تشغيل الوضع الليلي
نمرةُ الفسحة (قصة قصيرة)
منذ 6 سنوات عدد المشاهدات : 6494
بقلم: حيدر عاشور
تطلّعت صبرة عبرَ عينينِ مُثقلتينِ بالكرى إلى أسفلِ الشارع وما حولَ بيتِها ببطء، ورمقتْ هِمّةَ ناسها بهذا اليوم وما يستوجبُ عليهم فعله تخليدًا لصاحب الذكرى. ثمةَ خليطٌ من البقوليات على صفائحَ مُسطحةٍ، والقدورُ الكبيرةُ تجلس على عروشها الحديدية كأنّها صورٌ أثريةٌ أو ألواحٌ سماويةٌ تعيدُ جمالها كلَّ سنةٍ مرة.
كان الشارعُ تغمره البيوتاتُ القديمةُ والوحيدةُ التي ترتفع من جهةٍ واحدة، تشبهُ سفينةً عملاقةً تطوّقُ مملكة "الفسحة"* تحتَ قوسٍ مفتوحٍ بأضواءٍ حزينةٍ راجفة، وطقوسٌ تقلد أعوامًا ضوئيةً من الظلمِ والبشرِ والتاريخ..
وعلى الجهةِ الأخرى مقهى (يوسف عرسان) كبرلمان لأهالي المنطقة، ومقر لهيئةِ شبابِ الفسحة تنطلقُ منه مواكبُ التعزية. يُجاوره (خان المخضر) الكبير، أكبر مجمعٍ لبيع الخضروات في كربلاء، ما منْ فلاحٍ وبائعٍ إلا وكان يتواجد فيه. أما سور الخان على طول الشارع فتبرز منه المحلات البارزة والمعروفة كربلائيًا، فعند بابه الكبير (نجارةُ مجيد النجار، وسيد صالح العطار، وهادي كبابي، وسوق السمك، ومقهى لفتة، ومحلات جواد زنكي لبيع الفواكه بالجملة). الشارعُ مهرجانٌ عشوائي دائم لبيع الخضروات، ينطلق مرتادوه من صلاةِ الفجر حتى شروق الشمس، يفترشُ البقالون والفلاحون بضاعتهم المكونة من مختلف أنواع الخضروات والفواكه في كلِّ ركنٍ وزاويةٍ من الشارع. وتبقى المملكةُ مزدحمةً طوالَ النهار بالغرباء والتجار والوسطاء، لا تنصاع لأية أنظمة.
أهالي المملكة الأشقياء يظهرون بشكلٍ خاصٍ بمحرم الحرام، كسوارٍ مُتحركٍ متجدد في كلِّ لحظة، غير مسبوقٍ بمثال، عملٌ خالٍ من المصالح لا نظيرَ له، ومفعم ٌ بالتوفيقات الإلهية...
لعلعت الصلوات والتكبيرات فجأة، وأحسّت كأنَّ روحها انقبضت وبصرها غيّم، وشعرت أنّ أصواتَهم تتصاعد إلى سطح البيت، نظرت مجددًا إلى الشارع وجدته قد تحوّل إلى عاصفةٍ من النار تُفرِّقُ الناس جميعًا، وداس بعضُهم على صفائحِ البقوليات، وأشباحٌ ترتدي ثيابًا زيتونيةً تركضُ مع أسلحتِها خلفَ الأهالي الهاربين من الضربِ أو القتل أو الاعتقال. فأبطالُ الفسحة قد اعتادوا على هجومِ الاشباح الزيتونية طيلةَ أيام عاشوراء، لا جديدَ في الأمرِ سوى التحدي في إتمام طقوسِ الحزن الحسيني، فقد توارثوه عن الآباء والأجداد. فمحرمُ يُعطي الشارع لونًا أحمر، ويمزجُ تلويناته الأسود والأخضر، وتتشابه فيه كلُّ البيوتات وهي تنحشرُ إلى جانب بعضها بعضًا، أبوابُها مفتوحةٌ على مصراعيها للزائرين وعلى مدارِ الساعة. ففتحُ الأبواب أصبح سُنةً لدى أمهات البيوت عند كلِّ حدثٍ يحدثُ في الفسحة، إشاراتٌ إلهيةٌ جعلت الأهالي يتماسكون بها في سرائهم وضرائهم، لم يعدْ بينهم أناسٌ فردانيون، الفردانية لا تعملُ في عاشوراء كربلاء..
سحبت صبرة على عجلٍ آخر رغيفٍ من تنورها الطيني، وحرّرت نفسَها من (ثوب العمل) ونزلت مُسرعةً لتقف عند باب البيت، وكان كلُّ همِّها هو إعاقةُ الأشباح الزيتونية وإخافتهم بصوتِها الذي بدأ يُلعلع عاليًا حتى انتبهت باقي البيوت وخرجت النسوة المعروفات بقوتهن، وامتزجت أصواتهن فأصبح الصوتُ كبركانٍ من نار تتطايرُ على رؤوس الأشباح. منهم من توقّف عن الملاحقة وآخر رجع ليقفَ بجانبِ القدور، ومجموعةٌ دخلت مسجد الإمام السجاد المجاور لبيت (صبرة) والمقابل لباب الخان الكبير، فتمكن الفسحاويون من الاختفاء دون أضرارٍ أو اعتقال.
وأكبرُ إنجازٍ حققه الزيتونيون هو مصادرةُ مكبراتِ الصوت التي تنثرُ القصائد الحسينية طوال شهر محرم، وعند محاولة الأشباح رفعَ القدورِ السجادية من عروشها خرجت النسوة مُحزماتٍ (بعباءاتهن)، وفي مقدمتهن (صبرة) وهن يحملن شعلاتِ النار متجهاتٍ صوب القدور، مُزمجراتٍ بأصواتِهن مُهدداتٍ بحرقِ كلِّ من يمسُّ القدور، وساعدتهن حركة الحشود من زائري الإمام الذين فاضَ بهم الشارع، وكأنّ النسوةَ أصبحن غمائمَ سودًا.
وبدأ الزوار يساعدون النسوة بإشعال النار تحت القدور دون أنْ ينتظروا من يدعوهم لذلك. وكلُّ شيءٍ من حولهن يوحي بنهارٍ قد يكون داميًا، وصبرة تقودهن بحذر، والقدور أصبحت مثل اللآلئ تضيءُ في السماء.
كان الجريُ قائمًا وراء شباب الفسحة الخُلّص، واستحال للزيتونيين الإمساك بهم، رغم أنّ بعضهم أطلق عيارات نارية في الفضاء لإضفاءِ الرعب والتلويح بالتهديد بالموت. والحقيقةُ كان الجريُ وراء أبطالٍ متوارية في كلِّ بيوتاتِ الفسحة القصيّة على الأشباح، وكأنّها شُيّدت باتفاقٍ مسبق وسريّ للغاية لهذه الأيام لتجاوز ضغينة أعداءِ الطقوس-العاشورائية- بالتحديد، التي شهدت لسنين معاركَ داميةً وتربصًا مملًا.
كانتِ الحكوماتُ تعجز عن إيقاف الشعائر الحسينية فتختلق الفتن بين منطقةٍ وأخرى. والفسحةُ ساحةُ قتالٍ دائمة مع حاملي السكاكين والهراوات من أبناء جلدتهم، لكن العقل كان دائمًا يُرجعهم إلى السكينة والوحدة. وكان الدورُ المثاليّ أيضا لتلك المرأة القويّة صبرة، حين اشتداد وطيس التنافس بين شباب الفسحة وشباب المنطقة الأخرى على انطلاق مواكب التعزية في التاسع من محرم، أيُّهما يدخلُ الحرمين الشريفين أولًا. كان الطرفان مندفعين لتدميرِ كلٍّ منهما الآخر بعراكٍ دامٍ كالغرباء، قد يبلغُ مداه للانتقام من لا شيء. تحت ضغط شهوة الانتقام والجميعُ ساكنٌ الرعبُ والحماسُ في قلبه، وهم يجهزون الخناجر والسيوف. وصبرة تخيّط رايةً بيضاءَ بحجمٍ مُخيفٍ كتبت عليها (السلامُ عليك يا أبا الفضل العباس) بلونِ الدم.
وحين اقتربت ساعةُ التلاحمِ تعالى صراخُ الشباب (حيدر..حيدر) حتى اختلطت أصواتهم بصوتِ البوق والطبول، والنسوةُ يصرخنَ مُستغيثات، فالموتُ سيحدثُ لأولادهن أمامَ أعينهن، فالشباب مصممون على الاقتصاص من غرمائهم. والقادمون كأنَّهم بحرٌ شره يريد أنْ يُغرق في لُجّتِه كلَّ شيءٍ أمامه. وعند اللحظة الحاسمة كانت صبرة جاهزةً كأنّها حصانٌ جامحٌ وقف وسط الجموعِ، وهي تصرخُ بصوتٍ ملائكي، وبشعورٍ وحنانٍ حسيني مُفعم بالأخوة: (يا عباس) اطفئ شرارةَ الغضب بين الشباب؛ فهم لا يفقهون معنى الأخوة. ورفعت بساعدها وسواعد النسوة الراية البيضاء وهي لا تزالُ تقطرُ باللون الأحمر كأنّه دمٌ عبيطٌ لحظةَ بدءِ المعركة، ولكن ما أنْ شاهدوا الراية حتى وقفوا كالتماثيل قبالتها وتعانقوا كالأحبابِ بعد بكاءٍ حارٍ على صوتِ عبد الزهرة الكعبي وهو يُصوّرُ بصوته مشهد انكسار ظهر الحسين باستشهاد أخيه أبي الفضل ..
لا أحدَ يسلمُ من الزيتونيين لهم ألفُ رأسٍ ورأسٍ، تبترُ رأسًا من هنا يبرز لك من هناك رأسٌ. قالت ذلك "صبرة" وهي تنتفضُ بتصلبٍ على إحدى النسوة الخائفات. حيث يكون هناك ولاءٌ وحبٌّ وثقةٌ، فبالعقيدةِ والمذهبِ فإن الموت يكون مثل الشهد. ارفعي القلق عن نفسكِ ودعينا نُكمل (شلة السجاد)*. الزائرون ينتظرونها كلَّ سنةٍ في هذا اليوم بالتحديد الخامس والعشرين من محرم يوم استشهاد السجاد (علي بن الحسين).
