تشغيل الوضع الليلي
نفحات غديرية
منذ 7 سنوات عدد المشاهدات : 1941
جذبني منظره، بلحيته الطويلة المسترسلة وقد زانتها شعيرات بيضاء تفرقت هنا وهناك، وهدوئه، وتلك الدموع التي بدت تغزو عينيه، وتقاطيع وجهه المتعب الذي بدى عليه الحزن، تعلقت عيناه في كبد السماء وانحدرت تلك الدموع من عينيه، لتختفي تحت شعيرات لحيته، وهو يتمتم بدعاء غريب لم أسمعه من قبل، لكنه أخذ بمجامع قلبي، كلمات تلامس شغاف القلب، تقرع صدري وتغوص في أعماقه فتتناغم مع روحي، فرحتُ أنصت إليه رغم زحام المارة وضجيج الحجاج الذي ملأ المكان...
بعد برهة
أكمل مناجاته...
دنوتُ منه وزاحمت ركبتي ركبته...
فهمست له :
_من أين لك هذه الكلمات؟
ابتسم وهو يمسح بقايا دموع علقت بمآقي عينيه:
-إنه من دعاء الإمام الحسين (عليه السلام) يوم عرفة
ثم أردف قائلاً: هل تريد نسخة منها؟
-أومأت برأسي باستحياء موافقاً وفي داخلي أشعر بالهزيمة
ناولني كُتيباً صغيراً جداً، فحشوته في جيبي، ثم شكرته.
كان لطيف الكلام، عذب المنطق، شديد الإنصات لي حين أكلمه، تجاذبنا أطراف الحديث فعرّجتُ قاصداً على بيعة الغدير كما يسمونها.
قلت: أنتم تدّعون أن الخلافة كانت لعلي بعد وفاة النبي صلى الله عليه؟
لم تتغير تقاطيع وجهه السمح وأجاب بهدوء وسكينة: لا ندعيّ، بل هو اليقين وهو الحق،
ابتسمْت هازئاً وأجبت: تعتمدون كتباً قد حُرفت!
اعتدل في جلسته ورمق بطرفه السماء وكأنه كان يطلب عوناً : بعيداً عن كتبنا وصحاحكم، هل لي أن أطرح عليك سؤالاً؟
-نعم
تنهد قليلاً ثم قال: ما هي مهنتك؟
أجبته مستغرباً: طبيب أسنان
انفرج ثغره عن نصف ابتسامة... وتابع:
أرأيت أذا أردت أن تسافر لبضعة أيام _كما الحال الآن_، فمن تترك في عيادتك؟
قلت ببساطة: طبيب أسنان بديل.
- ولِمَ لم تترك نجاراً أو حداداً أو أي صاحب حِرفة أخرى؟
- أتسخر مني!
- لا، حاشا، لكن أنت طبيب ولا تترك في عيادتك إلا من هو مثلك يجيد حِرفتك وتأمنه على مرضاك ،فكيف بنبي الأمة يعدو علي (عليه السلام) ويترك فيهم من هو ليس أهلاً للخلافة!
ألا تقولون في كتبكم إن الثاني كان يقول (اللهم لا تبقني لمعضلة وليس لها أبا الحسن ) (١) فكيف يترك الأمة بدون راع ينظم أمورها ويحقق عملية التغيير في ذلك المجتمع وهو في عمره الشريف القصير لم يستوفِ المهمات المناطة بالرسالة الإسلامية؟ وهذا ما لا يتأتى مع شريعة السماء وقاعدة اللطف.
لم ينهِ كلامه إذ ناداه شاب في مقتبل العمر: شيخنا وقت الصلاة قرب ونحن بانتظارك..
اعتذر مني بلطف ورحل.
ظلت عيناني تشيعانه، فقد غاصت كلماته في كياني وأحدثت ثورة كبيرة في داخلي وبدأ قلبي كقارب تتقاذفه الأمواج من كل جانب. نهضتُ مسرعاً لألحق به، لكنه غاب في الزحام، جلست حيثُ كان يجلس، تصفحت الكُتيب ثم طويته بسرعة، لم أعد أعلم ماذا أفعل!
هنا تقابلنا قبل عامين، وهنا انبعثت فيّ الحياة فولدت من جديد، أخرجت الكُتيب ورحتُ ألثم حروفه وأتلمس غلافه لعل يدي تصافح يد من هداني الصراط المستقيم.
____________________________
١_ينابيع المودة
ثرى الامير
اخترنا لكم
شبهة أن الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله) يُذنب بنص القرآن الكريم
كانت ولازالت الشبهات تلو الشبهات تُثار حول خاتم الرسل والأنبياء (صلى الله عليه وآله) ولأسبابٍ مختلفة ودوافع متعددة، ومن جملة تلك الشبهات دعوى بعض المغرضين: (أن الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله) ــ والعياذ بالله ــ يرتكب الذنوب ويقترف المعاصي بشهادة القرآن الكريم)، تشبثاً منهم بفهمهم الخاطئ لبعض الآيات المباركة، وجموداً منهم على ظاهر ألفاظها دون محاولة فهم مغزاها ومعناها، منها قوله (تعالى):" إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا. لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا" (1) وللرد على هذه الشبهة لا بد من توضيح مقدمة هامة مفادها: أن الله (تعالى) عندما يُرسل رسولاً ما إلى الناس، فإن الغرض من ذلك بلا أدنى شك هو إيصال تلك الرسالة إليهم لغرض انقيادهم الى توحيد وطاعة رب الارض والسموات، وامتثالهم لكل ما يرد فيها من أحكام وتشريعات، وذلك ما لا يمكن ان يتحقق مطلقاً فيما لو عُرفَ عن هذا الرسول ولو لمرة واحدة أنه ارتكب معصيةً أو قارف ذنباً أو صدرت منه خطيئة؛ لأن كل ذلك من شأنه أن يتسبب في سقوط محله من قلوب الناس ونفورهم منه وبالتالي عدم الوثوق به أو الاطمئنان إليه أو الانقياد إلى أفعاله أو التصديق بأقواله. وعليه لابد أن يكون الرسول معصوماً من الخطأ والنسيان فضلاً عن الخطيئة والعصيان. إذا اتضحت هذه المقدمة البسيطة، يتضح أيضاً أن لا بد أن يكون للذنب الذي أسنده الله (تعالى) إلى رسوله (عليه وآله أفضل التحايا وأزكى السلام) معنىً آخر سوى معصية الخالق (جل شانه)، ومن هنا يمكن الرد على هذه الشبهة من وجهين: الوجه الأول: للذنب مراتب متباينة تتعدد تبعاً لتعدد أحوال الأشخاص ومقاماتهم، فمنها ما يكون مخالفةً للأحكام الشرعية ويُعدُّ حينئذٍ جُرماً ومعصيةً لله (تعالى) وهو المعنى الأوضح والأجلى، ومنها ما لا يكون كذلك، ولذا لا يمكن أن يعدُّ جرماً ومعصيةً كما في ترك الأولى؛ ولذا قيل: "حسنات الأبرار سيئات المقربين". إذ ربَّ طاعةٍ يُسر الأبرار بالإتيان بها كنوم الصائم في شهر رمضان المبارك مثلاً، فيما قد يعدُّها المقربون ذاتها معصيةً في حق الحبيب (جل جلاله) لتضمنها غفلةً عنه (سبحانه). ولا يقتصر هذا الأمر على علاقة الانسان بربه، بل هو واردٌ كثيراً حتى في العلاقات المتعارفة بين الناس، ولعل من أرقاها علاقة السيدة الرباب (رضوان الله عليها) بالإمام الحسين (عليه السلام)، فقد ورد أنها «[أقامت] المأتم عليه وبكت النساء معها حتى جفت دموعها. ولما أعلمتها بعض جواريها بأن السويق يسيل الدمعة أمرت أن يصنع السويق، وقالت: إنها تريد أن تقوى على البكاء، وقد خطبها بعد الحسين الأشراف، فأبت وقالت: ما كنت لأتخذ حماً ـ أي أقارب الزوج ـ وهكذا بقيت الرباب سنة بعد الحسين لم يظلها سقف بيت حتى بليت وماتت »(2) فعلى الرغم من أن انقطاع الأرملة عن البكاء على زوجها المتوفى مهما كان عزيزاً والزواج بعده والاستظلال تحت سقف البيت ليس من الأمور المحرمة شرعاً ولكن الرباب (رضوان الله عليها) عدّتها ذنوباً لا يحسن الإتيان بها، ومن هنا قيل: أن للعقل أحكاماً وللحب أحكاماً. وعليه يكون الذنب الذي أسنده الله (تعالى) إلى حبيبه المصطفى (صلى الله عليه وآله) ليس ذنباً بمعنى الجرم والمعصية لا في ساحة الشرع ولا القضاء، وإنما هو بمعنى آخر، وهذا المعنى هو المراد من قوله (عليه وآله الصلاة والسلام):"لَيُرَانُ ـ أو لَيُغَانُ ـ عَلَى قَلْبِي، وَإِنِّي لأَسْتَغْفِرُ الله فِي كُلِّ يَوْمٍ سَبْعِينَ مَرَّةً"(3)، وهذا الرَّين ـ أي الغبرة ـ هو الاشتغال بما هو في نظره (صلى الله عليه وآله) معصيةً بحق المحبوب (تعالى) من قبيل الانشغال الاضطراري بأمور الدنيا ولو كان يسيراً. كما ورد عن الإمام أبي عبد الله (عليه السلام):"أن رسول الله صلى الله عليه وآله كان لا يقوم من مجلس وإن خف حتى يستغفر الله عز وجل خمسا وعشرين مرة"(4). وبالتالي (لا تتنافى هذه الآية الشريفة مع المقامات المعنوية من العصمة بل تؤكدها؛ لأن من لوازم السلوك الروحاني واجتياز المدارج والوصول إلى أوج الكمال الإنساني، هو غفران الذنوب. لأن كل موجود في هذا العالم نتاج هذه النشأة المُلكية والمادة الجسمية، وله كافة الشؤونات المُلكية الحيوانية والبشرية والإنسانية المتوفرة بعضها بالفعل وبعضها بالقوة. فإذا أراد السفر من هذا العالم إلى عالم آخر، ومنه إلى مقام القرب المطلق، لا بد من اجتياز هذه المدارج، والعبور من المنازل الواقعة في الطريق، وعندما يصل إلى مرتبة، تغفر له ذنوب المرتبة السابقة وهكذا حتى تغفر له جميع الذنوب في ظل التجليات الذاتية الأحدية، ويستتر الذنب الوجودي الذي هو منشأ كافة الذنوب في ظل الكبرياء