تشغيل الوضع الليلي

رسالاتٌ في زمن الوباء (٢) النظافة

منذ 6 سنوات عدد المشاهدات : 4111

بقلم: علوية الحسيني
إنّ النظافة أمرٌ حسن, وكلُّ حسنٍ يحكم بلزومه او انبغائه العقل, وبالتالي يرى ضرورة تحقيقه.
وقد أولاها الدّين الإسلامي أهمية قصوى؛ فالله (سبحانه وتعالى) أشار إليها في القرآن الكريم, وكذا نبيّه الأكرم محمد وأهل بيته (عليه وعليهم السلام) في رواياتهم. فالمسلمون يتصفون بالنظافة في كلِّ حالٍ امتثالاً لما جاء في كتابهم وموروثهم الروائي.
النَّظافةُ لغةً: هي "النَّقاوة. والنَّظَافَة: مَصْدَرُ التَّنْظِيف وَالْفِعْلُ اللَّازِمُ مِنْهُ نَظُفَ الشيءُ، بِالضَّمِّ، نَظَافَة، فَهُوَ نَظِيف: حَسُن وبَهُوَ. ونَظَّفَه يُنَظِّفُه تَنْظِيفاً أَي نَقَّاهُ"(1).
ونظرًا لأهمية النظافة في الدّين الإسلامي على كلّ حالٍ عمومًا, وفي زمن الوباء هذا خصوصًا, ستكون رسالتنا اليوم ضمن ثلاثِ نقاط أساسية.
●النقطة الأولى: القرآن الكريم يحثُّ على النظافة
لم ترد مفردةُ النظافة صريحةً في القرآن الكريم, بل جاءت بلفظ (طهارة), وهي تفي بمعنى النظافة وإن كانت أعم.
القرآن الكريم أشار إلى نوعين من الطهارة: المادية, والمعنوية.
أولًا: الطهارة المادية
1/ قال تعالى: { وَثِيَابَكَ فَطَهِّر}(2).
2/ قال تعالى: { وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُم مِّنَ السَّمَاءِ مَاءً لِّيُطَهِّرَكُم بِه}(3)
إذا نظرنا لها من الناحية المادية, فالأمطار تطهر المتنجسات.
ثانيًا: الطهارة المعنوية
1/ قال تعالى: {لَّمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَن تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَن يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِين}(4).
2/ قوله تعالى: {وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُم مِّنَ السَّمَاءِ مَاءً لِّيُطَهِّرَكُم بِه}(5), إذا نظرنا لها من الناحية المعنوية, فالأمطار علامة للتفكر وتطهير الفكر من جميع أوساخ الغفلة.
وليس القسم الثاني محل كلامنا, وإنّما ذُكِر استطرادًا؛ تبركًا بالآيات, وزيادةً للمنفعة.
●النقطة الثانية: روايات أهل البيت (عليهم السلام) تحثُّ على النظافة
أما الروايات الشريفة فقد جاءت مُفصِلةً لأقسام النظافة, فمنها:
■أولاً: نظافة الجسد
لقد أولت الروايات الشريفة اهتمامًا بالغًا في نظافة الجسد, وأكدّت في بعض الأحيان على وجوب النظافة. حتى روي عن النبي محمد (صلى الله عليه وآله): "بئسَ العبد القاذورة"(6) إشارةً منه إلى ضرورة النظافة, وبغض الله (سبحانه وتعالى) للعبد القذر.