كان كلام صبرة لنسوة الفسحة مثل نارٍ مُلتهبةٍ، وهي مستعدةٌ لأن تحرق كلَّ من يتجاسر على مسِّ أيِّ شيءٍ يخصُّ مراسيمَ طبخ التعزية السجادية. لقد تغيّرت وجوههن في غضون لحظة، وقفزن للعمل مُقطبات، وصوتُهن حادٌّ ممتلئٌ بالحماس والقوة، يشبه صوت جبلِ الصبر "زينب" حين حُرِمت فجأةً من عضيدها وحامي حماها.
تجمهر الزيتونيون الأشرار حول القدور وبدأوا يفرقون بالعصي كبارَ السن من الزائرين ورجال الفسحة، ضربوهم ضربًا مبرحًا. وكانت صبرة والنساء يعملنَ بصمتٍ بلا توقف وبسرعةٍ هائلة. لم تُزعزعهن هذه التكوينات اللاأخلاقية في ممارسةِ المنع الإجباري. إنّ الواجبَ المنوط بهن هو إتمامُ الطبخِ بدلًا من الشباب وصونِهم من التأثيرات المؤذية.
وضعنَ خليط البقوليات في جميعِ القدور تحتَ صوتِ قائد الزيتونيين: أنا أمنعكن من إتمام الطبخ..وا !، قال بانفعال وضرب بقدميه بنفادِ صبرٍ موجهًا كلامه إلى صبرة: إنّكِ لست أكثر طولًا من فردةِ حذائي، سأسحقُ رأسكِ به، إنْ لم تتوقفي عن العمل وتحريض الناس على عصيان الحزب والدولة.
تفرّست صبرة في وجهه وهي مُفزعةٌ تمامًا، بعدها وللحظة صرخت بكلِّ المرارة التي تقدر عليها، ففزع أمامها وصيّرته غاضبًا وخائفًا، فبدأت قذارته تظهر حين همّ بضربها أمام الجميع وما كاد يفعل، فصبّت عليه الماء الحار من قدرٍ نُحاسي صغير فانزلق على الأرض وقد ضُرِبَ ضربًا قاسيًا بالأحذية و(النعل) والعصي، من قبلِ النسوة وسائر الزينبيات من الزائرين، مؤججات أصواتًا حسينية أرهبت كلَّ الزيتونيين، والأطفالُ شاركوهن فرموا بقايا الطماطم والخيار التالفة والتي اختلطت مع قاذوراتٍ أخرى.
وبدا عليهم الانهيار الشخصي وخليط من الغيظ والحدّة والدم الحار مما أجّج فيهم حميةَ الغضب والكلبية النائمة في داخلهم لقد أدركوا أنّهم قد تمادوا كثيرًا؛ لذا لا يستطيعون التملُّص فقد يكون الأمرُ مكلفًا في معركةٍ لا تتوقف إلا بنهايتهم.
صبرة، عندما تتمنطق وتتكلمُ بصوتٍ واثقٍ ولغةٍ حسينيةٍ قوية وثبات عجيب تبدو وكأنّها تسمو فوق الاحداث، في خضم الخطط والهجومات المباغتة والمشاحنات سمحت له بالنهوض بالرغمِ من أنّها كانت لا تزالُ تضربه ضرباتٍ متتالية وبقوة. بدت منه صرخةٌ عاليةٌ وغريبة يمكن تسميتها صرخة استسلامٍ وتهديدٍ فهو شخصٌ قاسٍ وخبيثٌ، يعرف أفانين غريبة ومتلونة، كالحرباء يظهر في كلِّ مكانٍ بشكلٍ مُغاير تمامًا عن سابقهِ. فتوقفت المعركة بسجالٍ وعراكٍ انتصرت به "الفسحاويات".
وشباب الفسحة كانوا يراقبون الوضع من السطوح، فهم لا يزالون مع الحدث ليُثبتوا ويُراهنوا على القوة والشهامة والنبل للروح الجريحة حين يزدادُ نزفها، فصارت لهم مبعثَ حقٍ وقوةٍ وسحرهما كان على أشده هذا اليوم السجادي المهم..
نزلوا إلى الشارع حاملينَ السيوفَ والخناجرَ وكأنّهم على استعدادٍ أنْ يُنازلوا قوى الشر واختلطوا بأمهاتهم يعملون كخليةِ نحلٍ في توزيع بركات السجاد فامتلأ الشارع بالمهرعين للحصول على بركةِ هذا الزاد الذي اشتهر أنْ يكون دواءً لكلِّ عليلٍ على مدى سنين طوال.
أما الزيتونيون وقائدهم فاصبحوا كخيالِ الأموات وروبوتات انقطع عنها التيار الكهربائي وانتهى شحنها عند حدود الضرب والإهانة. الجميع في الفسحة يعرفون أنّ صبرة امرأة زهرائية مُحصنة دينيًا، رغم ذلك خططوا أنْ يحموها من عنجهية الأشرار فالكلُّ يعلمُ غدرهم في أيِّ لحظةٍ يعود إليهم شحن صدورهم المشبعة بالغلِّ من أيامِ عاشوراء، فيما إذا جاءت قوةٌ إضافيةٌ تساعدهم على تحقيق ما فشلوا به. وأولويات هدفهم كانت صبرة بلا منازع.
هكذا انتهى النهار الشاق المليء بالأحداث وبصورٍ مشرقةٍ من البطولة راحت تترجمُ الحزن بالانتصار من خلال الألم وقوة صبرة والنساء اللواتي أعلنّ عن ميلاد عقلٍ واعٍ وقلبٍ نابهٍ وفكرٍ مُتقد. نساءٌ استطعن بكلِّ حسمٍ صيانةَ مملكة الفسحة بالأوقات الحرجة. يومٌ غلب فيه البوح، وما زالت تجول في مشاكسته علاماتُ استفهامٍ لا توجد لها إجابة.
فبين أفكارٍ متزاحمة وحمم متلاحقة من الحنق والكره الذي يملأ قلوب وعقول أهالي الفسحة من تدخل الغرباء، لكنّهم أبدوا خوفهم على صبرة التي عملت موقعًا مرعبًا. فكيف لامرأةٍ مثلها أنْ تفعلَ هذا الفعل الشجاع وتهم بفعل كلَّ تلك الأفاعيل؟! حيث انعقدت ألسنتهم عن مواجهة تلك النمرة السجادية، قلّما يُطالع الإنسانُ مثلها، فقد كانت أنوثتها تعرف كيف تخاطب الرجال؟ والمرأةُ البارعةُ والحازمة التي قد تصير أقسى من الرجال لو اقتضى الأمر ذلك.
قضتْ صبرة ليلتها لم تذُقْ عيناها النوم، ولم تنعم بهدْأةِ الكَرى.. أحسّت أنّ رعبًا أخرس يتنامى في ذاتِها فقالت بينها وبين نفسها: جميل أنْ نحمل الزمن بين أيدينا، ولا نكون أسرى لهُ.. فالموتُ يتوشحُ لي قبة السماء، فحيثما أُولّي وجهي يُبصرني الموت. أنا شهيدةُ يوم استشهاد السجاد لا يُمكن أنْ أكون في حلم. فالحبُّ الحسيني الذي تكابد لأجله أرواحُنا لا يخرج منّا إلا بانتزاعها.
مع طنين البائعين الرتيب في ليلٍ قاسي الملامح طُرِقتْ بشدةٍ بابُ بيت صبرة وبذات الوقت كانت حركةً قويةً فوقَ السطح، وأصواتٌ كانت أعمق أثرًا في نفسها وهي تعلمُ مصيرها.. استقامت من جلستها مُقبلةً على أثر الأصوات في غضبٍ تنظر إلى ما حولها من أبّهة المنظر كأنّهم جاؤوا إلى اعتقال محاربةٍ أو سياسيةٍ مُحنّكة في النضال.
أخرجوا صبرة تلك الليلة بطولها الجسيم المهيب وضخامة جثتها، ولكن من دون صوتِها الجهوري، تنظرُ بعينيها الواسعتين الكبيرتين بلونِهما النرجسي إلى الجميع بأنَفَةٍ عجيبة جعلت المشتركين في اعتقالها يضعون عباءتها على وجهها؛ لأنّ الأبصار تتجمهر في المملكة. وزاغت حولها ولمعت عيونُ الغضب فيها، لكنّ القوة المُعتقِلة كانت من الكثرة ما تجعلُ الشُجعان يتصنمون كالرخام في أماكنهم. واختفت نمرةُ الفسحة "صبرة" مدةً من الزمن لا أثر لها ولا صوت، أفل شعاعُ تلك الإنسانةِ الملتزمة في الانسانية والشجاعة، وأصبحت ذكرى خالدةً على مدى السنين...
..................................
• الفسحة: منطقة (الفسحة) في محلة باب الخان بمدينة كربلاء المقدسة إحدى محافظات العراق، شيّدها السيد (عماد الدين طاهر البحراني) سنة1381هـ (1961م) مؤسسة مدرسة الإمام الباقر(عليه السلام) الحوزوية آنذاك.
• شِلّة السجاد: هي يطلق عليها شوربة أو آش، تتكون من سبعة أنواعٍ من البقوليات، اعتاد العراقيون بصورةٍ عامة والكربلائيون خاصة على إعدادها في ذكرى استشهاد الإمام علي بن الحسين السجاد (عليه السلام) في 25 محرم الحرام.