الأحدي. وهذه هي غاية عروج كمال الموجود. ويحدث في هذا المقام الموت والفناء التام)(5) وبالرغم من أن هذا الوجه من الرد قد يكون مناسباً جداً للرد على شبهة نسبة الذنب اليه (صلى الله عليه وآله) بيدَ أنه قد لا يتفق تماماً للرد على الفهم الخاطئ للآية محل البحث؛ وذلك لعدم تقديمه تفسيراً للعلاقة السببية بين الفتح (أي فتح قلاع وحصون خيبر أو فتح بلد مكة المكرمة أو المصالحة والمهادنة مع قريش على اختلاف التفاسير) وبين ترتب غفران ذنبه (صلى الله عليه وآله) في الآية الكريمة؛ لأن جملة: "إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ" جملة شرطية وجزائية، لابد من أن تكون هناك رابطة عقلية أو اعتيادية تربط بينهما بحيث تكون إحداهما علة وسبباً لوقوع الأخرى، ولذا قد يكون الوجه الثاني هو الأسلم والأوفق.. الوجه الثاني: من المعلوم أنه ما من مذهب حق يظهر في عالم الوجود يدعو إلى الحق والعدل وتحكيم المنطق والعقل وهدم أصول الظلم وإماتة الخرافات حتى يتعرض إلى عدة محاولات لطمس دعوته واطفاء نوره من قبل كل من تتعرض مصالحه الشخصية بسببه الى الخطر، منها محاولة إغراء الداعي إليه للعدول عن دعواهم، فإن لم تفلح، عمدوا إلى محاولة تصفيته الجسدية، فإن أخفقوا في ذلك أيضاً شرعوا باغتيال شخصيته الفكرية. وهذا بالضبط ما حدث مع الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله) فقد حاولت قريش إغراءه، ولما لم تفلح حاولت قتله في عقر داره، ولم تفلح أيضاً فلم يتبقَ لديها إلا محاولة بث الشائعات ضده (صلى الله عليه وآله) حتى اتهموه بأنه طالبٌ للحرب، محبٌ للقتال، متعطش لسفك الدماء، مثيرٌ لنار الفتنة معتدٌّ بنفسه لا يؤمن بمبدأ الحوار ولا يقبل التفاهم وما إلى ذلك! لا سيما بعد استقراره في يثرب ودخوله في معارك طاحنة مع قريش افقدتها أشجع شجعانها. ولذا اشتد في نظرهم ذنب الرسول الاكرم (صلى الله عليه وآله) في حقهم، فبعد إن لم يكونوا ليستسيغوا مجرد دعوته ورسالته ورفعوا شكواهم ضده إلى عمه قائلين: "إنّ ابن أخيك قد سبَّ آلهتنا وعاب ديننا وسفّه أحلامَنا وضلل آباءَنا"(6) فكيف تراهم يرون ذنبه في حقهم بعد أن قتل صناديدهم؟! فمما لا شك فيه أن قريش كانت تراه على ذنب عظيم وجرم جسيم لذا أخذت تصوره للناس بحسب تصورها الخاطئ .. فكان حينئذٍ لا بد من واقعة كبيرة ومهمة تستقطب الأنظار؛ لتبرئ ساحته المقدسة (صلى الله عليه وآله) مما أتهمه به المشركون الأشرار، لتظهر لهم حقيقته الملكوتية الراقية، وأخلاقه الملائكية الرفيعة، فكانت واقعة صلح الحديبية، حيث انكشف زيف كل تلك الاتهامات وكذب كل تلك الإشاعات، وأنّ مذهبه على خلاف ما زعم أعداؤه، إذ (تصالح مع قومه الذين قصدوا الفتك به وقتله في داره وأخرجوه من موطنه ومهاده بعطف ومرونة خاصة حتى أثار الحضّار من أصحابه ومخالفيه. وهذا العطف الذي أبداه النبي (صلى الله عليه وآله) في هذه الواقعة مع كونه من القدرة بمكان، وقريش في حالة الانحلال والضعف، صوّر النبي (صلى الله عليه وآله) عند قومه وأتباعه صورة إنسان مصلح يحب قومه ويطلب صلاحهم ولا تروقه الحب والدمار والجدال فوقفوا على حقيقة الحال وعضّوا الأنامل على ما افتعلوا عليه من النِسَب وندموا على ما فعلوا فصاروا يميلون الى الاسلام زرافات ووحدانا)(7) وقد ورد هذا التفسير عن الإمام الرضا (عليه السلام)، فقد روي عَنْ عَلِيِّ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ الجَهْمِ قالَ: حَضَرْتُ مَجْلِسَ المَأَمُونِ وَعِنْدَهُ الرِّضَا عليه السّلام فَقَالَ لَهُ المَأَمُونُ: يَا ابْنَ رَسُولِ الله أَلَيْسَ مِنْ قَوْلِكَ أَنَّ الأَنْبِياءَ مَعْصُومُونَ؟ قَالَ: بَلَى، قَالَ: فَمَا مَعْنَى قَوْلِ الله: لِيَغْفِرَ لَكَ الله مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ؟ قَالَ الرِّضا عليه السّلام: لَمْ يَكُنْ أَحَدٌ عِنْدَ مُشْرِكِي مَكَّةَ أَعْظَمَ ذَنْباً مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ لأَنَّهُمْ كَانُوا يَعْبُدونَ مِنْ دُونِ الله ثَلاَثَمِائَةٍ وَسِتِّينَ صَنَماً، فَلَمّا جَاءَهُمْ صلّى الله عليه وآله بِالدَّعْوَةِ إِلَى كَلِمَةِ الإِخْلاَصِ كَبُرَ ذلِكَ عَلَيْهِمْ وَعَظُمَ وَقَالُوا: {أَجَعَلَ الآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ، وَانطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنْ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ، مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي الْمِلَّةِ الآخِرَةِ إِنْ هَذَا إِلاَّ اخْتِلاَقٌ}(8) فَلَمَّا فَتَحَ الله تَعَالَى عَلَى نَبِيِّهِ صلّى الله عليه وآله قَالَ لَهُ: يَا مُحَمَّدُ (إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحاً مُبِينًا * لِيَغْفِرَ لَكَ الله مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ) عِنْدَ مُشْرِكِي أَهْلِ َمَّكَةَ ِبدَعاِئَكَ إِلَى تَوْحيِدِ الله فِيمَا تَقَدَّمَ وَمَا تَأَخَّرَ؛ لأَنَّ مُشْرِكِي مَكَّةَ أَسْلَمَ بَعْضُهُمْ، وَخَرَجَ بَعْضُهُمْ عَنْ مَكَّةَ؛ وَمَنْ بَقِيَ مِنْهُمْ لَم يَقْدِرْ عَلَى إِنْكَارِ التَّوْحِيدِ عَلَيْهِ إِذَا دَعَا النَّاسَ إِلَيْهِ. فَصَارَ ذَنْبُهُ عِنْدَهُمْ فِي ذلِكَ مَغْفُوراً بِظُهُورِهِ عَلَيْهُمْ. فَقَالَ المَأمُونُ: لِلَّهِ دَرُّكَ يَا أَبَا الحَسَنِ (9). وأما نسبة الله (تعالى) غفران الذنوب اليه فلأنه (جل جلاله) هو الذي جعل هذا الفتح من نصيبه (صلى الله عليه وآله)، ومن هنا أمكن أن يقال أن الله غفر للنبي (صلى الله عليه وآله) ذنوبه جميعاً؛ ولهذا كان ذلك الصلح فتحاً مبيناً. __________ (1) الفتح 1و2 (2) سكينة بنت الحسين للدكتورة بنت الشاطئ ص68 (3) صحيح مسلم، كتاب الذكر، ص41. وفي الحديث 22 من كتاب أربعين الشيخ البهائي " مَاءة مرة ". (4) الكافي ج2 ص691 (5) الأربعون حديثا ص378 (6) السيرة النبوية لإبن هشام ص285 (7) مفاهيم القرآن ج5 ص254و255 (8) ص 5 ـ 7 (9) مسند الإمام الرضا ج3 ص134 رضا الله غايتي
اخرى
ليلة وداع شهر رمضان: حقيقتها، وآدابها
بقلم: وجدان الشوهاني (أيامًا معدودات) هكذا وصفَ للهُ سبحانه وتعالى شهره الفضيل. فأيّامه ليست سوى أيّاماً معدودة لو قورنت بأيّام السنة التي هي (365 يوم)، فسنراها قليلة، وكما جاء في بعض التفاسير إنّ كلمة أيّام الواردة في الآية الكريمة جاءت منّكرة؛ وذلك للتقليل من حيث عدد تلك الأيّام، أي إنّها لا شيء بالنسبة لعدد ايّام السنة وحيث إنّ أيّام شهر رمضان معدودة فهي كما تبدأ تنتهي. وكما كان هناك حث كبير واهتمام أكبر من أهل البيت (عليهم السلام) على استقبال الشهر الفضيل نجد نفس الحث والاهتمام على وداعه. والوداع ما هو إلّا عبارة عن مفارقة لضيف بعد صحبة طويلة كانت أم قصيرة، فكيف إن كان الضيفُ الذي صَحبناه هو أعظم الشهور والذي فيه أعظم الليالي لما فيه من نِعم إلهية، وفيوضاتٍ رحمانية، ولكنّ صحبته لأيّامٍ معدودة كما أشرنا لذلك. إنّ لذلك الوداع حقيقة وآداباً لا بد أن نعرفها حتى نعمل بها، وتلك الآداب تختلف عن أي آداب لوداعٍ آخر، والناس في صحبتهم للشهر الفضيل متفاوتون، كل حسب نظرته للضيف ومكانته عنده وتعامله معه فليس الناس على سواء في ذلك وحتى نفهم حقيقة الوداع كان علينا أن نبحث في المسألة من حيثيتين: الأولى: معرفة أهل الوداع: فقد ورد في كتبنا المعتبرة أنّ الناس على ثلاثِ أصناف بحسب تعاملهم مع الضيف الذي حلّ عليهم ألا وهو شهر رمضان. فالصنف الأول: هم مَن صحب ضيفه مصاحبة الضيف العزيز المنتظر له انتظار عاشق لمعشوقه، فهؤلاء يكون وداعهم وداعَ محزونٍ فاقدٍ لضيف حلّ عليهم وحضر للإنعام عليهم بنعم إلهية جليلة وعنايات ربانية، ولكنه سارع بمفارقتهم، ففارقوه باستيحاش، وببكاء الفاقدين له، ونجدهم يجددون العهد معه للقاء آخر ويلتزمون بآداب وداعه؛ لأنهم وجدوا فيه رُقيّهم. والصنف