسول الله (صلى الله عليه وآله) متأثرة بأنفاسه القدسية وأخلاقه الإلهية فكانت شديدة الحياء، تستغرق في عبادتها لله (تعالى)، شهدت واقعة الطف وعاشت آلامها وحُفِرَ في ذاكرتها ما جرى في تلك الواقعة على بيت النبوة من قتل للأحرار وتمثيل بأجساد الأطهار الى نهب بنات الرسالة وسبي ربائب الوحي والتنزيل، حتى كانت تروي تلك القصص بمرارة شديدة وكأن الحدث لم يمر عليه إلا ثوانٍ، وقلبها يعتصره أسى المصاب، وأكتافها تستشعر ألم السياط وتكاد أحداقها تذرف عينيها بدل الدموع كلما شخصت صورة يزيد اللعين وهو يضرب بمخصرته ثنايا أبيها الحبيب، فكانت كأخيها الامام السجاد (عليه السلام) في بكاء دائم وكأمها الرباب في حزن لازم وكعمتها العقيلة زينب في عزاء قائم حتى توفيت (عليها السلام).. بيدَ إن الحسد الزبيري على البيت العلوي لم يكتفِ بتلك الآلام التي جرَّعها الحقد الأموي لهذه السيدة الجليلة في واقعة الطف الأليمة، فراح يؤلف الأكاذيب وينسج القصص مستهدفاً بها طهر هذا البيت وقداسته، والحط من رفعته، والنيل من كرامته، حسداً منه لأحقيته في الخلافة، فامتدت يده الخبيثة تعضدها أقلام ذوي النفوس الدنيئة التي حركها بريق الدنانير الذهبية، وأسال رنينها لؤم مدادها، فأشاعوا قصصاً مكذوبة وأقاويل مزورة، يمكن تصنيفها إلى ظلامتين بحقها (سلام الله عليها)، وهما من أبرز ظُلاماتها (عليها السلام) التاريخية بعد ظلم السبي الأموي. الظلامة الأولى: مجالستها الشعراء وتحكيمها بينهم واستماعها الغناء. الظلامة الثانية: حديث الأزواج. سنتناول كلاً منهما بشيءٍ من الإيجاز.. الظلامة الأولى: مجالستها الشعراء وتحكيمها بينهم واستماعها الغناء. كانت سكينة بنت خالد بن مصعب بن الزبير صاحبة ملاحم عمر بن أبي ربيعة معروفةً بالميوعة والتهتك ومجالسة الشعراء والتحكيم بينهم والاستماع الى الغناء وما الى ذلك، وعوضاً من أن يصحح الزبيريون انحراف مسار ابنتهم فإنهم عمدوا الى نسبة كل ما كانت تقوم به الى السيدة الجليلة سكينة بنت الامام الحسين (عليهما السلام) مستغلين تشابه اسم بنت الزبيريين الفاجرة بلقب بنت الامام الحسين (عليه السلام) الطاهرة، فشرعوا في الخلط والتدليس وتزوير التاريخ، واخترعوا القصص الماجنة، ورموا بها شخص «آمنة» سكينة بنت الحسين (عليهما السلام). فقد وضعوا روايات تنسِب إلى هذه السيدة الفاضلة أنها كانت صاحبة مجالس شعرية تجالس فيها الشعراء وتتحدث اليهم وتستمتع بأشعارهم الغزلية وتحكم بينهم، وأن الشعراء كانوا يقولون فيها شعراً، نورد منها رواية رعايةً للاختصار وهي ما نقلها أبو الفرج الأصفهاني في كتابه الأغاني حيث قال (قال أبو الفرج: أخبرني علي بن صالح قال: حدثنا أبو هفان، عن إسحاق ،عن أبي عبدالله الزبيري قال: اجتمع نسوة من أهل المدينة من أهل الشرف، فتذاكرن عمر بن أبي ربيعة وشعره وظرفه وحسن حديثه، فتشوقن إليه وتمنينه، فقالت سكينة بنت الحسين: أنا لكن به، فأرسلت إليه رسولا وواعدته الصورين، وسمت له الليلة والوقت، وواعدت صواحباتها. فوافاهن عمر على راحلته، فحدثهن حتى أضاء الفجر وحان انصرافهن، فقال لهن: والله إني لمحتاج إلى زيارة قبر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم والصلاة في مسجده، ولكني لا أخلط بزيارتكن شيئا، ثم انصرف إلى مكة من مكانه، وقال في ذلك: قالت سكينة والدموع ذوارف منها على الخدين والجلباب ليت المغيري الذي لم أجزه فيما أطال تصيدي وطلابي كانت ترد لنا المنى أيامنا إذ لا تُلام على هوى وتصابي(1) وهذه الرواية مفتراة على هذه السيدة الطاهرة، وموضوعة من قبل الأيادي الحاقدة، وذلك لسقوطها سنداً ومتناً: فأما سنداً، فقد حقق السيد محمد علي بن يحيى الحلو في كتابه (عقيلة قريش آمنة بنت الحسين عليهما السلام الملقبة بسكينة) هذا الخبر من حيث السند وتوصل الى سقوطه عن الاعتبار لضعف رواته ومجهوليتهم. (2). وأما متناً فإن بصمات الوضع واضحة عليه ومن جهاتٍ عديدة: أولاً: قد ذكر أن «نسوة من أهل المدينة من أهل الشرف اجتمعن»، أ فهل يُعقل أن تكون هذه الحادثة في مدينة رسول الله (صلى الله عليه وآله)؟ وفي عهد قريب من زمن الرسالة أيضاً؟ أم هل يُعقل أن تشتاق نسوة من أشراف الأسر إلى شاعر متهتك فاحش الشعر والغزل ويتمنينه ويجتمعن معه ليلة كاملة حتى أضاء الفجر! ثانياً: لِمَ أعرض الراوي عن تشخيص أولئك النسوة، ولم يذكر منهن ولو واحدة فقط سوى السيدة سكينة بنت الحسين (عليها السلام)؟ بالرغم من أنهن كما تذكر الرواية من بيوت اشراف المدينة ولسن من النساء المطمورات التي لا يعرفن أحد. فمن المفترض بالراوي أن يكون على علم ببعضهن على ادنى التقادير.. ثالثاً: اختيار الراوي في قصته الشاعر عمر بن أبي ربيعة دونما سواه ليكون بطلاً لهذه القصة لا يخلو من دلالة يقصدها، فهذا الشاعر معروف بمجونه وخلعه، حتى هشام بن عروة يصف عواقب أشعاره وفحشها بقوله :"لا ترووا فتيانكم شعر عمر بن أبي ربيعة لئلا يتورطوا في الزنا تورطا"(3). وهل يمكن عقلاً أن تتلاءم مجالسة السيدة سكينة (سلام الله عليها) لهكذا شاعر مع ما عرف عن البيت العلوي من العفة والطهارة والترفع عن أدناس الجاهلية ؟! فتخصيص عمر بن أبي ربيعة إذن في هذه القصة يستهدف قداسة البيت العلوي وكرامته ليس إلا. من كل ذلك يُعلَم أن الخبر وإن كان قد روي على أنه مجرد خبر يتناول شاعراً معروفاً آنذاك ويتحدث عن ظرافته وميل النساء إليه بكل براءة في حين انه حيكَ بمكر ولؤم ليلبس ما يروم إليه حقدهم وحسدهم وهو التعرض للسيدة «آمنة» سكينة بنت الحسين بالسوء.. رابعاً: وردت هذه القصة في موضعين آخرين من نفس الكتاب (الأغاني) وبنقل نفس الكاتب إلا أنه يذكر في كلٍ منهما أسم سكينة فقط دونما نسبتها إلى الإمام الحسين (عليه السلام). وهذا التهافت من الكاتب إن دلّ على شيءٍ إنما يدل على أن هناك سكينة أخرى هي بطلة هذه القصة وليست بنت الامام (عليهما السلام) خامساً: من المعلوم أن السيدة سكينة (عليها السلام) عاشت بعد استشهاد والدها وزوجها عبد الله بن الحسن (عليهما السلام) في كنف عمها زين العابدين وسيد الساجدين (عليهما السلام) ومن بعد استشهاده (عليه السلام) انتقلت للعيش في كنف ابنه الامام الباقر (عليه السلام) فهل يقبل منطق أو يصدق عقل بأن من تعيش حياتها منذ ولادتها وحتى وفاتها متنقلة من ظل معصوم الى ظل معصوم آخر وتتنفس أنفاسهم القدسية وتحيطها رعايتهم وفي بيوتهم وتدخل الشعراء عليها وتستمع إليهم ، وتساهرهم حتى الصباح ؟ ولقد أحسن من قال : حدث العاقل بما لا يليق ، فإن صدق فلا عقل له . سادساً: عُلِمَ عنها (عليها السلام) أنها لم تكن حالها بعد واقعة الطف الأليمة كحالها في السابق فقد عزفت نفسها عن الحياة، و رفضت من تقدم لها من الأزواج، واتخذت الحزن خليلا والدمع أنيسا، إذ عاشت حياتها بين دمعة وحزن وتألم وشجن بل إن الاخبار تذكر أن ما من علوية امتشطت من واقعة الطف وحتى نهوض المختار وأخذه بثارات شهداء الطف .. فهل يعقل من تكون هذه حالها أن تمرح مع الشعراء أو تستطيب غزلهم أو تساهر المغنين أو تواعد المتخلعين ؟ أم يُعقل أن تعشق رجلاً هوايته الحديث العاطفي إلى النساء والتغزل بهن وتدمع عيناها عشقاً له، وهما اللتان كادتا أن تجفا لما سكبتا على فاجعة الطف؟! من كل ما تقدم يتضح زيف ما نسب الى هذه السيدة الطاهرة المطهرة ظلما وزورا.. الظلامة الثانية: حديث الأزواج تأتي.. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) الأغاني ج1 ص171 (2) أنظر عقيلة قريش آمنة بنت الحسين (عليهما السلام) ج1 ص33 (3) تاريخ آداب اللغة العربية لجرجي زيدان 1 : 281 رضا الله غايتي
اخرى
التوكــــل
بقلم: نجاة رزاق شمخي بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين وصلى الله على محمد وآله الطيبين الطاهرين، واللعن الدائم على أعدائهم أجمعين من الآن إلى قيام يوم الدين. يقول (تعالى) في محكم كتابه الكريم: بسم الله الرحمن الرحيم "يا ٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱذْكُرُواْ نِعْمَتَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَن يَبْسُطُوٓاْ إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنكُمْ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَعَلَى ٱللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ ٱلْمُؤْمِنُونَ" صدق الله العلي العظيم*١ بعد أنْ يُذكِّر (سبحانه) بالنعم التي منَّ بها على البشر ومنها دفع كيد اليهود الذين عزموا قتال المسلمين وإجلاؤهم من قبل النبي (صلى الله عليه وآله) من المدينة بسبب نقضهم العهد، يقول (تعالى): "واتقوا الله وعلى الله فليتوكل المؤمنون"، هناك ربطٌ بين الإيمان والتقوى والتوكل، فكُلّما زاد الإيمان زادت التقوى، وكلما زادت التقوى زاد التوكل على الله. يقول الشيخ ناصر مكارم الشيرازي: (يجب الانتباه إلى عبارة التقوى المشتقة من المصدر وقاية معناها حماية النفس من السوء والفساد).*٢ أهمية التوكل على الله (تعالى) إنَّ مسألة التوكل على الله من الفضائل الاخلاقية المهمة التي لا يتسنى للإنسان الوصول إلى مقام القرب الإلهي واطمئنان النفس إلا من خلالها، وحينما تطالع القرآن الكريم تلاحظ أنَّ صفة (التوكل) هي أبرز الصفات التي تتجلى في سيرة الأنبياء على مَر التأريخ. فهل بإمكان الإنسان البسيط أنْ يصل إلى هذه الصفة؟ وهل إنَّ التوكل يعني الاعتماد المطلق على الله تعالى بدون السعي وكسب الأسباب الطبيعية؟ ماهي الأعمال التي يجب على الإنسان القيام بها حتى يصل إلى مرحلة التوكل؟ أو لنقل هل إنَّ هناك رياضات روحية يجب على العبد ممارستها للوصول إلى حدِّ التوكل؟ أسئلةٌ نجيبُ عنها تباعًا.. أولًا: ما هو التوكل؟ التوكل: هو تفويض الأمور إلى الله والاعتماد على لطفه؛ لأنَّ التوكل من مادة (وكل)، بمعنى اختيار الوكيل والاعتماد عليه في تسيير الامور، وكلما كان الوكيل يتمتع بقدرةٍ أكبر وإحاطة علمية أكثر فأنَّ الشخص الموكِل يشعر في قرارةِ نفسه بالاطمئنان والهدوء والسكينة. وبما أنَّ الله (تعالى) قدرته لامحدودة وعلمه لامتناهي فحريٌ بالعبد أنْ تكون السكينة والاطمئنان هي التي تلامس قلبه وتدخل إلى أعماق نفسه. ثانيًا: ما مصاديق التوكل على الله (تعالى)؟ ذكر الله (تعالى) صفة التوكل في آياتٍ عديدة واقترنت أكثرها بسيرة الأنبياء (عليهم السلام) الذين يمثلون أبرز المصاديق للمتوكلين على الله (تعالى)، فنراهم قد تحملوا أعباء الرسالة وأذى قومهم فهذا النبي نوح (عليه السلام) يقول: "...فعلى الله توكلت فأجمعوا أمركم وشركائكم ..."*٣ فهو يعيش حالة التوكل إلى حد الاستعداد لمواجهة الأعداد مع قلة المناصرين له ومع كثرة المستهزئين به من قومه، إنَّه التوكل على الله. ثم يأتي من بعده النبي هود (عليه السلام) حيث يقول (تعالى) في وصفه: "إنّي توكلتُ على الله ربي وربكم"*٤. فلم يكتفِ بعدم الاهتمام بمخالفيه وتهديدهم، بل إنَّه من خلال توكله على الله تعالى يعيش حالة القوة والشجاعة والسير في خط الاستقامة. وفي قصة النبي ابراهيم (عليه السلام) نقرأ أعظم درسٍ في التوكل عليه (تعالى)، حيثُ إنَّ النبي (عليه السلام) أسكن ذريته بوادٍ غير ذي زرعٍ استجابةً لأمر الله وتنفيذًا لإرادته. وكذلك النبي شعيب (عليه السلام) الذي يقول (تعالى) على لسانه: "...