اخترنا لكم
صَقرٌ عَشِقَ وَطناً
بقلم: تمارة أحمد عويز صَقرُ الصَحاري جالَ في الأرجاءِ، فحطّ الرِحالَ عِندَ الرافِديَن نِية الاستِرخاءِ، فسَمِعَ أنَّ هذا البَلدَ هو أَرضُ الطيبين والأوفياءِ، وهُم للزائرينَ مَضرَب الأمثال في الكرم والعطاء، ولعِلمِهم يسعى كُلُّ كبيرٍ وصَغيرٍ دُونَ استِثناء، بِلادُ العِلمِ والعُلَماءِ ومَوطِنُ الطِيبةِ والسَخاء. بَدأت الجَدّةُ رَنيم تَروي الحِكاية، ولكلماتِها جميعُ الحَواسِ صَاغِيةٌ بعناية، والعُيون تَلمعُ لقصةِ الصَقرِ ترجو الفَائِدة، وتَقولُ الجدّةُ رَنيم بابتسامةٍ غامِضة: صَقرٌ حَادُّ الذَكاء والبَصيرة، زارَ الرافِدين الحَبِيبة، حَيثُ الحَربُ تَشدُّ أوزارها بالحاراتِ الفَقيرة، كان الصَقرُ يُحَلِّقُ في ظلمة الَليل يشهَدُ على الجريمة، أرضُ الخَيرات تَنتَهِكُها أيادي المُحتَلينَ العَابِرة، كان يَجولُ في السَماء ويَرى القَنابِلَ تُحطمُ كُلَّ كَبيرةٍ وصَغيرة، ورأى طِفلَين يَبكيان فَهَبطَ يُراقِبهُما مِن فَوقِ حُطامِ السَقيفة، الأكبرُ يَحتضنُ الأصغَر يَمنعهُ مِن المُشاهدةِ المَريرة، مشاهدة والدَيهِ غَارِقَين بِدماءِ الوَداعِ، ويُراقِبهُما بِدمُوعٍ حَبيسَة، حتى غَفا أخوهُ بعد النحيبِ الطويل ليُطلقَ العِنان لِدموعِهِ الحَارِقة. ظلَّ الصَقرُ يُراقِبهُما ويَسمَعُ كَلام الطِفل البَاكي، فمسحَ الطفلُ دُموعَهُ مُخاطِبًا والدَيه بِوعُودٍ وإصرارٍ كبير: لا تَقلقا، واطمَئنا، فَأنا سأرعى أخي كما أوصيتماني، سأجعلُ مِنهُ رجُلًا تَفخَرانِ بهِ حتى وإنْ لَم تَكُونا معي، فقط ارتاحا حيثُ أنتُما، ولا تحزنا فهذا يُؤذيني، سأكون كما تمنيتُما أنْ أكونَ دومًا فاعتمِدا عَليّ. ويَحمِل الطِفلُ أخاهُ ويَختبئان مِن عيونِ الظالِمين، ويحتمي به باحِثًا عن الأَمانِ وعينه للنَومِ لا تستكين، طِفلٌ تحمّلَ مَسؤولية حِماية أخيهِ بِطرفةِ عَين، على حين كان كلاهما بحاجةٍ إلى الاطمئنان في كَنفِ الوالدَين، بكى الصقرُ لخوفِ الطفل على أخيهِ من الفراقِ وهمّ السِنين، غَفا الطِفلُ بعدَ صراعِ مع عينيه والخَوفُ الذي لا يَلين. رأى الصقرُ غطاءً فَهبَّ يُغطي به الطفلينِ عن الأنظار، تأكّدَ أنَّهُما لم يفيقا، وحلَّق في تجددُ الشحن بالقنابل بِإصرار، فَهبَ سريعًا إلى مُعَسكر الغربان لطلبِ المُساعدةِ وايقَافِ الدَمار، ولكنَّ الغِربان أبَتْ طَلبه وأمرَته بتَركِ الصِغار، فَقال الصَقرُ بعزمٍ راسخٍ وهدوء قائدٍ مِغوار: أعينوني على ما أسعى لفعلهِ وخذوا بكلامي، مَا سَتَفعلونه سيعودُ عَليكُم بما لم تحلموا بامتلاكه، ثِقوا بي، أكياسٌ مِن الحُبوبِ تُغَذيكُم للسنوات القادمة إنْ سَاعدتُموني... وافقت الغِربانُ لإصرارِ الصقرِ الشَديد، فتبعتهُ وحلّقت مَعهُ حَيثُ يُريد، طلب منهم أنْ يَحمِلوا الحصى إلى مَصنع الحديد، حيثُ مُعَسكرِ المُحتَلين تحتَ أنظارِهم مِن بَعيد، ويُغلِقوا بِها مُحرك الطائراتِ ولا يُشعِروا بوِجودِهم أحدٌ، فقامت الغِربانُ بتنَفيذِ ما أمرها بهِ دِونَ تَردُد، والصَقرُ يُراقبُ ويُوجه الغِربان بِحكمةِ قائد، لم يشعر الجنود بِخطبٍ، فَالليلُ حَالكٌ ولونُ الغربانِ أسود. ولما أكمَلت الغِربان عَملها أخذت تُراقِب، والصَقرُ مِن فوقِهم لنجاحِ خُطتهِ مُتَرقِب، فيعود الجنود للطائراتِ المُحملة بِالقنابل، وما إنْ حَلّقت الطَائراتُ في السَماءِ حتى انفجرت مُعلِنةً نِهايةَ الحَرب... ولمّا همَّ الصَقرُ بالمغادرة منعته الغِربان، فأخبرهم: ما أنا بِهاربٍ... وحلّق الصَقرُ عائدا للطفَلين يشاهدهما بِتَرقُب، وبعدما استيقظا بعد انتِظارٍ لم يَطُل، هبط الصَقرُ وأمسك بمنقارهِ ثيابَهما وسحبهما مَعهُ حيثُ يَرغب، حيثُ باب أحدِ المَياتِم، دفع باب المَيتم الحَديدي بِرأسهِ قَليلًا ونظُر لِلطفل لَعلهُ يَفهم، فَعلمَ الطفلُ غَاية الصَقر، فحملَ أخاه ودَخل بِألمٍ، استقبلتهُ صَاحبة المَيتم وكانت مِثالًا لِلكرم، بِرحَابة صَدرٍ، فارتاح قَلب الصَقر ولِلمُغادَرةِ شدّ العَزم. عَادَ الصَقرُ للغِربانِ وأمَرهُم بِالانتظار حتى الفَجر، وافق الغِربانُ وعلم أهل الرافِدين بِالأمر، عِبر كاميراتِ المُراقبةِ في الطرق، حيث شاهدوا عَملَ الغِربان والصَقر، فوضعوا أكياسَ الحُبوب في سَطحِ كُل مَنزلٍ مَهجور، امتنانًا منهم وعربون شُكر، على عَملِ الغربان والصقر. حينئذٍ ختمت الجدّة رنيم قصتها قائلةً: هَذهِ قِصةُ الصَقرِ يا أولادي، حَيثُ أصَبحَ مِثالًا لِلفداءِ والتَفاني، وَمضربَ المَثلِ للتحابِّ بَين الغُرباءِ بِمُختلف الأعراق والألوانِ، فَاعلموا أنْ ليسَ كُلُّ مَا لا نُحبذُ رؤيته يُؤذينا يا صغاري، فالغربان تفتقر إلى الألوان الزاهية والشكل المُبهر؛ ولكن الصقر عندما أحبَّ الرَافِدينِ وفكّر في انقاذ أهلها وخاطرَ بِنفسهِ دون أنْ يُبالي، لم يَستعِنْ إلا بها؛ للونها الأسود القاتم الذي اختلط بسواد الليل وصنع مستقبلًا مشرقًا للأجيالِ.