الثاني: هم مَن صحبوه على نحوين، فمرة يرونه ضيفًا عزيزًا عليهم، وأُخرى يقاطعونه ويجدونه ثقيلًا ويحسبون الساعات والثواني لرحيله فهم في ذلك (بين صحبةٍ ومقاطعة أو قل بين علمٍ وغفلة) وهؤلاء يودعون الشهر بحسب حالهم، فإن رحل عنهم الشهر الفضيل وهم في صحبة صفاء وعلمٍ بعظمة مَن حلّ عليهم كانوا ملازمين لآداب الوداع، وإن كانوا في مقاطعة وغفلةٍ عنه فهم مقاطعون وغافلون عن آداب الوداع.. أما الصنف الأخير: فهم صنف مَن لم يكونوا على وفاق مع شهر الله تعالى، بل كانوا كارهين له لأنه حرمهم من ملذات دنيوية كثيرة فهؤلاء لم يصاحبوا الشهر نهائيًا مصاحبةً قلبية ولم يحسنوا معاملة الضيف ولا مجاورته فليسوا من أهل الوداع في شيء فكما استقبلوه كارهين رحل عنهم وهم كارهون له فلا معنى لآداب الوداع عندهم. وبهذه الأصناف الثلاثة لأهل الوداع أمكننا الكلام بالحيثية الثانية: الثانية: آداب الوداع والكلام في آداب وداع شهر رمضان ما هو إلّا مرآة لأهل الوداع الذين تكلمنا عنهم، والحقيقة التي لا بد أن نقف عندها ونتمعن بها كي نستفيق من غفلتنا هي: إننا لو تمعنّا في كل الآداب والأدعية التي جاءت بخصوص آخر ليلة من شهر رمضان فسنجد أنّ للصنف الأول الحظ الأوفر والنصيب الأكبر من آداب الوداع لكونهم أهل الوداع الحقيقيين، نعم قد يحظى الصنف الثاني بشيء من تلك الآداب إن ودعوا ضيفهم وهم في حال صفاءٍ وصحبةٍ مع ذلك الضيف، ولو أردنا أن نتأكد من ذلك فلنقرأ الأدعية الواردة عن الأئمة (عليهم السلام) في وداع شهر رمضان الذين إن بحثنا عنهم بين أصناف أهل الوداع فسنجدهم (عليهم السلام) في رأس الصنف الأول ومن أهمّ تلك الأدعية الدعاء الوارد في الصحيفة السجادية عن الإمام السجاد (عليه السلام) فصفات المودعين الواردة في الدعاء هي صفات مَن صحب الشهر صحبةَ الحبيب وجاورهُ بأحسنِ ما يكون وهي في الحقيقة صفات المعصومين (عليهم السلام) التي أرادوا أن تكون لنا منهجًا لنسير بهديهم وخطاهم فحثّونا على العمل بها، فدعاء الإمام السجاد (عليه السلام) لوداع الشهر قد عكست حقيقته سلام الله عليه، فتلك الأوراد والأغسال والأدعية التي جاءت على مدى شهرٍ كامل وعن لسان جميع المعصومين بدءًا من الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله) وباقي أهل البيت (عليهم السلام) حتى أتت ليلة الوداع لنقف عندها فوجدنا الحث على إحيائها حثًا دعانا للبحث عن حقيقتها التي حملت في طياتها حقائق عن أهل بيت النبوة (عليهم السلام) لنراهم من خلال أداء تلك الآداب ولكن الأغلب يعيش في غفلة. ولذا نجد أنّ المعصوم عندما يودع الشهر يبدأ بذكر النعم التي جاءت بمجيء الشهر وأفضل تلك النعم هي صيام الشهر فكل لحظة من لحظات هذا الشهر هي ارتقاء فهو الشهر الذي يكون فيه الإنسان ملائكياً، ولذا نجد أنّ الإمام السجاد (عليه السلام) يضج بالبكاء والدعاء في آخر الشهر، وكيف لا يضج وهو العالم بحقيقة تلك النعم. فما أن أتت اللحظة التي سيرحل فيها أعز ضيف نرى أهل الوداع فد تهيأوا لوداعه بأفضل ما يكون فبدأت آداب الوداع بالغسل؛ والغسل في حقيقته تطهير للقلوب بالكامل حتى تشملهم المغفرة الإلهية. ثم التوجه إلى زيارة أوسع السفن وأسرعها ألا وهي زيارة الإمام الحسين (عليه السلام) سواء كانت زيارة عن قرب أو بُعد وقراءة الأدعية الخاصة بالوداع. ثم الصلاة الخاصة بآخر ليلة. حتى يصِلوا إلى آخر مرحلة من مراحل الوداع وهو العفو عمن ظلمهم وأساء إليهم وتجديد العهد بصيامه وقيامه وقد ورد تجديد العهد في حديث عن النبي الأكرم ( صلى الله عليه وآله) عندما قال: (اللهم لا تجعله آخر العهد من صيامنا إيّاه فإن جعلته فاجعلني مرحومًا ولا تجعلني محرومًا. ثم قال (صلى الله عليه وآله): فإنه من قال ذلك ظفر بإحدى الحسنين إما ببلوغ شهر رمضان من قابل وإما بغفران الله ورحمته) وأهل الوداع مع كل تلك الآداب هم مستوحشون وتلهج ألسنتهم بكثرة التسليم عليه فيقولون: السلام عليك يا شهر الله الأكبر ويا عيد أوليائه. وهو سلام توديع لشهر أنفرد من دون سائر الشهور بذكره في كتاب الله تعالى لما فيه من نعم وفيوضات حتى صار نفس الصائم تسبيحاً ونومه عبادة، فكل سكنات الصائم هي طاعة، فالليلة الأخيرة هي ليلة الجوائز، ولذا نجد المعصوم في سلامه على الشهر يصفه بأنه عيد أوليائه وذلك لأن هدية الضيافة وجزاءها تكون في آخر الشهر. فعلينا أن نبحث عن أنفسنا في أصناف أهل الوداع فما زالت الفرصة سانحة لنكون من أهل الوداع فنقوم بآخر الشهر بآداب الوداع التي حثّ أهل البيت (عليهم السلام) عليها عسى أن يعطينا الله ثواب الصائمين والعابدين في هذا الشهر ونحظى بمنحٍ إلهية وجوائز ربانية. وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين والصلاة والتسليم على نبينا محمد وآله الطيبين .
اخرى
ليلة القدر.. سرٌ وتجارة
بقلم: حنان الزيرجاوي في هذا الشهر المبارك الذي يستقبله الإنسان بالطهارة والصيام، وتقوى القلوب لما له من مكانة عظيمة عند الله (جلا وعلا)، فيبدأ الإنسان رحلة أشبه ما تكون مرحلة انتقالية من عالم الماديات إلى العالم العلوي الملائكي، نلاحظ العمل يبدأ من شهر رجب الأصب الذي تصب في الرحمة الإلهية، وأغلب الأدعية تتناول الاستغفار لينتقل بعدها الإنسان لشهر شعبان المبارك، ونلاحظ انتقاله حتى في مضمون الأدعية الواردة عن أهل البيت (سلام الله عليهم) تعبئة ومنهجية متكاملة. فالمسيرة التكاملية لدى الإنسان تكون بشكل دفعي تدريجي ليس هناك انقلاب مفاجئ، فالتغيير يبدأ بحركة تكاملية تدريجية نفسية تسير نحو الكمال الروحي، إلى أن نصل للشهر المبارك الفضيل شهر رمضان. ليرتقي الإنسان بالصوم من حالة الحيوانية والماديات إلى حالة تشبه حالة الملائكة. (١) ويزداد عظمة هذا الشهر بوجود حدث عظيم ألا وهو نزول القرآن الكريم، قال تعالى {إنّا أَنْزَلْناهُ في لَيْلَة مُبارَكَة} سورة الدخان الآية (١) ألا وهي ليلة القدر التي هي خير من ألف شهر، قال تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ (١) وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ (٢) لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ (٣)} سورة القدر. روي عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «...فغرة الشهور شهر الله (عز ذكره) وهو شهر رمضان، وقلب شهر رمضان ليلة القدر...» (٢) نلاحظ هذه المسيرة التكاملية ارتفعت شيئاً فشيئاً إلى أن تصل لليالي القدر. وهنا تقع بعض الأسئلة منها: - متى تكون ليلة القدر بالتحديد؟ -وأين أبحث عن ليلة القدر؟ - وماهي صفات هذه الليلة؟ - وماهي فضيلة هذه الليلة؟ هناك حالة من الإبهام والإخفاء الذي يحيط بهذه الليلة المباركة، روي عن سفيان بن السمط قال: قلت لأبي عبد الله (عليه السلام ): الليالي التي يرجى فيها من شهر رمضان؟ فقال: «تسع عشرة، وإحدى وعشرين، وثلاث وعشرين»، قلت: فإن أخذت إنسانًا الفترة أو علة، ما المعتمد عليه من ذلك؟ فقال: «ثلاث وعشرين» (٣). وكل ذلك احتمالات حسب ما جاء في الكثير من الروايات فكل هذه الليالي تعتبر من ليالي القدر، ليس هناك قطع ويقين بتحديد تلك الليلة المباركة، لكن الذي يظهر من الروايات أن تكون ليلة القدر الثالثة والعشرين الاحتمال الأقوى هي التي يفرق فيها كل أمر حكيم. -لماذا هذا الإخفاء والإبهام؟ هناك ملاحظتان مهمتان حول هذا الإبهام وهما: أولًا: قد يكون سبب الإبهام لتوسيع نطاق عمل الخير والعبادة والسير نحو الكمالات العلوية. فاستقبال هذه الليلة العظيمة بالتقوى والصيام المجهز قبلها لفترات لاستقبالها بالطهارة والتقوى، دليل على أنها ليلة عظيمة ومباركة وهذا ما جاء في القرآن والروايات. ثانيًا: إذا كان الإبهام يتعلق بعمل الخير فهو لمصلحة الإنسان، لأنه لو تم وضوح وتحديد نقطة لها لعجز الإنسان، واكتفى بالعمل فقط في تلك النقطة المحددة. ونلاحظ تارة الروايات تنقل لنا أنها تقع في العشرة الأواخر من الشهر، روي عن النبي (صلى الله عليه وآله) أنه قال: «تحروا ليلة القدر في العشر الأواخر من رمضان» (٤). فنلاحظ وضوح من جهة وغموض من جهة أخرى وهذا معناه أن نطاق الخير قد اتسع لهذه الليلة المباركة، ونحن كمؤمنين هدفنا هو الرضا الإلهي. ونلاحظ أن الإخفاء ليس فقط في ليلة القدر إنما في الكثير من الأمور، فإذا علم الإنسان بلحظة رحيله من هذه الحياة الدنيا فإنه سيتوب قبل موته بقليل ويعمل صالحًا... لكن إذا لا يعلم ذلك في أي لحظة ينتقل لربه وكان موعد موته مبهم سيبقى يترقب ذلك في كل لحظة. الله (جلا وعلا) قد اخفى رضاه في طاعته، فلا نعلم أين يكمن الرضا الإلهي المطلق، لنسعى لنيل رضاه والاستكثار من الطاعات، وكذلك اخفى اولياءه في عباده، لكي لا نحقر عبد من عبيد الله فيمكن أن يكون إنسان بسيط نجهله هو أقرب لله منزلة ودرجة. وأخفى سخطه في معصيته، وأخفى اسمه الأعظم في اسمائه الحسنى لنعظم ونمجد كل اسمائه وهذا ما جاء في دعاء الجوشن الكبير. ما هي ليلة القدر؟ أو ما معنى القدر في هذه الليلة المباركة؟ ورد في الروايات والأحاديث، والتفاسير أن تسميتها بليلة القدر جاءت بسبب أن الله قدّر فيها ما هو كائن إلى يوم القيامة، من خير أو شر، حياة أو موت، صحة أو مرض، كل ذلك يقدر في تلك الليلة المباركة. وكذلك ما ورد عن أهل البيت (عليهم السلام) تقدير الولاية في تلك الليلة، روي عن أبي عبد الله (عليه السلام): "أن في هذه الليلة قدّرت ولاية أمير المؤمنين (عليه السلام)، وفضلًا عنه تم تقدير السماوات والأرض) (٥). القدر في اللغة: مصدر: قدر يقدر قدرًا، عبارة عمّا قضاه الله وحكم به من الأمور. (1) وقيل: هو كون الشيء مساويًا لغيره من غير زيادة ولا نقصان، وقدّر الله هذا الأمر بقدره قدرًا: إذ جعله على مقدار ما تدعو إليه الحكمة. اصطلاحًا هو: ما قدّره الله سبحانه من القضاء وحكم به. ومن صفات هذه الليلة المباركة كما جاء في الآيات والروايات: - أنها تشهد نزولًا للملائكة، لا يعني ذلك أنهم لا ينزلون في الأيام الاعتيادية لكن نزولهم في هذه الليلة بصفة مختلفة، قال تعالى: {تَنَزَّلُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ فيها بِإذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْر سَلامٌ هِيَ}، والروح النازلة في ليلة القدر لها العديد من التفاسير، والأصحّ في تفاسير أهل البيت (عليهم السلام) أنّ الروح ها هنا جبرئيل، وتخصيصه بالذكر لزيادة شرفه، كأنّه تعالى يقول: الملائكة في كفّة والروح في كفة. كل ذلك بإذن الله ورحمته. -ليلة القدر لها ارتباط وثيق ودليل بين على وجود صاحب العصر والزمان (عجل الله فرجه الشريف)، إذا كان حدوثها كل عام فعلى من يتنزّل جبرئيل (عليه السلام) بعد النبيّ (صلى الله عليه وآله) إلى يومنا هذا وإلى يوم القيامة؟! -نزول القرآن في تلك الليلة المباركة زادها عظمة قال تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ (٣) فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ (٤)﴾ سورة الدخان . -تعتبر ليلة القدر هي بداية للعام، روي عن الإمام الصادق (عليه السلام) قال: «ليلة القدر هي أول السنة وهي آخرها» (٦) -وصفها بأنها أفضل ليالي شهر رمضان روي عن الإمام الصادق (عليه السلام) قال: «فغرة الشهور شهر الله عزّ وجل وهو شهر رمضان، وقلب شهر رمضان ليلة القدر...» (٧) -وسئل أهل البيت عن تفسير ﴿إنا أنزلناه في ليلة القدر﴾ سورة القدر الآية (١) فأجاب الإمام الصادق (سلام الله عليه) قال: (اللَّيْلَةُ فَاطِمَةُ وَالْقَدْرُ اللَّهُ فَمَنْ عَرَفَ فَاطِمَةَ حَقَّ مَعْرِفَتِهَا فَقَدْ أَدْرَكَ لَيْلَةَ الْقَدْرِ) (٨) وهذا بحث يطول شرحه. -من صفات هذه الليلة أنها ( فِيها يُفْرَقُ كُلُّ أَمْر حْكيم)، القرآن يفسر بعضه بعضًا، وهذه الآية يقابلها قوله تعالى: (تَنَزَّلُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ فيها بِإذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْر سَلامٌ هِيَ). -استمرارية ليلة القدر في كل عام، ولم تنقطع بعد ممات رسول الله (صلى الله عليه وآله). عن داود بن فرقد قال: حدثني يعقوب قال: سمعت رجلًا يسأل الإمام الصادق (عليه السلام) عن ليلة القدر، فقال: أخبرني عن ليلة القدر، كانت أو تكون في كل عام؟ فقال له أبو عبد الله (عليه السلام) «لو رفعت ليلة القدر لرفع القرآن» (٩). -ليلة القدر والتجارة مع الله إن إخفاء ليلة القدر في عدة ليالي هو لتوسيع نطاق عمل الخير والاستكثار منه –كما تقدم-، وما ذلك إلا لكي يحثنا (جلا وعلا) على العبادة في هذه الليالي المباركة كلها، لماذا نجعل العمر يذهب باطلًا؟ ولماذا نترك أيامنا تذهب هدرا؟! أليس من الأولى أن نجعل لهذا العمر المحدود الفاني قيمة؟ فإذا ما قسناه في مواجهة هذا الكون الهائل الذي يمتد في الآفاق والأبعاد، نلاحظ لا قيمة له ما دام مصيره الفناء والزوال كل شيء في طريقه للفناء إلا وجه الله، ليس أعظم من هو خير من على وجه الأرض وهو نبينا الأكرم (صلى الله عليه وآله) الذي جاءه النداء من السماء بقوله تعالى: (إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُم مَّيِّتُونَ) سورة الزمر الآية (٣۰). والجبال بحجمها الكبير مصيرها الزوال بقوله تعالى: (وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْجِبَالِ فَقُلْ يَنسِفُهَا رَبِّي نَسْفًا)سورة طه الآية (١۰٥). مع قصر ذلك العمر المحدود وقلته التي لا تساوي شيئًا مقابلًا بعمر الجبال باستطاعة الإنسان أن يجعل لذلك العمر قيمة... قد يسأل سائل وكيف يكون ذلك ما دام العمر مدته محدودة وقصيرة؟ الجواب: إن العمل الذي يمارسه الإنسان عندما يقصد به الوصول لله سبحانه وتعالى، وكسب الرضا الإلهي، بمقدور ذلك الإنسان أن يمد في عمره ليتجاوز الكون كله. عندما يعمل عملًا بسيطًا يبتغي منه رضى الباري (جلا وعلا) والتقرب منه يكون جزاؤه جنة عرضها السموات والأرض، يستطيع الإنسان عن طريق صدقة قليلة لإطعام جائع أو كسوة يتيم أو قضاء حاجة محتاج بهذا الثمن البسيط يشتري جنة... وما هذه إلّا التجارة الرابحة مع الله. أين نحن عن ذلك؟ هذه الأعمال والحسنات هكذا أجرها طوال عام كامل، الحسنة بعشر أمثالها، إنها تجارة عظيمة ويا له من رب كريم. كيف إذا أصبحت خلال شهر كامل بأضعاف مضاعفة لا تعد ولا تحصى؟ وكيف إذا جعلت في ليلة هي خير من ألف شهر؟! روي عن الإمام أبا عبد الله (عليه السلام) يوصي ولده يقول: (إذا دخل شهر رمضان، فاجهدوا أنفسكم فإن فيه تقسم الأرزاق وتكتب الآجال وفيه يكتب وفد الله الذين يفدون إليه وفيه ليلة، العمل فيها خير من العمل في ألف شهر) (١۰). ما قيمة تلك التجارة التي تتاجرها خلال ليالي معدودة. قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): «من قام ليلة القدر إيماناً واحتساباً، غفر الله ما تقدّم من ذنبه» (١١).إن الإسلام يحثنا على هذه التجارة وهي لمصلحتنا فالله سبحانه غني غير محتاج، كل عمل يرجع بالنفع لنا. فمفهوم الحضارة الحقيقي والإنساني هي أن يقترن العلم والعمل بالإيمان ليكون الهدف من ذلك هو مرضاة الله أولًا ومنفعة الناس ثانيًا. فالرضا الإلهي هو الضمان للاستمرارية والمنفعة البشرية. لذلك على الإنسان أن يلاحظ أنه هل وصل إلى ذلك المستوى من الفيض الإلهي ليدرك تلك الليلة المباركة؟ فإذا كانت النفس ملوثة بالمعاصي والآثام وغيرها هل تكون جديرة لتلقي الرحمة الإلهية هل تدرك تلك الليلة؟ هل استطعنا تطهير نفوسنا؟ وهل نحن مستعدون لنيل المراتب الكمالية؟ ____________________________ ١- العروة الوثقى ٢- الكافي ج٤ص٦٦ ٣- من لا يحضره الفقيه، ج 2، ص 103، حديث 460. ٤- البخاري، الجامع الصحيح، ج 2ص٢٥٤ ٥- الفخر الرازي، التفسير الكبير، ج 32، ص 28. ٦- الكافي، ج 4، ص 160، حديث 11 ٧- الكافي ج 4ص، 67 ٨- فرات الكوفي، تفسير فرات الكوفي، ص 581 ٩- الكافي، ج 4، ص 158، حديث 7. ١۰- الكافي ج 4ص 67 ١١- مجمع البيان، ج 10، ص 409.