بل ونجد الروايات قد تطرقت إلى نظافة أعضاء الجسد, فمنها:
1/ نظافة الفم
فمن الروايات ما أشارت حتى إلى تخليل الأسنان, أي تنظيف ما بينها, لإزالة بقايا الطعام عنها. روي عن النبي الأكرم محمد (صلى الله عليه وآله وسلم): "تخلّلوا، فإنّه من النظافة، والنظافة من الإيمان"(7).
وقد جاء الطب الحديث مؤكدًا على ذلك ومبينًا الحكمة منه، فكثيرًا ما يؤكد الأطباء على ضرورة مراعاة نظافة الفم؛ لئلا تتولد بكتريا تتسبب بالعديد من الأمراض.
وبما أنّ الأسنان أجسامٌ صلبة فمن الممكن أنْ تعلق عليها الفيروسات التي قد تنتقل إلى الآخرين عن طريق الهواء أو اللعاب. (وهذه القطيرات وزنها ثقيل نسبياً, فهي لا تنتقل إلى مكان بعيد وإنما تسقط سريعًا على الأرض. ويمكن أن يلقط الأشخاص مرض كوفيد-19 إذا تنفسوا هذه القُطيرات من شخص مصاب بعدوى الفيروس, ولهذا أكدوا على ضرورة ارتداء الكمامة كإجراءٍ وقائي للحدِّ من انتشار المرض"(8).
2/ نظافة اليدين
روي عن رسول الله (صلى الله عليه وآله): "تقليمُ الأظفار يمنعُ الداء الأعظم ويدرُّ الرزق"(9), فالرواية صريحةٌ بالإشارة إلى إمكانية إصابة الإنسان بمرضٍ ما نتيجةَ عدمِ تقليم أظفاره؛ لما ينمو تحتها من أوساخٍ, يصعب إزالتها بالمنظفات.
كما روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام): "غسلُ اليدين قبل الطعام، وبعده زيادة في العمر... ويجلو البصر"(10).
وحتمًا هناك أمورٌ صحية أخرى مترتبةٌ على نظافة اليدين, وفي كلِّ الأحوال, لا قبل الطعام فقط, لكن قد يبدو أنّ الرواية أجابت عن سؤالٍ معيّن.
هذا وتؤكد منظمة الصحة العالمية على "تنظيف اليدين جيدًا بفركهما بمطهرٍ كحولي لليدين أو بغسلهما بالماء والصابون؛ ليقتل الفيروسات التي قد تكون على اليدين, وفي حالِ عدم تنظيفهما قد تلامسان الفم أو الأنف أو العين, أو يصافح بإحداهما, مما يسبب انتقال الفيروس اللاصق على اليدين بمن لامسه"(11).
■ثانيًا: نظافة الثوب
لاشك أنّ بعض البكتيريا كما تنمو على الجسد, كذا تنمو على الثوب, فمن الضروري الاعتناء بنظافة الثوب أيضًا, ومحاولة الوقاية التي يحكم بها كل عاقل.
روي عن الإمام الصادق (عليه السلام) أنّه قال: "قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): "من اتخذ ثوبًا فلينظفه"(12)؛ فذلك من كمالِ هيبةِ المؤمن ووقاره واحترامه لذاته, واحترام الناس له.
وطرق تنظيف الثوب مطلقة, لم تقيّدها الرواية بطريقةٍ ما, ولم تُشِر إلى سبب التنظيف, لعلها تقصد التطهير فقهيا والتنظيف عرفياً.