إنْ أريد إلا الإصلاح ما استطعت وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب"*٥ حيثُ يقول إنّه سيستمر في خط الرسالة متوكلًا على إيمانه بالله تعالى والتوكل عليه. كما إنَّ من مصاديق التوكل سيرة النبي الأعظم (صلى الله عليه وآله) فكم لاقى من العذاب والاتهامات في تبليغ الرسالة ولكنه كان في جميع أحواله متوكلًا عليه (تعالى). فتراه يجعل أحب الخلق إليه في فراشه ويهاجر إلى يثرب وهو في غاية الاطمئنان والتوكل بأنَّ الله تعالى منجيه من كيد الكافرين. وخاض (صلى الله عليه وآله) الحروب والغزوات الكثيرة وفي كلٍّ منها كان سلاحه إضافة إلى الاستعداد وتهيئة العدة والعدد هو التوكل على الله، حيث يخاطبه (تعالى) في سورة آل عمران قائلًا: "إنْ ينصركم الله فلا غالب لكم وإنْ يخذلكم فمن ذا الذي ينصركم من بعده وعلى الله فليتوكل المؤمنون"*٥ ثالثًا: ما نتائج التوكل؟ يقول (تعالى): "ومن يتوكل على الله فهو حسبه إنَّ الله بالغ أمرِه قد جعل الله لكلِّ شيءٍ قدرًا"*٦. وهذا وعدٌ إلهي للمتوكلين بحلِّ مشاكلهم بشكلٍ حتمي، فكلُّ الأمور تحت إرادته ومشيئته. فلا تبتئس وتجزع مهما كانت المشكلات عصيبة أو ثقيلة. وقد يسأل سائل: إننا نعيش حالة التوكل ولكن النصر وحل المشكلات يتأخر أحيانًا؟ إنَّه (تعالى) حكيمٌ وعلمه وحكمته جعلت الأمور مرهونة بمواقيتها، ولأن الإنسان يغلب عليه الاستعجال والتسرع يريد كلَّ شيءٍ يجري حسب إرادته، ولعل تأخير أمرٍ يكون فيه صالح الفرد والمجتمع.. رابعًا: هل إنَّ كلَّ شخصٍ يستطيع أنْ يكون متوكلًا؟ نعم باستطاعة كلِّ شخصٍ ذلك، بل يجب على كلِّ شخصٍ أنْ يكون متوكلًا على الله تعالى، وإنْ لم يكن كذلك. وإلا فما الفارق بين المؤمن لسانًا وقلبًا وبين من إيمانه على طرفِ لسانه؟ إذا أتته الدنيا بما يشتهي فهو راضٍ وإلا فهو ساخط على مولاه. فمما لاشك فيه أنَّ العبد كلما قرُب من مولاه زاد إيمانه وتوكله عليه، وهذا الأمر لا يحتاج إلا إلى الثقة بالله تعالى والتسليم بأنَّ كلَّ ما يأتي منه خيرٌ أعجبكَ الأمر أم لا! ويجب التنبيه على أمرٍ مهم وهو (أنَّ التوكل لا يعني التواكل)، فقد يظن البعض أنّ التوكل عليه (تعالى) يعني أنْ يجلس الإنسان في داره والله تعالى يتكفل بمعيشته ومعيشة عياله بحجة أنَّه متوكل! والمريض لا يتناول العلاج بحجة التوكل! وهذا خطأ واضح؛ لأنَّ الله (تعالى) خلق العالم بناءً على قانون العلة والمعلول، والسبب والمسبب. يذكر الشيخ النراقي في جامع السعادات {فمن ظنَّ أنَّ معنى التوكل ترك الكسب بالبدن، وترك التدبير بالعقل رأسًا، والسقوط على الأرض كالخرقة المُلقاة، فقد أُبعد عن الحق؛ لأنَّ ذلك مُحرم في الشرع الأقدس}.٨ روي عن النبي محمد (صلى الله عليه وآله): {ألا إنَّ الروح الأمين نفث في روعي: "إنَّه لا تموت نفس حتى تستكمل رزقها، فاتقوا الله (تعالى) واجملوا في الطلب}٩. كما روي عن الإمام الصادق (عليه السلام): {إنَّ الغنى والعز يجولان، فإذا ظفرا بموضع التوكل أوطنا}*١٠ ولا غرابة في ذلك؛ لأنَّ العالم كله محضر الله (تعالى)، وإنَّ كلَّ زاويةٍ من زوايا الكون هي محل حضور ذاته المقدسة وعلمه وقدرته؛ لذلك على المؤمنين أنْ لا يخافوا بأي حالٍ من الأحوال، وأنْ يعيشوا حالة التوكل على الله (تعالى) ويسيروا بهذه الروح المعنوية لتحقيق أهداف الرسالة المقدسة وها هي سيدتي زينب (عليها السلام) في يوم عاشوراء تضرب أروع مثلٍ في الصبر على قضاء الله والتوكل عليه ... وهل هناك مدبرٌ غير الله يعتمد عليه الخائفون؟ وآخر دعوانا أنِ الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على خير خلقه أجمعين محمد وآله الطيبين الطاهرين. ____________ ١-المائدة :١١ ٢-الامثل في كتاب الله المنزل ج٣ :٦٣٨ ٣-يونس:٧١ ٤-هود:٥٦ ٥-هود: ٨٨ ٦--ال عمران :١٦٠ ٧-الطلاق :٣ ٨-جامع السعادات :٦٠٧ ٩-نفس المصدر ١٠-الوافي ج٣:ص٥٦ عن الكافي
اخرى
أمةُ اقرأ
هي أمة اقرأ فلتقرأ ولتفعل ما قال الهادي اقرأ باسم الله الخالق لتنير الصحرة والوادي اقرأ فهو الله الأكرم علم بالقلم المعتادِ خالقنا ربي من علقٍ وعلمه بعباده بادي اللهم أنت القائل أين السائلون عبادي اجعلنا نعمل بالنصح واجعلنا خير العُبّاد فلنقرأ حبًّا بالعترة وكذلك حبًّا بالهادي
اخرىالتعليقات
يتصدر الان
لا تعاشر نفساً شبعت بعد جوع
يستشهد الكثير من الناس ــ وحتى بعض المثقفين ــ بقول:" لا تعاشر نفساً شبعت بعد جوع فإن الخير فيها دخيل وعاشر نفساً جاعت بعد شبع فإن الخير فيها أصيل" على أنه من أقوال أمير المؤمنين علي (عليه السلام)، كما يستشهدون أيضاً بقولٍ آخر ينسبونه إليه (عليه السلام) لا يبعد عن الأول من حيث المعنى:"اطلبوا الخير من بطون شبعت ثم جاعت لأن الخير فيها باق، ولا تطلبوا الخير من بطون جاعت ثم شبعت لأن الشح فيها باق"، مُسقطين المعنى على بعض المصاديق التي لم ترُق افعالها لهم، لاسيما أولئك الذين عاثوا بالأرض فساداً من الحكام والمسؤولين الفاسدين والمتسترين عل الفساد. ونحن في الوقت الذي نستنكر فيه نشر الفساد والتستر عليه ومداهنة الفاسدين نؤكد ونشدد على ضرورة تحرّي صدق الأقوال ومطابقتها للواقع وعدم مخالفتها للعقل والشرع من جهة، وضرورة التأكد من صدورها عن أمير المؤمنين أبي الأيتام والفقراء (عليه السلام) أو غيرها من المعصومين (عليهم السلام) قبل نسبتها إليهم من جهة أخرى، لذا ارتأينا مناقشة هذا القول وما شابه معناه من حيث الدلالة أولاً، ومن حيث السند ثانياً.. فأما من حيث الدلالة فإن هذين القولين يصنفان الناس الى صنفين: صنف قد سبق له أن شبع مادياً ولم يتألم جوعاً، أو يتأوه حاجةً ومن بعد شبعه جاع وافتقر، وصنف آخر قد تقلّب ليله هماً بالدين، وتضوّر