اخرى
الإمام الكاظم (عليه السلام) وتعدُد طُرق الإصلاح
بقلم: أنعام العبادي عندما يُدرك الإنسان هدفًا حقيقيًا سينتقل معه أينما ذهب، وسيجد الطُرق المواكبة للظروف، ويعيشُ متحديًا كلَّ التقلبات، بصيراً بكلِّ الأذواق. فمن كان مشروعه الدعوة لله (تعالى) الذي هو مشروع الأنبياء والأئمة (عليهم السلام) فإنّه يمارسُ هذا التكليف مواكِبًا لِما تقتضيه المرحلة، مراعيًا التفاوت بطُرق الإقناع، فكما الناس مختلفون في ما يأكلون وما يلبسون، كذلك هم مختلفون بأساليب إقناعهم، وخيرُ من مارس أرقى طرق الإقناع بأنواعها هو رسول الله(صلى الله عليه واله) ، كما وصفه أمير المؤمنين (عليه السلام ) بقوله: "طبيبٌ دوّارٌ بطبه، قد أحكم مراهمه، وأحمى مواسمه، يضع ذلك حيث الحاجة إليه، من قلوب عمى، وآذان صم، وألسنة بكم، متتبع بدوائه مواضع الغفلة، ومواطن الحيرة" (١). وكذلك الأئمة (عليهم السلام) من بعده، فعند تسليط الضوء على نهج الإصلاح في حياة الإمام الكاظم (عليه السلام) نجدُ هذا التعدد في أساليب الهداية للآخرين، إذ انطلقت رسائل الإصلاح حتى من طامورة السندي، فقد روي عن عمّار بن أبان انّه قال: حُبِسَ أبو الحسن موسى بن جعفر (عليه السلام) عند السندي بن شاهك، فسألته أُخته أنْ تتولى حبسه، ففعل، فكانت تلي خدمته، فحكى لنا أنها قالت: كان إذا صلى العتمة حمد الله ومجَّده ودعاه، فلم يزل كذلك حتى يزول الليل، فإذا زال الليل قام يُصلي حتَّى يُصلي الصبح، ثم يذكر قليلا حتى تطلع الشمس، ثم يقعد إلى ارتفاع الضحى، ثم يتهيَّأ و يستاك ويأكل، ثم يرقد إلى قبل الزوال، ثم يتوضأ ويُصلّي حتى يُصلي العصر، ثم يذكر في القبلة حتى يُصلى المغرب، ثم يُصلي ما بين المغرب والعتمة، فكان هذا دأبه. فكانت أخت السندي إذا نظرت إليه قالت: خاب قومٌ تعرَّضوا لهذا الرجل، وكان عبدًا صالحًا.(٢) فاعترفت بمقامه واهتدت للحق حتى قيل عنها إنَّها كانت من محبي أهل البيت (عليهم السلام)، وهذه إحدى طرق هداية الآخرين وهي إظهار العبادة بنية التشجيع. ومن الطرق الأُخرى إرجاع الناس إلى فطرتهم، واحدة من أنجع الطرق التي تُعين صاحب المشروع الرسالي هو أنْ يستعين بالمزايا التي فُطر الناس عليها كوسيلةِ إقناعٍ وجذب للحقيقة. روي عن الإمام الكاظم (عليه السلام) أنه اجتازَ على دارٍ بِبغدادَ ، فَسَمِعَ المَلاهي وأصواتَ الغِناءِ والقَصبِ تَخْرجُ مِنْ تِلكَ الدّارِ ، فَخرجَتْ جارِيَةٌ وبِيَدِها قُمامةٌ البَقْلِ ، فَرَمَتْ بِها في الدَّرْبِ : فقالَ لَها: يا جارِيَةُ! صاحِبُ هذِهِ الدّارِ حُرٌّ أم عَبْد؟ فَقالَتْ: بَلْ حُرٌّ، فَقالَ: صَدَقْتِ، لَو كانَ عَبْدًا خافَ مِنْ مَولاه! فَلَمّا دَخَلَتْ قالَ مَولاها وهُوَ على مائِدَةِ السُّكْرِ : ما أبطَأكِ عَلَينا؟ فَقالَتْ: حَدَّثَني رَجُلٌ بِكَذا وكَذا، فَخَرَجَ حافِيًا حَتّى لَقِيَ مَولانا الكاظِمَ عَليهِ السَّلامُ فَتابَ عَلى يَدِهِ .(٣) فقد ايقظ الإمام (عليه السلام) فطرة بشر الحافي بكلمةٍ قدسية خرجت من قلبه المُخلص لله.. وهكذا بقي الإمام (عليه السلام) سببًا في خلاص الغافلين من سجن الدنيا، فمن أراد أنْ يستمر بمهمة الأنبياء (عليهم السلام) عليهِ أن يتبع أساليبهم في الدعوة، موطنًا قلبه على خشية الله (سبحانه)، قال (تعالى): {الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسالاتِ اللَّهِ وَيخْشَوْنَهُ وَ لا يَخْشَوْنَ أَحَداً إِلاَّ اللَّهَ وَكفى بِاللَّهِ حَسِيباً}(٤)، فالخشية من الله (سبحانه) وحده هو سر الثابتين في العمل الرسالي؛ لأنه يحصنهم من أي تردد، ويُنير لهم ظُلمة الظروف، ويجعلهم يشعرون بعظمة التشريف وحجم التكليف، ويُبصرهم بالطريق حسب المكان والزمان ومن هو معني لهدايته، لذلك هم مجاهدون، ومن جاهد في الله (عز وجل) دله الطريق وهداه السبيل ، قال تعالى:{وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا}(٥). هكذا هم القادة الإلهيون مجاهدون في سبيل الله (عز وجل)،وكفى به حسيبًا فهو المُحصي الحكيم لجهودهم وهو المُثيب عليها، ساعين لهداية الناس بنور الله (تعالى) الذي لا تقيدهم أغلال الحروب الناعمة ولا طامورة الظروف المؤلمة أسوةً بالإمام الكاظم (عليه السلام ) الذي خرق نور رساليته قضبان الظالمين والطغاة. _________________ ١- نهج البلاغة للشريف الرضي. ٢-تاريخ بغداد للخطيب البغدادي. ٣-منهاج الكرامة للعلامة الحلي. ٤-سورة الأحزاب آية (٣٩) ٥-سورة العنكبوت آية (٦٩)
اخرى
عـزاءُ السماوات
بقلم: أريج الانتظار "وَجَلَّتْ وَعَظُمَتْ مُصِيبَتُكَ فِي السَّماواتِ، عَلَىٰ جَمِيعِ أَهْلِ السَّماواتِ" ١ اختلَّ نظامُ الكون و دارت المجرات بعنف، اهتزت طبقات الكوكب وعصفت الرياح، قد كُسفت الشمس وخُسف القمر، وانشقَّت السماء وبكت دماً عبيطاً، واختفت النجوم بين الغيوم. حدثٌ رهيب وقع وزلزلَ كل شيء "وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقَالَهَا وَقَالَ الْإِنسَانُ مَا لَهَا يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَىٰ لَهَا"*، قد قُتل القران وفُصلَّت آياته على الثرى ولم يبق أحد من أصحاب الكساء. قد قُتل الحسين بن علي (عليه السلام) وبقي صريعًا على رمضاء كربلاء، تصهر جسده ألسنة الصحراء الحارقة، قضى عطشانًا بقرب الفرات مذبوحًا من القفا غريبًا وحيدًا، كان للأرض موقفًا مختلفًا جدًا، كانت مشتاقة له لدرجة أنها تريد أن تضمّه إلى صدرها لتصبح بذلك طاهرة وتبني له من ترابها ضريحًا، وطابت بذلك وتحقق مرادها حين قال من خلف والده فيها إمام: "طبتم وطابت الارض التي فيها دفنتم"، وناحت عليه بصراخ وعويل وبكاء، ولم يبق مؤمن ولا جن ولا شجر ولا جماد ولا حيوان ولا وحوش في الفلوات ولا كائن في المحيطات وبواطن الارض ولا ذرة في الهواء أو في التراب إلّا وبكت وناحت على مصاب أبي عبد الله (عليه السلام)، ليس هذا فقط، فقد ناحت عليه قبلهم سيوف أعدائه وجياد الخيالّة التي رضَّت صدره الشريف، لم تبق صخرة ولا حجر إلّا وسالت من تحتها الدماء، قد لا نتصور الفاجعة بكاملها بيومها وبأدق تفاصيلها كيف وقعت، لأننا سمعناها من المنابر وتصورناها ببصيرتنا لا ببصرنا، قد رُسمت في أذهاننا منذ عالم الذر، وجنّت عقول البشر عند سماعها، وشابت رؤوسهم، ولهذا ترى الجزع والحزن الشديد بفطرتنا في عاشوراء، ليس لنا سبيل سوى أن نعبّر عن ذلك بشتى أنواع الحزن والعزاء. مِنّا مَن يلطم صدره ودموعه رسمت أنهارًا على خديه، ومِنّا مَن يمشي على الجمر ويقطع مسافات ليصل كربلاء في طريق العشق يواسي السبايا، ومِنّا صاحب موكب بناه بما عنده لخدمة زوار الحسين (عليه السلام)، ومِنّا من جعل صوته خدمةً للقضية الحسينية فأخذ يصدح به على المنابر... لذلك أتساءل كيف يكون عزاء السماء وسكانها؟! كيف استقبلت دمه الزاكي ودم رضيعه الذي أرسله ليخبرها بمقتله؟! رماه وقال (عليه السلام): "هوّن ما نزل بي أنه بعين الله" إنهم يحيون عاشوراء فقد بكاه جميع الأنبياء والمرسلين، منهم آدم ونوح وإبراهيم وإسماعيل وموسى وسليمان وعيسى(عليهم السلام) قبل يوم عاشوراء ٢، وأقاموا عليه العزاء لأنه وارث النبوة، وجميع الملائكة شاركتهم. لكن بأيّ صورة وبأيّ هيئة وهم من رأوا الفاجعة وحضروها؟ تُرى، أيقيمون المأتم هناك عند سدرة المنتهى؟ من هو ناعيهم وكيف هو موكبهم؟ كيف ينعون الحسين (عليه السلام) وأهل بيته الأطهار في العاشر من المحرم وقد عظمت لديهم المصيبة؟! هل أن جبرئيل (عليه السلام) هو ناعي المأتم؟! أم أن منصور هو صاحب الموكب؟! فقد استأذن أن ينزل الى كربلاء ليلبّي نداء (ألا هل من ناصر ينصرنا) هو وجيشه من الملائكة فنزلوا ولم يدركوا الحسين (عليه السلام)، فماذا يكون قد فعل عندما رأى فعل ذي الجوشن بسبط الرسول (صلى الله عليه وآله)؟ هل يركض مع المعزين بركضة طويريج بين الحرمين؟! فقد بقي هو وجيشه عند قبره شعث غبر يبكون على مصابه ٣. كيف يا ترى حور العين أقمن مجالس العزاء ليواسين سيدة النساء (عليها السلام) صاحبة العزاء؟! ماذا يقدّم الولدان المخلدون ثواباً في نهاية المجلس؟! أين رفعوا الرايات السوداء؟ أعلقّها رضوان (عليه السلام) على أبواب الجنة؟ هل استمر نهر الكوثر يجري بعد سقوط قمر بني هاشم (عليه السلام) بجانب العلقمي؟ وأتساءل: كيف تقدّم جهنم عزاءها؟! هل شاركتهم؟ هل أشعل مالك (عليه السلام) المشاعل كما يعزي أهل النجف أمير المؤمنين (عليه السلام) بمشاعل النار؟! أم أُطفئَت نيرانها حزناً على الخيام التي أُحرقت باللهيب؟ لا يخطر على مخيلتي المحدودة طريقة عزائهم، لكن جزماً إنهم يبكون معنا كل محرم وينشرون السواد، ويغيرون الراية الحمراء إلى السوداء إيذاناً للحداد، ويمشون معنا كل صفر نحو الوادي المقدس وينادون معنا كلما سمعونا ننادي: يا حسين. _______________ *سورة الزلزلة ١- مفاتيح الجنان ـ زيارة عاشوراء. ٢- بحار الانوار. ٣- امالي الصدوق.
