تشغيل الوضع الليلي
الإمامُ الرّضا (عليه السلام) وسياسة المأمون العباسيّ
منذ 5 سنوات عدد المشاهدات : 2064
بقلم: نرجس إبراهيم صافي
بعدَ اندراس الحكم الأموي واضمحلاله بين منافي التّأريخ، استطالَ عمود بني العباس بالدعوة إلى أنفسهم مستغلينَ اقترانَ نسبهم بنسبِ رسول الله (صلىٰ اللّٰه عليه وآلهِ) مدّعينَ أنهم الأقرب إليه حتى من آل علي وأن ذلك النسب يتيحُ لهم خلافتهُ، وما ذاك إلا لعقدة النقص التي رافقتهم جميعًا والتي حاولَ الإمام عليّ (صلواتُ اللهِ عَليه) جاهدًا سدّها.
ولكنهم أبوا إلّا أن يستشعروا تلكَ الضحالة بسبب صعوبة الانفصال عن الفكر الجاهلي القائم علىٰ التمييز والتفرقة بين السادة والعبيد وبين الموالي والعرب، وحيثُ أنّ جدهم العباس بن عبد المطلب كانَ ابن جاريةٍ لزوجة أبيهم أم عبد الله وأبي طالب وقد أهدتها لزوجها عبد المطلب فولدَت له العباس، فكانوا دومًا يتحسسونَ من آل علي كونهم أبناءً لجارية أمهم، وظلَّت تلكَ العقدة ترافقهم حتىٰ في حكومة أمير المؤمنين (صلواتُ اللهِ عَليه) ومحاولةً منه لدثرها قَامَ بتولية بعض أبناء العباس على بعض الأمصار.
ولكن يبدو أنها كانت عصيةً علىٰ الاخماد، وظلت مستعرة بينَ جوانحهم حتى دارت رحى الأيام لتردي عنفوان دولة بني أمية، ويتسلطَ آل العباس بحجة الدعوة إلىٰ (الرضا من آل محمد).
ولم تختلف حكومة آل العباس عن سابقتها إلا أنها كانت أشد ضراوةً وتضييقًا علىٰ آل علي، وكأنها فجّرت كل تلك العقد ما إن استتبَ لها ذلك، فقد قامَ المنصور بقتل الآلآف منهم بأبشع الصور حتى قال يومًا: (قتلتُ من ذرية فاطمة ألفًا أو يزيدون وتركتُ سيدهم ومولاهم وإمامهم جعفر بن مُحمّد). (١)
وكذلك خاطبَ الإمام الصادق (صلواتُ اللّٰهِ عَليه) بقولهِ: (لأقتلنك ولأقتلنَّ أهلك حتىٰ لا أبقي علىٰ الأرض منكم قامة سوط). (٢)
والهادي العباسي الذي أشبعهم قتلًا وتنكيلا وقطع أرزاقهم وكتبَ إلىٰ الآفاق في طلبهم وعاشت الشيعة آنذاك أشد الرعب، وهو صاحبُ واقعة فخ تلك المجزرة المروّعة التي تشبه كربلاء بمأساتها حيث بلغت الرؤوس مائة ونيف.
ولم يكن هارون بأقل فداحة منهم؛ ففي عصره لاقت الشيعة ما لاقت وهو القائل: (حتّى م أصبرُ علىٰ آل بني طالب، واللّٰه لأقتلنهم ولأقتلنَّ شيعتهم). (٣)
هذا هو المنهج الذي اختطه بنو العباس، وهم مع ذلك ما برحوا يشمخون بدعوى انتسابهم للنبي (صلىٰ اللّٰه عليه وآلهِ) وهم الذين أقصوا آل بيته وشيعته ومزقوهم كل ممزق.
حتى هلكَ هارون موصيًا بالخلافة بعده إلى ولده الأمين علىٰ مضض حيثُ كان ميلهُ لابنه المأمون لولا أمرين قد ذكرهما في وصيته: (ولولا أم جعفر وميل بني هاشم لقدمت عبد الله - يعني المأمون- عليه). (٤)
فالأمين بالرغم من أنه كانَ ضعيف الرأي إلّا أنه كان ابن زبيدة حفيدة المنصور والسيدة الأولى في بلاط بني العباس، بعكس المأمون الذي كانَ ابن جارية فارسية ذميمة تدعى مراجل.
وكثيرًا ما كان المأمون يُستفزُ ويُعيّر بها، ولم يهدأ له بال حتى أثار الفتن في عموم البلاد علىٰ أخيه الأمين، وتصاعدت حدة الصراع بين الفرس الذين كانوا يميلون للمأمون وبين العرب الذين كانوا يميلون للأمين، وانتهت تلك الحروب والصراعات بقتل الأمين وتسلط المأمون علىٰ دفة الحكم.
الأمر الذي أدى إلى سخط الناس، وبغضهم له، خصوصًا وأنهم لاقوا ما لاقوا في خلافته فقامت الثورات ثانية في البلاد وتنوعت بين الثورات العلوية وغيرها، ولكن الثورات العلوية كانت أشد حساسية حيث أن قادتها كانوا ينتسبونَ للرسول (صلىٰ اللّٰه عليه وآلهِ).
كان الشعبُ آنذاك يرزحُ تحت وطأة البؤس والحرمان، في حين أن خزائنَ ملوك بني العباس كانت تزخر بالملايين من أموال المسلمين، ولم ينفقوها في مصالح شعبهم بل جعلوا مال الله تعالى بينهم دولا وعباد الله خولا؛ حتىٰ نقمَ الناس عليهم أشد نقمة وتمنوا رجوعَ الحكم الأموي علىٰ ما فيه من الظلم والجور، وفي ذلك يقول أبو عطاء السندي:
يا ليتَ جورَ بني مروان دامَ لنا وليتَ عدلَ بني العباس في النارِ (٥)
وهذه هي استراتيجية الحُكّام الظلمة في التسلط علىٰ رقاب الناس، أليس هارون هو القائل لابنه المأمون: (... واللّٰهِ لو نازعتني هذا الأمر لأخذت الذي فيه عيناك؛ فإن الملك عقيم)؟!(٦)
وهذا المأمون يصارعُ أخاه فيصرعهُ طلبًا للملك، فهل تراه حينما يُلح على الإمام الرضا (صلواتُ اللّٰهِ عَليه) في أمر الخلافة تارة وفي ولاية العهد أخرى حبًا بهِ وخيرًا له؟
وهو نفسه اعترفَ في الكتاب الذي أرسله للعباسيين حيث قال: (حتى قضى الله بالأمر إلينا فأخفناهم وضيّقنا عليهم وقتلناهم أكثر من قتل بني أمية إياهم، ويحكم أنّ بني أمية قتلوا من سلّ سيفًا وإنّا معشر بني العباس قتلناهم جملاً، فلتسألن أعظم هاشمية بأي ذنب قتلت؟ ولتسألن نفوس ألقيت في دجلة والفرات ونفوس دفنت ببغداد والكوفة أحياء..). (٧)
كانَ المأمون متطلعًا لرواجِ ملكهِ ورضا الناس عنه حينَ يدعمه الإمام بقبوله لولاية العهد، وأنه سيُلقم العلويين حجرًا حينَ يرونَ سيدهم يتطلعُ للخلافة والملك، وحينها سيقلل من شأنه حينَ يرى الناس إقبال الإمام علىٰ الدنيا وزخارفها..
تلك الاستراتيجية التي لم ترَ النور حينَ ارتطمَ المأمون بمفاجأة الإمام له واطلاعه علىٰ ما يُضمره، فراح يستعمل معه أسلوبَ التهديد، وأجبر الإمام علىٰ القبول بها ولكن بشروط؛ وكانت تلكَ الشروط كاشفةً عن عدم شرعية ملك المأمون أولًا، وعن عدم ميلهِ (صلواتُ اللّٰهِ عَليه) للملك والخلافة ثانيًا.
بهذهِ السيرة أرسى آل العباس ملكهم، ولكن كُشفَ زيفهم فيما بعد ولم تدم هذه المظاهر علىٰ ما هي عليه، حيث كانت نسبة الوعي آنذاك عالية، ومما ساعدَ العلويين في فضح العباسيين هو بطشهم العلني.
وهذا ما أدركه المأمون مؤخرًا كما يبدو من المعطيات التاريخية، فراح يشق طريقًا آخر غير الطريق الذي سلكه آباؤه والقائم علىٰ القتل والنفي، فقد أدرك خطورة ذلك على خلافته الفتية فأخذَ يستقطبُ الناس ويحدُ من غضبهم بإتاحة المناظرات الفكرية في بلاطه وتنوّعها، حتىٰ برزت فكرة الانعزال علىٰ الساحة آنذاك وتبناها هو.
وعقدَ العديد من الندوات الفكرية والثقافية، وأحضر أشهر الملاحدة والنصارى واليهود ظنًا منهُ أنه سيُفحم الإمام (صلواتُ اللهِ عَليه) ويسقطهُ بينَ أعين الناس حتىٰ دعاهُ ذات يوم إلى مجلسٍ جمع فيه أصحاب المقالات مثل الجاثليق (كبير أساقفة النصارى) ورأس الجالوت (كبير أحبار اليهود)، ورؤساء الصابئين، والهربذ الأكبر (شيخ المجوس)، وأصحاب زرداشت، وقسطاس الرومي (كبير علماء الطب) ، والمتكلّمين، يسمع كلامه وكلامهم..