أما من الناحية الطبية, ولاسيما بخصوص الوباء المنتشر (كوفيد19) فقد بيّنت منظمة الصحة العالمية ضرورة "غسل الأغطية والملابس المتسخة وتعقيمها عن طريق غسلها في الغسالة بمسحوق الغسيل وماءٍ دافئ (تتراوح درجة حرارته تتراوح بين 60 و90 درجة مئوية). وإذا لم تتوفر الغسالة، فيُمكن نقع الملابس في الماءِ الحار والصابون في حوضٍ كبير واستخدام عصا لتحريكها بحذرٍ لتجنب رذاذ الماء. وإذا لم يتوفر الماء الحار، فيمكن نقع الملابس في سائل الكلور المركز بنسبة 0.05 في المائة لمدة 30 دقيقة تقريبًا. وأخيرًا، تُشطف الملابس بالماء النظيف وتُترك لتجف تمامًا تحت أشعة الشمس"(13).
■ثالثًا: نظافة البيوت
روي عن النبي الأكرم محمد (صلى الله عليه وآله): "لا تبيّتوا القمامة في بيوتكم، وأخرجوها نهارًا، فإنّها مقعد الشيطان"(14).
ولعل الشيطان المقصود في هذه الرواية هو مصدر السوء والشر, فلا يستبعد عندئذٍ أنْ تكون القمامة مصدرًا للأمراض والفيروسات.
ولعل الشيطان المقصود هو إبليس أو أحد جنوده, باعتباره يسكن الأماكن القذرة. وعلى كلا الاحتمالين ينبغي أنْ يُنظف الإنسان بيته من القمامة.
كما وروي عنه (صلى الله عليه وآله): "نظّفوا بيوتكم من حوك العنكبوت، فإنّ تركه في البيت يورث الفقر"(15).
ولعل الرواية هنا ناظرةٌ إلى الفقر بمعنى سلبِ كلِّ ما يكون الإنسان غنيًا به كالصحة، ولا نعلم ما العلة في تسببِ بيت العنكبوت بالأمراض, كما لا نعلم كثيرًا من العلل.
ولعلها ناظرةٌ إلى الفقر المتبادر إلى الذهن, وهو بالتالي مرضٌ معنوي يسبب العديد من الأمراض, كالكآبة وارتفاع الضغط من شدّة التفكير في الرزق المنحسر أو شبه المنحسر. وعلى الاحتمالين ينبغي الامتثال للرواية, وتنظيف البيت من حوك العنكبوت.
هذا وتؤكد منظمة الصحة العالمية على ضرورة تنظيف البيت حتى من الهواء المشتبه به, من خلال التهوية الطبيعية.
وكقاعدةٍ عامة، يمكن حساب معدل التهوية الطبيعية الناشئة عن دفع الرياح، داخل غرفةٍ مزودةٍ بنافذتين متقابلتين (مثلا: نافذة وباب)، "على النحو التالي:
65.0 × سرعة الريح (متر / ثانية) × مساحة أصغر فتحة (متر مربع) × 3600 السرعة / الساعة تغييرات الهواء في الساعة = مساحة الغرفة (بالمتر المكعب).
أو حسابها كمعدل تهوية:
معدل التهوية (لتر / ثانية) = 65.0 × سرعة الريح (متر / ثانية) × مساحة أصغر فتحة (متر مربع) × 1000 لتر / متر مكعب"(16).
■رابعًا: نظافة الشارع