اخرىالتعليقات
يتصدر الان
لا تعاشر نفساً شبعت بعد جوع
يستشهد الكثير من الناس ــ وحتى بعض المثقفين ــ بقول:" لا تعاشر نفساً شبعت بعد جوع فإن الخير فيها دخيل وعاشر نفساً جاعت بعد شبع فإن الخير فيها أصيل" على أنه من أقوال أمير المؤمنين علي (عليه السلام)، كما يستشهدون أيضاً بقولٍ آخر ينسبونه إليه (عليه السلام) لا يبعد عن الأول من حيث المعنى:"اطلبوا الخير من بطون شبعت ثم جاعت لأن الخير فيها باق، ولا تطلبوا الخير من بطون جاعت ثم شبعت لأن الشح فيها باق"، مُسقطين المعنى على بعض المصاديق التي لم ترُق افعالها لهم، لاسيما أولئك الذين عاثوا بالأرض فساداً من الحكام والمسؤولين الفاسدين والمتسترين عل الفساد. ونحن في الوقت الذي نستنكر فيه نشر الفساد والتستر عليه ومداهنة الفاسدين نؤكد ونشدد على ضرورة تحرّي صدق الأقوال ومطابقتها للواقع وعدم مخالفتها للعقل والشرع من جهة، وضرورة التأكد من صدورها عن أمير المؤمنين أبي الأيتام والفقراء (عليه السلام) أو غيرها من المعصومين (عليهم السلام) قبل نسبتها إليهم من جهة أخرى، لذا ارتأينا مناقشة هذا القول وما شابه معناه من حيث الدلالة أولاً، ومن حيث السند ثانياً.. فأما من حيث الدلالة فإن هذين القولين يصنفان الناس الى صنفين: صنف قد سبق له أن شبع مادياً ولم يتألم جوعاً، أو يتأوه حاجةً ومن بعد شبعه جاع وافتقر، وصنف آخر قد تقلّب ليله هماً بالدين، وتضوّر نهاره ألماً من الجوع، ثم شبع واغتنى،. كما جعل القولان الخير متأصلاً في الصنف الأول دون الثاني، وبناءً على ذلك فإن معاشرة أفراد هذا الصنف هي المعاشرة المرغوبة والمحبوبة والتي تجرّ على صاحبها الخير والسعادة والسلام، بخلاف معاشرة أفراد الصنف الثاني التي لا تُحبَّذ ولا تُطلب؛ لأنها لا تجر إلى صاحبها سوى الحزن والندم والآلام... ولو تأملنا قليلاً في معنى هذين القولين لوجدناه مغايراً لمعايير القرآن الكريم بعيداً كل البعد عن روح الشريعة الاسلامية ، وعن المنطق القويم والعقل السليم ومخالفاً أيضاً لصريح التاريخ الصحيح، بل ومخالف حتى لما نسمعه من قصص من أرض الواقع أو ما نلمسه فيه من وقائع.. فأما مناقضته للقرآن الكريم فواضحة جداً، إذ إن الله (تعالى) قد أوضح فيه وبشكلٍ جلي ملاك التفاضل بين الناس، إذ قال (عز من قائل):" يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (13)"(1) جاعلاً التقوى مِلاكاً للتفاضل، فمن كان أتقى كان أفضل، ومن البديهي أن تكون معاشرته كذلك، والعكس صحيحٌ أيضاً. وعليه فإن من سبق حاجتُه وفقرُه شبعَه وغناه يكون هو الأفضل، وبالتالي تكون معاشرته هي الأفضل كذلك فيما لو كان تقياً بخلاف من شبع وكان غنياً ، ثم افتقر وجاع فإنه لن يكون الأفضل ومعاشرته لن تكون كذلك طالما كان بعيداً عن التقوى. وأما بُعده عن روح الشريعة الإسلامية فإن الشريعة لطالما أكدت على أن الله (سبحانه وتعالى) عادلٌ لا جور في ساحته ولا ظلمَ في سجيته، وبالتالي لا يمكن أن يُعقل إطلاقاً أن يجعل البعض فقيراً ويتسبب في دخالة الخير في نفوسهم، التي يترتب عليها نفور الناس من عشرتهم، فيما يُغني سواهم ويجعل الخير متأصلاً في نفوسهم بسبب إغنائه إياهم ليس إلا ومن ثم يتسبب في كون الخير متأصلاً في نفوسهم، وبالتالي حب الناس لعشرتهم. فإن ذلك مخالف لمقتضى العدل الإلهي لأنه ليس بعاجزٍ عن تركه ولا بمُكره على فعله، ولا محب لذلك لهواً وعبثاً (تعالى عن كل ذلك علواً كبيراً). كما إن تأصل الخير في نفوس بعض الناس ودخالته في نفوس البعض الآخر منهم بناءً على أمر خارج عن إرادتهم واختيارهم كـ(الغنى والشبع أو الجوع والفقر) إنما هو أمرٌ منافٍ لمنهج الشريعة المقدسة القائم على حرية الانسان في اختياره لسبيل الخير والرشاد أو سبيل الشر والفساد، قال (تعالى):" إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا (3)"(2) بل إن الانسان أحياناً قد يكون فقيراً بسبب حب الله (تعالى) له، كما ورد في الحديث القدسي: "أن من عبادي من لا يصلحه إلا الغنى فلو أفقرته لأفسده ذلك و أن من عبادي من لا يصلحه إلا الفقر فلو أغنيته لأفسده ذلك"(3) وهل يمكن ان نتصور أن الخيرَ دخيلٌ فيمن يحبه الله (تعالى) أو إن معاشرته لا تجدي نفعا، أو تسبب الهم والألم؟! نعم، ورد عن أمير المؤمنين (عليه السلام):"اِحْذَرُوا صَوْلَةَ اَلْكَرِيمِ إِذَا جَاعَ وَ اَللَّئِيمِ إِذَا شَبِعَ"(4) ولا يقصد به الجوع والشبع المتعارف عليه لدى الناس، وإنما المراد منه: احذروا صولة الكريم إذا اُمتُهِن، واحذروا صولة اللئيم إذا أكرم، وفي هذا المعنى ورد عنه (عليه السلام) أيضاً: "احذروا سطوة الكريم إذا وضع و سورة اللئيم إذا رفع"(5) وأما العقل السليم والمنطق القويم فإنهما يقتضيان أن تتأصل صفة الخير في الإنسان لملكاتٍ حميدة يتسم بها وصفات فضيلة يتميز بها، لا أن تتأصل صفة الخير في نفسه لمجرد أنه ولد في أسرة تتمتع بالرفاهية الاقتصادية ووجد في بيئة تتنعم بالثروات المادية! وعند مراجعتنا للتاريخ الصحيح نجد أن قادة البشر وصفوة الناس إنما كان أغلبهم ينتمي الى الطبقات الفقيرة من المجتمع، فهؤلاء الأنبياء ورسل الله (صلوات الله عليهم) منهم من كان نجاراً أو خياطاً أو راعياً، ومع ذلك فقد كانوا من أطيب الناس خلقاً، وأعظمهم شرفاً، وأرفعهم منزلةً، قد تأصّل الخير في نفوسهم تأصّلاً حتى غدوا قطعة منه، فكانوا هم الخير للبشر، وهم الرحمة للعالمين. وبالنزول إلى أرض الواقع نجد أن الكثير من الفقراء والمساكين طيبي الروح، كريمي النفس، يتألمون لألم المحتاج ولربما يؤثرونه على أنفسهم رغم حاجتهم. ولا نقصد من كلامنا هذا أن الأغنياء هم على نقيض ذلك، وإنما تأكيداً على مسألة عدم ارتباط تأصل الخير في النفوس وعدمه بمستواهم الاقتصادي الذي نشأوا فيه ارتباط العلة والمعلول، فكما إن بعض الفقراء أخيار، فإن بعض الأغنياء كذلك، والعكس صحيح أيضاً. ومن هنا يُفهم من بعض الروايات ضرورة عدم طلب الخير والحاجات ممن هم أهل للخير بقطع النظر عن مستواهم المعاشي الحالي والسابق، منها ما روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام):"أشد من الموت طلب الحاجة من غير أهلها"(5)، وعنه (عليه السلام) أيضاً: "فوت الحاجة أهون من طلبها إلى غير أهلها"(6) إذن فلا صحة لهاتين المقولتين من حيث الدلالة، حتى وإن تنزلنا وحملنا الجوع والشبع على المعنى المعنوي لا المادي؛ وذلك لأنه حتى من يفتقر الى الأخلاق المعنوية فإنه ما إن يتكامل بالفضائل ويقلع عن الرذائل حتى يتسم بالخير وتحسن عشرته وتطيب للناس صحبته، والعكس صحيحٌ أيضا.. ومن البديهي أن ما لا يوافق العقل والمنطق السليم، ويخالف صريح القرآن الكريم، لا يمكن أن يصدر من وصي الرسول الكريم (صلوات الله عليهما وآلهما)، وعليه لا تصح نسبة هذين القولين الى أمير المؤمنين (عليه السلام).. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) الحجرات 13 (2) الانسان 3 (3) عوالي الآلي ج2 ص29 (4) غرر الحكم ج1 227 (5) المدر السابق ج1 ص246 (6) ميزان الحكمة ج4 ص 238 رضا الله غايتي
اخرىبين طيبة القلب وحماقة السلوك...