وكانَ معه أحد العراقيين ويدعى (نوفل) فسأله الإمام عما يكون السبب وراء استدعاء المأمون له؛ فراح نوفل يحذر الإمامَ من مكيدة المأمون وأنه جمعَ ما جمعَ ليفحمه... فتبسّم (عليه السلام)، ثمّ قال: يا نوفليّ، أتَخافُ أنْ يقطعوا عليّ حجّتي؟
قال: لا والله ما خفتُ عليكَ قطّ، وإنّي لأرجو أن يظفرَك اللهُ بهم، إنْ شاء الله.
فقال (عليه السلام): يا نوفليّ، أتحبُّ أنْ تعلمَ متى يندمُ المأمونُ؟
قال: نعم.
قال (عليه السلام) : إذا سمعَ احتجاجي على أهلِ التوراة بِتوراتِهم، وعلى أهلِ الإنجيلِ بإنجيلِهم، وعلى أهلِ الزّبورِ بِزَبورِهم، وعلى الصّابِئينَ بِعبرانيّتِهم، وعلى الهرابِذَةِ بفارسيّتِهم، وعلى أهلِ الرّوم برومِيّتِهم، وعلى أصحابِ المقالاتِ بِلغاتِهم، فإذا قطعتُ كلَّ صنفٍ ودَحَضتُ حجّتَه، وتَرَكَ مقالتَه، ورجِعَ إلى قَولي، علِمَ المأمونُ أنّ المَوضِعَ الذي هو بِسبيلِه ليس هو بِمُستَحقٍّ له، فعندَ ذلك تكونُ الندامةُ منه، ولا حولَ ولا قوّةَ إلّا بالله العليِّ العظيمِ...»(٨)
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
١- الأدب في ظل التشيع، ص٦٨.
٢- مناقب آل أبي طالب، ج٣، ص٣٥٧.
٣- الأغاني، ج٥، ص٢٢٥.
٤- سمط النجوم، ج٣، ص ٤٤٠.
٥- الفتوح، ج٨، ص٣٣٨.
٦- عيون أخبار الرضا، ج٢، ص٨٦.
٧- بحار الأنوار، ج٤٩، ص ٢١٠-٢١١.
٨- توحيد الصدوق، ص٤١٧.
اخترنا لكم
رسولُ الإنسانية
بقلم: إيمان الشوهاني في أرضٍ القويُّ فيها يأكلُ الضعيفَ، والغنيٌّ يتعالى على الفقير، والسيّدُ فيها يُعذّبُ العبدَ، والبنتُ توأد، والابنُ يرثُ زوجةَ أبيه وله أنْ يتزوّجها، يعبدونَ ما يصنعون من أوثان، الخمرُ والميسرُ غيّبا عقولهم فتراهم قُساةً، تحكمُهم العصبيةُ للونِ والقبيلةِ، عقولُهم كالحجارةِ بل أشدّ. في هكذا أرضٍ وهكذا مُجتمعٍ ولِدَ ونشأ رسولُنا الكريمُ (صلّى الله عليه وعلى آله)، وكان مُختلفًا عنهم مُميّزًا في كُلِّ شيء، فكان بعيداً كُل البُعدِ عن فعلِ الموبقات التي ميّزتْ ذلك المُجتمع، بل كانَ صادقًا أمينًا نزيهًا كثيرَ الحياءِ وغيرها من الصفاتِ الحميدة... كان يمتلكُ من الخُلُقِ الرفيعِ ما يجعلُ ذلك المُجتمعُ الوثني يحترمُه ويُجِلُّه. وما إنْ جاءتْ لحظةُ التغيير بأمرٍ إلهي؛ ليُبعثَ رسولاً لأمّةِ الجهل؛ وليهديهم إلى النور، لم يتقبلْ ذلك المُجتمعُ الجاهلُ وجودَ شخصٍ واحدٍ ليسَ من عشائرٍهم ولا من الأغنياء يكونُ نبيًا عليهم، ولم تتحملْ عقولُهم الحجريةُ أنّ هذا الرسولَ بعثَه اللهُ (تعالى) إليهم رحمةً؛ ليُنهيَ على يديه ذلك الجهل ويُنيرَ به الدربَ، فحاربوه بشتّى الوسائلِ حتّى خرجَ من تلك الأرضِ إلى أرضٍ أخرى؛ لتكونَ أساسًا لبدايةِ دولةِ الرحمةِ والإنسانية. دولةٌ فيها الإنسانُ له قيمةٌ بغضِّ النظر عن جِنسِه أو لونِه، حُرًا كان أو عبدًا، غنيًا أو فقيرًا، الجميعُ فيها له حقوقٌ، كما عليه واجبات، وما هي إلا سنواتٌ قليلةٌ حتّى أصبحتْ تلك الدولةُ من أعظمِ الدول. إنّه النبيُّ الإنسانُ صاحبُ الخُلُقِ العظيم، تلك الإنسانيةُ، وذلك الخُلُقُ جعلتِ القلوبَ تتهافتُ عليه، حيث حرّرَهم من عبوديتِهم لينطلقوا إلى الحرية، فكانتْ خيرَ أمّةٍ أُخرِجتْ للناس. اليومَ نستذكرُ برحيله تلك الأمّةَ التي غيّرها ابتعادُها عنه وعن إنسانيته، وخُلُقِه الرفيع، فعادتْ إلى الجهل شيئًا فشيئًا، ونحنُ ندعو اللهَ (تعالى) أنْ يردَّنا إليها ردًا جميلًا بحقِّ نبي الرحمة (صلوات الله عليه وآله).. اللهم آمين
اخرى
شبهاتٌ عقائدية حول مذهب التشيّع/ في النبوة(2) حول عصمة النبي في تلقي الرسالة الإلهية
المراد من تلقي الرسالة السماوية هو نزول الوحي جبرائيل (عليه السلام) على النبي الأكرم محمد (صلى الله عليه وآله)، فقد يُطرح السؤال: هل كانَ النبيّ معصوماً –عن الكذب والخطأ والسهو والنسيان- حينما تلقى معالم الدّين من جبرائيل الوحي (عليه السلام) ؟ الجواب عن هذا السؤال سيكون ضمن مطلبين يتم فيه سرد رأي الفريقين من الشيعة الإمامية وأبناء العامة مع خلاصة حيادية: المطلب الأول: رأي الشيعة الإمامية في عصمة النبي أثناء تلقي الوحي 1-قال الشيخ الصدوق (قدّس سرّه): "اعتقادنا في الأنبياء والرسل والملائكة والأئمة صلوات الله عليهم أجمعين أنهم معصومون مطهرون من كل دنس، وأنهم لا يذنبون ذنبا صغيرا ولا كبيرا، ولا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون، ومن نفى العصمة عنهم في شئ من أحوالهم فقد جهلهم"(1)، فبقرينتي (من كل دنس) و (من أحوالهم) نثبت العصمة مطلقاً للنبي (صلى الله عليه وآله)، فالتخيل للوحي، أو الاشتباه في شخصه لهو من الدنس بالنسبة للنبي (صلى الله عليه وآله). 2- سأل زرارة بن أعين الإمام الصادق (عليه السلام): "كيف لم يَخَف رسول الله (صلى الله عليه وآله) فيما يأتيه من قبل الله، أن يكون مما ينزغ به الشيطان؟ فقال (عليه السلام): إنَّ الله إذا اتخذ عبدًا رسولاً أنزل عليه السكينة والوقار، فكان الذي يأتيه من قبل الله مثل الذي يراه بعينه"(2). فالرواية تبين مصونية النبي (صلى الله عليه وآله) عن اختلاج الشيطان طرفة عين في مرحلة تلقي الرسالة السماوية المقدسة. المطلب الثاني: رأي أبناء العامة في عصمة النبي أثناء تلقي الوحي اشتهرت قصة الغرانيق عند أبناء العامة –رغم انكار البعض لها- إلاّ أنّ هناك من استشهد بها؛ استدلالاً منهم على نفي الغلو بالنبي (صلى الله عليه وآله) مثبتاً عدم عصمة النبي في مرحلة تلقي الوحي من خلال إلقاء الشيطان من نفثه في قلبه (صلى الله عليه وآله)، والأدلة أدناه كفيلة ببيان هذا الكلام وتعضيده. 1- قال شيخ الوهابية عبد العزيز بن باز: " قد أجمع المسلمون قاطبة على أن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام – ولاسيما محمد – صلى الله عليه [وآله] وسلم – معصومون من الخطأ فيما يبلغونه عن الله عز وجل ، قال تعالى : "والنجم إذا هوى * ما ضل صاحبكم وما غوى * وما ينطق عن الهوى * إن هو إلا وحي يوحى * علمه شديد القوى " النجم /1-5 )، فنبينا محمد – صلى الله عليه [وآله] وسلم – معصوم في كل ما يبلغ عن الله قولاً وعملاً وتقريراً ، هذا لا نزاع فيه بين أهل العلم "(3). فالدليل يدل على حصر العصمة في مقام التبليغ فقط، وإن كان ذلك المقام مخروم العصمة وفق معتقدهم. 2-قال ابن كثير في تفسيره للآية الكريمة: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّىٰ أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِه}(4) "وقوله : ( إلا إذا تمنى ألقى الشيطان في أمنيته ) ، هذا فيه تسلية له ، صلوات الله وسلامه عليه ، أي : لا يهيدنك ذلك ، فقد أصاب مثل هذا من قبلك من المرسلين والأنبياء . قال البخاري : قال ابن عباس : ( في أمنيته ) إذا حدث ألقى الشيطان في حديثه ، فيبطل الله ما يلقي الشيطان ويحكم الله آياته . قال علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس : ( إذا تمنى [ألقى الشيطان في أمنيته]، يقول : إذا حدث ألقى الشيطان في حديثه"(5). فبهذا الحديث يثبت القوم إلقاء الشيطان في قلب النبي (صلى الله عليه وآله), وإذا أُلقي في قلبه خالجه الشك والسهو والنسيان في جميع مراحل حياته ومقامات مسؤولياته ! 