نهاره ألماً من الجوع، ثم شبع واغتنى،. كما جعل القولان الخير متأصلاً في الصنف الأول دون الثاني، وبناءً على ذلك فإن معاشرة أفراد هذا الصنف هي المعاشرة المرغوبة والمحبوبة والتي تجرّ على صاحبها الخير والسعادة والسلام، بخلاف معاشرة أفراد الصنف الثاني التي لا تُحبَّذ ولا تُطلب؛ لأنها لا تجر إلى صاحبها سوى الحزن والندم والآلام... ولو تأملنا قليلاً في معنى هذين القولين لوجدناه مغايراً لمعايير القرآن الكريم بعيداً كل البعد عن روح الشريعة الاسلامية ، وعن المنطق القويم والعقل السليم ومخالفاً أيضاً لصريح التاريخ الصحيح، بل ومخالف حتى لما نسمعه من قصص من أرض الواقع أو ما نلمسه فيه من وقائع.. فأما مناقضته للقرآن الكريم فواضحة جداً، إذ إن الله (تعالى) قد أوضح فيه وبشكلٍ جلي ملاك التفاضل بين الناس، إذ قال (عز من قائل):" يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (13)"(1) جاعلاً التقوى مِلاكاً للتفاضل، فمن كان أتقى كان أفضل، ومن البديهي أن تكون معاشرته كذلك، والعكس صحيحٌ أيضاً. وعليه فإن من سبق حاجتُه وفقرُه شبعَه وغناه يكون هو الأفضل، وبالتالي تكون معاشرته هي الأفضل كذلك فيما لو كان تقياً بخلاف من شبع وكان غنياً ، ثم افتقر وجاع فإنه لن يكون الأفضل ومعاشرته لن تكون كذلك طالما كان بعيداً عن التقوى. وأما بُعده عن روح الشريعة الإسلامية فإن الشريعة لطالما أكدت على أن الله (سبحانه وتعالى) عادلٌ لا جور في ساحته ولا ظلمَ في سجيته، وبالتالي لا يمكن أن يُعقل إطلاقاً أن يجعل البعض فقيراً ويتسبب في دخالة الخير في نفوسهم، التي يترتب عليها نفور الناس من عشرتهم، فيما يُغني سواهم ويجعل الخير متأصلاً في نفوسهم بسبب إغنائه إياهم ليس إلا ومن ثم يتسبب في كون الخير متأصلاً في نفوسهم، وبالتالي حب الناس لعشرتهم. فإن ذلك مخالف لمقتضى العدل الإلهي لأنه ليس بعاجزٍ عن تركه ولا بمُكره على فعله، ولا محب لذلك لهواً وعبثاً (تعالى عن كل ذلك علواً كبيراً). كما إن تأصل الخير في نفوس بعض الناس ودخالته في نفوس البعض الآخر منهم بناءً على أمر خارج عن إرادتهم واختيارهم كـ(الغنى والشبع أو الجوع والفقر) إنما هو أمرٌ منافٍ لمنهج الشريعة المقدسة القائم على حرية الانسان في اختياره لسبيل الخير والرشاد أو سبيل الشر والفساد، قال (تعالى):" إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا (3)"(2) بل إن الانسان أحياناً قد يكون فقيراً بسبب حب الله (تعالى) له، كما ورد في الحديث القدسي: "أن من عبادي من لا يصلحه إلا الغنى فلو أفقرته لأفسده ذلك و أن من عبادي من لا يصلحه إلا الفقر فلو أغنيته لأفسده ذلك"(3) وهل يمكن ان نتصور أن الخيرَ دخيلٌ فيمن يحبه الله (تعالى) أو إن معاشرته لا تجدي نفعا، أو تسبب الهم والألم؟! نعم، ورد عن أمير المؤمنين (عليه السلام):"اِحْذَرُوا صَوْلَةَ اَلْكَرِيمِ إِذَا جَاعَ وَ اَللَّئِيمِ إِذَا شَبِعَ"(4) ولا يقصد به الجوع والشبع المتعارف عليه لدى الناس، وإنما المراد منه: احذروا صولة الكريم إذا اُمتُهِن، واحذروا صولة اللئيم إذا أكرم، وفي هذا المعنى ورد عنه (عليه السلام) أيضاً: "احذروا سطوة الكريم إذا وضع و سورة اللئيم إذا رفع"(5) وأما العقل السليم والمنطق القويم فإنهما يقتضيان أن تتأصل صفة الخير في الإنسان لملكاتٍ حميدة يتسم بها وصفات فضيلة يتميز بها، لا أن تتأصل صفة الخير في نفسه لمجرد أنه ولد في أسرة تتمتع بالرفاهية الاقتصادية ووجد في بيئة تتنعم بالثروات المادية! وعند مراجعتنا للتاريخ الصحيح نجد أن قادة البشر وصفوة الناس إنما كان أغلبهم ينتمي الى الطبقات الفقيرة من المجتمع، فهؤلاء الأنبياء ورسل الله (صلوات الله عليهم) منهم من كان نجاراً أو خياطاً أو راعياً، ومع ذلك فقد كانوا من أطيب الناس خلقاً، وأعظمهم شرفاً، وأرفعهم منزلةً، قد تأصّل الخير في نفوسهم تأصّلاً حتى غدوا قطعة منه، فكانوا هم الخير للبشر، وهم الرحمة للعالمين. وبالنزول إلى أرض الواقع نجد أن الكثير من الفقراء والمساكين طيبي الروح، كريمي النفس، يتألمون لألم المحتاج ولربما يؤثرونه على أنفسهم رغم حاجتهم. ولا نقصد من كلامنا هذا أن الأغنياء هم على نقيض ذلك، وإنما تأكيداً على مسألة عدم ارتباط تأصل الخير في النفوس وعدمه بمستواهم الاقتصادي الذي نشأوا فيه ارتباط العلة والمعلول، فكما إن بعض الفقراء أخيار، فإن بعض الأغنياء كذلك، والعكس صحيح أيضاً. ومن هنا يُفهم من بعض الروايات ضرورة عدم طلب الخير والحاجات ممن هم أهل للخير بقطع النظر عن مستواهم المعاشي الحالي والسابق، منها ما روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام):"أشد من الموت طلب الحاجة من غير أهلها"(5)، وعنه (عليه السلام) أيضاً: "فوت الحاجة أهون من طلبها إلى غير أهلها"(6) إذن فلا صحة لهاتين المقولتين من حيث الدلالة، حتى وإن تنزلنا وحملنا الجوع والشبع على المعنى المعنوي لا المادي؛ وذلك لأنه حتى من يفتقر الى الأخلاق المعنوية فإنه ما إن يتكامل بالفضائل ويقلع عن الرذائل حتى يتسم بالخير وتحسن عشرته وتطيب للناس صحبته، والعكس صحيحٌ أيضا.. ومن البديهي أن ما لا يوافق العقل والمنطق السليم، ويخالف صريح القرآن الكريم، لا يمكن أن يصدر من وصي الرسول الكريم (صلوات الله عليهما وآلهما)، وعليه لا تصح نسبة هذين القولين الى أمير المؤمنين (عليه السلام).. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) الحجرات 13 (2) الانسان 3 (3) عوالي الآلي ج2 ص29 (4) غرر الحكم ج1 227 (5) المدر السابق ج1 ص246 (6) ميزان الحكمة ج4 ص 238 رضا الله غايتي
اخرىبين طيبة القلب وحماقة السلوك...