خلق الله الأشياء كلها في الحياة ضمن موازين وقياسات... فالزيادة أو النقيصة تسبب المشاكل فيها. وهكذا حياتنا وأفعالنا وعواطفنا لا بد أن تكون ضمن موازين دقيقة، وليست خالية منها، فالزيادة والنقيصة تسبب لنا المشاكل. ومحور كلامنا عن الطيبة فما هي؟ الطيبة: هي من الصفات والأخلاق الحميدة، التي يمتاز صاحبها بنقاء الصدر والسريرة، وحُبّ الآخرين، والبعد عن إضمار الشر، أو الأحقاد والخبث، كما أنّ الطيبة تدفع الإنسان إلى أرقى معاني الإنسانية، وأكثرها شفافية؛ كالتسامح، والإخلاص، لكن رغم رُقي هذه الكلمة، إلا أنها إذا خرجت عن حدودها المعقولة ووصلت حد المبالغة فإنها ستعطي نتائج سلبية على صاحبها، كل شيء في الحياة يجب أن يكون موزوناً ومعتدلاً، بما في ذلك المحبة التي هي ناتجة عن طيبة الإنسان، وحسن خلقه، فيجب أن تتعامل مع الآخرين في حدود المعقول، وعندما تبغضهم كذلك وفق حدود المعقول، ولا يجوز المبالغة في كلا الأمرين، فهناك شعرة بين الطيبة وحماقة السلوك... هذه الشعرة هي (منطق العقل). الإنسان الذي يتحكم بعاطفته قليلاً، ويحكّم عقله فهذا ليس دليلاً على عدم طيبته... بالعكس... هذا طيب عاقل... عكس الطيب الأحمق... الذي لا يفكر بعاقبة أو نتيجة سلوكه ويندفع بشكل عاطفي أو يمنح ثقة لطرف معين غريب أو قريب... والمبررات التي يحاول إقناع نفسه بها عندما تقع المشاكل أنه صاحب قلب طيب. الطيبة لا تلغي دور العقل... إنما العكس هو الصحيح، فهي تحكيم العقل بالوقت المناسب واتخاذ القرار الحكيم الذي يدل على اتزان العقل، ومهما كان القرار ظاهراً يحمل القسوة أحياناً لكنه تترتب عليه فوائد مستقبلية حتمية... وأطيب ما يكون الإنسان عندما يدفع الضرر عن نفسه وعن الآخرين قبل أن ينفعهم. هل الطيبة تصلح في جميع الأوقات أم في أوقات محددة؟ الطيبة كأنها غطاء أثناء الشتاء يكون مرغوباً فيه، لكنه اثناء الصيف لا رغبة فيه أبداً.. لهذا يجب أن تكون الطيبة بحسب الظروف الموضوعية... فالطيبة حالة تعكس التأثر بالواقع لهذا يجب أن تكون الطيبة متغيرة حسب الظروف والأشخاص، قد يحدث أن تعمي الطيبة الزائدة صاحبها عن رؤيته لحقيقة مجرى الأمور، أو عدم رؤيته الحقيقة بأكملها، من باب حسن ظنه بالآخرين، واعتقاده أن جميع الناس مثله، لا يمتلكون إلا الصفاء والصدق والمحبة، ماي دفعهم بالمقابل إلى استغلاله، وخداعه في كثير من الأحيان، فمساعدة المحتاج الحقيقي تعتبر طيبة، لكن لو كان المدّعي للحاجة كاذباً فهو مستغل. لهذا علينا قبل أن نستخدم الطيبة أن نقدم عقولنا قبل عواطفنا، فالعاطفة تعتمد على الإحساس لكن العقل أقوى منها، لأنه ميزان يزن الأشياء رغم أن للقلب ألماً أشد من ألم العقل، فالقلب يكشف عن نفسه من خلال دقاته لكن العقل لا يكشف عن نفسه لأنه يحكم بصمت، فالطيبة يمكن أن تكون مقياساً لمعرفة الأقوى: العاطفة أو العقل، فالطيّب يكون قلبه ضعيفاً ترهقه الضربات في أي حدث، ويكون المرء حينها عاطفياً وليس طيباً، لكن صاحب العقل القوي يكون طيباً أكثر من كونه عاطفياً. هل الطيبة تؤذي صاحبها وتسبب عدم الاحترام لمشاعره؟ إن الطيبة المتوازنة المتفقة مع العقل لا تؤذي صاحبها لأن مفهوم طيبة القلب هو حب الخير للغير وعدم الإضرار بالغير، وعدم العمل ضد مصلحة الغير، ومسامحة من أخطأ بحقه بقدر معقول ومساعدة المحتاج ... وغيرها كثير. أما الثقة العمياء بالآخرين وعدم حساب نية المقابل وغيرها فهذه ليست طيبة، بل قد تكون -مع كامل الاحترام للجميع- غباءً أو حماقة وسلوكاً غير عقلاني ولا يمت للعقل بصلة. إن المشكلة تقع عند الإنسان الطيب عندما يرى أن الناس كلهم طيبون، ثم إذا واجهه موقف منهم أو لحق به أذى من ظلم أو استغلال لطيبته، تُغلق الدنيا في وجهه، فيبدأ وهو يرى الناس الطيبين قد رحلوا من مجتمعه، وأن الخير انعدم، وتحصل له أزمة نفسية أو يتعرض للأمراض، لأن الطيّب يقدم الإحسان للناس بكل ما يستطيع فعله، ويقدّم ذلك بحسن نية وبراءة منه، فهو بالتالي ينتظر منهم الرد بالشكر أو المعاملة باللطف على الأقل... صحيح أن المعروف لوجه الله، ولكن من باب: من لم يشكر المخلوق لم يشكر الخالق، لذلك يتأذى عندما يصدر فعل من الشخص الذي كان يعامله بكل طيب وصدق. هل الطيبة والصدق من علامات ضعف الشخصية؟ الكثير من الناس يصف طيب القلب بأنه ضعيف الشخصية، لأنه يتصف بعدم الانتقام ممن ظلمه، والصفح عنه عند رجوعه عن الخطأ، وأنه لا يحب إيقاع الآخرين بالمشاكل؛ لأنه مقتنع أن الله سيأخذ له حقه. والحقيقة هي أن الصدق والطيبة وحسن الظن بالآخرين ليست ضعف شخصية، بل هي من الأخلاق الراقية وهي تزيد صاحبها سمواً وجمالاً روحياً، وليس من المعيب أن يمتلك الإنسان الطيبة بل العيب في من لا يُقدّر هذه الطيبة ويعطيها حقها في التعامل بالمثل. فالمشكلة الأساسية ليست في الطيبة، إنما في استغلال الآخرين لهذه الطيبة، نتيجة لعدم عقلنة قراراتنا والاعتماد على عواطفنا بشكل كلي. فالصدق والطيبة حسب المنطق والعقل، ولها فوائد جمة للنفس ولعموم أفراد المجتمع، فهي تحصين للشخص عن المعاصي، وزيادة لصلة الإنسان بربه، وتهذيب للنفس والشعور بالراحة النفسية، فالصادق الطيب ينشر المحبة بين الناس، وهذا يعزّز التماسك الاجتماعي وتقويته من سوء الظنون والحقد، وهذا التعامل أكّدت عليه جميع الشرائع السماوية، ولو تأمّلنا تاريخ وأخلاق الأنبياء والأوصياء لوجدنا كل ما هو راقٍ من الأخلاق والتعامل بالطيبة والصدق... حنان الزيرجاوي
اخرىلا تقاس العقول بالأعمار!
(لا تقاس العقول بالأعمار، فكم من صغير عقله بارع، وكم من كبير عقله فارغ) قولٌ تناولته وسائل التواصل الاجتماعي بكل تقّبلٍ ورضا، ولعل ما زاد في تقبلها إياه هو نسبته الى أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام)، ولكننا عند الرجوع إلى الكتب الحديثية لا نجد لهذا الحديث أثراً إطلاقاً، ولا غرابة في ذلك إذ إن أمير البلاغة والبيان (سلام الله وصلواته عليه) معروفٌ ببلاغته التي أخرست البلغاء، ومشهورٌ بفصاحته التي إعترف بها حتى الأعداء، ومعلومٌ كلامه إذ إنه فوق كلام المخلوقين قاطبةً خلا الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله) ودون كلام رب السماء. وأما من حيث دلالة هذه المقولة ومدى صحتها فلابد من تقديم مقدمات؛ وذلك لأن معنى العقل في المفهوم الإسلامي يختلف عما هو عليه في الثقافات الأخرى من جهةٍ، كما ينبغي التطرق الى النصوص الدينية الواردة في هذا المجال وعرضها ولو على نحو الإيجاز للتعرف إلى مدى موافقة هذه المقولة لها من عدمها من جهةٍ أخرى. معنى العقل: العقل لغة: المنع والحبس، وهو (مصدر عقلت البعير بالعقال أعقله عقلا، والعِقال: حبل يُثنَى به يد البعير إلى ركبتيه فيشد به)(1)، (وسُمِّي العَقْلُ عَقْلاً لأَنه يَعْقِل صاحبَه عن التَّوَرُّط في المَهالِك أَي يَحْبِسه)(2)؛ لذا روي عنه (صلى الله عليه وآله): "العقل عقال من الجهل"(3). وأما اصطلاحاً: فهو حسب التصور الأرضي: عبارة عن مهارات الذهن في سلامة جهازه (الوظيفي) فحسب، في حين أن التصوّر الإسلامي يتجاوز هذا المعنى الضيّق مُضيفاً إلى تلك المهارات مهارة أخرى وهي المهارة العبادية. وعليه فإن العقل يتقوّم في التصور الاسلامي من تظافر مهارتين معاً لا غنى لأحداهما عن الأخرى وهما (المهارة العقلية) و(المهارة العبادية). ولذا روي عن الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله) أنه عندما سئل عن العقل قال :" العمل بطاعة الله وأن العمّال بطاعة الله هم العقلاء"(4)، كما روي عن الإمام الصادق(عليه السلام)أنه عندما سئل السؤال ذاته أجاب: "ما عُبد به الرحمن، واكتسب به الجنان. فسأله الراوي: فالذي كان في معاوية [أي ماهو؟] فقال(عليه السلام): تلك النكراء، تلك الشيطنة، وهي شبيهة بالعقل وليست بالعقل"(5) والعقل عقلان: عقل الطبع وعقل التجربة، فأما الأول أو ما يسمى بـ(الوجدان الأخلاقي) فهو مبدأ الادراك، وهو إن نَما وتطور سنح للإنسان فرصة الاستفادة من