تشغيل الوضع الليلي
خاطرة
منذ 5 سنوات عدد المشاهدات : 1031
ثروةٌ مهدورةٌ هي أعمارُنا
كغازٍ ثمينٍ يحترقُ فوق آبارِ العِراق بلا هوادة
دون أنْ يستفيدَ منه أحد.
تُذرَفُ أعمارُنا أمامَ أعيُنِنا ببرودٍ
وتتعاقبُ الأيامُ في رتابةٍ؛ لتنسجَ لنا ثوبَ الفناء.
ويُفرّط أحدُنا بعمرِه كأنّه لن يُسأل غدًا عنه!
مواقعُ التواصلِ تأكُل أعمارَنا وتهدرُ أوقاتنا، تُرينا العالمَ من خلفِ الشاشاتِ، وتحبسُنا بين جُدرانِ الهاتف أُسارى.
حقًا إنّ مخترعَها لشديدُ الذكاء، قيّدنا بقيدِها الأخّاذ حتى بِتنا لانعرفُ ليلَنا من نهارِنا،
أطفالُنا تجرّدوا من براءتِهم ورضعوا ألعابَها الإلكترونيّة، وشبابُنا ضاعوا في غياهبِ دياجيرها، وشيبتُنا لم يسلموا من رشقِ سهامِها.
{اللهمَّ فُكَّ كلَّ أسيرٍ}..لمواقع التواصل!
اخترنا لكم
مشاكل المراهقين ومعالجتها في فكر السيدة فاطمة الزهراء عليها السلام/ الأسباب والحلول/ (4)
بقلم: حنان الزيرجاوي التغيرات والظواهر التي تظهر في مرحلة المراهقة. ١- النمو الجسماني: يسير جسم الإنسان على طريق الحياة بتغير، وهذا التغير يمتد من الطفولة والمراهقة مرورًا بفترة الشباب فالشيخوخة، ولكل فترة من عمر الإنسان صفات وتغيرات جسمانية هامة، ففي فترة الطفولة يمر الطفل بمرحلة التجريب والاختبار فيجرب كل الحركات التي تراها عيناه كالمشي والقفز والركض، فيتعلم من خلالها الطرق المعتادة للحركة فيستخدمها في اللعب واللهو، وفي فترة المراهقة يتم استخدام كل الامكانيات الجسدية لتحقيق حلم المراهق مثل الرياضة والمسابقات والقتال الجسدي والتفاخر. أمّا في مرحلة ما بعد الثلاثين فيستخدم الإنسان حركته وجسده للاستمرار في العمل وبناء الحياة، وفي كل فترة تحدث تغييرات جسمانية مهمة تساعد الإنسان على النجاح بعبور هذه الفترة الحرجة. - نأتي الآن لنتحدث عن الفتاة المراهقة. فالفتيات يمتزن بالخجل والهدوء واتباع الأسلوب الناعم بالحديث والحركة، فيبدأ صوتها وجسدها وروحها بالتغيير، يبدأ الهرمونان البروجسترون والاستروجين بضخ الدم كي يؤثر على العقل والجسد، وهما هرمونان انثويان مهمان يرسمان الطبيعة العقلية والشعورية والجسدية للفتاة، يبدأ الرحم والمبايض بعملهما فتتفاجأ الفتاة بنزول الدورة الشهرية لأول مرة في حياتها وهذه إشارة لصحة الفتاة ونضوجها، وتبدأ غدد أُخرى بالكبر كالثدي والمبايض، وهذه التغييرات مهمة جدًا للفتاة حيث تتميز عن الذكر بالكلام والتصرف والشعور، وكلما زاد تقبُّل الفتاة لهذه التغييرات كلما نجحت بحياتها الأنثوية الشاقة والتي ستتحمل من خلالها الكثير من الأحداث كالزواج والحمل والولادة. فدخول الفتاة بفترة المراهقة هي بداية للظهور الأنثوي المعروف الذي يسخر الجسد والحركة والكلام لكسب الإعجاب والإطراء. - وأما الذكور فيدخلون بمرحلة المراهقة من خلال باب الركض واللعب والمنافسة وإبراز قدرات الجسد التي تُعتبر مهمة لجذب الجنس الآخر، فيبدأ الجسد بالتحول من الضعف للقوة، وتبدأ العضلات بالبروز، وتتصبغ الحركات والمشاعر والتصرف بلون الفحولة. وهذه التغيُّرات الفسيولوجية تظهر في الذكور بالاحتلام (أي خروج المنيِّ)، وبظهور الشعر الخشن في مناطقه المعهودة، وبخشونة الصوت، وظهور ما يُسمّىٰ بحَبِّ الشباب عند بعض المراهقين. ويبدأ التنافس يستعر بين الذكور المراهقين فتبدأ جولات القتال واظهار القوة، ويبدأ التحدي للأب، فيبدو أنّ الابن قد قرر أن ينافس أباه بالرأي والرجولة واتخاذ القرار. فيرى نفسه كامل الحكمة عظيم القوة. ولذلك تبدأ مشاكل المراهقين وتشمل التعارك والاصابات وحوادث السيارات والأعمال الطائشة الاخرى كتعاطي المخدرات. ونلاحظ جلياً أن مشاكل المراهقين الذكور هي اكثر واسوأ من مشاكل المراهقات الاناث خاصة في مجتمعاتنا الشرقية. سيكون تسلّيط الضوء على طرح التغيرات العامة والشائعة التي تنتاب الفرد في هذه المرحلة عن طريق تقسيمها إلى ثلاث أقسام وهي: النمو الانفعالي والنفسي، وكلاهما على نوعين سلبي وايجابي، فيجب التفريق بينهما: - فالنمو الانفعالي هو نتيجة الهرمونات التي تُضخ للدم وتؤثر على الكثير من الهرمونات الأُخرى والانزيمات. والتي بدورها تتحكم بصبر وانفعال وتسرع المراهق. فهو يبدأ ينظر لنفسه وكأنَّه أصبح رجلًا مُدرِكًا لكل الأمور، والفرق بين المراهق والكبير من ناحية الانفعال هو مقدار الخبرة بالحياة وتجربة المواقف والمعرفة الحياتية. فالمراهق ضعيف الخبرة والدراية ولذلك لا يتحكم بانفعالاته وهذا الضعف قد يسبب معاندة الأبوين والتمرد عليهما وعدم القناعة بما يقدمانه لابنهما او بنتهما. ويحاول أنْ يستقلَّ في تصرُّفاته عمَّن كانوا يُوجِّهونه لسنواتٍ عديدة. والانفعال يؤدي للتسرع والذي بدوره يؤدي للحوادث كالمغامرات والقتال وتعاطي المخدرات. وتظهر منه ردّات فعل إزاء بعض الأوامر من غيره. وأحيانًا يسبب انفعال المراهق التمرد والدخول بالأخطاء كنوع من الاحتجاج على الأبوين أو المجتمع فيهرب أو يقتل أو يسرق أو ينحرف او او....إلخ. ويحدث هذا للجنسين على حد سواء. يحسُّ برغبة في الظهور والبروز ولو من خلال مخالفة القوانين والتقاليد والأعراف والانشقاق على الواقع. - أمّا النمو النفسي فهو البحث عن الهوية. ففترة المراهقة تعتبر بداية معرفة المراهق بنفسه، فيبحث عن الايجابيات والسلبيات في ذاته، عن مناطق القوة والضعف. عن النور والظلام في داخله، ويبحث عن أهدافه. فتراه تارة يغامر ويقامر. يسافر ويهاجر. يعمل ويكسل. يساعد الناس وأحيانًا يؤذيهم. كل ذلك لإيجاد نفسه وتحديدها إن كانت جيدة أم سيئة. وبسبب قلة الخبرة الحياتية نرى بعضهم يضيع ولم يجد هويته ومكانته في الحياة. ويشمل ذلك الجنسين أيضًا. وأحيانًا يحسُّ برغبة في تكوين مجاميع من المراهقين أمثاله، وهنا قد يكون المراهق قياديًا، وقد يكون تبعيًا، وقد يُمثِّل بعضهم العنصـر المتخاذل، وآخر يُحِبُّ أنْ يجني الثمرات من دون أدنىٰ تعب. و قد تظهر عند بعضٍ منهم ميول نحو السفر خارج بلده الذي عاش فيه. (٢) وتظهر هذه التغيُّرات الانفعالية والنفسية علىٰ سلوك المراهق عبر عدَّة مظاهر مختلفة من شخص لآخر. ولا ننسى أنّ النمو الانفعالي والنفسي قد يكون ايجابياً فيساهم باستقرار الفكر والنفس فيكبر المراهق على طريق جيد وقد يكون سلبياً فيضيع وتضيع أهدافه جميعها، ويصاحب هذه التغيُّرات ازدياد ملحوظ في ذكاء المراهق (1). النمو الاجتماعي لدى المراهقين: ويشمل النمو