خلق الله الأشياء كلها في الحياة ضمن موازين وقياسات... فالزيادة أو النقيصة تسبب المشاكل فيها. وهكذا حياتنا وأفعالنا وعواطفنا لا بد أن تكون ضمن موازين دقيقة، وليست خالية منها، فالزيادة والنقيصة تسبب لنا المشاكل. ومحور كلامنا عن الطيبة فما هي؟ الطيبة: هي من الصفات والأخلاق الحميدة، التي يمتاز صاحبها بنقاء الصدر والسريرة، وحُبّ الآخرين، والبعد عن إضمار الشر، أو الأحقاد والخبث، كما أنّ الطيبة تدفع الإنسان إلى أرقى معاني الإنسانية، وأكثرها شفافية؛ كالتسامح، والإخلاص، لكن رغم رُقي هذه الكلمة، إلا أنها إذا خرجت عن حدودها المعقولة ووصلت حد المبالغة فإنها ستعطي نتائج سلبية على صاحبها، كل شيء في الحياة يجب أن يكون موزوناً ومعتدلاً، بما في ذلك المحبة التي هي ناتجة عن طيبة الإنسان، وحسن خلقه، فيجب أن تتعامل مع الآخرين في حدود المعقول، وعندما تبغضهم كذلك وفق حدود المعقول، ولا يجوز المبالغة في كلا الأمرين، فهناك شعرة بين الطيبة وحماقة السلوك... هذه الشعرة هي (منطق العقل). الإنسان الذي يتحكم بعاطفته قليلاً، ويحكّم عقله فهذا ليس دليلاً على عدم طيبته... بالعكس... هذا طيب عاقل... عكس الطيب الأحمق... الذي لا يفكر بعاقبة أو نتيجة سلوكه ويندفع بشكل عاطفي أو يمنح ثقة لطرف معين غريب أو قريب... والمبررات التي يحاول إقناع نفسه بها عندما تقع المشاكل أنه صاحب قلب طيب. الطيبة لا تلغي دور العقل... إنما العكس هو الصحيح، فهي تحكيم العقل بالوقت المناسب واتخاذ القرار الحكيم الذي يدل على اتزان العقل، ومهما كان القرار ظاهراً يحمل القسوة أحياناً لكنه تترتب عليه فوائد مستقبلية حتمية... وأطيب ما يكون الإنسان عندما يدفع الضرر عن نفسه وعن الآخرين قبل أن ينفعهم. هل الطيبة تصلح في جميع الأوقات أم في أوقات محددة؟ الطيبة كأنها غطاء أثناء الشتاء يكون مرغوباً فيه، لكنه اثناء الصيف لا رغبة فيه أبداً.. لهذا يجب أن تكون الطيبة بحسب الظروف الموضوعية... فالطيبة حالة تعكس التأثر بالواقع لهذا يجب أن تكون الطيبة متغيرة حسب الظروف والأشخاص، قد يحدث أن تعمي الطيبة الزائدة صاحبها عن رؤيته لحقيقة مجرى الأمور، أو عدم رؤيته الحقيقة بأكملها، من باب حسن ظنه بالآخرين، واعتقاده أن جميع الناس مثله، لا يمتلكون إلا الصفاء والصدق والمحبة، ماي دفعهم بالمقابل إلى استغلاله، وخداعه في كثير من الأحيان، فمساعدة المحتاج الحقيقي تعتبر طيبة، لكن لو كان المدّعي للحاجة كاذباً فهو مستغل. لهذا علينا قبل أن نستخدم الطيبة أن نقدم عقولنا قبل عواطفنا، فالعاطفة تعتمد على الإحساس لكن العقل أقوى منها، لأنه ميزان يزن الأشياء رغم أن للقلب ألماً أشد من ألم العقل، فالقلب يكشف عن نفسه من خلال دقاته لكن العقل لا يكشف عن نفسه لأنه يحكم بصمت، فالطيبة يمكن أن تكون مقياساً لمعرفة الأقوى: العاطفة أو العقل، فالطيّب يكون قلبه ضعيفاً ترهقه الضربات في أي حدث، ويكون المرء حينها عاطفياً وليس طيباً، لكن صاحب العقل القوي يكون طيباً أكثر من كونه عاطفياً. هل الطيبة تؤذي صاحبها وتسبب عدم الاحترام لمشاعره؟ إن الطيبة المتوازنة المتفقة مع العقل لا تؤذي صاحبها لأن مفهوم طيبة القلب هو حب الخير للغير وعدم الإضرار بالغير، وعدم العمل ضد مصلحة الغير، ومسامحة من أخطأ بحقه بقدر معقول ومساعدة المحتاج ... وغيرها كثير. أما الثقة العمياء بالآخرين وعدم حساب نية المقابل وغيرها فهذه ليست طيبة، بل قد تكون -مع كامل الاحترام للجميع- غباءً أو حماقة وسلوكاً غير عقلاني ولا يمت للعقل بصلة. إن المشكلة تقع عند الإنسان الطيب عندما يرى أن الناس كلهم طيبون، ثم إذا واجهه موقف منهم أو لحق به أذى من ظلم أو استغلال لطيبته، تُغلق الدنيا في وجهه، فيبدأ وهو يرى الناس الطيبين قد رحلوا من مجتمعه، وأن الخير انعدم، وتحصل له أزمة نفسية أو يتعرض للأمراض، لأن الطيّب يقدم الإحسان للناس بكل ما يستطيع فعله، ويقدّم ذلك بحسن نية وبراءة منه، فهو بالتالي ينتظر منهم الرد بالشكر أو المعاملة باللطف على الأقل... صحيح أن المعروف لوجه الله، ولكن من باب: من لم يشكر المخلوق لم يشكر الخالق، لذلك يتأذى عندما يصدر فعل من الشخص الذي كان يعامله بكل طيب وصدق. هل الطيبة والصدق من علامات ضعف الشخصية؟ الكثير من الناس يصف طيب القلب بأنه ضعيف الشخصية، لأنه يتصف بعدم الانتقام ممن ظلمه، والصفح عنه عند رجوعه عن الخطأ، وأنه لا يحب إيقاع الآخرين بالمشاكل؛ لأنه مقتنع أن الله سيأخذ له حقه. والحقيقة هي أن الصدق والطيبة وحسن الظن بالآخرين ليست ضعف شخصية، بل هي من الأخلاق الراقية وهي تزيد صاحبها سمواً وجمالاً روحياً، وليس من المعيب أن يمتلك الإنسان الطيبة بل العيب في من لا يُقدّر هذه الطيبة ويعطيها حقها في التعامل بالمثل. فالمشكلة الأساسية ليست في الطيبة، إنما في استغلال الآخرين لهذه الطيبة، نتيجة لعدم عقلنة قراراتنا والاعتماد على عواطفنا بشكل كلي. فالصدق والطيبة حسب المنطق والعقل، ولها فوائد جمة للنفس ولعموم أفراد المجتمع، فهي تحصين للشخص عن المعاصي، وزيادة لصلة الإنسان بربه، وتهذيب للنفس والشعور بالراحة النفسية، فالصادق الطيب ينشر المحبة بين الناس، وهذا يعزّز التماسك الاجتماعي وتقويته من سوء الظنون والحقد، وهذا التعامل أكّدت عليه جميع الشرائع السماوية، ولو تأمّلنا تاريخ وأخلاق الأنبياء والأوصياء لوجدنا كل ما هو راقٍ من الأخلاق والتعامل بالطيبة والصدق... حنان الزيرجاوي
اخرىلا تقاس العقول بالأعمار!