3- قال ابن عاشور في تفسيره للآية أعلاه: " ويجوز أن يكون المعنى أن النبي [صلى الله عليه وآله] إذا تمنى هدي قومه أو حرص على ذلك فلقي منهم العناد, وتمنى حصول هداهم بكل وسيلة ألـقى الــشيطان في نفس النبي [صلى الله عليه وآله] خاطر اليأس من هداهم على أن يقصّر النبي [صلى الله عليه وآله] من حرصه أو أن يضجره، وهي خواطر تلوح في النفس ولكن العصمة تعترضها [ومقصودهم العصمة من الله تعالى] فلا يلبث ذلك الخاطر أن ينقشع ويرسخ في نفس الرسول [صلى الله عليه وآله]"(6). إذاً إنّ إلقاء الشيطان في قلب النبي (صلى الله عليه وآله) ثابتٌ عند القوم، والعياذ بالله من قبح الزلل. 4- جاء في روايات أبناء العامة أنّ النبي (صلى الله عليه وآله) لا يدري ما نزل عليه وما حلَّ به! قال ابن سعد في طبقاته: "وبعد أنْ هدَأ عنه الرَّوع والخوف، أخبر خديجة بالأمر، وقال: أخشى أنَّه قد اعتراني مــسٌّ من الشيطان [يعني أصابه مسٌ من الجان] أخشى أنَّه قد أصابني مسٌّ من الشيطان، أو اعتراني جنون. فهدَّأتْ خديجةُ من رَوعه، وقالت: أبشر فوالله لا يخزيك اللهُ أبدًا، إنَّك لتصل الرحم، وتصدق الحديث وتحمل الكلَّ وتُقري الضيف وتعين على نوائب الحقّ، فحاولت أن تهدئه، وكان يقول: إنَّ الأبعد -يقصد نفسه- لشاعر، أو مجنون"(7). والــخلاصة: يردّ قول أبناء العامة بالأدلة العقلية التالية: 1- لو لم يكن النبي معصوماً أثناء تلقي الوحي لتبادر إليه الشك في جميع ما اُلقي عليه من معالم الدّين. والتالي باطل فالمقدم مثله في البطلان. بيان الملازمة: لو اشتبه النبي (صلى الله عليه وآله) هل أنّ مَن يكلمه ويملي عليه الأوامر والنواهي الإلهية هل هو وحيٌ أم شيطان سيخالج الشك قلب النبي ولا يكون أمامه إلاّ طريقان لا ثالث لهما: أ- أن يؤمن النبي بجميع ما يملي عليه ما يحسبه أنه الوحي. ب- أن يكفر النبي بجميع ما يملي عليه ذلك. والطريق الأول باطل؛ لأنّه شاكٌ في نسبة الوحي إلى الله تعالى، والشك أدنى درجات الظن، والظن لا يغني من الحق شيئا. وإذا تعيّن بطلان الأول تعيّن صحة الطريق الثاني. وهو كما ترى. 2- لو تزامن إلقاء الوحي مع إلقاء الشيطان في قلب النبي للزم أن يكون النبي يجمع بين النقيضين. والتالي باطل فالمقدم مثله في البطلان. بيان الملازمة: لو ألقى الوحي على النبي مثلاً آية توجب أداء الصلاة، وخالج الشيطان شكاً لقلب النبي وأمره بعدم أدائها بحجة أنّ الآية ليست من الله تعالى. 3- لو خالج الشيطان قلب النبي للزم أن يكون محل إنكار وعتاب. والتالي باطل فالمقدم مثله في البطلان. بيان الملازمة: لو وسوس الشيطان للنبي بأنّ هذا الوحي ليس صادقاً فيما يقول، وأمر النبي قومه بأداء ما جاء به الوحي وامتنع هو عن الأداء لكان مصداقاً لقوله تعالى: (كبُرَ مقتاً أن تقولوا مالا تفعلون) فيعاتبه الله تعالى وينكر عليه فعله. ___________________ (1) الإعتقادات: للشيخ الصدوق، ص108. (2) الكافي: للكليني، ج1،ص271. 3) فتاوى ابن باز: لابن باز، ج6، ص371. (4) الحج: 52. (5) تفسير ابن كثير: لابن كثير، سورة الحج. (6) تفسير التحرير والتنوير: لمحمد بن عاشور، ج17، ص299-300. 9- ظ: الطبقات الكبرى: لابن سعد، ج1، ص195، امتاع المقريزي، ج3، ص26. اللّهم إنّا نعوذ بك من سبات العقل، وقبح الزلل، وصلِ اللّهم على محمدٍ المعصوم مطلقاً والآل. علوية الحسيني
اخرى
الصبر الإيجابي… السيدة الزهراء (عليها السلام) نموذجاً
بقلم: رضا الله غايتي للصبر قيمة كبرى في الفكر الإسلامي، فقد روي عن الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) أنه قال: "الصبر من الإيمان كالرأس من الجسد "(1). فإن الرأس من بين سائر الأعضاء الظاهرية الأخرى له خصوصية بالنسبة للجسد فهو مركز قيادته وإذا ما تعرض لسوء أو شلل فإن كلّ أو جل أعضاء البدن الأخرى تتعرض لذلك أيضاً وعندئذٍ لن يكون هناك أيّ فارق بين حياتها وموتها. بل هو ضروري جداً إلى درجة أن يفقد الجسد بفقده الحياة. ولا غرو في أن يكون الصبر من الإيمان كالرأس من الجسد فهو القوة التي يتمكن بواسطتها الانسان من تجسيد معتقداته بصورة عملية. وهو الذي يُمكِّن المسلم من نفخ روح محاسن الأخلاق في جسد سلوكياته اليومية. وهو الذي يترجم أصول الدين ويساعد على تطبيق فروعه وأداء مختلف التكاليف الشرعية. وعندما يُفقَد الصبر، يُفقَد معه كل شيء من التوحيد الى إماطة الأذى عن طريق المؤمنين. بل إن رسالات السماء لم تكن لتصل الينا لولاه. فهو العامل الذي صان النداء الإلهي، وحفظ التوحيد والذي سيحفظه إلى يوم القيامة. من هنا يحرص أغلب المؤمنين على أن يصبروا، إلا أن الكثير منهم يفهم الصبر فهماً سلبياً يقتصر على تحمل الآلام والمصاعب وتجرّع الأحزان والمصائب. وهو فهم غامض ومطاط الى درجة يمكن توجيهه إلى معانٍ مختلفة، بل و متضادة أحيانا. فكما يمكن للصبر أن يوظف توظيفاً ايجابياً ليفتح للشعوب باباً إلى الحرية والرخاء فكذاك يمكن أن يوظف توظيفاً سلبياً يفتح لهم باباً إلى الاستعباد والشقاء. فيتجرّعون مرارة التعاسة وذل الاستعباد بكأس الفهم المغلوط للصبر مقتنعين قناعة تامة أنهم مأجورون على ذلك ومثابون. ومما لا شك فيه أن المستفيد الأول من كل هذا هم الظالمون والمفسدون. على حين أن الصبر حسب الرؤية الدينية مفهوم نشط وفاعل، لا أنه راكد وخامل، لا يعرف الاستسلام والسلبية. بل يتضمن عنصر العمل والحركة والفاعلية. ويحطم العقبات ويرفع الموانع ويواجه المشكلات ويتجاوزها بكل سهولة محققاً النتائج الإيجابية. وبذا يكون سبيلاً لتحقيق الأهداف ومفتاحاً للفرج والتقدم والتطور لا سبباً للشقاء والتعاسة والتقهقر. إذاً فالصبر: هو مقاومة الإنسان للعقبات والعراقيل الداخلية (النفسية) والخارجية (الظروف المحيطة به) للوصول الى الهدف الذي ينشده والغاية التي يرجوها. فهو يبعث على الهمة العالية والمثابرة المتواصلة والعمل الجاد إلى جانب تحمل المشاق والنوائب ومواجهة الظروف القاسية والمتاعب في سبيل تحقيق الأهداف وبلوغ الغايات. ومن أبرز من أحسنوا الصبر على مدى التاريخ هم الكُمّل من الناس الأنبياء والأوصياء (عليهم السلام) ثم الأمثل فالأمثل، ومنهم سيدة نساء العالمين فاطمة الزهراء (عليها السلام) فعلى الرغم من عمق حزنها و شدة أساها على فقد أبيها ــ فقد روي عن الامام علي (عليه السلام) أنه قال: "غسلت النبي (صلى الله عليه وآله) في قميصه فكانت فاطمة (عليها السلام) تقول: أرني القميص، فإذا شمته غشي عليها، فلما