لاشكَّ أنّ الدين الإسلامي الذي يؤكّد على النظافة الشخصية, فإنّه يؤكد على الصالح العام أيضًا؛ فنجده قد أكّد على نظافة البيئة بدءً من أدنى درجات النظافة, وهي إماطة الحجر أو الشوك عن الطرقات, فكيف بالأمور الكبيرة التي يقتضي الالتفات إليها لمنع انتشار الوباء مثلا!
حتمًا إنّ ذلك نابعٌ من الحفاظ على سلامة ونظافة الأفراد وبيئتهم؛ فهو ناظرٌ إلى جانبِ الإنسانية بالإضافةِ إلى كونهِ أدبًا شرعيًا, روي عن النبي محمد (صلى الله عليه وآله) أنّه قال: "من أماط عن طريق المسلمين ما يؤذيهم كتب الله له أجر قراءةِ أربعمائة آيةٍ، كلُّ حرفٍ منه بعشر حسنات"(17).
ويؤكد الطب اليوم على أهمية النظافة, وضرورة الالتزام بها, واتخاذها كطريقٍ وقائيٍ ضد جميع الفايروسات عمومًا, وضد فيروس كورونا خصوصًا, لذا نجد تأكيدًا شديدًا من قبل منظمةِ الصحة العالمية على تعقيم الشوارع والممتلكات العامة, والطرقات.
حيث بيّنت منظمة الصحة العالمية أنّ هناك منظفاتٍ من الممكن أنْ تحدَّ من انتشار الفيروس, "منها:
70% من الكحول الإيثيلي لتطهير المعدات المخصصة القابلة للاستعمال المتكرر (مثل مقاييس الحرارة) عقب كلِّ استخدام هيبوكلوريت الصوديوم بنسبة 0.5% (ما يعادل 5000 جزء في المليون) لتطهيرِ الأسطح التي تُلمس بشكلٍ متكرر في المنازل أو في مرافق الرعاية الصحية"(18).
________________
(1) لسان العرب: لابن منظور, ج9, ص336.
(2) سورة المدثر: 4.
(3) سورة الأنفال: 11.
(4) سورة التوبة: 108.
(5) سورة الأنفال: 11.
(6) الكافي: للشيخ الكليني, ج6, باب التجمل واظهار النعمة, ص436, ح6.
(7) مستدرك وسائل الشيعة: للميرزا النوري الطبرسي, ج16, ص319.
(8) @موقع منظمة الصحة العالمية, كيف ينتشر مرض كوفيد-19
(9) الكافي, ج6, باب قص الأظافر, ص490, ح1
(10) وسائل الشيعة عن الكافي, ج6, ص290, ح3.
(11) @موقع سابق, نصائح للجمهور بشأن مرض كوفيد10.
(12) الكافي: للشيخ الكليني, ج6, باب اللباس, ص441, ح3.
(13) @موقع سابق, كيف يمكن غسل الشراشف والفوط والملابس المتسخة للمرضى المصابين بعدوى كوفيد -19.
(14) من لا يحضره الفقيه: للشيخ الصدوق ج4, ص5.
(15) وسائل الشيعة: للحر العاملي, ج5, باب استحباب تنظيف البيوت من حوك العنكبوت وكراهة تركه, ص322, ح2.
(16) مركز معالجة حالات العدوى التنفسية الحادة الوخيمة, منظمة الصحة العالمية, دليل عملي, مارس/ 2020.
(17) الأمالي: للشيخ الطوسي, ج1, ص185.
(18) @موقع سابق, ما هي المطهرات الموصى باستخدامها لتنظيف البيئة في مرافق الرعاية الصحية أو المنازل التي يوجد فيها المرضى الذين يُشتبه في إصابتهم بعدوى فيروس كورونا المستجد أو الذين تأكّدت إصابتهم بها.