سائر المعارف التي يختزنها عن طريق الدراسة والتجربة وبالتالي يحقق الحياة الإنسانية الطيبة التي يصبو اليها، وأما إن وهن واندثر لإتباع صاحبه الأهواء النفسية والوساوس الشيطانية، فعندئذٍ لا ينتفع الانسان بعقل التجربة مهما زادت معلوماته وتضخمت بياناته، وبالتالي يُحرم من توفيق الوصول إلى الحياة المنشودة. وعقل التجربة هو ما يمكن للإنسان اكتساب العلوم والمعارف من خلاله، وما أروع تشبيه أمير البلغاء (عليه السلام) العلاقة التي تربط العقلين معاً إذ قال فيما نسب إليه: رأيت العقل عقلين فمطبوع ومسموع ولا ينفع مسموع إذ لم يك مطبــوع كما لا تنفع الشمس وضوء العين ممنوع(6) فقد شبّه (سلام الله عليه) عقل الطبع بالعين وعقل التجربة بالشمس، ومما لاشك فيه لكي تتحقق الرؤية لابد من أمرين: سلامة العين ووجود نور الشمس، وكما إن الثاني لا ينفع إن لم يتوفر الأول فكذلك عقل التجربة لا ينفع عند غياب عقل الطبع فضلاً عن موته. وبما إن عقل الطبع قد ينمو ويزدهر فينفع صاحبه من عقل التجربة، وقد يموت ويندثر عند الاستسلام لإضلال شبهةٍ أوبسبب إرتكاب معصية، فإنه ومن باب أولى أن يتعرض الى الزيادة والنقصان كما سيأتي... وقد ورد في النصوص الدينية أن للعقل زمناً ينمو فيه ويكتمل، فعن إمامنا أبي عبدالله (عليه السلام) قال: قال أمير المؤمنين (صلوات الله عليه):"يثغر الصبي لسبع، ويؤمر بالصلاة لتسع، ويفرق بينهم في المضاجع لعشر، ويحتلم لأربع عشرة، وينتهى طوله لإحدى وعشرين سنة، وينتهي عقله لثمان وعشرين إلا التجارب"(7)، وعن أمير المؤمنين (عليه السلام): "يربى الصبي سبعاً ويؤدب سبعاً، ويستخدم سبعاً، ومنتهى طوله في ثلاث وعشرين سنة، وعقله في خمس وثلاثين [سنة] وما كان بعد ذلك فبالتجارب"(8). إذن يتوقف النمو الطبيعي لعقل الانسان عند سن الثامنة والعشرين أو الخامسة والثلاثين كما ورد في الروايتين، وأية زيادة أخرى في طاقته بعد ذلك إنما تأتي عن طريق التجارب، وقد يُتوهم بأن ثمة تعارضاً ما بين الروايتين المتقدمتين في شأن تحديد سن النمو العقلي، إلا إنه لا تعارض ينهما إذا حملنا اختلافهما فيه على اختلاف الاشخاص وتباين استعدادات وقابليات كل منهم. وعلى الرغم من توقف نمو عقل الإنسان إلا إن له أنْ يزيده بالتجارب ومواصلة التعلم ــ كما تقدم في الروايات ــ وسواء أثبت العلم هذه الحقيقة الروائية أم لا، فنحن نريد الإشارة إلى ضرورة استمرار التجربة والتعلم لزيادة نمو العقل وهذا المقدار لا خلاف فيه وعلى الرغم من إن لعمر الانسان مدخلية في زيادة عقله كما تقدم وكما روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام): "يزيد عقل الرجل بعد الاربعين إلى خمسين وستين، ثم ينقص عقله بعد ذلك"(9)، إلا إن ذلك ليس على نحو العلة التامة، إذ يمكن للعقل أن يبقى شاباً وقوياً وإن شاب الإنسان وضعف جسمه، وتقدم في السن ووهن عظمه، فالعاقل لا يشيب عقله ولا تنتقص الشيخوخة من قوته بل وقد يزداد طاقةً وحيويةً لذا ورد عن أمير المؤمنين (عليه السلام):"رأي الشيخ أحب الي من جَلَد الغلام"(10)، وفي أخرى ".....من حيلة الشباب "(11) وأما من لم يوفر أسباب صقل عقله في مرحلة الشباب فإنه بلا شك يضمحل عقله في مرحلة الشيخوخة. وليس تقدم العمر هو العامل الوحيد في نقصان العقل بل إن النصوص الشرعية أشارت الى عوامل عديدة اخرى أهمها: أولاً: التعلم: فقد روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام): "من لم يصبر على ذل التعلم ساعة بقي في ذل الجهل أبداً"(13). ثانياً: التوبة: وعنه (عليه السلام) ايضاً:"من لم يرتدع يجهل"(14) ثالثاً: التقوى: فقد كتب إمامنا الباقر (عليه السلام) إلى سعد الخير: "بسم الله الرحمن الرحيم أما بعد فإني اوصيك بتقوى الله فإن فيها السلامة من التلف والغنيمة في المنقلب إن الله (عزوجل) يقي بالتقوى عن العبد ما عزب عنه عقله ويجلي بالتقوى عنه عماه وجهله"(15) إذن التوبة هي سبب للتوفيق الإلهي الذي يؤدي فيما يؤدي إليه من إكمال العقل. رابعاً: الوقوف عند الشبهة: وقال (عليه السلام ): "لا ورع كالوقوف عند الشبهة"(16). فإن الوقوف عند الشبهات سبب من أسباب التوفيق الإلهي بلا شك. خامساً: الاعتراف بالجهل: كما روي عن الإمام علي (عليه السلام): "غاية العقل الاعتراف بالجهل"(17) إذ الاعتراف بالجهل يدفع الإنسان دوماً إلى مزيد من بذل الجهد واكتساب المعارف. مما تقدم تتضح جلياً صحة هذه المقولة دلالةً، إذ إن العقول فعلاً لا تقاس بالأعمار لأن كلٍاً من زيادتها ونقيصتها منوطٌ بالعديد من العوامل الأخرى والتي تقدم ذكرها، بيد إن ذلك لا يبرر التساهل في نشرها والتهاون في الاستشهاد بها على إنها من أقوال أمير المؤمنين (صلوات الله وسلامه عليه) لعدم ثبوت ذلك سنداً من جهة ولضعف بلاغتها وركاكة تركيبها بالنسبة إلى سيد البلغاء والبلاغة. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) تهذيب اللغة ج1 ص65 (2) لسان العرب ج11 ص458 (3) نهاية الحكمة ص305 (4) ميزان الحكمة ج3 ص333 (5) أصول الكافي ج1، ح3 / 11 (6) نهج السعادة ج9 ص163 (7) الكافي ج7 ص94 (8) الفقيه ج3 ص493 (9) الاختصاص ص245 (10) نهج البلاغة حكمة 86 (11) بحار الأنوار ج72 ص105 (12) المصدر السابق ج1 ص94 (13) غرر الحكم ودرر الكلم ج1 ص118 (14) الكافي ج8 ص73 (15) وسائل الشيعة ج1 ص162 (16) غرر الحكم ودرر الكلم ج1 ص1 بقلم الكاتبة: رضا الله غايتي
اخرىالمرأة في فكر الإمام علي (عليه السلام)
بقلم: أم نور الهدى كان لأمير المؤمنين (عليه السلام) اهتمام خاص بالمرأة، فنراه تارة ينظر إليها كآية من آيات الخلق الإلهي، وتجلٍ من تجليات الخالق (عز وجل) فيقول: (عقول النساء في جمالهن وجمال الرجال في عقولهم). وتارة ينظر إلى كل ما موجود هو آية ومظهر من مظاهر النساء فيقول: (لا تملك المرأة من أمرها ما جاوز نفسها فإن المرأة ريحانة وليس قهرمانة). أي إن المرأة ريحانة وزهرة تعطر المجتمع بعطر الرياحين والزهور. ولقد وردت كلمة الريحان في قوله تعالى: (فأمّا إن كان من المقربين فروح وريحان وجنة النعيم) والريحان هنا كل نبات طيب الريح مفردته ريحانة، فروح وريحان تعني الرحمة. فالإمام هنا وصف المرأة بأروع الأوصاف حين جعلها ريحانة بكل ما تشتمل عليه كلمة الريحان من الصفات فهي جميلة وعطرة وطيبة، أما القهرمان فهو الذي يُكلّف بأمور الخدمة والاشتغال، وبما إن الإسلام لم يكلف المرأة بأمور الخدمة والاشتغال في البيت، فما يريده الإمام هو إعفاء النساء من المشقة وعدم الزامهن بتحمل المسؤوليات فوق قدرتهن لأن ما عليهن من واجبات تكوين الأسرة وتربية الجيل يستغرق جهدهن ووقتهن، لذا ليس من حق الرجل إجبار زوجته للقيام بأعمال خارجة عن نطاق واجباتها. فالفرق الجوهري بين اعتبار المرأة ريحانة وبين اعتبارها قهرمانة هو أن الريحانة تكون، محفوظة، مصانة، تعامل برقة وتخاطب برقة، لها منزلتها وحضورها. فلا يمكن للزوج التفريط بها. أما القهرمانة فهي المرأة التي تقوم بالخدمة في المنزل وتدير شؤونه دون أن يكون لها من الزوج تلك المكانة العاطفية والاحترام والرعاية لها. علماً أن خدمتها في بيت الزوجية مما ندب إليه الشره الحنيف واعتبره جهادًا لها أثابها عليه الشيء الكثير جدًا مما ذكرته النصوص الشريفة. فمعاملة الزوج لزوجته يجب أن تكون نابعة من اعتبارها ريحانة وليس من اعتبارها خادمة تقوم بأعمال المنزل لأن المرأة خلقت للرقة والحنان. وعلى الرغم من أن المرأة مظهر من مظاهر الجمال الإلهي فإنها تستطيع كالرجل أن تنال جميع الكمالات الأخرى، وهذا لا يعني أنها لا بد أن تخوض جميع ميادين الحياة كالحرب، والأعمال الشاقة، بل أن الله تعالى جعلها مكملة للرجل، أي الرجل والمرأة أحدهما مكمل للآخر. وأخيرًا إن كلام الإمام علي (عليه السلام) كان تكريمًا للمرأة ووضعها المكانة التي وضعها الله تعالى بها، حيث لم يحملها مشقة الخدمة والعمل في المنزل واعتبر أجر ما تقوم به من اعمال في رعاية بيتها كأجر الجهاد في سبيل الله.