الفكري، والثقافي، والاقتصادي، والإنساني، والأسري. - النمو الفكري: هو نمو التفكير لدى المراهق، فتفكير الطفل يبقى محدودًا باللعب والترفيه والطعام، ولدى دخوله بالمراهقة يتغير الطموح والتوجه ويصبح ميّالاً للتحصيل العلمي والدراسة، فيبدأ بالبحث عن سبل تطوير التفكير من خلال التوجه لقراءة الكتب، وتقليب صفحات التواصل الاجتماعي، ويبدأ بالتعرف على المبادئ العامة وحسن السلوك والتصرف أو يبحث عن طرق منحرفة تعكس إحساسه المشوه بالمجتمع، فأحيانًا يتحلى بالقيم وأحيانًا أُخرى يضربها عرض الحائط. - النمو الثقافي: يحتاج المراهق لأن ينمو ثقافيًا وتاريخيًا فيتعلم ثقافة مجتمعه وموروثاته الفنية والأدبية والدينية، ولا بد للأصدقاء من التأثير عليه سلبًا أو إيجابًا كي يكون جزءاً لا يتجزأ من هذا المجتمع. والمعرفة التاريخية مهمة فمن خلالها يتم تعيين أهداف المجتمع المستقبلية، ولكن كل هذا يعتمد على رغبة المراهق وأحاسيسه. - النمو الاقتصادي: يبدأ في سن المراهقة حيث تبدأ النزعات والغرائز التي ترتكز بالأساس على العمل والانتاج والتحصيل المالي وفي هذه الفترة تحدث صراعات نفسية واجتماعية كثيرة حيث تنصدم رغبة المراهق للعمل بواقع المجتمع الذي يوفر القليل من هذه الفرص، وإذا أخذنا بعين الاعتبار رغبة المراهق ببناء مستقبله فسيحدث صراع نفسي قد يسبب للمراهق الاكتئاب وحتى الانتحار، لذلك توفير فرص العمل يعتبر من الأشياء الأساسية لدى أي مجتمع. ويتنافس المراهق مع البقية من أقرانه في استحصال المال الذي قد يسبب الحسد والغيرة والكراهية. - النمو الإنساني: ينمو المراهق إنسانيًا ونموه هذا قد يساعد المجتمع أو يساهم في هدمه، فبعضهم تنمو لديه نزعة الكراهية للمجتمع لأسباب نفسية أو موروثة من أبويه فينحرف ويسرق ويقتل ولا يعير للبشر أي اهتمام، بينما هناك مراهقون يتحلون بالصبر والطيبة وحب مساعدة الضعفاء، فقد يكون المراهق عضوًا بنّاءً في المجتمع أو يكون عضوًا هدامًا. - النمو الأسري: وهو من اسمى سمات النمو المجتمعي لما فيه من توجهات اخلاقية وترابطية وإنسانية، فالنمو الذي ينتهي بالزواج وتكوين الأسرة هو الأفضل والأكمل لأن ذلك يبعد المراهق عن الانحراف والمشاكل، وهنا لا أعني أنّ على المراهق أن يفكر بالزواج لكن عليه أن يبدأ بالتفكير في تكوين أسرته الخاصة مستقبلًا، ويتكامل على مر السنين والخبرات ليصل لتلك القناعة لتكوين أسرة، فتكوين الأسرة ليس قرارًا سريعًا نتخذه في يوم واحد. بل هو مشروع علينا التخطيط له لسنين طويلة، فإنّ بناء الأُسرة يجب أن يكون ناجحًا ومستقرًا ويجب أن يكون نظامًا شبكيًا فهو يرتبط أيضًا بكثير من الأسر الأُخرى. فإن كانت الأسرة مستقرة فسيؤثر استقرارها على بقية الأسر. وبهذا يمكن أن نصل إلى التالي: إنَّ تحديد سنٍّ محدَّد لبداية المراهقة أو لنهايتها من الصعوبة بمكان، ذلك لأنَّ تلك التغيُّرات تتأثَّر في كثير من الأحيان بنوع الثقافة التي يعيشها الفرد والجوّ الأُسري ونوع الإلتزام الديني ونوع الجوِّ المدرسي وجوِّ الرفقاء، وحتَّى المُناخ له علاقة بظهور بعض تلك التغيُّرات، فمثلًا في المناطق الحارَّة تطمث الفتاة قبل مثيلاتها في المناطق الباردة، وهكذا. والمهمُّ في تحديد المراهقة إذن هي ملاحظة تلك التغيُّرات الفسيولوجية والنفسية (3). ______________________________ ١- الطفولة والمراهقة لسعد جلال (240 - 242) بتصرُّف. 2- رسالات تربوية - الشيخ حسين عبد الرضا الاسدي 3- رسالات تربوية - الشيخ حسين عبد الرضا الاسدي
اخرى
وغَرّنِي سِترُكَ المُرخى عليَّ
بقلم: حوراء مالك لقد كانت الجو ممطراً، ولازالت السماء ملبدة بالغيوم، وصوت القران المؤدي إلى آذان المغرب يصدح صوته في أرجاء المدينة، لقد تعب (علي) من تراكم المشكلات والشكوى وعدم حصوله على عمل، كان يدرك جيداً أنها حصيلة أعماله السيئة، لقد شعر بندم كبير وشعر بالغربة الشديدة وتولدت لديه رغبة بأن يلتجأ إلى ذاك المسجد أمامه، الذي كانت بابه مفتوحة على مصراعيها الذي كتب على جهته اليمنى الآية القرآنية: قال تعالى: [قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا ۚ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ]. (1) ما أن أتم قراءة الآية حتى غرقت لحيته بالدموع وكأن شخصاً احتواه، وكأن أبواب السماء فتحت له الطريق... بدأ يسير ببطيء خطوة بعد خطوة، وبدأت السماء تمطر مجدداً ورأى أحد الاخوة يسرع للالتحاق بصفوف الجماعة وسمع أحدهم يقول لصاحبه بمزاح: هيا اسرع سنسبقك إلى الجنة... شعر بأنها رسالة له ودعوة من الله له فاشتد بالبكاء بعد أن أتم الوضوء دخل وسلم على المصلين. توجد علامة استفهام على وجه بعض المصلين، وأما البعض فرحب به بابتسامة وخاصة إمام الجماعة سيد (أحمد). لقد كانت مميزة في حياته لقد تاب (علي) الى الله، وشعر أن الله تقبّله، وعزم على عدم العودة للإفساد، وإصلاح ما افسد. بعد أن أتم صلاته ودعواته، التقى (علي) بصديق له في منطقته ولكن لم يلتق به منذ فترة، بعد السلام أجاب صديقه (بلال) (علامة عدم الرضا والاستفهام باديه على وجهه): وعليك السلام يا (علي) ماذا تفعل هنا؟ أ هي مصيبة جديدة تود ان تعملها؟! وفي بيت الله؟! لقد جرحت هذه الكلمات قلب (علي) الذي تاب توبة نصوحة ولكنه أطرق برأسه إلى الأرض ولم يعتب على (بلال). قال علي: لقد تغيرت يا (بلال) ولقد تبت إلى الله حقاً ولم أعد لأعمالي السابقة… قال بلال: أنت تغيرت! لا أصدق، وأفعالك السيئة التي فعلتها وعلاقاتك المحرمة وأذيتك للناس! سوف تعود يا (علي) لن أصدقك ولا أحد يعمل مثلك! قال علي : نعم أنا أعترف بأخطائي وسأصلح ما أفسدته، لقد مررت بظروف صعبة وغلبني هواي وشيطاني، أنا لا أريد أن أبرر لنفسي، ولكن الآن أنا مختلف أنا رجعت إلى رحاب الله وسيعينني الله لأنه لا يخذل من عاد إليه. وأنا الآن أطلب منك مساعدتي أن أعمل في شركتك لو سمحت لي. قال بلال (بتعجب) : تعمل في شركتي! وهل جننت لكي أجعلك تعمل فيها ،ستجلب السمعة السيئة إليها. قال علي : لكني تبت يا (بلال) سأصلح ما أقدر على اصلاحه وسأعتذر إلى الناس. قال بلال : أنا لا أصدقك، ستعود إلى حماقاتك ولن أسمح لشخص مثلك بمس باب شركتي ولن يغفر الله لك. هنا انكسر قلب علي وبدأت دموعه تتساقط ولكنه أدار وجهه ومسحها. قال علي: لقد قلت لك إني تبت، وإن الله وعد التائب بالمغفرة وإعانته على إصلاح أموره، وأنا أردت أن أعمل لكي