رأيت ذلك منها غيبته "(2)ــ إلا أنها صبرت صبراً فاعلاً صبراً حركياً إيجابياً شهدته الساحة الاسلامية. و لم تنزوِ في بيتها؛ لأنها لاحظت بداية الانحراف في مسار الدين الاسلامي وأيقنت إنه إذا ما تُرِك سيزداد اتساعاً بمرور الزمن لا محالة. فبادرت الى تقويمه معرضةً نفسها وحياتها إلى الخطر ولم تدخر جهدا إلا واستثمرته ولم تدع وسيلة مشروعةً إلا ووظفتها. ففضحت زيف من اغتصب الخلافة (ولعمري لولا فاطمة (عليها السلام) لم يعرف المنافقون الضالون الذين تقمصوا الخلافة الكبرى، وعموا عن نص الولاء، وأغضبوا رب العلى؛ إذ كانت (عليها السلام) ترغم أنف المعاندين بحجتها، وتفحم مغاليطهم ببراهينها، وترفع لثام النفاق عن وجوههم بخطاباتها)(3) فإن كانت السقيفة قد رفعت شعار (من كان يعبد محمداً فإن محمداً قد مات) تمهيداً لطمس ذكره وإماتة اسمه ــ وإلا لم يذكر التاريخ أن أحداً من المسلمين كان ليفعل ذلك ــ فهي (سلام الله عليها) قد سنّت في الدين سنة كبرى وهي شدة التعلق به(صلى الله عليه وآله) وذلك بديمومة حزنها وكثرة بكائها عليه (صلى الله عليه وآله) وبذلك فقد اعترضت اعتراضاً عملياُ على نهج السقيفة. ومن مظاهر فاعليتها أن القوم عندما حضروا عند باب دارها مطالبين أمير المؤمنين (عليه السلام) بأن يبايع الخليفة الأول اقتربت من باب دارها ورفعت صوتها لِتُعلم المعتدي أن في البيت روح المصطفى التي بين جنبيه علَه يعود أدراجه حياءً من رسول الله (صلى الله عليه وآله) وحفظاً لحرمته. لكنها فوجِئت باقتحام الدار من قبله وأعوانه فلاذت وراء الباب رعايةً للستر والحجاب. وعصرتها حينئذٍ أحقادُهم بين الحائط والباب وغُرس المسمار في صدرها وأسقط جنينها وبالرغم من كل ما كانت تعانيه من الألم النفسي والجسدي ما إن علمت بأن القوم قد اقتادوا أمير المؤمنين (عليه السلام) حتى أسرعت لتدافع عنه، فقد روي عن الامام الصادق (عليه السلام) انه قال: "لما استخرج أمير المؤمنين (عليه السلام) من منزله، خرجت فاطمة (عليها السلام) فما بقيت هاشمية إلا خرجت معها حتى انتهت قريبا من القبر، فقالت لهم: خلوا عن ابن عمي، فو الذي بعث محمدا بالحق، لئن لم تخلوا عنه لأنشرن شعري ولأضعن قميص رسول الله (صلى الله عليه وآله) على رأسي ولأصرخن إلى الله (تبارك وتعالى)، فما صالح بأكرم على الله من أبي ولا الناقة بأكرم مني ولا الفصيل بأكرم على الله من ولدي، قال سلمان (رضي الله عنه): كنت قريبا منها فرأيت والله أساس حيطان المسجد مسجد رسول الله (صلى الله عليه وآله) تقلعت من أسفلها، حتى لو أراد رجل أن ينفذ من تحتها لنفذ، فدنوت منها، فقلت: يا سيدتي ومولاتي، إن الله (تبارك وتعالى) بعث أباك رحمة فلا تكوني نقمة فرجعت، ورجعت الحيطان حتى سطعت الغبرة من أسفلها فدخلت في خياشيمنا "(4) ومن مظاهر تحركها أيضاً للمطالبة بالحق ورفض الباطل هي خطبتها في المسجد النبوي الشريف وما تضمنته من أدلة وبراهين وحجج دامغة لتثبت حق أميرها بالخلافة وحقها وحق بنيها بإرث أبيها (عليه وعليهم الصلاة والسلام أجمعين). وكلامها مع نساء المهاجرين والأنصار عندما عدنها في مرضها الذي استشهدت فيه. وإذا صح الحديث بأنّ الإمام علي (عليه السلام) كان يطوف بها على بيوت المهاجرين والأنصار أو جموعهم كما جاء في بعض الروايات. فكل هذا يعني أنها (عليها السلام) كانت صابرةً صبراً إيجابياً حركياً فاعلاً لا صبراً سلبياً خاملاً يتسم بالانطواء والاستسلام.. ولم تكتفِ بكل ما قدمت (سلام الله عليها) بل استمرت بالصبر الايجابي الفاعل متخذة من الدمعة شعاراً ومن الحزن دثاراً. ولم تهدأ عبرتها ولم تسكن لوعتها فأدركت السلطة الحاكمة أن دموع الزهراء (عليها السلام) قد تجاوزت معناها العاطفي المحدود الى معانٍ تتسم بالقوة والصمود ومواجهة جورهم بالثورة فتضايقت من ذلك وانزعجت انزعاجاً شديداً لا سيما أن الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله) قد دُفِن في بيتها المطل بابه على المسجد. وكان المسلمون عندما يؤدون زيارة قبره المقدس يسألون عن حالها وأخبارها ولا غرو في ذلك فهي البنت الوحيدة له (صلى الله عليه وآله) وهم على يقين من قربها إلى قلبه وعظم مقامها عنده. فيطلعون على عظم أساها وديمومة حزنها وكثرة بكاها ويذكرهم ذلك بما جرى عليها من ظلامات من غصب الخلافة وغصب حقها واقتحام بيتها وهتك حرمتها واسقاط جنينها.. عندئذٍ أيقنت السلطة بأنها باتت تشكل مصدر خطر عظيم عليهم وعلى خلافتهم فبادرت ـ وربما تكون قد حرضت بعض أتباعها ـ للمطالبة بإخراجها من هذا المكان الحساس جداً بالنسبة إليهم، خشية أن يتغير مجرى الأمور في غير صالحهم فيما لو استمر الحال على ما هو عليه. فادعت دعوى بعيدة كل البعد عن الصحة وهي أن بكاءها يؤذي أهل المدينة!! فبنى لها أمير المؤمنين (عليه السلام) بيتاً للأحزان تذهب إليه نهاراً وتغادره ليلاً. ولو كانت دعواهم تتمتع ولو بنسبةٍ من الصحة لكان الأجدر بها أن تذهب إليه ليلاً لأن بكاءها (عليها السلام) في الليل بلا شك أكثر إزعاجا للناس من النهار إذ إن الليل وقت السكون والراحة بخلاف النهار الذي يتفرق فيه الناس إلى متابعة أعمالهم وقضاء حوائجهم. هذا فضلاً عن أنها أجل وأعظم من أن تؤذي أهل المدينة ببكائها وهي من روى عنها الإمام الحسين (عليه السلام): "رأيت أمي فاطمة عليها السلام قامت في محرابها ليلة جمعتها فلم تزل راكعة ساجدة حتى اتضح عمود الصبح وسمعتها تدعو للمؤمنين والمؤمنات وتسميهم وتكثر الدعاء لهم ولا تدعو لنفسها بشيء، فقلت لها يا أماه لم لا تدعون لنفسك كما تدعون لغيرك؟ فقالت يا بني: الجار ثم الدار"(5) فعلى الرغم مما ألمَّ بها من مصائب شديدة ونوائب عظيمة غير أنها لم تستسلم بل كانت تستجمع قواها مرةً بعد أخرى لتصون الدين من الانحراف وتدافع عن الولاية وتحافظ على إمام زمانها (عليه السلام) بصبرها الايجابي الفاعل الحركي حتى آخر لحظات حياتها المباركة. بل وحتى بعد استشهادها وإلى يومنا الحاضر حيث أوصت أن تُدفَن سراً لتكون بذلك فيصلاً بين الحق والباطل على مر العصور وتعاقب الدهور وبذلك حققت هدفها في حفظ الشريعة من الانحراف لأنها إذ لم تتمكن من تنحية الغاصبين فقد جردت نهجهم من الشرعية للعالم أجمعين. وميّزت للقاصي والداني من استحق رضا الله تعالى ممن استحق غضبه إلى يوم الدين. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) أصول الكافي ج12 ص436 (2) بحار الأنوار ج43 ص157 (3) فاطمة بهجة المصطفى ج1 ص40 (4) بحار الانوار ج28 ص206 (5) علل الشرائع ج1 ص182
اخرىالتعليقات
يتصدر الان
لا تعاشر نفساً شبعت بعد جوع