اخرىالطلاق ليس نهاية المطاف
رحلةٌ مثقلة بالألم في طريق يئن من وطأة الظلم! ينهي حياة زوجية فشلت في الوصول إلى شاطئ الأمان. ويبدد طموحات أطفال في العيش في هدوء نفسي واجتماعي تحت رعاية أبوين تجمعهم المودة والرحمة والحب. الطلاق شرعاً: هو حل رابطة الزواج لاستحالة المعاشرة بالمعروف بين الطرفين. قال تعالى: [ لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (226) وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (227)].(١). الطلاق لغوياً: من فعل طَلَق ويُقال طُلقت الزوجة "أي خرجت من عصمة الزوج وتـحررت"، يحدث الطلاق بسبب سوء تفاهم أو مشاكل متراكمة أو غياب الانسجام والحب. المرأة المطلقة ليست إنسانة فيها نقص أو خلل أخلاقي أو نفسي، بالتأكيد إنها خاضت حروباً وصرعات نفسية لا يعلم بها أحد، من أجل الحفاظ على حياتها الزوجية، ولكن لأنها طبقت شريعة الله وقررت مصير حياتها ورأت أن أساس الـحياة الزوجيـة القائم على المودة والرحـمة لا وجود له بينهما. فأصبحت موضع اتهام ومذنبة بنظر المجتمع، لذلك أصبح المـجتمع يُحكم أهواءه بدلاً من الإسلام. ترى، كم من امرأة في مجتمعنا تعاني جرّاء الحكم المطلق ذاته على أخلاقها ودينها، لا لسبب إنما لأنها قررت أن تعيش، وكم من فتاة أُجبرت قسراً على أن تتزوج من رجل لا يناسب تطلعاتها، لأن الكثير منهن يشعرن بالنقص وعدم الثقة بسبب نظرة المجتمع، وتقع المرأة المطلّقة أسيرة هذه الحالة بسبب رؤية المجتمع السلبيّة لها. وقد تلاحق بسيل من الاتهامات وتطارد بجملة من الافتراءات. وتعاني المطلقة غالباً من معاملة من حولها، وأقرب الناس لها، بالرغم من أن الطلاق هو الدواء المر الذي قد تلجأ إليه المرأة أحياناً للخلاص من الظلم الذي أصبح يؤرق حياتها الزوجية، ويهدد مستقبلها النفسي، والله تعالى لم يشرع أمراً لخلقه إلا إذا كان فيه خير عظيم لهم، والطلاق ما شرّع إلا ليكون دواء فيه شفاء وإن كان مرّاً، وإن كان أمره صعباً على النفوس، حيث قال عز وجل: "وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ وَكَانَ اللَّهُ وَاسِعًا حَكِيمًا"، روي عن الرسول الأعظم (صلى الله عليه واله وسلم) ((أبغض الحلال إلى الله الطلاق) (٢). ورغم أن الشريعة الإسلامية أباحت الطلاق بشروط تلاءم لبناء المجتمع، وأولت أهمية في الإحسان دائمًا للطرف الأضعف والأكثر خسارة في هذه المعادلة وهي "المرأة"، إلا أن المجتمع الذي يدّعي الإسلام لا يرحمها، ويحكم عليها بالإدانة طوال حياتها دون النظر في صحة موقفها في الطلاق من عدمه! قال( تعالى ): [الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ] (٣). ولكن بعد كل هذا فالحياة لم ولن تتوقف بعد الطلاق! الطلاق ليس نهاية الحياة. - أخيتي. ليكن الطلاق بداية جديدة لحياة جديدة وللانطلاق. -قطار العطاء لن يتعطل. فإن كنت السبب في الطلاق فالحمد لله على كل حال وتلك أمة قد خلت وأيام ذهبت وانجلت فلست بالمعصومة من الخطأ. وعليك استدراك الأخطاء وتقوية مواطن الضعف في شخصيتك، واجعليها درساً مفيداً في الحياة لتطوير نفسك وتقويتها. وإذا كنتِ مظلومة فهناك جبار يُحصي الصغير والكبير وسيأتي يوم ينتصر لك فيه. -ومن الجميل أن تعطي نفسك الإحساس بالحب والاحترام، ولا تتأثري بأي نظرة سلبية من المجتمع وكون البعض يتعامل مع المطلقة على أنها حالة خاصة فعليكِ إثبات ذاتك حتى تفرضي على الكل شخصيتك. - نظرتك لنفسك اجعليها نظرة ايجابية مشرقة ولا تنزلقي في مستنقع نبذ الذات وظلم النفس. - ابحثي عن الصفات الجيدة فيك فإن ذلك سيشعرك بالثقة في ذاتك والتقدير لها. -حاولي مراجعة نفسك للخروج بإيجابيات حصلت لك من طلاقك. - خالطي الآخرين وإياك والعزلة بسبب وضعك الجديد فلست بأول من يبتلى بالطلاق. -استمتعي بالموجود ولا تتعلقي بالمفقود، حلقي بروح تعبق أملاً وتفاؤلاً، استمتعي بما وهبك الله من نعم (صحة وأولاد وأهل وصديقات وعمل وهوايات وغيرها من الأمور الجميلة) فما حصل لك حصل… ولابد أن تتقبليه برضا، وأعلمي أن ما أصابك لم يكن ليخطأك وما أخطأك لم يكن ليصيبك. وقال أصدق من قال: ( وعسى أن تكرهوا شيئاً وهو خير لكم). فالرضا سر السعادة الحقيقي. - اقتربي من صديقاتك الصالحات، واقضي معهن وقتاً طيباً تنسين به ألمك وحزنك. - احرصي على الصلوات وقراءة القرآن الكريم والذكر والاستغفار وأكثري من الطاعات قدر ما تستطيعين، ففيها السلوى والفرح والسعادة. ونعم سعادة القرب من الرحمن. - اشغلي نفسك بأعمال البر والإحسان بمساعدة محتاج. بكفالة يتيم. بتعلم الفقه والقرآن وتعليمه. - اجتهدي في عمل برنامج يومي لك يكون ممتلأ بكل ما هو مفيد لك. من قراءة وزيارة الأصدقاء وصلة الرحم. بحيث لا تكون هناك دقيقة أنت فارغة فيها. - وأسرعي بقاربك الجميل بمجذافين من إيمان بالله وثقة بالنفس وسوف تصلين بإذن الله نحو جزيرة السعادة والنجاح. لكي تتسلق جبال الإنجاز، وتصل لأعلى مراتب الاعجاز. وعندها جزماً سيكون للحياة معنى آخر. --------------------------------- (١)-سورة البقرة الآية (٢٢٦-٢٢٧). (٢)-الكافي (٢)-سورة البقرة الآية (٢٢٨) حنان ستار الزيرجاوي
اخرىهَوَّنَ عَلَيَّ مَا نَزَلَ بِي أَنَّهُ بِعَيْنِ اللهِ
عاشوراء مدرسة أعطت وتعطي الكثير الكثير كل يوم للمتأمل فيما ورد عنها من كلمات وفيما وثق فيها من مواقف... ولعل من أهم الدروس التي ترسخها عاشوراء في الأذهان بعد ضرورة مواجهة الباطل والدفاع عن الحق مهما كلفت من تضحيات جسام هو: الصبر على البلاء بل والرضا به .. كيف لا، وقد ورد عن سيّد الشهداء (عليه السلام) في اللحظات الأخيرة من حياته حينما كان يتمرّغ في الدم والتراب: «رضاً بقضائك وتسليماً لأمرك لا معبود سواك»(1). وكذلك فيما جاء في خطبته عند خروجه من مكّة إلى المدينة: «رضا اللَّه رضانا أهل البيت»(2) . فما سر هذا الرضا رغم شدة الابتلاءات وقساوة المحن التي مر بها سيد الشهداء (عليه السلام) ؟ مما لا شك فيه أن يقين الامام الحسين (عليه السلام) هو الذي رفعه إلى مقام الرضا رغم ما جرى عليه في واقعة كربلاء، إلا أنه ومع هذا فقد أرشد المؤمنين إلى مفاتيح الصبر والرضا، ولعل من أهمها ما وَرَدَ عنه (عليه السلام) أَنَّهُ قَالَ بعد أن تفاقم الخطب أمامه في كربلاء، واستشهد أصحابه وأهل بيته: «هَوَّنَ عَلَيَّ مَا نَزَلَ بِي أَنَّهُ بِعَيْنِ اللهِ»(1). فهنا يلفت الامام الحسين (عليه السلام) نظر المؤمنين الى حقيقة مهمة وهي: أن الله سبحانه يعلم بكل مجريات الأُمور، وهو مطلع على كل معاناة المبتلى وما يكابده من ألم دونما اعتراض منه على قضائه هو في حد ذاته حافز للمبتلى للصبر والرضا.. ولتقريب المعنى نقول: إن المتسابقين في ساحة اللعب مثلا يشعرون بالارتياح حينما يعلمون أن أبويهم وأصدقاءهم ينظرون اليهم فيندفعون بقوّة أكبر في تحمل الصعاب لتحقيق الفوز. فإذا كان تأثير وجود الأبوين والأصدقاء كذلك، فما بالك بتأثير استشعار رؤية الله لما يجري على الانسان وهو يصارع الألم ويواجه المحن؟! ما أعظم القوّة التي يمنحها هذا الاستشعار لتحمل الامتحانات العسيرة والمصائب الخطيرة .. ولذا فقد جاء النداء الالهي لتثبيت قلب النبي نوح (عليه السلام) حين واجه أعظم المصائب والضغوط من قومه وهو يصنع الفلك، حيث قال (تعالى) : (وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا)(2). فكان لعبارة «بِأَعْيُنِنَا» وقع عظيم في نفسه (عليه السلام) فصبر وواصل عمله الى نهايته دونما أن يلتفت الى تقريع الأعداء أو يهتم باستهزائهم. ــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) موسوعة الامام علي بن أبي طالب (عليه السلام) ج8 ص42 (2) المصدر السابق (3) بحار الأنوار، ج 45، ص 46 (4) هود 37 رضا الله غايتي
اخرى