(لا تقاس العقول بالأعمار، فكم من صغير عقله بارع، وكم من كبير عقله فارغ) قولٌ تناولته وسائل التواصل الاجتماعي بكل تقّبلٍ ورضا، ولعل ما زاد في تقبلها إياه هو نسبته الى أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام)، ولكننا عند الرجوع إلى الكتب الحديثية لا نجد لهذا الحديث أثراً إطلاقاً، ولا غرابة في ذلك إذ إن أمير البلاغة والبيان (سلام الله وصلواته عليه) معروفٌ ببلاغته التي أخرست البلغاء، ومشهورٌ بفصاحته التي إعترف بها حتى الأعداء، ومعلومٌ كلامه إذ إنه فوق كلام المخلوقين قاطبةً خلا الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله) ودون كلام رب السماء. وأما من حيث دلالة هذه المقولة ومدى صحتها فلابد من تقديم مقدمات؛ وذلك لأن معنى العقل في المفهوم الإسلامي يختلف عما هو عليه في الثقافات الأخرى من جهةٍ، كما ينبغي التطرق الى النصوص الدينية الواردة في هذا المجال وعرضها ولو على نحو الإيجاز للتعرف إلى مدى موافقة هذه المقولة لها من عدمها من جهةٍ أخرى. معنى العقل: العقل لغة: المنع والحبس، وهو (مصدر عقلت البعير بالعقال أعقله عقلا، والعِقال: حبل يُثنَى به يد البعير إلى ركبتيه فيشد به)(1)، (وسُمِّي العَقْلُ عَقْلاً لأَنه يَعْقِل صاحبَه عن التَّوَرُّط في المَهالِك أَي يَحْبِسه)(2)؛ لذا روي عنه (صلى الله عليه وآله): "العقل عقال من الجهل"(3). وأما اصطلاحاً: فهو حسب التصور الأرضي: عبارة عن مهارات الذهن في سلامة جهازه (الوظيفي) فحسب، في حين أن التصوّر الإسلامي يتجاوز هذا المعنى الضيّق مُضيفاً إلى تلك المهارات مهارة أخرى وهي المهارة العبادية. وعليه فإن العقل يتقوّم في التصور الاسلامي من تظافر مهارتين معاً لا غنى لأحداهما عن الأخرى وهما (المهارة العقلية) و(المهارة العبادية). ولذا روي عن الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله) أنه عندما سئل عن العقل قال :" العمل بطاعة الله وأن العمّال بطاعة الله هم العقلاء"(4)، كما روي عن الإمام الصادق(عليه السلام)أنه عندما سئل السؤال ذاته أجاب: "ما عُبد به الرحمن، واكتسب به الجنان. فسأله الراوي: فالذي كان في معاوية [أي ماهو؟] فقال(عليه السلام): تلك النكراء، تلك الشيطنة، وهي شبيهة بالعقل وليست بالعقل"(5) والعقل عقلان: عقل الطبع وعقل التجربة، فأما الأول أو ما يسمى بـ(الوجدان الأخلاقي) فهو مبدأ الادراك، وهو إن نَما وتطور سنح للإنسان فرصة الاستفادة من سائر المعارف التي يختزنها عن طريق الدراسة والتجربة وبالتالي يحقق الحياة الإنسانية الطيبة التي يصبو اليها، وأما إن وهن واندثر لإتباع صاحبه الأهواء النفسية والوساوس الشيطانية، فعندئذٍ لا ينتفع الانسان بعقل التجربة مهما زادت معلوماته وتضخمت بياناته، وبالتالي يُحرم من توفيق الوصول إلى الحياة المنشودة. وعقل التجربة هو ما يمكن للإنسان اكتساب العلوم والمعارف من خلاله، وما أروع تشبيه أمير البلغاء (عليه السلام) العلاقة التي تربط العقلين معاً إذ قال فيما نسب إليه: رأيت العقل عقلين فمطبوع ومسموع ولا ينفع مسموع إذ لم يك مطبــوع كما لا تنفع الشمس وضوء العين ممنوع(6) فقد شبّه (سلام الله عليه) عقل الطبع بالعين وعقل التجربة بالشمس، ومما لاشك فيه لكي تتحقق الرؤية لابد من أمرين: سلامة العين ووجود نور الشمس، وكما إن الثاني لا ينفع إن لم يتوفر الأول فكذلك عقل التجربة لا ينفع عند غياب عقل الطبع فضلاً عن موته. وبما إن عقل الطبع قد ينمو ويزدهر فينفع صاحبه من عقل التجربة، وقد يموت ويندثر عند الاستسلام لإضلال شبهةٍ أوبسبب إرتكاب معصية، فإنه ومن باب أولى أن يتعرض الى الزيادة والنقصان كما سيأتي... وقد ورد في النصوص الدينية أن للعقل زمناً ينمو فيه ويكتمل، فعن إمامنا أبي عبدالله (عليه السلام) قال: قال أمير المؤمنين (صلوات الله عليه):"يثغر الصبي لسبع، ويؤمر بالصلاة لتسع، ويفرق بينهم في المضاجع لعشر، ويحتلم لأربع عشرة، وينتهى طوله لإحدى وعشرين سنة، وينتهي عقله لثمان وعشرين إلا التجارب"(7)، وعن أمير المؤمنين (عليه السلام): "يربى الصبي سبعاً ويؤدب سبعاً، ويستخدم سبعاً، ومنتهى طوله في ثلاث وعشرين سنة، وعقله في خمس وثلاثين [سنة] وما كان بعد ذلك فبالتجارب"(8). إذن يتوقف النمو الطبيعي لعقل الانسان عند سن الثامنة والعشرين أو الخامسة والثلاثين كما ورد في الروايتين، وأية زيادة أخرى في طاقته بعد ذلك إنما تأتي عن طريق التجارب، وقد يُتوهم بأن ثمة تعارضاً ما بين الروايتين المتقدمتين في شأن تحديد سن النمو العقلي، إلا إنه لا تعارض ينهما إذا حملنا اختلافهما فيه على اختلاف الاشخاص وتباين استعدادات وقابليات كل منهم. وعلى الرغم من توقف نمو عقل الإنسان إلا إن له أنْ يزيده بالتجارب ومواصلة التعلم ــ كما تقدم في الروايات ــ وسواء أثبت العلم هذه الحقيقة الروائية أم لا، فنحن نريد الإشارة إلى ضرورة استمرار التجربة والتعلم لزيادة نمو العقل وهذا المقدار لا خلاف فيه وعلى الرغم من إن لعمر الانسان مدخلية في زيادة عقله كما تقدم وكما روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام): "يزيد عقل الرجل بعد الاربعين إلى خمسين وستين، ثم ينقص عقله بعد ذلك"(9)، إلا إن ذلك ليس على نحو العلة التامة، إذ يمكن للعقل أن يبقى شاباً وقوياً وإن شاب الإنسان وضعف جسمه، وتقدم في السن ووهن عظمه، فالعاقل لا يشيب عقله ولا تنتقص الشيخوخة من قوته بل وقد يزداد طاقةً وحيويةً لذا ورد عن أمير المؤمنين (عليه السلام):"رأي الشيخ أحب الي من جَلَد الغلام"(10)، وفي أخرى ".....