يستشهد الكثير من الناس ــ وحتى بعض المثقفين ــ بقول:" لا تعاشر نفساً شبعت بعد جوع فإن الخير فيها دخيل وعاشر نفساً جاعت بعد شبع فإن الخير فيها أصيل" على أنه من أقوال أمير المؤمنين علي (عليه السلام)، كما يستشهدون أيضاً بقولٍ آخر ينسبونه إليه (عليه السلام) لا يبعد عن الأول من حيث المعنى:"اطلبوا الخير من بطون شبعت ثم جاعت لأن الخير فيها باق، ولا تطلبوا الخير من بطون جاعت ثم شبعت لأن الشح فيها باق"، مُسقطين المعنى على بعض المصاديق التي لم ترُق افعالها لهم، لاسيما أولئك الذين عاثوا بالأرض فساداً من الحكام والمسؤولين الفاسدين والمتسترين عل الفساد. ونحن في الوقت الذي نستنكر فيه نشر الفساد والتستر عليه ومداهنة الفاسدين نؤكد ونشدد على ضرورة تحرّي صدق الأقوال ومطابقتها للواقع وعدم مخالفتها للعقل والشرع من جهة، وضرورة التأكد من صدورها عن أمير المؤمنين أبي الأيتام والفقراء (عليه السلام) أو غيرها من المعصومين (عليهم السلام) قبل نسبتها إليهم من جهة أخرى، لذا ارتأينا مناقشة هذا القول وما شابه معناه من حيث الدلالة أولاً، ومن حيث السند ثانياً.. فأما من حيث الدلالة فإن هذين القولين يصنفان الناس الى صنفين: صنف قد سبق له أن شبع مادياً ولم يتألم جوعاً، أو يتأوه حاجةً ومن بعد شبعه جاع وافتقر، وصنف آخر قد تقلّب ليله هماً بالدين، وتضوّر نهاره ألماً من الجوع، ثم شبع واغتنى،. كما جعل القولان الخير متأصلاً في الصنف الأول دون الثاني، وبناءً على ذلك فإن معاشرة أفراد هذا الصنف هي المعاشرة المرغوبة والمحبوبة والتي تجرّ على صاحبها الخير والسعادة والسلام، بخلاف معاشرة أفراد الصنف الثاني التي لا تُحبَّذ ولا تُطلب؛ لأنها لا تجر إلى صاحبها سوى الحزن والندم والآلام... ولو تأملنا قليلاً في معنى هذين القولين لوجدناه مغايراً لمعايير القرآن الكريم بعيداً كل البعد عن روح الشريعة الاسلامية ، وعن المنطق القويم والعقل السليم ومخالفاً أيضاً لصريح التاريخ الصحيح، بل ومخالف حتى لما نسمعه من قصص من أرض الواقع أو ما نلمسه فيه من وقائع.. فأما مناقضته للقرآن الكريم فواضحة جداً، إذ إن الله (تعالى) قد أوضح فيه وبشكلٍ جلي ملاك التفاضل بين الناس، إذ قال (عز من قائل):" يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (13)"(1) جاعلاً التقوى مِلاكاً للتفاضل، فمن كان أتقى كان أفضل، ومن البديهي أن تكون معاشرته كذلك، والعكس صحيحٌ أيضاً. وعليه فإن من سبق حاجتُه وفقرُه شبعَه وغناه يكون هو الأفضل، وبالتالي تكون معاشرته هي الأفضل كذلك فيما لو كان تقياً بخلاف من شبع وكان غنياً ، ثم افتقر وجاع فإنه لن يكون الأفضل ومعاشرته لن تكون كذلك طالما كان بعيداً عن التقوى. وأما بُعده عن روح الشريعة الإسلامية فإن الشريعة لطالما أكدت على أن الله (سبحانه وتعالى) عادلٌ لا جور في ساحته ولا ظلمَ في سجيته، وبالتالي لا يمكن أن يُعقل إطلاقاً أن يجعل البعض فقيراً ويتسبب في دخالة الخير في نفوسهم، التي يترتب عليها نفور الناس من عشرتهم، فيما يُغني سواهم ويجعل الخير متأصلاً في نفوسهم بسبب إغنائه إياهم ليس إلا ومن ثم يتسبب في كون الخير متأصلاً في نفوسهم، وبالتالي حب الناس لعشرتهم. فإن ذلك مخالف لمقتضى العدل الإلهي لأنه ليس بعاجزٍ عن تركه ولا بمُكره على فعله، ولا محب لذلك لهواً وعبثاً (تعالى عن كل ذلك علواً كبيراً). كما إن تأصل الخير في نفوس بعض الناس ودخالته في نفوس البعض الآخر منهم بناءً على أمر خارج عن إرادتهم واختيارهم كـ(الغنى والشبع أو الجوع والفقر) إنما هو أمرٌ منافٍ لمنهج الشريعة المقدسة القائم على حرية الانسان في اختياره لسبيل الخير والرشاد أو سبيل الشر والفساد، قال (تعالى):" إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا (3)"(2) بل إن الانسان أحياناً قد يكون فقيراً بسبب حب الله (تعالى) له، كما ورد في الحديث القدسي: "أن من عبادي من لا يصلحه إلا الغنى فلو أفقرته لأفسده ذلك و أن من عبادي من لا يصلحه إلا الفقر فلو أغنيته لأفسده ذلك"(3) وهل يمكن ان نتصور أن الخيرَ دخيلٌ فيمن يحبه الله (تعالى) أو إن معاشرته لا تجدي نفعا، أو تسبب الهم والألم؟! نعم، ورد عن أمير المؤمنين (عليه السلام):"اِحْذَرُوا صَوْلَةَ اَلْكَرِيمِ إِذَا جَاعَ وَ اَللَّئِيمِ إِذَا شَبِعَ"(4) ولا يقصد به الجوع والشبع المتعارف عليه لدى الناس، وإنما المراد منه: احذروا صولة الكريم إذا اُمتُهِن، واحذروا صولة اللئيم إذا أكرم، وفي هذا المعنى ورد عنه (عليه السلام) أيضاً: "احذروا سطوة الكريم إذا وضع و سورة اللئيم إذا رفع"(5) وأما العقل السليم والمنطق القويم فإنهما يقتضيان أن تتأصل صفة الخير في الإنسان لملكاتٍ حميدة يتسم بها وصفات فضيلة يتميز بها، لا أن تتأصل صفة الخير في نفسه لمجرد أنه ولد في أسرة تتمتع بالرفاهية الاقتصادية ووجد في بيئة تتنعم بالثروات المادية! وعند مراجعتنا للتاريخ الصحيح نجد أن قادة البشر وصفوة الناس إنما كان أغلبهم ينتمي الى الطبقات الفقيرة من المجتمع، فهؤلاء الأنبياء ورسل الله (صلوات الله عليهم) منهم من كان نجاراً أو خياطاً أو راعياً، ومع ذلك فقد كانوا من أطيب الناس خلقاً، وأعظمهم شرفاً، وأرفعهم منزلةً، قد تأصّل الخير في نفوسهم تأصّلاً حتى غدوا قطعة منه، فكانوا هم الخير للبشر، وهم الرحمة للعالمين. وبالنزول إلى أرض الواقع نجد أن الكثير من الفقراء والمساكين طيبي الروح، كريمي النفس، يتألمون لألم المحتاج ولربما يؤثرونه على أنفسهم رغم حاجتهم. ولا نقصد من كلامنا هذا أن الأغنياء هم على نقيض ذلك، وإنما تأكيداً على مسألة عدم ارتباط تأصل الخير في النفوس وعدمه بمستواهم الاقتصادي الذي نشأوا فيه ارتباط العلة والمعلول، فكما إن بعض الفقراء أخيار، فإن بعض الأغنياء كذلك، والعكس صحيح أيضاً. ومن هنا يُفهم من بعض الروايات ضرورة عدم طلب الخير والحاجات ممن هم أهل للخير بقطع النظر عن مستواهم المعاشي الحالي والسابق، منها ما روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام):"أشد من الموت طلب الحاجة من غير أهلها"(5)، وعنه (عليه السلام) أيضاً: "فوت الحاجة أهون من طلبها إلى غير أهلها"(6) إذن فلا صحة لهاتين المقولتين من حيث الدلالة، حتى وإن تنزلنا وحملنا الجوع والشبع على المعنى المعنوي لا المادي؛ وذلك لأنه حتى من يفتقر الى الأخلاق المعنوية فإنه ما إن يتكامل بالفضائل ويقلع عن الرذائل حتى يتسم بالخير وتحسن عشرته وتطيب للناس صحبته، والعكس صحيحٌ أيضا.. ومن البديهي أن ما لا يوافق العقل والمنطق السليم، ويخالف صريح القرآن الكريم، لا يمكن أن يصدر من وصي الرسول الكريم (صلوات الله عليهما وآلهما)، وعليه لا تصح نسبة هذين القولين الى أمير المؤمنين (عليه السلام).. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) الحجرات 13 (2) الانسان 3 (3) عوالي الآلي ج2 ص29 (4) غرر الحكم ج1 227 (5) المدر السابق ج1 ص246 (6) ميزان الحكمة ج4 ص 238 رضا الله غايتي
اخرىبين طيبة القلب وحماقة السلوك...