المناسبات الدينيةالتعليقات
يتصدر الان
لا تعاشر نفساً شبعت بعد جوع
يستشهد الكثير من الناس ــ وحتى بعض المثقفين ــ بقول:" لا تعاشر نفساً شبعت بعد جوع فإن الخير فيها دخيل وعاشر نفساً جاعت بعد شبع فإن الخير فيها أصيل" على أنه من أقوال أمير المؤمنين علي (عليه السلام)، كما يستشهدون أيضاً بقولٍ آخر ينسبونه إليه (عليه السلام) لا يبعد عن الأول من حيث المعنى:"اطلبوا الخير من بطون شبعت ثم جاعت لأن الخير فيها باق، ولا تطلبوا الخير من بطون جاعت ثم شبعت لأن الشح فيها باق"، مُسقطين المعنى على بعض المصاديق التي لم ترُق افعالها لهم، لاسيما أولئك الذين عاثوا بالأرض فساداً من الحكام والمسؤولين الفاسدين والمتسترين عل الفساد. ونحن في الوقت الذي نستنكر فيه نشر الفساد والتستر عليه ومداهنة الفاسدين نؤكد ونشدد على ضرورة تحرّي صدق الأقوال ومطابقتها للواقع وعدم مخالفتها للعقل والشرع من جهة، وضرورة التأكد من صدورها عن أمير المؤمنين أبي الأيتام والفقراء (عليه السلام) أو غيرها من المعصومين (عليهم السلام) قبل نسبتها إليهم من جهة أخرى، لذا ارتأينا مناقشة هذا القول وما شابه معناه من حيث الدلالة أولاً، ومن حيث السند ثانياً.. فأما من حيث الدلالة فإن هذين القولين يصنفان الناس الى صنفين: صنف قد سبق له أن شبع مادياً ولم يتألم جوعاً، أو يتأوه حاجةً ومن بعد شبعه جاع وافتقر، وصنف آخر قد تقلّب ليله هماً بالدين، وتضوّر نهاره ألماً من الجوع، ثم شبع واغتنى،. كما جعل القولان الخير متأصلاً في الصنف الأول دون الثاني، وبناءً على ذلك فإن معاشرة أفراد هذا الصنف هي المعاشرة المرغوبة والمحبوبة والتي تجرّ على صاحبها الخير والسعادة والسلام، بخلاف معاشرة أفراد الصنف الثاني التي لا تُحبَّذ ولا تُطلب؛ لأنها لا تجر إلى صاحبها سوى الحزن والندم والآلام... ولو تأملنا قليلاً في معنى هذين القولين لوجدناه مغايراً لمعايير القرآن الكريم بعيداً كل البعد عن روح الشريعة الاسلامية ، وعن المنطق القويم والعقل السليم ومخالفاً أيضاً لصريح التاريخ الصحيح، بل ومخالف حتى لما نسمعه من قصص من أرض الواقع أو ما نلمسه فيه من وقائع.. فأما مناقضته للقرآن الكريم فواضحة جداً، إذ إن الله (تعالى) قد أوضح فيه وبشكلٍ جلي ملاك التفاضل بين الناس، إذ قال (عز من قائل):" يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (13)"(1) جاعلاً التقوى مِلاكاً للتفاضل، فمن كان أتقى كان أفضل، ومن البديهي أن تكون معاشرته كذلك، والعكس صحيحٌ أيضاً. وعليه فإن من سبق حاجتُه وفقرُه شبعَه وغناه يكون هو الأفضل، وبالتالي تكون معاشرته هي الأفضل كذلك فيما لو كان تقياً بخلاف من شبع وكان غنياً ، ثم افتقر وجاع فإنه لن يكون الأفضل ومعاشرته لن تكون كذلك طالما كان بعيداً عن التقوى. وأما بُعده عن روح الشريعة الإسلامية فإن الشريعة لطالما أكدت على أن الله (سبحانه وتعالى) عادلٌ لا جور في ساحته ولا ظلمَ في سجيته، وبالتالي لا يمكن أن يُعقل إطلاقاً أن يجعل البعض فقيراً ويتسبب في دخالة الخير في نفوسهم، التي يترتب عليها نفور الناس من عشرتهم، فيما يُغني سواهم ويجعل الخير متأصلاً في نفوسهم بسبب إغنائه إياهم ليس إلا ومن ثم يتسبب في كون الخير متأصلاً في نفوسهم، وبالتالي حب الناس لعشرتهم. فإن ذلك مخالف لمقتضى العدل الإلهي لأنه ليس بعاجزٍ عن تركه ولا بمُكره على فعله، ولا محب لذلك لهواً وعبثاً (تعالى عن كل ذلك علواً كبيراً). كما إن تأصل الخير في نفوس بعض الناس ودخالته في نفوس البعض الآخر منهم بناءً على أمر خارج عن إرادتهم واختيارهم كـ(الغنى والشبع أو الجوع والفقر) إنما هو أمرٌ منافٍ لمنهج الشريعة المقدسة القائم على حرية الانسان في اختياره لسبيل الخير والرشاد أو سبيل الشر والفساد، قال (تعالى):" إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا (3)"(2) بل إن الانسان أحياناً قد يكون فقيراً بسبب حب الله (تعالى) له، كما ورد في الحديث القدسي: "أن من عبادي من لا يصلحه إلا الغنى فلو أفقرته لأفسده ذلك و أن من عبادي من لا يصلحه إلا الفقر فلو أغنيته لأفسده ذلك"(3) وهل يمكن ان نتصور أن الخيرَ دخيلٌ فيمن يحبه الله (تعالى) أو إن معاشرته لا تجدي نفعا، أو تسبب الهم والألم؟! نعم، ورد عن أمير المؤمنين (عليه السلام):"اِحْذَرُوا صَوْلَةَ اَلْكَرِيمِ إِذَا جَاعَ وَ اَللَّئِيمِ إِذَا شَبِعَ"(4) ولا يقصد به الجوع والشبع المتعارف عليه لدى الناس، وإنما المراد منه: احذروا صولة الكريم إذا اُمتُهِن، واحذروا صولة اللئيم إذا أكرم، وفي هذا المعنى ورد عنه (عليه السلام) أيضاً: "احذروا سطوة الكريم إذا وضع و سورة اللئيم إذا رفع"(5) وأما العقل السليم والمنطق القويم فإنهما يقتضيان أن تتأصل صفة الخير في الإنسان لملكاتٍ حميدة يتسم بها وصفات فضيلة يتميز بها، لا أن تتأصل صفة الخير في نفسه لمجرد أنه ولد في أسرة تتمتع بالرفاهية الاقتصادية ووجد في بيئة تتنعم بالثروات المادية! وعند مراجعتنا للتاريخ الصحيح نجد أن قادة البشر وصفوة الناس إنما كان أغلبهم ينتمي الى الطبقات الفقيرة من المجتمع، فهؤلاء الأنبياء ورسل الله (صلوات الله عليهم) منهم من كان نجاراً أو خياطاً أو راعياً، ومع ذلك فقد كانوا من أطيب الناس خلقاً، وأعظمهم شرفاً، وأرفعهم منزلةً، قد تأصّل الخير في نفوسهم تأصّلاً حتى غدوا قطعة منه، فكانوا هم الخير للبشر، وهم الرحمة للعالمين. وبالنزول إلى أرض الواقع نجد أن الكثير من الفقراء والمساكين طيبي الروح، كريمي النفس، يتألمون لألم المحتاج ولربما يؤثرونه على أنفسهم رغم حاجتهم. ولا نقصد من كلامنا هذا أن الأغنياء هم على نقيض ذلك، وإنما تأكيداً على مسألة عدم ارتباط تأصل الخير في النفوس وعدمه بمستواهم الاقتصادي الذي نشأوا فيه ارتباط العلة والمعلول، فكما إن بعض الفقراء أخيار، فإن بعض الأغنياء كذلك، والعكس صحيح أيضاً. ومن هنا يُفهم من بعض الروايات ضرورة عدم طلب الخير والحاجات ممن هم أهل للخير بقطع النظر عن مستواهم المعاشي الحالي والسابق، منها ما روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام):"أشد من الموت طلب الحاجة من غير أهلها"(5)، وعنه (عليه السلام) أيضاً: "فوت الحاجة أهون من طلبها إلى غير أهلها"(6) إذن فلا صحة لهاتين المقولتين من حيث الدلالة، حتى وإن تنزلنا وحملنا الجوع والشبع على المعنى المعنوي لا المادي؛ وذلك لأنه حتى من يفتقر الى الأخلاق المعنوية فإنه ما إن يتكامل بالفضائل ويقلع عن الرذائل حتى يتسم بالخير وتحسن عشرته وتطيب للناس صحبته، والعكس صحيحٌ أيضا.. ومن البديهي أن ما لا يوافق العقل والمنطق السليم، ويخالف صريح القرآن الكريم، لا يمكن أن يصدر من وصي الرسول الكريم (صلوات الله عليهما وآلهما)، وعليه لا تصح نسبة هذين القولين الى أمير المؤمنين (عليه السلام).. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) الحجرات 13 (2) الانسان 3 (3) عوالي الآلي ج2 ص29 (4) غرر الحكم ج1 227 (5) المدر السابق ج1 ص246 (6) ميزان الحكمة ج4 ص 238 رضا الله غايتي
اخرىبين طيبة القلب وحماقة السلوك...