من حيلة الشباب "(11) وأما من لم يوفر أسباب صقل عقله في مرحلة الشباب فإنه بلا شك يضمحل عقله في مرحلة الشيخوخة. وليس تقدم العمر هو العامل الوحيد في نقصان العقل بل إن النصوص الشرعية أشارت الى عوامل عديدة اخرى أهمها: أولاً: التعلم: فقد روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام): "من لم يصبر على ذل التعلم ساعة بقي في ذل الجهل أبداً"(13). ثانياً: التوبة: وعنه (عليه السلام) ايضاً:"من لم يرتدع يجهل"(14) ثالثاً: التقوى: فقد كتب إمامنا الباقر (عليه السلام) إلى سعد الخير: "بسم الله الرحمن الرحيم أما بعد فإني اوصيك بتقوى الله فإن فيها السلامة من التلف والغنيمة في المنقلب إن الله (عزوجل) يقي بالتقوى عن العبد ما عزب عنه عقله ويجلي بالتقوى عنه عماه وجهله"(15) إذن التوبة هي سبب للتوفيق الإلهي الذي يؤدي فيما يؤدي إليه من إكمال العقل. رابعاً: الوقوف عند الشبهة: وقال (عليه السلام ): "لا ورع كالوقوف عند الشبهة"(16). فإن الوقوف عند الشبهات سبب من أسباب التوفيق الإلهي بلا شك. خامساً: الاعتراف بالجهل: كما روي عن الإمام علي (عليه السلام): "غاية العقل الاعتراف بالجهل"(17) إذ الاعتراف بالجهل يدفع الإنسان دوماً إلى مزيد من بذل الجهد واكتساب المعارف. مما تقدم تتضح جلياً صحة هذه المقولة دلالةً، إذ إن العقول فعلاً لا تقاس بالأعمار لأن كلٍاً من زيادتها ونقيصتها منوطٌ بالعديد من العوامل الأخرى والتي تقدم ذكرها، بيد إن ذلك لا يبرر التساهل في نشرها والتهاون في الاستشهاد بها على إنها من أقوال أمير المؤمنين (صلوات الله وسلامه عليه) لعدم ثبوت ذلك سنداً من جهة ولضعف بلاغتها وركاكة تركيبها بالنسبة إلى سيد البلغاء والبلاغة. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) تهذيب اللغة ج1 ص65 (2) لسان العرب ج11 ص458 (3) نهاية الحكمة ص305 (4) ميزان الحكمة ج3 ص333 (5) أصول الكافي ج1، ح3 / 11 (6) نهج السعادة ج9 ص163 (7) الكافي ج7 ص94 (8) الفقيه ج3 ص493 (9) الاختصاص ص245 (10) نهج البلاغة حكمة 86 (11) بحار الأنوار ج72 ص105 (12) المصدر السابق ج1 ص94 (13) غرر الحكم ودرر الكلم ج1 ص118 (14) الكافي ج8 ص73 (15) وسائل الشيعة ج1 ص162 (16) غرر الحكم ودرر الكلم ج1 ص1 بقلم الكاتبة: رضا الله غايتي
اخرىالمرأة في فكر الإمام علي (عليه السلام)
بقلم: أم نور الهدى كان لأمير المؤمنين (عليه السلام) اهتمام خاص بالمرأة، فنراه تارة ينظر إليها كآية من آيات الخلق الإلهي، وتجلٍ من تجليات الخالق (عز وجل) فيقول: (عقول النساء في جمالهن وجمال الرجال في عقولهم). وتارة ينظر إلى كل ما موجود هو آية ومظهر من مظاهر النساء فيقول: (لا تملك المرأة من أمرها ما جاوز نفسها فإن المرأة ريحانة وليس قهرمانة). أي إن المرأة ريحانة وزهرة تعطر المجتمع بعطر الرياحين والزهور. ولقد وردت كلمة الريحان في قوله تعالى: (فأمّا إن كان من المقربين فروح وريحان وجنة النعيم) والريحان هنا كل نبات طيب الريح مفردته ريحانة، فروح وريحان تعني الرحمة. فالإمام هنا وصف المرأة بأروع الأوصاف حين جعلها ريحانة بكل ما تشتمل عليه كلمة الريحان من الصفات فهي جميلة وعطرة وطيبة، أما القهرمان فهو الذي يُكلّف بأمور الخدمة والاشتغال، وبما إن الإسلام لم يكلف المرأة بأمور الخدمة والاشتغال في البيت، فما يريده الإمام هو إعفاء النساء من المشقة وعدم الزامهن بتحمل المسؤوليات فوق قدرتهن لأن ما عليهن من واجبات تكوين الأسرة وتربية الجيل يستغرق جهدهن ووقتهن، لذا ليس من حق الرجل إجبار زوجته للقيام بأعمال خارجة عن نطاق واجباتها. فالفرق الجوهري بين اعتبار المرأة ريحانة وبين اعتبارها قهرمانة هو أن الريحانة تكون، محفوظة، مصانة، تعامل برقة وتخاطب برقة، لها منزلتها وحضورها. فلا يمكن للزوج التفريط بها. أما القهرمانة فهي المرأة التي تقوم بالخدمة في المنزل وتدير شؤونه دون أن يكون لها من الزوج تلك المكانة العاطفية والاحترام والرعاية لها. علماً أن خدمتها في بيت الزوجية مما ندب إليه الشره الحنيف واعتبره جهادًا لها أثابها عليه الشيء الكثير جدًا مما ذكرته النصوص الشريفة. فمعاملة الزوج لزوجته يجب أن تكون نابعة من اعتبارها ريحانة وليس من اعتبارها خادمة تقوم بأعمال المنزل لأن المرأة خلقت للرقة والحنان. وعلى الرغم من أن المرأة مظهر من مظاهر الجمال الإلهي فإنها تستطيع كالرجل أن تنال جميع الكمالات الأخرى، وهذا لا يعني أنها لا بد أن تخوض جميع ميادين الحياة كالحرب، والأعمال الشاقة، بل أن الله تعالى جعلها مكملة للرجل، أي الرجل والمرأة أحدهما مكمل للآخر. وأخيرًا إن كلام الإمام علي (عليه السلام) كان تكريمًا للمرأة ووضعها المكانة التي وضعها الله تعالى بها، حيث لم يحملها مشقة الخدمة والعمل في المنزل واعتبر أجر ما تقوم به من اعمال في رعاية بيتها كأجر الجهاد في سبيل الله.
اخرىالطلاق ليس نهاية المطاف
رحلةٌ مثقلة بالألم في طريق يئن من وطأة الظلم! ينهي حياة زوجية فشلت في الوصول إلى شاطئ الأمان. ويبدد طموحات أطفال في العيش في هدوء نفسي واجتماعي تحت رعاية أبوين تجمعهم المودة والرحمة والحب. الطلاق شرعاً: هو حل رابطة الزواج لاستحالة المعاشرة بالمعروف بين الطرفين. قال تعالى: [ لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (226) وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (227)].(١). الطلاق لغوياً: من فعل طَلَق ويُقال طُلقت الزوجة "أي خرجت من عصمة الزوج وتـحررت"، يحدث الطلاق بسبب سوء تفاهم أو مشاكل متراكمة أو غياب الانسجام والحب. المرأة المطلقة ليست إنسانة فيها نقص أو خلل أخلاقي أو نفسي، بالتأكيد إنها خاضت حروباً وصرعات نفسية لا يعلم بها أحد، من أجل الحفاظ على حياتها الزوجية، ولكن لأنها طبقت شريعة الله وقررت مصير حياتها ورأت أن أساس الـحياة الزوجيـة القائم على المودة والرحـمة لا وجود له بينهما. فأصبحت موضع اتهام ومذنبة بنظر المجتمع، لذلك أصبح المـجتمع يُحكم أهواءه بدلاً من الإسلام. ترى، كم من امرأة في مجتمعنا تعاني جرّاء الحكم المطلق ذاته على أخلاقها ودينها، لا لسبب إنما لأنها قررت أن تعيش، وكم من فتاة أُجبرت قسراً على أن تتزوج من رجل لا يناسب تطلعاتها، لأن الكثير منهن يشعرن بالنقص وعدم الثقة بسبب نظرة المجتمع، وتقع المرأة المطلّقة أسيرة هذه الحالة بسبب رؤية المجتمع السلبيّة لها. وقد تلاحق بسيل من الاتهامات وتطارد بجملة من الافتراءات. وتعاني المطلقة غالباً من معاملة من حولها، وأقرب الناس لها، بالرغم من