خلق الله الأشياء كلها في الحياة ضمن موازين وقياسات... فالزيادة أو النقيصة تسبب المشاكل فيها. وهكذا حياتنا وأفعالنا وعواطفنا لا بد أن تكون ضمن موازين دقيقة، وليست خالية منها، فالزيادة والنقيصة تسبب لنا المشاكل. ومحور كلامنا عن الطيبة فما هي؟ الطيبة: هي من الصفات والأخلاق الحميدة، التي يمتاز صاحبها بنقاء الصدر والسريرة، وحُبّ الآخرين، والبعد عن إضمار الشر، أو الأحقاد والخبث، كما أنّ الطيبة تدفع الإنسان إلى أرقى معاني الإنسانية، وأكثرها شفافية؛ كالتسامح، والإخلاص، لكن رغم رُقي هذه الكلمة، إلا أنها إذا خرجت عن حدودها المعقولة ووصلت حد المبالغة فإنها ستعطي نتائج سلبية على صاحبها، كل شيء في الحياة يجب أن يكون موزوناً ومعتدلاً، بما في ذلك المحبة التي هي ناتجة عن طيبة الإنسان، وحسن خلقه، فيجب أن تتعامل مع الآخرين في حدود المعقول، وعندما تبغضهم كذلك وفق حدود المعقول، ولا يجوز المبالغة في كلا الأمرين، فهناك شعرة بين الطيبة وحماقة السلوك... هذه الشعرة هي (منطق العقل). الإنسان الذي يتحكم بعاطفته قليلاً، ويحكّم عقله فهذا ليس دليلاً على عدم طيبته... بالعكس... هذا طيب عاقل... عكس الطيب الأحمق... الذي لا يفكر بعاقبة أو نتيجة سلوكه ويندفع بشكل عاطفي أو يمنح ثقة لطرف معين غريب أو قريب... والمبررات التي يحاول إقناع نفسه بها عندما تقع المشاكل أنه صاحب قلب طيب. الطيبة لا تلغي دور العقل... إنما العكس هو الصحيح، فهي تحكيم العقل بالوقت المناسب واتخاذ القرار الحكيم الذي يدل على اتزان العقل، ومهما كان القرار ظاهراً يحمل القسوة أحياناً لكنه تترتب عليه فوائد مستقبلية حتمية... وأطيب ما يكون الإنسان عندما يدفع الضرر عن نفسه وعن الآخرين قبل أن ينفعهم. هل الطيبة تصلح في جميع الأوقات أم في أوقات محددة؟ الطيبة كأنها غطاء أثناء الشتاء يكون مرغوباً فيه، لكنه اثناء الصيف لا رغبة فيه أبداً.. لهذا يجب أن تكون الطيبة بحسب الظروف الموضوعية... فالطيبة حالة تعكس التأثر بالواقع لهذا يجب أن تكون الطيبة متغيرة حسب الظروف والأشخاص، قد يحدث أن تعمي الطيبة الزائدة صاحبها عن رؤيته لحقيقة مجرى الأمور، أو عدم رؤيته الحقيقة بأكملها، من باب حسن ظنه بالآخرين، واعتقاده أن جميع الناس مثله، لا يمتلكون إلا الصفاء والصدق والمحبة، ماي دفعهم بالمقابل إلى استغلاله، وخداعه في كثير من الأحيان، فمساعدة المحتاج الحقيقي تعتبر طيبة، لكن لو كان المدّعي للحاجة كاذباً فهو مستغل. لهذا علينا قبل أن نستخدم الطيبة أن نقدم عقولنا قبل عواطفنا، فالعاطفة تعتمد على الإحساس لكن العقل أقوى منها، لأنه ميزان يزن الأشياء رغم أن للقلب ألماً أشد من ألم العقل، فالقلب يكشف عن نفسه من خلال دقاته لكن العقل لا يكشف عن نفسه لأنه يحكم بصمت، فالطيبة يمكن أن تكون مقياساً لمعرفة الأقوى: العاطفة أو العقل، فالطيّب يكون قلبه ضعيفاً ترهقه الضربات في أي حدث، ويكون المرء حينها عاطفياً وليس طيباً، لكن صاحب العقل القوي يكون طيباً أكثر من كونه عاطفياً. هل الطيبة تؤذي صاحبها وتسبب عدم الاحترام لمشاعره؟ إن الطيبة المتوازنة المتفقة مع العقل لا تؤذي صاحبها لأن مفهوم طيبة القلب هو حب الخير للغير وعدم الإضرار بالغير، وعدم العمل ضد مصلحة الغير، ومسامحة من أخطأ بحقه بقدر معقول ومساعدة المحتاج ... وغيرها كثير. أما الثقة العمياء بالآخرين وعدم حساب نية المقابل وغيرها فهذه ليست طيبة، بل قد تكون -مع كامل الاحترام للجميع- غباءً أو حماقة وسلوكاً غير عقلاني ولا يمت للعقل بصلة. إن المشكلة تقع عند الإنسان الطيب عندما يرى أن الناس كلهم طيبون، ثم إذا واجهه موقف منهم أو لحق به أذى من ظلم أو استغلال لطيبته، تُغلق الدنيا في وجهه، فيبدأ وهو يرى الناس الطيبين قد رحلوا من مجتمعه، وأن الخير انعدم، وتحصل له أزمة نفسية أو يتعرض للأمراض، لأن الطيّب يقدم الإحسان للناس بكل ما يستطيع فعله، ويقدّم ذلك بحسن نية وبراءة منه، فهو بالتالي ينتظر منهم الرد بالشكر أو المعاملة باللطف على الأقل... صحيح أن المعروف لوجه الله، ولكن من باب: من لم يشكر المخلوق لم يشكر الخالق، لذلك يتأذى عندما يصدر فعل من الشخص الذي كان يعامله بكل طيب وصدق. هل الطيبة والصدق من علامات ضعف الشخصية؟ الكثير من الناس يصف طيب القلب بأنه ضعيف الشخصية، لأنه يتصف بعدم الانتقام ممن ظلمه، والصفح عنه عند رجوعه عن الخطأ، وأنه لا يحب إيقاع الآخرين بالمشاكل؛ لأنه مقتنع أن الله سيأخذ له حقه. والحقيقة هي أن الصدق والطيبة وحسن الظن بالآخرين ليست ضعف شخصية، بل هي من الأخلاق الراقية وهي تزيد صاحبها سمواً وجمالاً روحياً، وليس من المعيب أن يمتلك الإنسان الطيبة بل العيب في من لا يُقدّر هذه الطيبة ويعطيها حقها في التعامل بالمثل. فالمشكلة الأساسية ليست في الطيبة، إنما في استغلال الآخرين لهذه الطيبة، نتيجة لعدم عقلنة قراراتنا والاعتماد على عواطفنا بشكل كلي. فالصدق والطيبة حسب المنطق والعقل، ولها فوائد جمة للنفس ولعموم أفراد المجتمع، فهي تحصين للشخص عن المعاصي، وزيادة لصلة الإنسان بربه، وتهذيب للنفس والشعور بالراحة النفسية، فالصادق الطيب ينشر المحبة بين الناس، وهذا يعزّز التماسك الاجتماعي وتقويته من سوء الظنون والحقد، وهذا التعامل أكّدت عليه جميع الشرائع السماوية، ولو تأمّلنا تاريخ وأخلاق الأنبياء والأوصياء لوجدنا كل ما هو راقٍ من الأخلاق والتعامل بالطيبة والصدق... حنان الزيرجاوي
اخرىلا تقاس العقول بالأعمار!
(لا تقاس العقول بالأعمار، فكم من صغير عقله بارع، وكم من كبير عقله فارغ) قولٌ تناولته وسائل التواصل الاجتماعي بكل تقّبلٍ ورضا، ولعل ما زاد في تقبلها إياه هو نسبته الى أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام)، ولكننا عند الرجوع إلى الكتب الحديثية لا نجد لهذا الحديث أثراً إطلاقاً، ولا غرابة في ذلك إذ إن أمير البلاغة والبيان (سلام الله وصلواته عليه) معروفٌ ببلاغته التي أخرست البلغاء، ومشهورٌ بفصاحته التي إعترف بها حتى الأعداء، ومعلومٌ كلامه إذ إنه فوق كلام المخلوقين قاطبةً خلا الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله) ودون كلام رب السماء. وأما من حيث دلالة هذه المقولة ومدى صحتها فلابد من تقديم مقدمات؛ وذلك لأن معنى العقل في المفهوم الإسلامي يختلف عما هو عليه في الثقافات الأخرى من جهةٍ، كما ينبغي التطرق الى النصوص الدينية الواردة في هذا المجال وعرضها ولو على نحو الإيجاز للتعرف إلى مدى موافقة هذه المقولة لها من عدمها من جهةٍ أخرى. معنى العقل: العقل لغة: المنع والحبس، وهو (مصدر عقلت البعير بالعقال أعقله عقلا، والعِقال: حبل يُثنَى به يد البعير إلى ركبتيه فيشد به)(1)، (وسُمِّي العَقْلُ عَقْلاً لأَنه يَعْقِل صاحبَه عن التَّوَرُّط في المَهالِك أَي يَحْبِسه)(2)؛ لذا روي عنه (صلى الله عليه وآله): "العقل عقال من الجهل"(3). وأما اصطلاحاً: فهو حسب التصور الأرضي: عبارة عن مهارات الذهن في سلامة جهازه (الوظيفي) فحسب، في حين أن التصوّر الإسلامي يتجاوز هذا المعنى الضيّق مُضيفاً إلى تلك المهارات مهارة أخرى وهي المهارة العبادية. وعليه فإن العقل يتقوّم في التصور الاسلامي من تظافر مهارتين معاً لا غنى لأحداهما عن الأخرى وهما (المهارة العقلية) و(المهارة العبادية). ولذا روي عن الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله) أنه عندما سئل عن العقل قال :" العمل بطاعة الله وأن العمّال بطاعة الله هم العقلاء"(4)، كما روي عن الإمام الصادق(عليه السلام)أنه عندما سئل السؤال ذاته أجاب: "ما عُبد به الرحمن، واكتسب به الجنان. فسأله الراوي: فالذي كان في معاوية [أي ماهو؟] فقال(عليه السلام): تلك النكراء، تلك الشيطنة، وهي شبيهة بالعقل وليست بالعقل"(5) والعقل عقلان: عقل الطبع وعقل التجربة، فأما الأول أو ما يسمى بـ(الوجدان الأخلاقي) فهو مبدأ الادراك، وهو إن نَما وتطور سنح للإنسان فرصة الاستفادة من