أحصل على مال حلال لكي أعيد للناس حقوقهم، كلنا نخطأ يا (بلال) وتضعف إرادتنا ويغلبنا الهوى في يوم من الايام. قال بلال (بغضب وأشار بيديه إلى نفسه): أنا أخطأ وأعملُ كما فعلتَ! أنا لست ضعيف الارادة مثلك ولن أكون… اذهب يا (علي) فأني لن اسمح لك... هنا [وأَطْلَعَ الشيْطانُ رَأْسَهُ مِنْ مَغْرِزِهِ، هاتفاً] به مباركاً ومصفقاً لـ(بلال) . لقد تكبر (بلال) وأدّى به الغرور الى إيذاء (علي) بأشد الكلام قسوة، لم يعلم أن الله هو من أنعم عليه بالحصانة وأن نفسه لم تكن قادرة لولا رعاية الله. وهنا أطرق (علي) برأسه، وكلمة (بلال)《 لست ضعيف الارادة مثلك 》ترن في أذنه. وذهب يجدد وضوءه ويغسل دموع عينيه، ورجع إلى المسجد الذي خلا من كل أحد سوى سيد (أحمد) فطرح مشكلته عليه ووجد صدره رحبًا لسماعه والأخذ بيده. هنا ركب (بلال) سيارته وهو يردد بينه وبين نفسه: أنا لن أكون مثله يوماً! وكيف كان يتجرأ بعلاقاته المحرمة! وهنا دخل (بلال) بالامتحان الإلهي وبدأ يتكلم بصفة الأنا... وهو يستهزأ بـ(علي) وإذا بامرأة تقف أمام السيارة وتحت هذه الامطار الغزيرة، ضربها بلال بالسيارة! صُدم بما حدث، وبدأ يصرخ: يا الهي، ما الذي جاء بهذه المرأة بهذا الليل هنا! أوقف سيارته ووقف أمامها يردد: يا سيدة هل انت بخير! يا سيدة... لا جواب! اضطربت حالته وأخذها للمستشفى بعد إجراء العملية، جاء الطبيب وأخبره أن صحتها تحسنت وتحتاج الى قسط من الراحة ولكن. قال بلال : ولكن ماذا يا دكتور؟! الطبيب: نحن نعتذر لقد فقدت الآنسة ذاكرتها. هنا تورط (بلال) ورطة جديدة... بعد أن بحث في أغراضها لم يجد شيئًا يدل على عائلتها أو مكانها فقرر أخذها إلى البيت الى أن يجد حلًا لهذه المشكلة...لقد تفاجأت زوجته بمجيء هذه المرأة فأخبرها بقصتها. بعد مرور الأيام قرر (بلال) أن يجعل هذه الآنسة التي أعطوها اسم (سمانة) مربية لأولاده تساعدهم بالدراسة وترتيب أمورهم! مرت الأيام وبدأت تفتعل المشكلات وتسيء الى زوجة بلال وتثير غيرتها وتحاول أن تقوي علاقتها بـ(بلال) وعندما تشتكي زوجته منها يقول لها: أنت تغارين وأنها غريبة ليس لها أحد... لقد ازدادت المشاكل يوماً بعد يوم وخاصة عندما وجدت (بلالًا) يضحك ويتسامر مع (سمانة) . خرجت زوجته إلى بيت أهلها باكية وتردد: لقد تدمرت حياتنا منذ دخول هذه الشيطانة إلى بيتنا. حاولت (أم بلال) أن تتوسط بالموضوع وإرجاع زوجته ولكنه رفض وقال أمام سمانة: فليحدث ما يحدث أنا لن اتخلى عن سمانة وسأتزوجها. فابتسمت (سمانة) ابتسامة خبيثة ولم تكن صادقة بمشاعرها لأنها تريد ان تسلب كل امواله وتسيء الى سمعته وتهرب. لقد تجادل مع أمه ولم يبدِ لها أي احترام، ولقد أمسكت بقميصه تترجاه ولكنه دفعها وخرج. لم يعلم (بلال) أن أمه سقطت أرضًا بسبب هذه الصدمة ودفعتِه لها - وهو الذي كان يجل ويقدر أمه- وكم حاولت الوصول الى علبة الدواء ولكن لم تفلح، بعدها فارقت روحها الدنيا. عندما عاد الى المنزل صدم بموتها وبدأ بالبكاء والنحيب... لقد جلس يقبل قدم أمه يعتذر، وبدأ يراجع حساباته وندم على كل شيء، وشعر أن هواه غلبه، وهنا تماثلت صورة (علي) أمامه وغرق في بكاء عميق، وشعر بندم كبير... أراد ان يطرد (سمانة) لم يجدها! بحث عن الأولاد لم يجدهم! هنا صُدم ، لقد قامت (سمانة) بخطفهم! لقد اتصل بالشرطة واعطاهم مواصفاتها ومواصفات الاولاد.... وبعد دفن والدته وإكمال مجلس الفاتحة، جاءه اتصال من مركز الشرطة يخبره بأن أولاده بخير. بعد عودتهم الى المنزل، قرر الذهاب الى بيت أهل زوجته لكي يعتذر منها ويرجعها الى بيته فوافقت، ورجعت هذه العائلة السعيدة بعد أن شارف عمودها الى التهدم. لقد كانت صورة (علي) لا تفارق فكر (بلال) وعلم أنه درس إلهي له وأن الانسان معرض للخطأ، وأن الله غفور رحيم لا يطرد عباده التائبين. كان يردد بعد الصلاة: إلهي أنا نادم لقد اخطأت، إلهي العفو. [ إلهِي أَشْكُو إلَيْكَ عَدُوّاً يُضِلُّنِي، وَشَيْطانَاً يَغْوِينِي، قَدْ مَلاَ بِالْوَسْواسِ صَدْرِي ] . (2) إلهي [ خَطيئَةٌ عَرَضَتْ وَ سَوَّلَتْ لي نَفْسي ، وَ غَلَبَني هَوايَ ، وَ اَعانَني عَلَيْها شِقْوَتي ، وَ غَرَّني سِتْرُكَ الْمُرْخى عَلَيَّ ، فَقَدْ عَصَيْتُكَ وَ خالَفْتُكَ بِجَهْدي ، فَالاْنَ مِنْ عَذابِكَ مَنْ يَسْتَنْقِذُني ، وَ مِنْ اَيْدي الْخُصَماءِ غَداً مِنْ يُخَلِّصُني ، وَ بِحَبْلِ مَنْ اَتَّصِلُ اِنْ اَنْتَ قَطَعْتَ حَبْلَكَ عَنّي ] . (3) لم يهدأ لـ(بلال) بال حتى يجد (عليًا) ويعتذر له ويجعله يعمل بشركته. قرر الذهاب الى المسجد هذه الليلة بعد فراق دام أشهرًا وسنوات لعدم دخوله للمسجد... وما إن شارف بالدخول وإذا وجد أن سيد (احمد) غير موجود، وأن أحد الشيوخ جالس بدل عنه بعد اقترب عرف أن هذا الشيخ هو (علي)! وإن الحاضرين يسلمون عليه بكل حب ويحترمونه ويسألونه المسائل الشرعية. لقد صدم ولكنه في نفس اللحظة أطرق براسه وتذكر خطأه الفادح... عندما قام (علي) للاستعداد للصلاة وإذا بعينيه تلمح (بلالًا)، لقد ابتسم عندما رآه وقام بنفسه بالذهاب إليه وألقى السلام عليه... بدأت عيون (بلال) تتساقط وهو يقول: أنا اعتذر يا (علي) لقد اسأت إليك كثيراً قال علي: لا يا أخي أنا قد سامحتك منذ زمن بعيد والحمد لله إذ منّ الله عليّ بفضل سيد (أحمد) وسلكت طريق العلم ونشكر الله على نعمه، ولقد قمت بفتح حلقة دراسية في مسجد المنطقة وتشرفنا بحضورك يا (بلال). قال بلال: بل أنا من يشرفني ويسعدني أن أدرس تحت يديك يا شيخ (علي). لقد تعلم (بلال) درساً لن ينساه أبداً، وهو أن لا يستهزأ من الذين أذنبوا، لأن ربما يكون واحداً منهم يوماً ما وتنقلب الأمور . فعن العبد الصالح الخضر (عليه السلام) في وصيته لنبي الله موسى (عليه السلام): يا بن عمران! لا تعيرن أحداً بخطيئة، وابك على خطيئتك. (4) قال نبي الرحمة محمد (صلى الله عليه وآله): [من عيّر أخاه بذنب قد تاب منه لم يمت حتى يعمله]. (5) ينبغي أن لا نغتر بأنفسنا ولا نستهزأ بالآخرين. ولا ندري في أي حال تكون عاقبة أمورنا. قالوا: فِي الأَنا، لَن تجِدَ "حاءَ الحُبّ"، بَل سَتجدُ "نُونَ نفسِكَ" وَحيدةً، غارقةً بَينَ أنَاكَ لَا سِواها. وَلَن تُحلِّق الى رحاب الله بِأنَاكَ . ______________________________________ (1) سورة الزمر ، أيه 53 (2) مناجاة الشاكين (3) دعاء ابي حمزة الثمالي (4) ميزان الحكمة، ج3 ، ص2212. (5) ميزان الحكمة ، ج3، ص2212.