خلق الله الأشياء كلها في الحياة ضمن موازين وقياسات... فالزيادة أو النقيصة تسبب المشاكل فيها. وهكذا حياتنا وأفعالنا وعواطفنا لا بد أن تكون ضمن موازين دقيقة، وليست خالية منها، فالزيادة والنقيصة تسبب لنا المشاكل. ومحور كلامنا عن الطيبة فما هي؟ الطيبة: هي من الصفات والأخلاق الحميدة، التي يمتاز صاحبها بنقاء الصدر والسريرة، وحُبّ الآخرين، والبعد عن إضمار الشر، أو الأحقاد والخبث، كما أنّ الطيبة تدفع الإنسان إلى أرقى معاني الإنسانية، وأكثرها شفافية؛ كالتسامح، والإخلاص، لكن رغم رُقي هذه الكلمة، إلا أنها إذا خرجت عن حدودها المعقولة ووصلت حد المبالغة فإنها ستعطي نتائج سلبية على صاحبها، كل شيء في الحياة يجب أن يكون موزوناً ومعتدلاً، بما في ذلك المحبة التي هي ناتجة عن طيبة الإنسان، وحسن خلقه، فيجب أن تتعامل مع الآخرين في حدود المعقول، وعندما تبغضهم كذلك وفق حدود المعقول، ولا يجوز المبالغة في كلا الأمرين، فهناك شعرة بين الطيبة وحماقة السلوك... هذه الشعرة هي (منطق العقل). الإنسان الذي يتحكم بعاطفته قليلاً، ويحكّم عقله فهذا ليس دليلاً على عدم طيبته... بالعكس... هذا طيب عاقل... عكس الطيب الأحمق... الذي لا يفكر بعاقبة أو نتيجة سلوكه ويندفع بشكل عاطفي أو يمنح ثقة لطرف معين غريب أو قريب... والمبررات التي يحاول إقناع نفسه بها عندما تقع المشاكل أنه صاحب قلب طيب. الطيبة لا تلغي دور العقل... إنما العكس هو الصحيح، فهي تحكيم العقل بالوقت المناسب واتخاذ القرار الحكيم الذي يدل على اتزان العقل، ومهما كان القرار ظاهراً يحمل القسوة أحياناً لكنه تترتب عليه فوائد مستقبلية حتمية... وأطيب ما يكون الإنسان عندما يدفع الضرر عن نفسه وعن الآخرين قبل أن ينفعهم. هل الطيبة تصلح في جميع الأوقات أم في أوقات محددة؟ الطيبة كأنها غطاء أثناء الشتاء يكون مرغوباً فيه، لكنه اثناء الصيف لا رغبة فيه أبداً.. لهذا يجب أن تكون الطيبة بحسب الظروف الموضوعية... فالطيبة حالة تعكس التأثر بالواقع لهذا يجب أن تكون الطيبة متغيرة حسب الظروف والأشخاص، قد يحدث أن تعمي الطيبة الزائدة صاحبها عن رؤيته لحقيقة مجرى الأمور، أو عدم رؤيته الحقيقة بأكملها، من باب حسن ظنه بالآخرين، واعتقاده أن جميع الناس مثله، لا يمتلكون إلا الصفاء والصدق والمحبة، ماي دفعهم بالمقابل إلى استغلاله، وخداعه في كثير من الأحيان، فمساعدة المحتاج الحقيقي تعتبر طيبة، لكن لو كان المدّعي للحاجة كاذباً فهو مستغل. لهذا علينا قبل أن نستخدم الطيبة أن نقدم عقولنا قبل عواطفنا، فالعاطفة تعتمد على الإحساس لكن العقل أقوى منها، لأنه ميزان يزن الأشياء رغم أن للقلب ألماً أشد من ألم العقل، فالقلب يكشف عن نفسه من خلال دقاته لكن العقل لا يكشف عن نفسه لأنه يحكم بصمت، فالطيبة يمكن أن تكون مقياساً لمعرفة الأقوى: العاطفة أو العقل، فالطيّب يكون قلبه ضعيفاً ترهقه الضربات في أي حدث، ويكون المرء حينها عاطفياً وليس طيباً، لكن صاحب العقل القوي يكون طيباً أكثر من كونه عاطفياً. هل الطيبة تؤذي صاحبها وتسبب عدم الاحترام لمشاعره؟ إن الطيبة المتوازنة المتفقة مع العقل لا تؤذي صاحبها لأن مفهوم طيبة القلب هو حب الخير للغير وعدم الإضرار بالغير، وعدم العمل ضد مصلحة الغير، ومسامحة من أخطأ بحقه بقدر معقول ومساعدة المحتاج ... وغيرها كثير. أما الثقة العمياء بالآخرين وعدم حساب نية المقابل وغيرها فهذه ليست طيبة، بل قد تكون -مع كامل الاحترام للجميع- غباءً أو حماقة وسلوكاً غير عقلاني ولا يمت للعقل بصلة. إن المشكلة تقع عند الإنسان الطيب عندما يرى أن الناس كلهم طيبون، ثم إذا واجهه موقف منهم أو لحق به أذى من ظلم أو استغلال لطيبته، تُغلق الدنيا في وجهه، فيبدأ وهو يرى الناس الطيبين قد رحلوا من مجتمعه، وأن الخير انعدم، وتحصل له أزمة نفسية أو يتعرض للأمراض، لأن الطيّب يقدم الإحسان للناس بكل ما يستطيع فعله، ويقدّم ذلك بحسن نية وبراءة منه، فهو بالتالي ينتظر منهم الرد بالشكر أو المعاملة باللطف على الأقل... صحيح أن المعروف لوجه الله، ولكن من باب: من لم يشكر المخلوق لم يشكر الخالق، لذلك يتأذى عندما يصدر فعل من الشخص الذي كان يعامله بكل طيب وصدق. هل الطيبة والصدق من علامات ضعف الشخصية؟ الكثير من الناس يصف طيب القلب بأنه ضعيف الشخصية، لأنه يتصف بعدم الانتقام ممن ظلمه، والصفح عنه عند رجوعه عن الخطأ، وأنه لا يحب إيقاع الآخرين بالمشاكل؛ لأنه مقتنع أن الله سيأخذ له حقه. والحقيقة هي أن الصدق والطيبة وحسن الظن بالآخرين ليست ضعف شخصية، بل هي من الأخلاق الراقية وهي تزيد صاحبها سمواً وجمالاً روحياً، وليس من المعيب أن يمتلك الإنسان الطيبة بل العيب في من لا يُقدّر هذه الطيبة ويعطيها حقها في التعامل بالمثل. فالمشكلة الأساسية ليست في الطيبة، إنما في استغلال الآخرين لهذه الطيبة، نتيجة لعدم عقلنة قراراتنا والاعتماد على عواطفنا بشكل كلي. فالصدق والطيبة حسب المنطق والعقل، ولها فوائد جمة للنفس ولعموم أفراد المجتمع، فهي تحصين للشخص عن المعاصي، وزيادة لصلة الإنسان بربه، وتهذيب للنفس والشعور بالراحة النفسية، فالصادق الطيب ينشر المحبة بين الناس، وهذا يعزّز التماسك الاجتماعي وتقويته من سوء الظنون والحقد، وهذا التعامل أكّدت عليه جميع الشرائع السماوية، ولو تأمّلنا تاريخ وأخلاق الأنبياء والأوصياء لوجدنا كل ما هو راقٍ من الأخلاق والتعامل بالطيبة والصدق... حنان الزيرجاوي
اخرىلا تقاس العقول بالأعمار!
(لا تقاس العقول بالأعمار، فكم من صغير عقله بارع، وكم من كبير عقله فارغ) قولٌ تناولته وسائل التواصل الاجتماعي بكل تقّبلٍ ورضا، ولعل ما زاد في تقبلها إياه هو نسبته الى أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام)، ولكننا عند الرجوع إلى الكتب الحديثية لا نجد لهذا الحديث أثراً إطلاقاً، ولا غرابة في ذلك إذ إن أمير البلاغة والبيان (سلام الله وصلواته عليه) معروفٌ ببلاغته التي أخرست البلغاء، ومشهورٌ بفصاحته التي إعترف بها حتى الأعداء، ومعلومٌ كلامه إذ إنه فوق كلام المخلوقين قاطبةً خلا الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله) ودون كلام رب السماء. وأما من حيث دلالة هذه المقولة ومدى صحتها فلابد من تقديم مقدمات؛ وذلك لأن معنى العقل في المفهوم الإسلامي يختلف عما هو عليه في الثقافات الأخرى من جهةٍ، كما ينبغي التطرق الى النصوص الدينية الواردة في هذا المجال وعرضها ولو على نحو الإيجاز للتعرف إلى مدى موافقة هذه المقولة لها من عدمها من جهةٍ أخرى. معنى العقل: العقل لغة: المنع والحبس، وهو (مصدر عقلت البعير بالعقال أعقله عقلا، والعِقال: حبل يُثنَى به يد البعير إلى ركبتيه فيشد به)(1)، (وسُمِّي العَقْلُ عَقْلاً لأَنه يَعْقِل صاحبَه عن التَّوَرُّط في المَهالِك أَي يَحْبِسه)(2)؛ لذا روي عنه (صلى الله عليه وآله): "العقل عقال من الجهل"(3). وأما اصطلاحاً: فهو حسب التصور الأرضي: عبارة عن مهارات الذهن في سلامة جهازه (الوظيفي) فحسب، في حين أن التصوّر الإسلامي يتجاوز هذا المعنى الضيّق مُضيفاً إلى تلك المهارات مهارة أخرى وهي المهارة العبادية. وعليه فإن العقل يتقوّم في التصور الاسلامي من تظافر مهارتين معاً لا غنى لأحداهما عن الأخرى وهما (المهارة العقلية) و(المهارة العبادية). ولذا روي عن الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله) أنه عندما سئل عن العقل قال :" العمل بطاعة الله وأن العمّال بطاعة الله هم العقلاء"(4)، كما روي عن الإمام الصادق(عليه السلام)أنه عندما سئل السؤال ذاته أجاب: "ما عُبد به الرحمن، واكتسب به الجنان. فسأله الراوي: فالذي كان في معاوية [أي ماهو؟] فقال(عليه السلام): تلك النكراء، تلك الشيطنة، وهي شبيهة بالعقل وليست بالعقل"(5) والعقل عقلان: عقل الطبع وعقل التجربة، فأما الأول أو ما يسمى بـ(الوجدان الأخلاقي) فهو مبدأ الادراك، وهو إن نَما وتطور سنح للإنسان فرصة الاستفادة من