سائر المعارف التي يختزنها عن طريق الدراسة والتجربة وبالتالي يحقق الحياة الإنسانية الطيبة التي يصبو اليها، وأما إن وهن واندثر لإتباع صاحبه الأهواء النفسية والوساوس الشيطانية، فعندئذٍ لا ينتفع الانسان بعقل التجربة مهما زادت معلوماته وتضخمت بياناته، وبالتالي يُحرم من توفيق الوصول إلى الحياة المنشودة. وعقل التجربة هو ما يمكن للإنسان اكتساب العلوم والمعارف من خلاله، وما أروع تشبيه أمير البلغاء (عليه السلام) العلاقة التي تربط العقلين معاً إذ قال فيما نسب إليه: رأيت العقل عقلين فمطبوع ومسموع ولا ينفع مسموع إذ لم يك مطبــوع كما لا تنفع الشمس وضوء العين ممنوع(6) فقد شبّه (سلام الله عليه) عقل الطبع بالعين وعقل التجربة بالشمس، ومما لاشك فيه لكي تتحقق الرؤية لابد من أمرين: سلامة العين ووجود نور الشمس، وكما إن الثاني لا ينفع إن لم يتوفر الأول فكذلك عقل التجربة لا ينفع عند غياب عقل الطبع فضلاً عن موته. وبما إن عقل الطبع قد ينمو ويزدهر فينفع صاحبه من عقل التجربة، وقد يموت ويندثر عند الاستسلام لإضلال شبهةٍ أوبسبب إرتكاب معصية، فإنه ومن باب أولى أن يتعرض الى الزيادة والنقصان كما سيأتي... وقد ورد في النصوص الدينية أن للعقل زمناً ينمو فيه ويكتمل، فعن إمامنا أبي عبدالله (عليه السلام) قال: قال أمير المؤمنين (صلوات الله عليه):"يثغر الصبي لسبع، ويؤمر بالصلاة لتسع، ويفرق بينهم في المضاجع لعشر، ويحتلم لأربع عشرة، وينتهى طوله لإحدى وعشرين سنة، وينتهي عقله لثمان وعشرين إلا التجارب"(7)، وعن أمير المؤمنين (عليه السلام): "يربى الصبي سبعاً ويؤدب سبعاً، ويستخدم سبعاً، ومنتهى طوله في ثلاث وعشرين سنة، وعقله في خمس وثلاثين [سنة] وما كان بعد ذلك فبالتجارب"(8). إذن يتوقف النمو الطبيعي لعقل الانسان عند سن الثامنة والعشرين أو الخامسة والثلاثين كما ورد في الروايتين، وأية زيادة أخرى في طاقته بعد ذلك إنما تأتي عن طريق التجارب، وقد يُتوهم بأن ثمة تعارضاً ما بين الروايتين المتقدمتين في شأن تحديد سن النمو العقلي، إلا إنه لا تعارض ينهما إذا حملنا اختلافهما فيه على اختلاف الاشخاص وتباين استعدادات وقابليات كل منهم. وعلى الرغم من توقف نمو عقل الإنسان إلا إن له أنْ يزيده بالتجارب ومواصلة التعلم ــ كما تقدم في الروايات ــ وسواء أثبت العلم هذه الحقيقة الروائية أم لا، فنحن نريد الإشارة إلى ضرورة استمرار التجربة والتعلم لزيادة نمو العقل وهذا المقدار لا خلاف فيه وعلى الرغم من إن لعمر الانسان مدخلية في زيادة عقله كما تقدم وكما روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام): "يزيد عقل الرجل بعد الاربعين إلى خمسين وستين، ثم ينقص عقله بعد ذلك"(9)، إلا إن ذلك ليس على نحو العلة التامة، إذ يمكن للعقل أن يبقى شاباً وقوياً وإن شاب الإنسان وضعف جسمه، وتقدم في السن ووهن عظمه، فالعاقل لا يشيب عقله ولا تنتقص الشيخوخة من قوته بل وقد يزداد طاقةً وحيويةً لذا ورد عن أمير المؤمنين (عليه السلام):"رأي الشيخ أحب الي من جَلَد الغلام"(10)، وفي أخرى ".....من حيلة الشباب "(11) وأما من لم يوفر أسباب صقل عقله في مرحلة الشباب فإنه بلا شك يضمحل عقله في مرحلة الشيخوخة. وليس تقدم العمر هو العامل الوحيد في نقصان العقل بل إن النصوص الشرعية أشارت الى عوامل عديدة اخرى أهمها: أولاً: التعلم: فقد روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام): "من لم يصبر على ذل التعلم ساعة بقي في ذل الجهل أبداً"(13). ثانياً: التوبة: وعنه (عليه السلام) ايضاً:"من لم يرتدع يجهل"(14) ثالثاً: التقوى: فقد كتب إمامنا الباقر (عليه السلام) إلى سعد الخير: "بسم الله الرحمن الرحيم أما بعد فإني اوصيك بتقوى الله فإن فيها السلامة من التلف والغنيمة في المنقلب إن الله (عزوجل) يقي بالتقوى عن العبد ما عزب عنه عقله ويجلي بالتقوى عنه عماه وجهله"(15) إذن التوبة هي سبب للتوفيق الإلهي الذي يؤدي فيما يؤدي إليه من إكمال العقل. رابعاً: الوقوف عند الشبهة: وقال (عليه السلام ): "لا ورع كالوقوف عند الشبهة"(16). فإن الوقوف عند الشبهات سبب من أسباب التوفيق الإلهي بلا شك. خامساً: الاعتراف بالجهل: كما روي عن الإمام علي (عليه السلام): "غاية العقل الاعتراف بالجهل"(17) إذ الاعتراف بالجهل يدفع الإنسان دوماً إلى مزيد من بذل الجهد واكتساب المعارف. مما تقدم تتضح جلياً صحة هذه المقولة دلالةً، إذ إن العقول فعلاً لا تقاس بالأعمار لأن كلٍاً من زيادتها ونقيصتها منوطٌ بالعديد من العوامل الأخرى والتي تقدم ذكرها، بيد إن ذلك لا يبرر التساهل في نشرها والتهاون في الاستشهاد بها على إنها من أقوال أمير المؤمنين (صلوات الله وسلامه عليه) لعدم ثبوت ذلك سنداً من جهة ولضعف بلاغتها وركاكة تركيبها بالنسبة إلى سيد البلغاء والبلاغة. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) تهذيب اللغة ج1 ص65 (2) لسان العرب ج11 ص458 (3) نهاية الحكمة ص305 (4) ميزان الحكمة ج3 ص333 (5) أصول الكافي ج1، ح3 / 11 (6) نهج السعادة ج9 ص163 (7) الكافي ج7 ص94 (8) الفقيه ج3 ص493 (9) الاختصاص ص245 (10) نهج البلاغة حكمة 86 (11) بحار الأنوار ج72 ص105 (12) المصدر السابق ج1 ص94 (13) غرر الحكم ودرر الكلم ج1 ص118 (14) الكافي ج8 ص73 (15) وسائل الشيعة ج1 ص162 (16) غرر الحكم ودرر الكلم ج1 ص1 بقلم الكاتبة: رضا الله غايتي
اخرىالمرأة في فكر الإمام علي (عليه السلام)
بقلم: أم نور الهدى كان لأمير المؤمنين (عليه السلام) اهتمام خاص بالمرأة، فنراه تارة ينظر إليها كآية من آيات الخلق الإلهي، وتجلٍ من تجليات الخالق (عز وجل) فيقول: (عقول النساء في جمالهن وجمال الرجال في عقولهم). وتارة ينظر إلى كل ما موجود هو آية ومظهر من مظاهر النساء فيقول: (لا تملك المرأة من أمرها ما جاوز نفسها فإن المرأة ريحانة وليس قهرمانة). أي إن المرأة ريحانة وزهرة تعطر المجتمع بعطر الرياحين والزهور. ولقد وردت كلمة الريحان في قوله تعالى: (فأمّا إن كان من المقربين فروح وريحان وجنة النعيم) والريحان هنا كل نبات طيب الريح مفردته ريحانة، فروح وريحان تعني الرحمة. فالإمام هنا وصف المرأة بأروع الأوصاف حين جعلها ريحانة بكل ما تشتمل عليه كلمة الريحان من الصفات فهي جميلة وعطرة وطيبة، أما القهرمان فهو الذي يُكلّف بأمور الخدمة والاشتغال، وبما إن الإسلام لم يكلف المرأة بأمور الخدمة والاشتغال في البيت، فما يريده الإمام هو إعفاء النساء من المشقة وعدم الزامهن بتحمل المسؤوليات فوق قدرتهن لأن ما عليهن من واجبات تكوين الأسرة وتربية الجيل يستغرق جهدهن ووقتهن، لذا ليس من حق الرجل إجبار زوجته للقيام بأعمال خارجة عن نطاق واجباتها. فالفرق الجوهري بين اعتبار المرأة ريحانة وبين اعتبارها قهرمانة هو أن الريحانة تكون، محفوظة، مصانة، تعامل برقة وتخاطب برقة، لها منزلتها وحضورها. فلا يمكن للزوج التفريط بها. أما القهرمانة فهي المرأة التي تقوم بالخدمة في المنزل وتدير شؤونه دون أن يكون لها من الزوج تلك المكانة العاطفية والاحترام والرعاية لها. علماً أن خدمتها في بيت الزوجية مما ندب إليه الشره الحنيف واعتبره جهادًا لها أثابها عليه الشيء الكثير جدًا مما ذكرته النصوص الشريفة. فمعاملة الزوج لزوجته يجب أن تكون نابعة من اعتبارها ريحانة وليس من اعتبارها خادمة تقوم بأعمال المنزل لأن المرأة خلقت للرقة والحنان. وعلى الرغم من أن المرأة مظهر من مظاهر الجمال الإلهي فإنها تستطيع كالرجل أن تنال جميع الكمالات الأخرى، وهذا لا يعني أنها لا بد أن تخوض جميع ميادين الحياة كالحرب، والأعمال الشاقة، بل أن الله تعالى جعلها مكملة للرجل، أي الرجل والمرأة أحدهما مكمل للآخر. وأخيرًا إن كلام الإمام علي (عليه السلام) كان تكريمًا للمرأة ووضعها المكانة التي وضعها الله تعالى بها، حيث لم يحملها مشقة الخدمة والعمل في المنزل واعتبر أجر ما تقوم به من اعمال في رعاية بيتها كأجر الجهاد في سبيل الله.