اخرى
بين أمرين
بقلم: حوراء رضا التكنلوجيا كالبحر العميق الذي لا يتمكن أحدٌ من تجاوزه إلا بعلمٍ ودرايةٍ بكيفية التعامل معه، ولكنه رغم ذلك بات يشكل جزءًا كبيرًا من الحياة، فنرى كلًا يستخدمه من الكبير والصغير والرجل والمرأة، حتى استطاع وبكلِّ جدارةٍ كسبَ الأفراد من خلال ما يتمُّ نشره ومتابعته في نفس الوقت. ولا يخفى على العالم أنَّ الإنترنت قد أضاف جمالًا ورونقًا على الحياة في بعض مواقعه وفي بعض طرق الاستفادة منه، فقد اتخذه البعض وسيلةً لطلبِ العلوم التي يرغب بها، وساهم البعض الآخر عبره في إيصال علومه ومعارفه لأكبر عددٍ ممكن، وبذا كان وسيلةً تسمو بالفرد وتطوره. إلا أنّ له مساوئ أيضًا؛ فقد احتل عالمنا وبشكلٍ كبيرٍ وملحوظ حتى أصبح الصديق القريب للكثير من الناس؛ لطول الوقت الذي يقضيه الفرد برفقته مقارنةً بالوقت الذي يقضيه بين أفراد مجتمعه، حتى صار أشبه بالغريب بين أفراد عائلته وأحبابه؛ لا يعلم عنهم إلا القليل الأقل! كما وجدت فيه الكثير من المنظمات أداةً لتوسيع أفكارها الفاسدة، ونشرها للإطاحةِ بالدين والمذهب والعقيدة، فنراها تنشر هنا فكرًا وهابيا؛ لتشتيت فكر الشباب الشيعي، وفي صفحةٍ أخرى تُروِّجُ للنيل من أهل البيت (عليهم السلام) وتدعو إلى تكفير أتباعهم، وهكذا. ومن الملاحظ أنَّ هذه المنظمات وأشباهها تستهدف فئة الشباب بشكلٍ كبيرٍ وملحوظ أكثر من غيرهم؛ لأنها الفئة المهمة في تقدم المجتمعات عادةً، فأحاطتهم من جميع الجهات بما يُشتت أذهانهم ويجعلهم في بحرِ الضياع عن دينهم وعقيدتهم، لا ينجو منه إلا الشاب الذي تربى منذ نشأته الأولى على المعارف الدينية والفكرية الصحيحة، فاستطاع تخطيهم، بل وربما النيل منهم ومن أهدافهم ومحاربتهم إعلاميًا وكشف فسادهم وزيفهم. وأما من لا ثقافة دينية له فمن السهل جدًا أن يقع في شراكهم، ويتجرد من عقيدته ومبدئه ويتأثر سلبًا بهم، وجهلًا بثقافتهم الكاذبة، وربما يتجرد من غيرته ورجولته فيسعى إلى نشر الفساد بين الشباب عبر وسائل التواصل الاجتماعي. لذا فإنّ الإنترنت لا يخلو من خطورة، وعليه لا بُدّ من التوعية وغرس روح الإيمان في النفوس، لاسيما في هذا العصر الذي تكاثرت فيه الأيادي الآثمة الهادفة للنيل من كرامة المسلم ومبادئه، ويرجع الأمر أولًا وليس آخرًا للأهالي الكرام الذين يمارسون الدور الأساسي في تنشئة جيلٍ واعٍ مثقفٍ، يحمل رسالة التبليغ الإسلامي لينشرها ويحافظ عليها بكلِّ ما أوتيَ من قوة، وتتوقف القوة على مقدار الإيمان الحق والارتباط بالله (جلّ وعلا) فلا يختلف الإنترنت عن واقع حياتنا اليومية، ففي الحالتين: نحن بين أمرين: الأول: الخير والصلاح والإصلاح والتطور فكريًا وعمليًا. والثاني: الرجوع نحو الخلف ونشر الجهل والفساد. وقد فضَّلنا الله (تعالى) بالعقل. فلننظر ماذا نختار... ولدي العزيز: لا تتجرد من رجولتك وغيرتك وتساهم في تسليط الشيطان على تفكيرك وتصرفك، وحافظ على غيرك كما تحافظ على أحبتك وعائلتك، واعلم ولدي، أنَّك بنظر الله (جل وعلا) فاسعَ لرضاه (سبحانه). *ابنتي العزيزة: أنتِ جوهرةُ الحياة؛ فحافظي على عفتكِ وحيائكِ؛ فقطعة الشكولاتة التي تكون مُغلفةً بأجمل الأغلفة أجمل بكثيرٍ من قطعة الشكولاتة من دون غلاف، معرضةً للتلوث بمختلف الميكروبات والقذارات. *ابنتي: مثل ما وضعتِ اسمًا مُشرِّفًا يُظهِرُ إيمانكِ بأهل البيت (عليهم السلام)، فاحرصي أيضًا على أن تكون تلك الصورة التي تضعينها أهلًا لذلك الاسم المبارك. *عزيزتي: لا تنبهري بالإعلام الكاذب الذي يدّعي الدفاع عن حقوقِ المرأة وحريتها، فما هو إلا وسيلةٌ للنيلِ منكِ عزيزتي؛ لأنكِ زينبيةُ الخُطى، فحافظي على خُطى النصر الزينبي الذي ما زال حتى اليوم عائقًا في نفوس الظالمين، فإنَّ الله تعالى كرّمكِ عزيزتي وأعطاكِ منزلةً رفيعةً جدًا، فلتكوني جبلًا لا تهزه هذه الموجات السامّة المُوجهة نحوكِ. وفي الختام نسألُ الله العلي القدير التوفيق...
اخرىالتعليقات
يتصدر الان
لا تعاشر نفساً شبعت بعد جوع
يستشهد الكثير من الناس ــ وحتى بعض المثقفين ــ بقول:" لا تعاشر نفساً شبعت بعد جوع فإن الخير فيها دخيل وعاشر نفساً جاعت بعد شبع فإن الخير فيها أصيل" على أنه من أقوال أمير المؤمنين علي (عليه السلام)، كما يستشهدون أيضاً بقولٍ آخر ينسبونه إليه (عليه السلام) لا يبعد عن الأول من حيث المعنى:"اطلبوا الخير من بطون شبعت ثم جاعت لأن الخير فيها باق، ولا تطلبوا الخير من بطون جاعت ثم شبعت لأن الشح فيها باق"، مُسقطين المعنى على بعض المصاديق التي لم ترُق افعالها لهم، لاسيما أولئك الذين عاثوا بالأرض فساداً من الحكام والمسؤولين الفاسدين والمتسترين عل الفساد. ونحن في الوقت الذي نستنكر فيه نشر الفساد والتستر عليه ومداهنة الفاسدين نؤكد ونشدد على ضرورة تحرّي صدق الأقوال ومطابقتها للواقع وعدم مخالفتها للعقل والشرع من جهة، وضرورة التأكد من صدورها عن أمير المؤمنين أبي الأيتام والفقراء (عليه السلام) أو غيرها من المعصومين (عليهم السلام) قبل نسبتها إليهم من جهة أخرى، لذا ارتأينا مناقشة هذا القول وما شابه معناه من حيث الدلالة أولاً، ومن حيث السند ثانياً.. فأما من حيث الدلالة فإن هذين القولين يصنفان الناس الى صنفين: صنف قد سبق له أن شبع مادياً ولم يتألم جوعاً، أو يتأوه حاجةً ومن بعد شبعه جاع وافتقر، وصنف آخر قد تقلّب ليله هماً بالدين، وتضوّر نهاره ألماً من الجوع، ثم شبع واغتنى،. كما جعل القولان الخير متأصلاً في الصنف الأول دون الثاني، وبناءً على ذلك فإن معاشرة أفراد هذا الصنف هي المعاشرة المرغوبة والمحبوبة والتي تجرّ على صاحبها الخير والسعادة والسلام، بخلاف معاشرة أفراد الصنف الثاني التي لا تُحبَّذ ولا تُطلب؛ لأنها لا تجر إلى صاحبها سوى الحزن والندم والآلام... ولو تأملنا قليلاً في معنى هذين القولين لوجدناه مغايراً لمعايير القرآن الكريم بعيداً كل البعد عن روح الشريعة الاسلامية ، وعن المنطق القويم والعقل السليم ومخالفاً أيضاً لصريح التاريخ الصحيح، بل ومخالف حتى لما نسمعه من قصص من أرض الواقع أو ما نلمسه فيه من وقائع.. فأما مناقضته للقرآن الكريم فواضحة جداً، إذ إن الله (تعالى) قد أوضح فيه وبشكلٍ جلي ملاك التفاضل بين الناس، إذ قال (عز من قائل):" يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (13)"(1) جاعلاً التقوى مِلاكاً للتفاضل، فمن كان أتقى كان أفضل، ومن البديهي أن تكون معاشرته كذلك، والعكس صحيحٌ أيضاً. وعليه فإن من سبق حاجتُه وفقرُه شبعَه وغناه يكون هو الأفضل، وبالتالي تكون معاشرته هي الأفضل كذلك فيما لو كان تقياً بخلاف من شبع وكان غنياً ، ثم افتقر وجاع فإنه لن يكون الأفضل ومعاشرته لن تكون كذلك طالما كان بعيداً عن التقوى. وأما