سائر المعارف التي يختزنها عن طريق الدراسة والتجربة وبالتالي يحقق الحياة الإنسانية الطيبة التي يصبو اليها، وأما إن وهن واندثر لإتباع صاحبه الأهواء النفسية والوساوس الشيطانية، فعندئذٍ لا ينتفع الانسان بعقل التجربة مهما زادت معلوماته وتضخمت بياناته، وبالتالي يُحرم من توفيق الوصول إلى الحياة المنشودة. وعقل التجربة هو ما يمكن للإنسان اكتساب العلوم والمعارف من خلاله، وما أروع تشبيه أمير البلغاء (عليه السلام) العلاقة التي تربط العقلين معاً إذ قال فيما نسب إليه: رأيت العقل عقلين فمطبوع ومسموع ولا ينفع مسموع إذ لم يك مطبــوع كما لا تنفع الشمس وضوء العين ممنوع(6) فقد شبّه (سلام الله عليه) عقل الطبع بالعين وعقل التجربة بالشمس، ومما لاشك فيه لكي تتحقق الرؤية لابد من أمرين: سلامة العين ووجود نور الشمس، وكما إن الثاني لا ينفع إن لم يتوفر الأول فكذلك عقل التجربة لا ينفع عند غياب عقل الطبع فضلاً عن موته. وبما إن عقل الطبع قد ينمو ويزدهر فينفع صاحبه من عقل التجربة، وقد يموت ويندثر عند الاستسلام لإضلال شبهةٍ أوبسبب إرتكاب معصية، فإنه ومن باب أولى أن يتعرض الى الزيادة والنقصان كما سيأتي... وقد ورد في النصوص الدينية أن للعقل زمناً ينمو فيه ويكتمل، فعن إمامنا أبي عبدالله (عليه السلام) قال: قال أمير المؤمنين (صلوات الله عليه):"يثغر الصبي لسبع، ويؤمر بالصلاة لتسع، ويفرق بينهم في المضاجع لعشر، ويحتلم لأربع عشرة، وينتهى طوله لإحدى وعشرين سنة، وينتهي عقله لثمان وعشرين إلا التجارب"(7)، وعن أمير المؤمنين (عليه السلام): "يربى الصبي سبعاً ويؤدب سبعاً، ويستخدم سبعاً، ومنتهى طوله في ثلاث وعشرين سنة، وعقله في خمس وثلاثين [سنة] وما كان بعد ذلك فبالتجارب"(8). إذن يتوقف النمو الطبيعي لعقل الانسان عند سن الثامنة والعشرين أو الخامسة والثلاثين كما ورد في الروايتين، وأية زيادة أخرى في طاقته بعد ذلك إنما تأتي عن طريق التجارب، وقد يُتوهم بأن ثمة تعارضاً ما بين الروايتين المتقدمتين في شأن تحديد سن النمو العقلي، إلا إنه لا تعارض ينهما إذا حملنا اختلافهما فيه على اختلاف الاشخاص وتباين استعدادات وقابليات كل منهم. وعلى الرغم من توقف نمو عقل الإنسان إلا إن له أنْ يزيده بالتجارب ومواصلة التعلم ــ كما تقدم في الروايات ــ وسواء أثبت العلم هذه الحقيقة الروائية أم لا، فنحن نريد الإشارة إلى ضرورة استمرار التجربة والتعلم لزيادة نمو العقل وهذا المقدار لا خلاف فيه وعلى الرغم من إن لعمر الانسان مدخلية في زيادة عقله كما تقدم وكما روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام): "يزيد عقل الرجل بعد الاربعين إلى خمسين وستين، ثم ينقص عقله بعد ذلك"(9)، إلا إن ذلك ليس على نحو العلة التامة، إذ يمكن للعقل أن يبقى شاباً وقوياً وإن شاب الإنسان وضعف جسمه، وتقدم في السن ووهن عظمه، فالعاقل لا يشيب عقله ولا تنتقص الشيخوخة من قوته بل وقد يزداد طاقةً وحيويةً لذا ورد عن أمير المؤمنين (عليه السلام):"رأي الشيخ أحب الي من جَلَد الغلام"(10)، وفي أخرى ".....من حيلة الشباب "(11) وأما من لم يوفر أسباب صقل عقله في مرحلة الشباب فإنه بلا شك يضمحل عقله في مرحلة الشيخوخة. وليس تقدم العمر هو العامل الوحيد في نقصان العقل بل إن النصوص الشرعية أشارت الى عوامل عديدة اخرى أهمها: أولاً: التعلم: فقد روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام): "من لم يصبر على ذل التعلم ساعة بقي في ذل الجهل أبداً"(13). ثانياً: التوبة: وعنه (عليه السلام) ايضاً:"من لم يرتدع يجهل"(14) ثالثاً: التقوى: فقد كتب إمامنا الباقر (عليه السلام) إلى سعد الخير: "بسم الله الرحمن الرحيم أما بعد فإني اوصيك بتقوى الله فإن فيها السلامة من التلف والغنيمة في المنقلب إن الله (عزوجل) يقي بالتقوى عن العبد ما عزب عنه عقله ويجلي بالتقوى عنه عماه وجهله"(15) إذن التوبة هي سبب للتوفيق الإلهي الذي يؤدي فيما يؤدي إليه من إكمال العقل. رابعاً: الوقوف عند الشبهة: وقال (عليه السلام ): "لا ورع كالوقوف عند الشبهة"(16). فإن الوقوف عند الشبهات سبب من أسباب التوفيق الإلهي بلا شك. خامساً: الاعتراف بالجهل: كما روي عن الإمام علي (عليه السلام): "غاية العقل الاعتراف بالجهل"(17) إذ الاعتراف بالجهل يدفع الإنسان دوماً إلى مزيد من بذل الجهد واكتساب المعارف. مما تقدم تتضح جلياً صحة هذه المقولة دلالةً، إذ إن العقول فعلاً لا تقاس بالأعمار لأن كلٍاً من زيادتها ونقيصتها منوطٌ بالعديد من العوامل الأخرى والتي تقدم ذكرها، بيد إن ذلك لا يبرر التساهل في نشرها والتهاون في الاستشهاد بها على إنها من أقوال أمير المؤمنين (صلوات الله وسلامه عليه) لعدم ثبوت ذلك سنداً من جهة ولضعف بلاغتها وركاكة تركيبها بالنسبة إلى سيد البلغاء والبلاغة. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) تهذيب اللغة ج1 ص65 (2) لسان العرب ج11 ص458 (3) نهاية الحكمة ص305 (4) ميزان الحكمة ج3 ص333 (5) أصول الكافي ج1، ح3 / 11 (6) نهج السعادة ج9 ص163 (7) الكافي ج7 ص94 (8) الفقيه ج3 ص493 (9) الاختصاص ص245 (10) نهج البلاغة حكمة 86 (11) بحار الأنوار ج72 ص105 (12) المصدر السابق ج1 ص94 (13) غرر الحكم ودرر الكلم ج1 ص118 (14) الكافي ج8 ص73 (15) وسائل الشيعة ج1 ص162 (16) غرر الحكم ودرر الكلم ج1 ص1 بقلم الكاتبة: رضا الله غايتي
اخرىالمرأة في فكر الإمام علي (عليه السلام)
بقلم: أم نور الهدى كان لأمير المؤمنين (عليه السلام) اهتمام خاص بالمرأة، فنراه تارة ينظر إليها كآية من آيات الخلق الإلهي، وتجلٍ من تجليات الخالق (عز وجل) فيقول: (عقول النساء في جمالهن وجمال الرجال في عقولهم). وتارة ينظر إلى كل ما موجود هو آية ومظهر من مظاهر النساء فيقول: (لا تملك المرأة من أمرها ما جاوز نفسها فإن المرأة ريحانة وليس قهرمانة). أي إن المرأة ريحانة وزهرة تعطر المجتمع بعطر الرياحين والزهور. ولقد وردت كلمة الريحان في قوله تعالى: (فأمّا إن كان من المقربين فروح وريحان وجنة النعيم) والريحان هنا كل نبات طيب الريح مفردته ريحانة، فروح وريحان تعني الرحمة. فالإمام هنا وصف المرأة بأروع الأوصاف حين جعلها ريحانة بكل ما تشتمل عليه كلمة الريحان من الصفات فهي جميلة وعطرة وطيبة، أما القهرمان فهو الذي يُكلّف بأمور الخدمة والاشتغال، وبما إن الإسلام لم يكلف المرأة بأمور الخدمة والاشتغال في البيت، فما يريده الإمام هو إعفاء النساء من المشقة وعدم الزامهن بتحمل المسؤوليات فوق قدرتهن لأن ما عليهن من واجبات تكوين الأسرة وتربية الجيل يستغرق جهدهن ووقتهن، لذا ليس من حق الرجل إجبار زوجته للقيام بأعمال خارجة عن نطاق واجباتها. فالفرق الجوهري بين اعتبار المرأة ريحانة وبين اعتبارها قهرمانة هو أن الريحانة تكون، محفوظة، مصانة، تعامل برقة وتخاطب برقة، لها منزلتها وحضورها. فلا يمكن للزوج التفريط بها. أما القهرمانة فهي المرأة التي تقوم بالخدمة في المنزل وتدير شؤونه دون أن يكون لها من الزوج تلك المكانة العاطفية والاحترام والرعاية لها. علماً أن خدمتها في بيت الزوجية مما ندب إليه الشره الحنيف واعتبره جهادًا لها أثابها عليه الشيء الكثير جدًا مما ذكرته النصوص الشريفة. فمعاملة الزوج لزوجته يجب أن تكون نابعة من اعتبارها ريحانة وليس من اعتبارها خادمة تقوم بأعمال المنزل لأن المرأة خلقت للرقة والحنان. وعلى الرغم من أن المرأة مظهر من مظاهر الجمال الإلهي فإنها تستطيع كالرجل أن تنال جميع الكمالات الأخرى، وهذا لا يعني أنها لا بد أن تخوض جميع ميادين الحياة كالحرب، والأعمال الشاقة، بل أن الله تعالى جعلها مكملة للرجل، أي الرجل والمرأة أحدهما مكمل للآخر. وأخيرًا إن كلام الإمام علي (عليه السلام) كان تكريمًا للمرأة ووضعها المكانة التي وضعها الله تعالى بها، حيث لم يحملها مشقة الخدمة والعمل في المنزل واعتبر أجر ما تقوم به من اعمال في رعاية بيتها كأجر الجهاد في سبيل الله.