اخرىالطلاق ليس نهاية المطاف
رحلةٌ مثقلة بالألم في طريق يئن من وطأة الظلم! ينهي حياة زوجية فشلت في الوصول إلى شاطئ الأمان. ويبدد طموحات أطفال في العيش في هدوء نفسي واجتماعي تحت رعاية أبوين تجمعهم المودة والرحمة والحب. الطلاق شرعاً: هو حل رابطة الزواج لاستحالة المعاشرة بالمعروف بين الطرفين. قال تعالى: [ لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (226) وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (227)].(١). الطلاق لغوياً: من فعل طَلَق ويُقال طُلقت الزوجة "أي خرجت من عصمة الزوج وتـحررت"، يحدث الطلاق بسبب سوء تفاهم أو مشاكل متراكمة أو غياب الانسجام والحب. المرأة المطلقة ليست إنسانة فيها نقص أو خلل أخلاقي أو نفسي، بالتأكيد إنها خاضت حروباً وصرعات نفسية لا يعلم بها أحد، من أجل الحفاظ على حياتها الزوجية، ولكن لأنها طبقت شريعة الله وقررت مصير حياتها ورأت أن أساس الـحياة الزوجيـة القائم على المودة والرحـمة لا وجود له بينهما. فأصبحت موضع اتهام ومذنبة بنظر المجتمع، لذلك أصبح المـجتمع يُحكم أهواءه بدلاً من الإسلام. ترى، كم من امرأة في مجتمعنا تعاني جرّاء الحكم المطلق ذاته على أخلاقها ودينها، لا لسبب إنما لأنها قررت أن تعيش، وكم من فتاة أُجبرت قسراً على أن تتزوج من رجل لا يناسب تطلعاتها، لأن الكثير منهن يشعرن بالنقص وعدم الثقة بسبب نظرة المجتمع، وتقع المرأة المطلّقة أسيرة هذه الحالة بسبب رؤية المجتمع السلبيّة لها. وقد تلاحق بسيل من الاتهامات وتطارد بجملة من الافتراءات. وتعاني المطلقة غالباً من معاملة من حولها، وأقرب الناس لها، بالرغم من أن الطلاق هو الدواء المر الذي قد تلجأ إليه المرأة أحياناً للخلاص من الظلم الذي أصبح يؤرق حياتها الزوجية، ويهدد مستقبلها النفسي، والله تعالى لم يشرع أمراً لخلقه إلا إذا كان فيه خير عظيم لهم، والطلاق ما شرّع إلا ليكون دواء فيه شفاء وإن كان مرّاً، وإن كان أمره صعباً على النفوس، حيث قال عز وجل: "وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ وَكَانَ اللَّهُ وَاسِعًا حَكِيمًا"، روي عن الرسول الأعظم (صلى الله عليه واله وسلم) ((أبغض الحلال إلى الله الطلاق) (٢). ورغم أن الشريعة الإسلامية أباحت الطلاق بشروط تلاءم لبناء المجتمع، وأولت أهمية في الإحسان دائمًا للطرف الأضعف والأكثر خسارة في هذه المعادلة وهي "المرأة"، إلا أن المجتمع الذي يدّعي الإسلام لا يرحمها، ويحكم عليها بالإدانة طوال حياتها دون النظر في صحة موقفها في الطلاق من عدمه! قال( تعالى ): [الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ] (٣). ولكن بعد كل هذا فالحياة لم ولن تتوقف بعد الطلاق! الطلاق ليس نهاية الحياة. - أخيتي. ليكن الطلاق بداية جديدة لحياة جديدة وللانطلاق. -قطار العطاء لن يتعطل. فإن كنت السبب في الطلاق فالحمد لله على كل حال وتلك أمة قد خلت وأيام ذهبت وانجلت فلست بالمعصومة من الخطأ. وعليك استدراك الأخطاء وتقوية مواطن الضعف في شخصيتك، واجعليها درساً مفيداً في الحياة لتطوير نفسك وتقويتها. وإذا كنتِ مظلومة فهناك جبار يُحصي الصغير والكبير وسيأتي يوم ينتصر لك فيه. -ومن الجميل أن تعطي نفسك الإحساس بالحب والاحترام، ولا تتأثري بأي نظرة سلبية من المجتمع وكون البعض يتعامل مع المطلقة على أنها حالة خاصة فعليكِ إثبات ذاتك حتى تفرضي على الكل شخصيتك. - نظرتك لنفسك اجعليها نظرة ايجابية مشرقة ولا تنزلقي في مستنقع نبذ الذات وظلم النفس. - ابحثي عن الصفات الجيدة فيك فإن ذلك سيشعرك بالثقة في ذاتك والتقدير لها. -حاولي مراجعة نفسك للخروج بإيجابيات حصلت لك من طلاقك. - خالطي الآخرين وإياك والعزلة بسبب وضعك الجديد فلست بأول من يبتلى بالطلاق. -استمتعي بالموجود ولا تتعلقي بالمفقود، حلقي بروح تعبق أملاً وتفاؤلاً، استمتعي بما وهبك الله من نعم (صحة وأولاد وأهل وصديقات وعمل وهوايات وغيرها من الأمور الجميلة) فما حصل لك حصل… ولابد أن تتقبليه برضا، وأعلمي أن ما أصابك لم يكن ليخطأك وما أخطأك لم يكن ليصيبك. وقال أصدق من قال: ( وعسى أن تكرهوا شيئاً وهو خير لكم). فالرضا سر السعادة الحقيقي. - اقتربي من صديقاتك الصالحات، واقضي معهن وقتاً طيباً تنسين به ألمك وحزنك. - احرصي على الصلوات وقراءة القرآن الكريم والذكر والاستغفار وأكثري من الطاعات قدر ما تستطيعين، ففيها السلوى والفرح والسعادة. ونعم سعادة القرب من الرحمن. - اشغلي نفسك بأعمال البر والإحسان بمساعدة محتاج. بكفالة يتيم. بتعلم الفقه والقرآن وتعليمه. - اجتهدي في عمل برنامج يومي لك يكون ممتلأ بكل ما هو مفيد لك. من قراءة وزيارة الأصدقاء وصلة الرحم. بحيث لا تكون هناك دقيقة أنت فارغة فيها. - وأسرعي بقاربك الجميل بمجذافين من إيمان بالله وثقة بالنفس وسوف تصلين بإذن الله نحو جزيرة السعادة والنجاح. لكي تتسلق جبال الإنجاز، وتصل لأعلى مراتب الاعجاز. وعندها جزماً سيكون للحياة معنى آخر. --------------------------------- (١)-سورة البقرة الآية (٢٢٦-٢٢٧). (٢)-الكافي (٢)-سورة البقرة الآية (٢٢٨) حنان ستار الزيرجاوي
اخرىهَوَّنَ عَلَيَّ مَا نَزَلَ بِي أَنَّهُ بِعَيْنِ اللهِ
عاشوراء مدرسة أعطت وتعطي الكثير الكثير كل يوم للمتأمل فيما ورد عنها من كلمات وفيما وثق فيها من مواقف... ولعل من أهم الدروس التي ترسخها عاشوراء في الأذهان بعد ضرورة مواجهة الباطل والدفاع عن الحق مهما كلفت من تضحيات جسام هو: الصبر على البلاء بل والرضا به .. كيف لا، وقد ورد عن سيّد الشهداء (عليه السلام) في اللحظات الأخيرة من حياته حينما كان يتمرّغ في الدم والتراب: «رضاً بقضائك وتسليماً لأمرك لا معبود سواك»(1). وكذلك فيما جاء في خطبته عند خروجه من مكّة إلى المدينة: «رضا اللَّه رضانا أهل البيت»(2) . فما سر هذا الرضا رغم شدة الابتلاءات وقساوة المحن التي مر بها سيد الشهداء (عليه السلام) ؟ مما لا شك فيه أن يقين الامام الحسين (عليه السلام) هو الذي رفعه إلى مقام الرضا رغم ما جرى عليه في واقعة كربلاء، إلا أنه ومع هذا فقد أرشد المؤمنين إلى مفاتيح الصبر والرضا، ولعل من أهمها ما وَرَدَ عنه (عليه السلام) أَنَّهُ قَالَ بعد أن تفاقم الخطب أمامه في كربلاء، واستشهد أصحابه وأهل بيته: «هَوَّنَ عَلَيَّ مَا نَزَلَ بِي أَنَّهُ بِعَيْنِ اللهِ»(1). فهنا يلفت الامام الحسين (عليه السلام) نظر المؤمنين الى حقيقة مهمة وهي: أن الله سبحانه يعلم بكل مجريات الأُمور، وهو مطلع على كل معاناة المبتلى وما يكابده من ألم دونما اعتراض منه على قضائه هو في حد ذاته حافز للمبتلى للصبر والرضا.. ولتقريب المعنى نقول: إن المتسابقين في ساحة اللعب مثلا يشعرون بالارتياح حينما يعلمون أن أبويهم وأصدقاءهم ينظرون اليهم فيندفعون بقوّة أكبر في تحمل الصعاب لتحقيق الفوز. فإذا كان تأثير وجود الأبوين والأصدقاء كذلك، فما بالك بتأثير استشعار رؤية الله لما يجري على الانسان وهو يصارع الألم ويواجه المحن؟! ما أعظم القوّة التي يمنحها هذا الاستشعار لتحمل الامتحانات العسيرة والمصائب الخطيرة .. ولذا فقد جاء النداء الالهي لتثبيت قلب النبي نوح (عليه السلام) حين واجه أعظم المصائب والضغوط من قومه وهو يصنع الفلك، حيث قال (تعالى) : (وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا)(2). فكان لعبارة «بِأَعْيُنِنَا» وقع عظيم في نفسه (عليه السلام) فصبر وواصل عمله الى نهايته دونما أن يلتفت الى تقريع الأعداء أو يهتم باستهزائهم. ــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) موسوعة الامام علي بن أبي طالب (عليه السلام) ج8 ص42 (2) المصدر السابق (3) بحار الأنوار، ج 45، ص 46 (4) هود 37 رضا الله غايتي
اخرى