بُعده عن روح الشريعة الإسلامية فإن الشريعة لطالما أكدت على أن الله (سبحانه وتعالى) عادلٌ لا جور في ساحته ولا ظلمَ في سجيته، وبالتالي لا يمكن أن يُعقل إطلاقاً أن يجعل البعض فقيراً ويتسبب في دخالة الخير في نفوسهم، التي يترتب عليها نفور الناس من عشرتهم، فيما يُغني سواهم ويجعل الخير متأصلاً في نفوسهم بسبب إغنائه إياهم ليس إلا ومن ثم يتسبب في كون الخير متأصلاً في نفوسهم، وبالتالي حب الناس لعشرتهم. فإن ذلك مخالف لمقتضى العدل الإلهي لأنه ليس بعاجزٍ عن تركه ولا بمُكره على فعله، ولا محب لذلك لهواً وعبثاً (تعالى عن كل ذلك علواً كبيراً). كما إن تأصل الخير في نفوس بعض الناس ودخالته في نفوس البعض الآخر منهم بناءً على أمر خارج عن إرادتهم واختيارهم كـ(الغنى والشبع أو الجوع والفقر) إنما هو أمرٌ منافٍ لمنهج الشريعة المقدسة القائم على حرية الانسان في اختياره لسبيل الخير والرشاد أو سبيل الشر والفساد، قال (تعالى):" إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا (3)"(2) بل إن الانسان أحياناً قد يكون فقيراً بسبب حب الله (تعالى) له، كما ورد في الحديث القدسي: "أن من عبادي من لا يصلحه إلا الغنى فلو أفقرته لأفسده ذلك و أن من عبادي من لا يصلحه إلا الفقر فلو أغنيته لأفسده ذلك"(3) وهل يمكن ان نتصور أن الخيرَ دخيلٌ فيمن يحبه الله (تعالى) أو إن معاشرته لا تجدي نفعا، أو تسبب الهم والألم؟! نعم، ورد عن أمير المؤمنين (عليه السلام):"اِحْذَرُوا صَوْلَةَ اَلْكَرِيمِ إِذَا جَاعَ وَ اَللَّئِيمِ إِذَا شَبِعَ"(4) ولا يقصد به الجوع والشبع المتعارف عليه لدى الناس، وإنما المراد منه: احذروا صولة الكريم إذا اُمتُهِن، واحذروا صولة اللئيم إذا أكرم، وفي هذا المعنى ورد عنه (عليه السلام) أيضاً: "احذروا سطوة الكريم إذا وضع و سورة اللئيم إذا رفع"(5) وأما العقل السليم والمنطق القويم فإنهما يقتضيان أن تتأصل صفة الخير في الإنسان لملكاتٍ حميدة يتسم بها وصفات فضيلة يتميز بها، لا أن تتأصل صفة الخير في نفسه لمجرد أنه ولد في أسرة تتمتع بالرفاهية الاقتصادية ووجد في بيئة تتنعم بالثروات المادية! وعند مراجعتنا للتاريخ الصحيح نجد أن قادة البشر وصفوة الناس إنما كان أغلبهم ينتمي الى الطبقات الفقيرة من المجتمع، فهؤلاء الأنبياء ورسل الله (صلوات الله عليهم) منهم من كان نجاراً أو خياطاً أو راعياً، ومع ذلك فقد كانوا من أطيب الناس خلقاً، وأعظمهم شرفاً، وأرفعهم منزلةً، قد تأصّل الخير في نفوسهم تأصّلاً حتى غدوا قطعة منه، فكانوا هم الخير للبشر، وهم الرحمة للعالمين. وبالنزول إلى أرض الواقع نجد أن الكثير من الفقراء والمساكين طيبي الروح، كريمي النفس، يتألمون لألم المحتاج ولربما يؤثرونه على أنفسهم رغم حاجتهم. ولا نقصد من كلامنا هذا أن الأغنياء هم على نقيض ذلك، وإنما تأكيداً على مسألة عدم ارتباط تأصل الخير في النفوس وعدمه بمستواهم الاقتصادي الذي نشأوا فيه ارتباط العلة والمعلول، فكما إن بعض الفقراء أخيار، فإن بعض الأغنياء كذلك، والعكس صحيح أيضاً. ومن هنا يُفهم من بعض الروايات ضرورة عدم طلب الخير والحاجات ممن هم أهل للخير بقطع النظر عن مستواهم المعاشي الحالي والسابق، منها ما روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام):"أشد من الموت طلب الحاجة من غير أهلها"(5)، وعنه (عليه السلام) أيضاً: "فوت الحاجة أهون من طلبها إلى غير أهلها"(6) إذن فلا صحة لهاتين المقولتين من حيث الدلالة، حتى وإن تنزلنا وحملنا الجوع والشبع على المعنى المعنوي لا المادي؛ وذلك لأنه حتى من يفتقر الى الأخلاق المعنوية فإنه ما إن يتكامل بالفضائل ويقلع عن الرذائل حتى يتسم بالخير وتحسن عشرته وتطيب للناس صحبته، والعكس صحيحٌ أيضا.. ومن البديهي أن ما لا يوافق العقل والمنطق السليم، ويخالف صريح القرآن الكريم، لا يمكن أن يصدر من وصي الرسول الكريم (صلوات الله عليهما وآلهما)، وعليه لا تصح نسبة هذين القولين الى أمير المؤمنين (عليه السلام).. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) الحجرات 13 (2) الانسان 3 (3) عوالي الآلي ج2 ص29 (4) غرر الحكم ج1 227 (5) المدر السابق ج1 ص246 (6) ميزان الحكمة ج4 ص 238 رضا الله غايتي
اخرىبين طيبة القلب وحماقة السلوك...
خلق الله الأشياء كلها في الحياة ضمن موازين وقياسات... فالزيادة أو النقيصة تسبب المشاكل فيها. وهكذا حياتنا وأفعالنا وعواطفنا لا بد أن تكون ضمن موازين دقيقة، وليست خالية منها، فالزيادة والنقيصة تسبب لنا المشاكل. ومحور كلامنا عن الطيبة فما هي؟ الطيبة: هي من الصفات والأخلاق الحميدة، التي يمتاز صاحبها بنقاء الصدر والسريرة، وحُبّ الآخرين، والبعد عن إضمار الشر، أو الأحقاد والخبث، كما أنّ الطيبة تدفع الإنسان إلى أرقى معاني الإنسانية، وأكثرها شفافية؛ كالتسامح، والإخلاص، لكن رغم رُقي هذه الكلمة، إلا أنها إذا خرجت عن حدودها المعقولة ووصلت حد المبالغة فإنها ستعطي نتائج سلبية على صاحبها، كل شيء في الحياة يجب أن يكون موزوناً ومعتدلاً، بما في ذلك المحبة التي هي ناتجة عن طيبة الإنسان، وحسن خلقه، فيجب أن تتعامل مع الآخرين في حدود المعقول، وعندما تبغضهم كذلك وفق حدود المعقول، ولا يجوز المبالغة في كلا الأمرين، فهناك شعرة بين الطيبة وحماقة السلوك... هذه الشعرة هي (منطق العقل). الإنسان الذي يتحكم بعاطفته قليلاً، ويحكّم عقله فهذا ليس دليلاً على عدم طيبته... بالعكس... هذا طيب عاقل... عكس الطيب الأحمق... الذي لا يفكر بعاقبة أو نتيجة سلوكه ويندفع بشكل عاطفي أو يمنح ثقة لطرف معين غريب أو قريب... والمبررات التي يحاول إقناع نفسه بها عندما تقع المشاكل أنه صاحب قلب طيب. الطيبة لا تلغي دور العقل... إنما العكس هو الصحيح، فهي تحكيم العقل بالوقت المناسب واتخاذ القرار الحكيم الذي يدل على اتزان العقل، ومهما كان القرار ظاهراً يحمل القسوة أحياناً لكنه تترتب عليه فوائد مستقبلية حتمية... وأطيب ما يكون الإنسان عندما يدفع الضرر عن نفسه وعن الآخرين قبل أن ينفعهم. هل الطيبة تصلح في جميع الأوقات أم في أوقات محددة؟ الطيبة كأنها غطاء أثناء الشتاء يكون مرغوباً فيه، لكنه اثناء الصيف لا رغبة فيه أبداً.. لهذا يجب أن تكون الطيبة بحسب الظروف الموضوعية... فالطيبة حالة تعكس التأثر بالواقع لهذا يجب أن تكون الطيبة متغيرة حسب الظروف والأشخاص، قد يحدث أن تعمي الطيبة الزائدة صاحبها عن رؤيته لحقيقة مجرى الأمور، أو عدم رؤيته الحقيقة بأكملها، من باب حسن ظنه بالآخرين، واعتقاده أن جميع الناس مثله، لا يمتلكون إلا الصفاء والصدق والمحبة، ماي دفعهم بالمقابل إلى استغلاله، وخداعه في كثير من الأحيان، فمساعدة المحتاج الحقيقي تعتبر طيبة، لكن لو كان المدّعي للحاجة كاذباً فهو مستغل. لهذا علينا قبل أن نستخدم الطيبة أن نقدم عقولنا قبل عواطفنا، فالعاطفة تعتمد على الإحساس لكن العقل أقوى منها، لأنه ميزان يزن الأشياء رغم أن للقلب ألماً أشد من ألم العقل، فالقلب يكشف عن نفسه من خلال دقاته لكن العقل لا يكشف عن نفسه لأنه يحكم بصمت، فالطيبة يمكن أن تكون مقياساً لمعرفة الأقوى: العاطفة أو العقل، فالطيّب يكون قلبه ضعيفاً ترهقه الضربات في أي حدث، ويكون المرء حينها عاطفياً وليس طيباً، لكن صاحب العقل القوي يكون طيباً أكثر من كونه عاطفياً. هل الطيبة تؤذي صاحبها وتسبب عدم الاحترام لمشاعره؟ إن الطيبة المتوازنة المتفقة مع العقل لا تؤذي صاحبها لأن مفهوم طيبة القلب هو حب الخير للغير وعدم الإضرار بالغير، وعدم العمل ضد مصلحة الغير، ومسامحة من أخطأ بحقه بقدر معقول ومساعدة المحتاج ... وغيرها كثير. أما الثقة العمياء بالآخرين وعدم حساب نية المقابل وغيرها فهذه ليست طيبة، بل قد تكون -مع كامل الاحترام للجميع- غباءً أو حماقة وسلوكاً غير عقلاني ولا يمت للعقل بصلة. إن المشكلة تقع عند الإنسان الطيب عندما يرى أن الناس كلهم طيبون، ثم إذا واجهه موقف منهم أو لحق به أذى من ظلم أو استغلال لطيبته، تُغلق الدنيا في وجهه، فيبدأ وهو يرى الناس الطيبين قد رحلوا من مجتمعه، وأن الخير انعدم، وتحصل له أزمة نفسية أو يتعرض للأمراض، لأن الطيّب يقدم الإحسان للناس بكل ما يستطيع فعله، ويقدّم ذلك بحسن نية وبراءة منه، فهو بالتالي ينتظر منهم الرد بالشكر أو المعاملة باللطف على الأقل... صحيح أن المعروف لوجه الله، ولكن من باب: من لم يشكر المخلوق لم يشكر الخالق، لذلك يتأذى عندما يصدر فعل من الشخص الذي كان يعامله بكل طيب وصدق. هل الطيبة والصدق من علامات ضعف الشخصية؟ الكثير من الناس يصف طيب القلب بأنه ضعيف الشخصية، لأنه يتصف بعدم الانتقام ممن ظلمه، والصفح عنه عند رجوعه عن الخطأ، وأنه لا يحب إيقاع الآخرين بالمشاكل؛ لأنه مقتنع أن الله سيأخذ له حقه. والحقيقة هي أن الصدق والطيبة وحسن الظن بالآخرين ليست ضعف شخصية، بل هي من الأخلاق الراقية وهي تزيد صاحبها سمواً وجمالاً روحياً، وليس من المعيب أن يمتلك الإنسان الطيبة بل العيب في من لا يُقدّر هذه الطيبة ويعطيها حقها في التعامل بالمثل. فالمشكلة الأساسية ليست في الطيبة، إنما في استغلال الآخرين لهذه الطيبة، نتيجة لعدم عقلنة قراراتنا والاعتماد على عواطفنا بشكل كلي. فالصدق والطيبة حسب المنطق والعقل، ولها فوائد جمة للنفس ولعموم أفراد المجتمع، فهي تحصين للشخص عن المعاصي، وزيادة لصلة الإنسان بربه، وتهذيب للنفس والشعور بالراحة النفسية، فالصادق الطيب ينشر المحبة بين الناس، وهذا يعزّز التماسك الاجتماعي وتقويته من سوء الظنون والحقد، وهذا التعامل أكّدت عليه جميع الشرائع السماوية، ولو تأمّلنا تاريخ وأخلاق الأنبياء والأوصياء لوجدنا كل ما هو راقٍ من الأخلاق والتعامل بالطيبة والصدق... حنان الزيرجاوي
اخرىلا تقاس العقول بالأعمار!
(لا تقاس العقول بالأعمار، فكم من صغير عقله بارع، وكم من كبير عقله فارغ) قولٌ تناولته وسائل التواصل الاجتماعي بكل تقّبلٍ ورضا، ولعل ما زاد في تقبلها إياه هو نسبته الى أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام)، ولكننا عند الرجوع إلى الكتب الحديثية لا نجد لهذا الحديث أثراً إطلاقاً، ولا غرابة في ذلك إذ إن أمير البلاغة والبيان (سلام الله وصلواته عليه) معروفٌ ببلاغته التي أخرست البلغاء، ومشهورٌ بفصاحته التي إعترف بها حتى الأعداء، ومعلومٌ كلامه إذ إنه فوق كلام المخلوقين قاطبةً خلا الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله) ودون كلام رب السماء. وأما من حيث دلالة هذه المقولة ومدى صحتها فلابد من تقديم مقدمات؛ وذلك لأن معنى العقل في المفهوم الإسلامي يختلف عما هو عليه في الثقافات الأخرى من جهةٍ، كما ينبغي التطرق الى النصوص الدينية الواردة في هذا المجال وعرضها ولو على نحو الإيجاز للتعرف إلى مدى موافقة هذه المقولة لها من عدمها من جهةٍ أخرى. معنى العقل: العقل لغة: المنع والحبس، وهو (مصدر عقلت البعير بالعقال أعقله عقلا، والعِقال: حبل يُثنَى به يد البعير إلى ركبتيه فيشد به)(1)، (وسُمِّي العَقْلُ عَقْلاً لأَنه يَعْقِل صاحبَه عن التَّوَرُّط في المَهالِك أَي يَحْبِسه)(2)؛ لذا روي عنه (صلى الله عليه وآله): "العقل عقال من الجهل"(3). وأما اصطلاحاً: فهو حسب التصور الأرضي: عبارة عن مهارات الذهن في سلامة جهازه (الوظيفي) فحسب، في حين أن التصوّر الإسلامي يتجاوز هذا المعنى الضيّق مُضيفاً إلى تلك المهارات مهارة أخرى وهي المهارة العبادية. وعليه فإن العقل يتقوّم في التصور الاسلامي من تظافر مهارتين معاً لا غنى لأحداهما عن الأخرى وهما (المهارة العقلية) و(المهارة العبادية). ولذا روي عن الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله) أنه عندما سئل عن العقل قال :" العمل بطاعة الله وأن العمّال بطاعة الله هم العقلاء"(4)، كما روي عن الإمام الصادق(عليه السلام)أنه عندما سئل السؤال ذاته أجاب: "ما عُبد به الرحمن، واكتسب به الجنان. فسأله الراوي: فالذي كان في معاوية [أي ماهو؟] فقال(عليه السلام): تلك النكراء، تلك الشيطنة، وهي شبيهة بالعقل وليست بالعقل"(5) والعقل عقلان: عقل الطبع وعقل التجربة، فأما الأول أو ما يسمى بـ(الوجدان الأخلاقي) فهو مبدأ الادراك، وهو إن نَما وتطور سنح للإنسان فرصة الاستفادة من سائر المعارف التي يختزنها عن طريق الدراسة والتجربة وبالتالي يحقق الحياة الإنسانية الطيبة التي يصبو اليها، وأما إن وهن واندثر لإتباع صاحبه الأهواء النفسية والوساوس الشيطانية، فعندئذٍ لا ينتفع الانسان بعقل التجربة مهما زادت معلوماته وتضخمت بياناته، وبالتالي يُحرم من توفيق الوصول إلى الحياة المنشودة. وعقل التجربة هو ما يمكن للإنسان اكتساب العلوم والمعارف من خلاله، وما أروع تشبيه أمير البلغاء (عليه السلام) العلاقة التي تربط العقلين معاً إذ قال فيما نسب إليه: رأيت العقل عقلين فمطبوع ومسموع ولا ينفع مسموع إذ لم يك مطبــوع كما لا تنفع الشمس وضوء العين ممنوع(6) فقد شبّه (سلام الله عليه) عقل الطبع بالعين وعقل التجربة بالشمس، ومما لاشك فيه لكي تتحقق الرؤية لابد من أمرين: سلامة العين ووجود نور الشمس، وكما إن الثاني لا ينفع إن لم يتوفر الأول فكذلك عقل التجربة لا ينفع عند غياب عقل الطبع فضلاً عن موته. وبما إن عقل الطبع قد ينمو ويزدهر فينفع صاحبه من عقل التجربة، وقد يموت ويندثر عند الاستسلام لإضلال شبهةٍ أوبسبب إرتكاب معصية، فإنه ومن باب أولى أن يتعرض الى الزيادة والنقصان كما سيأتي... وقد ورد في النصوص