اخرىالطلاق ليس نهاية المطاف
رحلةٌ مثقلة بالألم في طريق يئن من وطأة الظلم! ينهي حياة زوجية فشلت في الوصول إلى شاطئ الأمان. ويبدد طموحات أطفال في العيش في هدوء نفسي واجتماعي تحت رعاية أبوين تجمعهم المودة والرحمة والحب. الطلاق شرعاً: هو حل رابطة الزواج لاستحالة المعاشرة بالمعروف بين الطرفين. قال تعالى: [ لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (226) وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (227)].(١). الطلاق لغوياً: من فعل طَلَق ويُقال طُلقت الزوجة "أي خرجت من عصمة الزوج وتـحررت"، يحدث الطلاق بسبب سوء تفاهم أو مشاكل متراكمة أو غياب الانسجام والحب. المرأة المطلقة ليست إنسانة فيها نقص أو خلل أخلاقي أو نفسي، بالتأكيد إنها خاضت حروباً وصرعات نفسية لا يعلم بها أحد، من أجل الحفاظ على حياتها الزوجية، ولكن لأنها طبقت شريعة الله وقررت مصير حياتها ورأت أن أساس الـحياة الزوجيـة القائم على المودة والرحـمة لا وجود له بينهما. فأصبحت موضع اتهام ومذنبة بنظر المجتمع، لذلك أصبح المـجتمع يُحكم أهواءه بدلاً من الإسلام. ترى، كم من امرأة في مجتمعنا تعاني جرّاء الحكم المطلق ذاته على أخلاقها ودينها، لا لسبب إنما لأنها قررت أن تعيش، وكم من فتاة أُجبرت قسراً على أن تتزوج من رجل لا يناسب تطلعاتها، لأن الكثير منهن يشعرن بالنقص وعدم الثقة بسبب نظرة المجتمع، وتقع المرأة المطلّقة أسيرة هذه الحالة بسبب رؤية المجتمع السلبيّة لها. وقد تلاحق بسيل من الاتهامات وتطارد بجملة من الافتراءات. وتعاني المطلقة غالباً من معاملة من حولها، وأقرب الناس لها، بالرغم من أن الطلاق هو الدواء المر الذي قد تلجأ إليه المرأة أحياناً للخلاص من الظلم الذي أصبح يؤرق حياتها الزوجية، ويهدد مستقبلها النفسي، والله تعالى لم يشرع أمراً لخلقه إلا إذا كان فيه خير عظيم لهم، والطلاق ما شرّع إلا ليكون دواء فيه شفاء وإن كان مرّاً، وإن كان أمره صعباً على النفوس، حيث قال عز وجل: "وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ وَكَانَ اللَّهُ وَاسِعًا حَكِيمًا"، روي عن الرسول الأعظم (صلى الله عليه واله وسلم) ((أبغض الحلال إلى الله الطلاق) (٢). ورغم أن الشريعة الإسلامية أباحت الطلاق بشروط تلاءم لبناء المجتمع، وأولت أهمية في الإحسان دائمًا للطرف الأضعف والأكثر خسارة في هذه المعادلة وهي "المرأة"، إلا أن المجتمع الذي يدّعي الإسلام لا يرحمها، ويحكم عليها بالإدانة طوال حياتها دون النظر في صحة موقفها في الطلاق من عدمه! قال( تعالى ): [الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ] (٣). ولكن بعد كل هذا فالحياة لم ولن تتوقف بعد الطلاق! الطلاق ليس نهاية الحياة. - أخيتي. ليكن الطلاق بداية جديدة لحياة جديدة وللانطلاق. -قطار العطاء لن يتعطل. فإن كنت السبب في الطلاق فالحمد لله على كل حال وتلك أمة قد خلت وأيام ذهبت وانجلت فلست بالمعصومة من الخطأ. وعليك استدراك الأخطاء وتقوية مواطن الضعف في شخصيتك، واجعليها درساً مفيداً في الحياة لتطوير نفسك وتقويتها. وإذا كنتِ مظلومة فهناك جبار يُحصي الصغير والكبير وسيأتي يوم ينتصر لك فيه. -ومن الجميل أن تعطي نفسك الإحساس بالحب والاحترام، ولا تتأثري بأي نظرة سلبية من المجتمع وكون البعض يتعامل مع المطلقة على أنها حالة خاصة فعليكِ إثبات ذاتك حتى تفرضي على الكل شخصيتك. - نظرتك لنفسك اجعليها نظرة ايجابية مشرقة ولا تنزلقي في مستنقع نبذ الذات وظلم النفس. - ابحثي عن الصفات الجيدة فيك فإن ذلك سيشعرك بالثقة في ذاتك والتقدير لها. -حاولي مراجعة نفسك للخروج بإيجابيات حصلت لك من طلاقك. - خالطي الآخرين وإياك والعزلة بسبب وضعك الجديد فلست بأول من يبتلى بالطلاق. -استمتعي بالموجود ولا تتعلقي بالمفقود، حلقي بروح تعبق أملاً وتفاؤلاً، استمتعي بما وهبك الله من نعم (صحة وأولاد وأهل وصديقات وعمل وهوايات وغيرها من الأمور الجميلة) فما حصل لك حصل… ولابد أن تتقبليه برضا، وأعلمي أن ما أصابك لم يكن ليخطأك وما أخطأك لم يكن ليصيبك. وقال أصدق من قال: ( وعسى أن تكرهوا شيئاً وهو خير لكم). فالرضا سر السعادة الحقيقي. - اقتربي من صديقاتك الصالحات، واقضي معهن وقتاً طيباً تنسين به ألمك وحزنك. - احرصي على الصلوات وقراءة القرآن الكريم والذكر والاستغفار وأكثري من الطاعات قدر ما تستطيعين، ففيها السلوى والفرح والسعادة. ونعم سعادة القرب من الرحمن. - اشغلي نفسك بأعمال البر والإحسان بمساعدة محتاج. بكفالة يتيم. بتعلم الفقه والقرآن وتعليمه. - اجتهدي في عمل برنامج يومي لك يكون ممتلأ بكل ما هو مفيد لك. من قراءة وزيارة الأصدقاء وصلة الرحم. بحيث لا تكون هناك دقيقة أنت فارغة فيها. - وأسرعي بقاربك الجميل بمجذافين من إيمان بالله وثقة بالنفس وسوف تصلين بإذن الله نحو جزيرة السعادة والنجاح. لكي تتسلق جبال الإنجاز، وتصل لأعلى مراتب الاعجاز. وعندها جزماً سيكون للحياة معنى آخر. --------------------------------- (١)-سورة البقرة الآية (٢٢٦-٢٢٧). (٢)-الكافي (٢)-سورة البقرة الآية (٢٢٨) حنان ستار الزيرجاوي
اخرىهَوَّنَ عَلَيَّ مَا نَزَلَ بِي أَنَّهُ بِعَيْنِ اللهِ
عاشوراء مدرسة أعطت وتعطي الكثير الكثير كل يوم للمتأمل فيما ورد عنها من كلمات وفيما وثق فيها من مواقف... ولعل من أهم الدروس التي ترسخها عاشوراء في الأذهان بعد ضرورة مواجهة الباطل والدفاع عن الحق مهما كلفت من تضحيات جسام هو: الصبر على البلاء بل والرضا به .. كيف لا، وقد ورد عن سيّد الشهداء (عليه السلام) في اللحظات الأخيرة من حياته حينما كان يتمرّغ في الدم والتراب: «رضاً بقضائك وتسليماً لأمرك لا معبود سواك»(1). وكذلك فيما جاء في خطبته عند خروجه من مكّة إلى المدينة: «رضا اللَّه رضانا أهل البيت»(2) . فما سر هذا الرضا رغم شدة الابتلاءات وقساوة المحن التي مر بها سيد الشهداء (عليه السلام) ؟ مما لا شك فيه أن يقين الامام الحسين (عليه السلام) هو الذي رفعه إلى مقام الرضا رغم ما جرى عليه في واقعة كربلاء، إلا أنه ومع هذا فقد أرشد المؤمنين إلى مفاتيح الصبر والرضا، ولعل من أهمها ما وَرَدَ عنه (عليه السلام) أَنَّهُ قَالَ بعد أن تفاقم الخطب أمامه في كربلاء، واستشهد أصحابه وأهل بيته: «هَوَّنَ عَلَيَّ مَا نَزَلَ بِي أَنَّهُ بِعَيْنِ اللهِ»(1). فهنا يلفت الامام الحسين (عليه السلام) نظر المؤمنين الى حقيقة مهمة وهي: أن الله سبحانه يعلم بكل مجريات الأُمور، وهو مطلع على كل معاناة المبتلى وما يكابده من ألم دونما اعتراض منه على قضائه هو في حد ذاته حافز للمبتلى للصبر والرضا.. ولتقريب المعنى نقول: إن المتسابقين في ساحة اللعب مثلا يشعرون بالارتياح حينما يعلمون أن أبويهم وأصدقاءهم ينظرون اليهم فيندفعون بقوّة أكبر في تحمل الصعاب لتحقيق الفوز. فإذا كان تأثير وجود الأبوين والأصدقاء كذلك، فما بالك بتأثير استشعار رؤية الله لما يجري على الانسان وهو يصارع الألم ويواجه المحن؟! ما أعظم القوّة التي يمنحها هذا الاستشعار لتحمل الامتحانات العسيرة والمصائب الخطيرة .. ولذا فقد جاء النداء الالهي لتثبيت قلب النبي نوح (عليه السلام) حين واجه أعظم المصائب والضغوط من قومه وهو يصنع الفلك، حيث قال (تعالى) : (وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا)(2). فكان لعبارة «بِأَعْيُنِنَا» وقع عظيم في نفسه (عليه السلام) فصبر وواصل عمله الى نهايته دونما أن يلتفت الى تقريع الأعداء أو يهتم باستهزائهم. ــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) موسوعة الامام علي بن أبي طالب (عليه السلام) ج8 ص42 (2) المصدر السابق (3) بحار الأنوار، ج 45، ص 46 (4) هود 37 رضا الله غايتي
اخرى