أن الطلاق هو الدواء المر الذي قد تلجأ إليه المرأة أحياناً للخلاص من الظلم الذي أصبح يؤرق حياتها الزوجية، ويهدد مستقبلها النفسي، والله تعالى لم يشرع أمراً لخلقه إلا إذا كان فيه خير عظيم لهم، والطلاق ما شرّع إلا ليكون دواء فيه شفاء وإن كان مرّاً، وإن كان أمره صعباً على النفوس، حيث قال عز وجل: "وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ وَكَانَ اللَّهُ وَاسِعًا حَكِيمًا"، روي عن الرسول الأعظم (صلى الله عليه واله وسلم) ((أبغض الحلال إلى الله الطلاق) (٢). ورغم أن الشريعة الإسلامية أباحت الطلاق بشروط تلاءم لبناء المجتمع، وأولت أهمية في الإحسان دائمًا للطرف الأضعف والأكثر خسارة في هذه المعادلة وهي "المرأة"، إلا أن المجتمع الذي يدّعي الإسلام لا يرحمها، ويحكم عليها بالإدانة طوال حياتها دون النظر في صحة موقفها في الطلاق من عدمه! قال( تعالى ): [الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ] (٣). ولكن بعد كل هذا فالحياة لم ولن تتوقف بعد الطلاق! الطلاق ليس نهاية الحياة. - أخيتي. ليكن الطلاق بداية جديدة لحياة جديدة وللانطلاق. -قطار العطاء لن يتعطل. فإن كنت السبب في الطلاق فالحمد لله على كل حال وتلك أمة قد خلت وأيام ذهبت وانجلت فلست بالمعصومة من الخطأ. وعليك استدراك الأخطاء وتقوية مواطن الضعف في شخصيتك، واجعليها درساً مفيداً في الحياة لتطوير نفسك وتقويتها. وإذا كنتِ مظلومة فهناك جبار يُحصي الصغير والكبير وسيأتي يوم ينتصر لك فيه. -ومن الجميل أن تعطي نفسك الإحساس بالحب والاحترام، ولا تتأثري بأي نظرة سلبية من المجتمع وكون البعض يتعامل مع المطلقة على أنها حالة خاصة فعليكِ إثبات ذاتك حتى تفرضي على الكل شخصيتك. - نظرتك لنفسك اجعليها نظرة ايجابية مشرقة ولا تنزلقي في مستنقع نبذ الذات وظلم النفس. - ابحثي عن الصفات الجيدة فيك فإن ذلك سيشعرك بالثقة في ذاتك والتقدير لها. -حاولي مراجعة نفسك للخروج بإيجابيات حصلت لك من طلاقك. - خالطي الآخرين وإياك والعزلة بسبب وضعك الجديد فلست بأول من يبتلى بالطلاق. -استمتعي بالموجود ولا تتعلقي بالمفقود، حلقي بروح تعبق أملاً وتفاؤلاً، استمتعي بما وهبك الله من نعم (صحة وأولاد وأهل وصديقات وعمل وهوايات وغيرها من الأمور الجميلة) فما حصل لك حصل… ولابد أن تتقبليه برضا، وأعلمي أن ما أصابك لم يكن ليخطأك وما أخطأك لم يكن ليصيبك. وقال أصدق من قال: ( وعسى أن تكرهوا شيئاً وهو خير لكم). فالرضا سر السعادة الحقيقي. - اقتربي من صديقاتك الصالحات، واقضي معهن وقتاً طيباً تنسين به ألمك وحزنك. - احرصي على الصلوات وقراءة القرآن الكريم والذكر والاستغفار وأكثري من الطاعات قدر ما تستطيعين، ففيها السلوى والفرح والسعادة. ونعم سعادة القرب من الرحمن. - اشغلي نفسك بأعمال البر والإحسان بمساعدة محتاج. بكفالة يتيم. بتعلم الفقه والقرآن وتعليمه. - اجتهدي في عمل برنامج يومي لك يكون ممتلأ بكل ما هو مفيد لك. من قراءة وزيارة الأصدقاء وصلة الرحم. بحيث لا تكون هناك دقيقة أنت فارغة فيها. - وأسرعي بقاربك الجميل بمجذافين من إيمان بالله وثقة بالنفس وسوف تصلين بإذن الله نحو جزيرة السعادة والنجاح. لكي تتسلق جبال الإنجاز، وتصل لأعلى مراتب الاعجاز. وعندها جزماً سيكون للحياة معنى آخر. --------------------------------- (١)-سورة البقرة الآية (٢٢٦-٢٢٧). (٢)-الكافي (٢)-سورة البقرة الآية (٢٢٨) حنان ستار الزيرجاوي
اخرىهَوَّنَ عَلَيَّ مَا نَزَلَ بِي أَنَّهُ بِعَيْنِ اللهِ
عاشوراء مدرسة أعطت وتعطي الكثير الكثير كل يوم للمتأمل فيما ورد عنها من كلمات وفيما وثق فيها من مواقف... ولعل من أهم الدروس التي ترسخها عاشوراء في الأذهان بعد ضرورة مواجهة الباطل والدفاع عن الحق مهما كلفت من تضحيات جسام هو: الصبر على البلاء بل والرضا به .. كيف لا، وقد ورد عن سيّد الشهداء (عليه السلام) في اللحظات الأخيرة من حياته حينما كان يتمرّغ في الدم والتراب: «رضاً بقضائك وتسليماً لأمرك لا معبود سواك»(1). وكذلك فيما جاء في خطبته عند خروجه من مكّة إلى المدينة: «رضا اللَّه رضانا أهل البيت»(2) . فما سر هذا الرضا رغم شدة الابتلاءات وقساوة المحن التي مر بها سيد الشهداء (عليه السلام) ؟ مما لا شك فيه أن يقين الامام الحسين (عليه السلام) هو الذي رفعه إلى مقام الرضا رغم ما جرى عليه في واقعة كربلاء، إلا أنه ومع هذا فقد أرشد المؤمنين إلى مفاتيح الصبر والرضا، ولعل من أهمها ما وَرَدَ عنه (عليه السلام) أَنَّهُ قَالَ بعد أن تفاقم الخطب أمامه في كربلاء، واستشهد أصحابه وأهل بيته: «هَوَّنَ عَلَيَّ مَا نَزَلَ بِي أَنَّهُ بِعَيْنِ اللهِ»(1). فهنا يلفت الامام الحسين (عليه السلام) نظر المؤمنين الى حقيقة مهمة وهي: أن الله سبحانه يعلم بكل مجريات الأُمور، وهو مطلع على كل معاناة المبتلى وما يكابده من ألم دونما اعتراض منه على قضائه هو في حد ذاته حافز للمبتلى للصبر والرضا.. ولتقريب المعنى نقول: إن المتسابقين في ساحة اللعب مثلا يشعرون بالارتياح حينما يعلمون أن أبويهم وأصدقاءهم ينظرون اليهم فيندفعون بقوّة أكبر في تحمل الصعاب لتحقيق الفوز. فإذا كان تأثير وجود الأبوين والأصدقاء كذلك، فما بالك بتأثير استشعار رؤية الله لما يجري على الانسان وهو يصارع الألم ويواجه المحن؟! ما أعظم القوّة التي يمنحها هذا الاستشعار لتحمل الامتحانات العسيرة والمصائب الخطيرة .. ولذا فقد جاء النداء الالهي لتثبيت قلب النبي نوح (عليه السلام) حين واجه أعظم المصائب والضغوط من قومه وهو يصنع الفلك، حيث قال (تعالى) : (وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا)(2). فكان لعبارة «بِأَعْيُنِنَا» وقع عظيم في نفسه (عليه السلام) فصبر وواصل عمله الى نهايته دونما أن يلتفت الى تقريع الأعداء أو يهتم باستهزائهم. ــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) موسوعة الامام علي بن أبي طالب (عليه السلام) ج8 ص42 (2) المصدر السابق (3) بحار الأنوار، ج 45، ص 46 (4) هود 37 رضا الله غايتي
اخرى