الدينية أن للعقل زمناً ينمو فيه ويكتمل، فعن إمامنا أبي عبدالله (عليه السلام) قال: قال أمير المؤمنين (صلوات الله عليه):"يثغر الصبي لسبع، ويؤمر بالصلاة لتسع، ويفرق بينهم في المضاجع لعشر، ويحتلم لأربع عشرة، وينتهى طوله لإحدى وعشرين سنة، وينتهي عقله لثمان وعشرين إلا التجارب"(7)، وعن أمير المؤمنين (عليه السلام): "يربى الصبي سبعاً ويؤدب سبعاً، ويستخدم سبعاً، ومنتهى طوله في ثلاث وعشرين سنة، وعقله في خمس وثلاثين [سنة] وما كان بعد ذلك فبالتجارب"(8). إذن يتوقف النمو الطبيعي لعقل الانسان عند سن الثامنة والعشرين أو الخامسة والثلاثين كما ورد في الروايتين، وأية زيادة أخرى في طاقته بعد ذلك إنما تأتي عن طريق التجارب، وقد يُتوهم بأن ثمة تعارضاً ما بين الروايتين المتقدمتين في شأن تحديد سن النمو العقلي، إلا إنه لا تعارض ينهما إذا حملنا اختلافهما فيه على اختلاف الاشخاص وتباين استعدادات وقابليات كل منهم. وعلى الرغم من توقف نمو عقل الإنسان إلا إن له أنْ يزيده بالتجارب ومواصلة التعلم ــ كما تقدم في الروايات ــ وسواء أثبت العلم هذه الحقيقة الروائية أم لا، فنحن نريد الإشارة إلى ضرورة استمرار التجربة والتعلم لزيادة نمو العقل وهذا المقدار لا خلاف فيه وعلى الرغم من إن لعمر الانسان مدخلية في زيادة عقله كما تقدم وكما روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام): "يزيد عقل الرجل بعد الاربعين إلى خمسين وستين، ثم ينقص عقله بعد ذلك"(9)، إلا إن ذلك ليس على نحو العلة التامة، إذ يمكن للعقل أن يبقى شاباً وقوياً وإن شاب الإنسان وضعف جسمه، وتقدم في السن ووهن عظمه، فالعاقل لا يشيب عقله ولا تنتقص الشيخوخة من قوته بل وقد يزداد طاقةً وحيويةً لذا ورد عن أمير المؤمنين (عليه السلام):"رأي الشيخ أحب الي من جَلَد الغلام"(10)، وفي أخرى ".....من حيلة الشباب "(11) وأما من لم يوفر أسباب صقل عقله في مرحلة الشباب فإنه بلا شك يضمحل عقله في مرحلة الشيخوخة. وليس تقدم العمر هو العامل الوحيد في نقصان العقل بل إن النصوص الشرعية أشارت الى عوامل عديدة اخرى أهمها: أولاً: التعلم: فقد روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام): "من لم يصبر على ذل التعلم ساعة بقي في ذل الجهل أبداً"(13). ثانياً: التوبة: وعنه (عليه السلام) ايضاً:"من لم يرتدع يجهل"(14) ثالثاً: التقوى: فقد كتب إمامنا الباقر (عليه السلام) إلى سعد الخير: "بسم الله الرحمن الرحيم أما بعد فإني اوصيك بتقوى الله فإن فيها السلامة من التلف والغنيمة في المنقلب إن الله (عزوجل) يقي بالتقوى عن العبد ما عزب عنه عقله ويجلي بالتقوى عنه عماه وجهله"(15) إذن التوبة هي سبب للتوفيق الإلهي الذي يؤدي فيما يؤدي إليه من إكمال العقل. رابعاً: الوقوف عند الشبهة: وقال (عليه السلام ): "لا ورع كالوقوف عند الشبهة"(16). فإن الوقوف عند الشبهات سبب من أسباب التوفيق الإلهي بلا شك. خامساً: الاعتراف بالجهل: كما روي عن الإمام علي (عليه السلام): "غاية العقل الاعتراف بالجهل"(17) إذ الاعتراف بالجهل يدفع الإنسان دوماً إلى مزيد من بذل الجهد واكتساب المعارف. مما تقدم تتضح جلياً صحة هذه المقولة دلالةً، إذ إن العقول فعلاً لا تقاس بالأعمار لأن كلٍاً من زيادتها ونقيصتها منوطٌ بالعديد من العوامل الأخرى والتي تقدم ذكرها، بيد إن ذلك لا يبرر التساهل في نشرها والتهاون في الاستشهاد بها على إنها من أقوال أمير المؤمنين (صلوات الله وسلامه عليه) لعدم ثبوت ذلك سنداً من جهة ولضعف بلاغتها وركاكة تركيبها بالنسبة إلى سيد البلغاء والبلاغة. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) تهذيب اللغة ج1 ص65 (2) لسان العرب ج11 ص458 (3) نهاية الحكمة ص305 (4) ميزان الحكمة ج3 ص333 (5) أصول الكافي ج1، ح3 / 11 (6) نهج السعادة ج9 ص163 (7) الكافي ج7 ص94 (8) الفقيه ج3 ص493 (9) الاختصاص ص245 (10) نهج البلاغة حكمة 86 (11) بحار الأنوار ج72 ص105 (12) المصدر السابق ج1 ص94 (13) غرر الحكم ودرر الكلم ج1 ص118 (14) الكافي ج8 ص73 (15) وسائل الشيعة ج1 ص162 (16) غرر الحكم ودرر الكلم ج1 ص1 بقلم الكاتبة: رضا الله غايتي
اخرىالمرأة في فكر الإمام علي (عليه السلام)
بقلم: أم نور الهدى كان لأمير المؤمنين (عليه السلام) اهتمام خاص بالمرأة، فنراه تارة ينظر إليها كآية من آيات الخلق الإلهي، وتجلٍ من تجليات الخالق (عز وجل) فيقول: (عقول النساء في جمالهن وجمال الرجال في عقولهم). وتارة ينظر إلى كل ما موجود هو آية ومظهر من مظاهر النساء فيقول: (لا تملك المرأة من أمرها ما جاوز نفسها فإن المرأة ريحانة وليس قهرمانة). أي إن المرأة ريحانة وزهرة تعطر المجتمع بعطر الرياحين والزهور. ولقد وردت كلمة الريحان في قوله تعالى: (فأمّا إن كان من المقربين فروح وريحان وجنة النعيم) والريحان هنا كل نبات طيب الريح مفردته ريحانة، فروح وريحان تعني الرحمة. فالإمام هنا وصف المرأة بأروع الأوصاف حين جعلها ريحانة بكل ما تشتمل عليه كلمة الريحان من الصفات فهي جميلة وعطرة وطيبة، أما القهرمان فهو الذي يُكلّف بأمور الخدمة والاشتغال، وبما إن الإسلام لم يكلف المرأة بأمور الخدمة والاشتغال في البيت، فما يريده الإمام هو إعفاء النساء من المشقة وعدم الزامهن بتحمل المسؤوليات فوق قدرتهن لأن ما عليهن من واجبات تكوين الأسرة وتربية الجيل يستغرق جهدهن ووقتهن، لذا ليس من حق الرجل إجبار زوجته للقيام بأعمال خارجة عن نطاق واجباتها. فالفرق الجوهري بين اعتبار المرأة ريحانة وبين اعتبارها قهرمانة هو أن الريحانة تكون، محفوظة، مصانة، تعامل برقة وتخاطب برقة، لها منزلتها وحضورها. فلا يمكن للزوج التفريط بها. أما القهرمانة فهي المرأة التي تقوم بالخدمة في المنزل وتدير شؤونه دون أن يكون لها من الزوج تلك المكانة العاطفية والاحترام والرعاية لها. علماً أن خدمتها في بيت الزوجية مما ندب إليه الشره الحنيف واعتبره جهادًا لها أثابها عليه الشيء الكثير جدًا مما ذكرته النصوص الشريفة. فمعاملة الزوج لزوجته يجب أن تكون نابعة من اعتبارها ريحانة وليس من اعتبارها خادمة تقوم بأعمال المنزل لأن المرأة خلقت للرقة والحنان. وعلى الرغم من أن المرأة مظهر من مظاهر الجمال الإلهي فإنها تستطيع كالرجل أن تنال جميع الكمالات الأخرى، وهذا لا يعني أنها لا بد أن تخوض جميع ميادين الحياة كالحرب، والأعمال الشاقة، بل أن الله تعالى جعلها مكملة للرجل، أي الرجل والمرأة أحدهما مكمل للآخر. وأخيرًا إن كلام الإمام علي (عليه السلام) كان تكريمًا للمرأة ووضعها المكانة التي وضعها الله تعالى بها، حيث لم يحملها مشقة الخدمة والعمل في المنزل واعتبر أجر ما تقوم به من اعمال في رعاية بيتها كأجر الجهاد في سبيل الله.
اخرىالطلاق ليس نهاية المطاف
رحلةٌ مثقلة بالألم في طريق يئن من وطأة الظلم! ينهي حياة زوجية فشلت في الوصول إلى شاطئ الأمان. ويبدد طموحات أطفال في العيش في هدوء نفسي واجتماعي تحت رعاية أبوين تجمعهم المودة والرحمة والحب. الطلاق شرعاً: هو حل رابطة الزواج لاستحالة المعاشرة بالمعروف بين الطرفين. قال تعالى: [ لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (226) وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (227)].(١). الطلاق لغوياً: من فعل طَلَق ويُقال طُلقت الزوجة "أي خرجت من عصمة الزوج وتـحررت"، يحدث الطلاق بسبب سوء تفاهم أو مشاكل متراكمة أو غياب الانسجام والحب. المرأة المطلقة ليست إنسانة فيها نقص أو خلل أخلاقي أو نفسي، بالتأكيد إنها خاضت حروباً وصرعات نفسية لا يعلم بها أحد، من أجل الحفاظ على حياتها الزوجية، ولكن لأنها طبقت شريعة الله وقررت مصير حياتها ورأت أن أساس الـحياة الزوجيـة القائم على المودة والرحـمة لا وجود له بينهما. فأصبحت موضع اتهام ومذنبة بنظر المجتمع، لذلك أصبح المـجتمع يُحكم أهواءه بدلاً من الإسلام. ترى، كم من امرأة في مجتمعنا تعاني جرّاء الحكم المطلق ذاته على أخلاقها ودينها، لا لسبب إنما لأنها قررت أن تعيش، وكم من فتاة أُجبرت قسراً على أن تتزوج من رجل لا يناسب تطلعاتها، لأن الكثير منهن يشعرن بالنقص وعدم الثقة بسبب نظرة المجتمع، وتقع المرأة المطلّقة أسيرة هذه الحالة بسبب رؤية المجتمع السلبيّة لها. وقد تلاحق بسيل من الاتهامات وتطارد بجملة من الافتراءات. وتعاني المطلقة غالباً من معاملة من حولها، وأقرب الناس لها، بالرغم من أن الطلاق هو الدواء المر الذي قد تلجأ إليه المرأة أحياناً للخلاص من الظلم الذي أصبح يؤرق حياتها الزوجية، ويهدد مستقبلها النفسي، والله تعالى لم يشرع أمراً لخلقه إلا إذا كان فيه خير عظيم لهم، والطلاق ما شرّع إلا ليكون دواء فيه شفاء وإن كان مرّاً، وإن كان أمره صعباً على النفوس، حيث قال عز وجل: "وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ وَكَانَ اللَّهُ وَاسِعًا حَكِيمًا"، روي عن الرسول الأعظم (صلى الله عليه واله وسلم) ((أبغض الحلال إلى الله الطلاق) (٢). ورغم أن الشريعة الإسلامية أباحت الطلاق بشروط تلاءم لبناء المجتمع، وأولت أهمية في الإحسان دائمًا للطرف الأضعف والأكثر خسارة في هذه المعادلة وهي "المرأة"، إلا أن المجتمع الذي يدّعي الإسلام لا يرحمها، ويحكم عليها بالإدانة طوال حياتها دون النظر في صحة موقفها في الطلاق من عدمه! قال( تعالى ): [الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ] (٣). ولكن بعد كل هذا فالحياة لم ولن تتوقف بعد الطلاق! الطلاق ليس نهاية الحياة. - أخيتي. ليكن الطلاق بداية جديدة لحياة جديدة وللانطلاق. -قطار العطاء لن يتعطل. فإن كنت السبب في الطلاق فالحمد لله على كل حال وتلك أمة قد خلت وأيام ذهبت وانجلت فلست بالمعصومة من الخطأ. وعليك استدراك الأخطاء وتقوية مواطن الضعف في شخصيتك، واجعليها درساً مفيداً في الحياة لتطوير نفسك وتقويتها. وإذا كنتِ مظلومة فهناك جبار يُحصي الصغير والكبير وسيأتي يوم ينتصر لك فيه. -ومن الجميل أن تعطي نفسك الإحساس بالحب والاحترام، ولا تتأثري بأي نظرة سلبية من المجتمع وكون البعض يتعامل مع المطلقة على أنها حالة خاصة فعليكِ إثبات ذاتك حتى تفرضي على الكل شخصيتك. - نظرتك لنفسك اجعليها نظرة ايجابية مشرقة ولا تنزلقي في مستنقع نبذ الذات وظلم النفس. - ابحثي عن الصفات الجيدة فيك فإن ذلك سيشعرك بالثقة في ذاتك والتقدير لها. -حاولي مراجعة نفسك للخروج بإيجابيات حصلت لك من طلاقك. - خالطي الآخرين وإياك والعزلة بسبب وضعك الجديد فلست بأول من يبتلى بالطلاق. -استمتعي بالموجود ولا تتعلقي بالمفقود، حلقي بروح تعبق أملاً وتفاؤلاً، استمتعي بما وهبك الله من نعم (صحة وأولاد وأهل وصديقات وعمل وهوايات وغيرها من الأمور الجميلة) فما حصل لك حصل… ولابد أن تتقبليه برضا، وأعلمي أن ما أصابك لم يكن ليخطأك وما أخطأك لم يكن ليصيبك. وقال أصدق من قال: ( وعسى أن تكرهوا شيئاً وهو خير لكم). فالرضا سر السعادة الحقيقي. - اقتربي من صديقاتك الصالحات، واقضي معهن وقتاً طيباً تنسين به ألمك وحزنك. - احرصي على الصلوات وقراءة القرآن الكريم والذكر والاستغفار وأكثري من الطاعات قدر ما تستطيعين، ففيها السلوى والفرح والسعادة. ونعم سعادة القرب من الرحمن. - اشغلي نفسك بأعمال البر والإحسان بمساعدة محتاج. بكفالة يتيم. بتعلم الفقه والقرآن وتعليمه. - اجتهدي في عمل برنامج يومي لك يكون ممتلأ بكل ما هو مفيد لك. من قراءة وزيارة الأصدقاء وصلة الرحم. بحيث لا تكون هناك دقيقة أنت فارغة فيها. - وأسرعي بقاربك الجميل بمجذافين من إيمان بالله وثقة بالنفس وسوف تصلين بإذن الله نحو جزيرة السعادة والنجاح. لكي تتسلق جبال الإنجاز، وتصل لأعلى مراتب الاعجاز. وعندها جزماً سيكون للحياة معنى آخر. --------------------------------- (١)-سورة البقرة الآية (٢٢٦-٢٢٧). (٢)-الكافي (٢)-سورة البقرة الآية (٢٢٨) حنان ستار الزيرجاوي
اخرىهَوَّنَ عَلَيَّ مَا نَزَلَ بِي أَنَّهُ بِعَيْنِ اللهِ
عاشوراء مدرسة أعطت وتعطي الكثير الكثير كل يوم للمتأمل فيما ورد عنها من كلمات وفيما وثق فيها من مواقف... ولعل من أهم الدروس التي ترسخها عاشوراء في الأذهان بعد ضرورة مواجهة الباطل والدفاع عن الحق مهما كلفت من تضحيات جسام هو: الصبر على البلاء بل والرضا به .. كيف لا، وقد ورد عن سيّد الشهداء (عليه السلام) في اللحظات الأخيرة من حياته حينما كان يتمرّغ في الدم والتراب: «رضاً بقضائك وتسليماً لأمرك لا معبود سواك»(1). وكذلك فيما جاء في خطبته عند خروجه من مكّة إلى المدينة: «رضا اللَّه رضانا أهل البيت»(2) . فما سر هذا الرضا رغم شدة الابتلاءات وقساوة المحن التي مر بها سيد الشهداء (عليه السلام) ؟ مما لا شك فيه أن يقين الامام الحسين (عليه السلام) هو الذي رفعه إلى مقام الرضا رغم ما جرى عليه في واقعة كربلاء، إلا أنه ومع هذا فقد أرشد المؤمنين إلى مفاتيح الصبر والرضا، ولعل من أهمها ما وَرَدَ عنه (عليه السلام) أَنَّهُ قَالَ بعد أن تفاقم الخطب أمامه في كربلاء، واستشهد أصحابه وأهل بيته: «هَوَّنَ عَلَيَّ مَا نَزَلَ بِي أَنَّهُ بِعَيْنِ اللهِ»(1). فهنا يلفت الامام الحسين (عليه السلام) نظر المؤمنين الى حقيقة مهمة وهي: أن الله سبحانه يعلم بكل مجريات الأُمور، وهو مطلع على كل معاناة المبتلى وما يكابده من ألم دونما اعتراض منه على قضائه هو في حد ذاته حافز للمبتلى للصبر والرضا.. ولتقريب المعنى نقول: إن المتسابقين في ساحة اللعب مثلا يشعرون بالارتياح حينما يعلمون أن أبويهم وأصدقاءهم ينظرون اليهم فيندفعون بقوّة أكبر في تحمل الصعاب لتحقيق الفوز. فإذا كان تأثير وجود الأبوين والأصدقاء كذلك، فما بالك بتأثير استشعار رؤية الله لما يجري على الانسان وهو يصارع الألم ويواجه المحن؟! ما أعظم القوّة التي يمنحها هذا الاستشعار لتحمل الامتحانات العسيرة والمصائب الخطيرة .. ولذا فقد جاء النداء الالهي لتثبيت قلب النبي نوح (عليه السلام) حين واجه أعظم المصائب والضغوط من قومه وهو يصنع الفلك، حيث قال (تعالى) : (وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا)(2). فكان لعبارة «بِأَعْيُنِنَا» وقع عظيم في نفسه (عليه السلام) فصبر وواصل عمله الى نهايته دونما أن يلتفت الى تقريع الأعداء أو يهتم باستهزائهم. ــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) موسوعة الامام علي بن أبي طالب (عليه السلام) ج8 ص42 (2) المصدر السابق (3) بحار الأنوار، ج 45، ص 46 (4) هود 37 رضا الله غايتي
اخرى