والحمد لله على ما لم أزل أتصرف فيه من سلامة بدني

اخترنا لكم

كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته

*أم * قائد *مسؤول لا بد من التضحيات من أجل استمرار الحياة.. كلما قدمت تضحيات، كلما تفاديت الخسائر، حزنك الشديد لن يبقى الى الابد،‏ بل سيخف مع الوقت طبعا لا يعني ذلك انك ستتعافى كليا او تنسى الخسارة لكنَّ غصات الحزن القوية تسكن شيئا فشيئا.‏ صحيح ان ذكريات معيَّنة قد تفتح جراحك من جديد، لكن استمر بالعطاء لتستمر الحياة

اخرى
منذ 6 سنوات
2803

الغديرُ رسالةُ النّبي للأمّة

بقلم: وجدان الشوهاني ينتابُني القلقُ بمَن هم حولي، حتى إنّي بدأتُ أشُكّ في صحةِ عقيدتي في بعض الأحيان! ها هو يومُ الغدير يطلُّ علينا من جديد، ولكنّي أرى ذلك اليوم من منظارٍ مختلفٍ عن الكثيرين؛ فالكثيرُ يفهمُ من تلك الأحداث وما جرى بعد حادثةِ الغدير، أنّ الخلافَ شيعيٌ سنّيٌ فقط، ولكنّي أراهُ أوسعَ من ذلك، فكما هو شيعيٌ سنّيٌ هو شيعيٌ شيعيٌ أيضًا! فثرثرةُ العقلِ تقودني إلى تتبعِ أحداثِ ما جرى بدقةٍ متناهية؛ لأفهم الرسالة السّماويّة التي بيّنها النبي (صلى الله عليه وآله)، ولأقفَ على حقيقةِ معتقدي، عسى أن يرحل عنّي ذلك القلق. فما جرى لم يكن محضَ صدفة، وليس حدثًا عابرًا، فكلُّ ما حدث قد تمَّ بترتيبٍ إلهي، ولأهمية الأمر، كان تدبيرُ الله (تعالى) حاضرًا في كلِّ مفاصلَ الحادثة. تلك الواقعةُ التي تبدأ بقول الله (جلَّ وعلا): "يا أيها الرسول بلّغْ"، فهذه الآيةُ نزلتْ على النبي (صلوات الله عليه وآله ) في حجّه.. صيغةُ الأمر في الفعل (بلّغ) أرهقتني بكثرةِ التفكير في معناها، فهناك أمرٌ مهمٌ وجبَ على النبي أنْ يُبلّغ الأمةَ به، وفي نفس الأمر تشيرُ إلى صفةٍ ثابتةٍ في النبي وهي التبليغ، ومن هنا جاء من صفاته (المبلّغ). تُرى هل تلك الصفةُ يمكنُ أنْ تنتقلَ للبعض الذي سيخصهم الله (تعالى) بعنايته؟ سؤال علينا أنْ لا نغفلَ عنه، ولكن لنُكمِل عسى أنْ نجدَ الإجابةَ؛ فالكلُّ ينتظرُ التبليغ المهم. متى سيقومُ النبيُ بتبليغه؟ فقد أنهى الجميعُ أعمالَ الحج، وبدأ التهيؤ للعودة للديار بعد أن ودّع الجميعُ بيتَ الله الحرام. لم يختر النبي أيَّ مكانٍ من الأماكن التي جرت بها فريضة الحج، ليس تهاونًا كما يتصوّره البعض حتى وصل التوهم لبعض الشيعة، إنّما المكانُ قد جرى وفق تدبير الله (تعالى).. فتلك الأماكنُ يكونُ الحاجُّ فيها مشغولًا بأعمالِ الحجِ، وربما لا ينتبه الكثيرُ لكلامِ النبي (صلى الله عليه وآله)، وهذا خلافُ أهميةِ الأمرِ الذي جاء في الآية. بدأ المسيرُ، حتى وصلَ الجميعُ إلى مُفترقِ طرقٍ، إنّه غديرُ خُمٍ، هكذا هو اسمه، وهكذا جرى تدبيرُ الإلهِ في اختيارِ المكانِ الذي يجمعُ كافةَ المسلمين من كلِّ البلاد. جاء النداءُ؛ ليتوقف الجميع! الكلُّ يسألُ: ماذا جرى؟ هل هناك شيء؟ - نعم؛ فالنبيُّ سوف يخطبُ بكم جميعًا قبلَ أن تفترقوا. نصبوا للنبي منبرًا ليراه الجميع، خطب خُطبتَه المعروفة؛ ليُعلنَ عن تنصيبِ علي بن أبي طالب (عليه السلام) أميرًا للمؤمنين ووليًا وإمامًا بعده. والجميعُ منتبهٌ لذلك التنصيب، ولكن السؤال: هل كان الجميعُ يعي معناه؟ مهلًا، لنعد إلى سؤالٍ طرحناه سابقًا يخصُّ صفةَ (المبلّغ)؛ فجوابُ السؤال عن الصفةِ لا يفهمه إلّا من وعى حقيقة الولاية والإمامة وإمرة المؤمنين.. إن الولاية تستلزم انتقال كُلِّ صفاتِ النبي وخصائصه إلى علي بن أبي طالب (عليه السلام ) باستثناء النبوة؛ فكما إنّه يجبُ على الأمة طاعةُ النبي (صلى الله عليه وآله) يجبُ أيضًا طاعةُ علي بن أبي طالب (عليه السلام)، وفي كلِّ شيءٍ حتى التبليغ. فالخلاف الشيعي السني كان في إثبات المعنى وإنكاره، على حين الخلاف الشيعي الشيعي كان في طاعةِ الإمامِ والسيرِ على نهجه بكلِّ حذافيره، فالطاعةُ ليستْ مقتصرةً على صلاةٍ وصومٍ وغيرها من العبادات، وإنّما الطاعةُ تكمنُ في نظامٍ إلهي مُتكاملٍ على مستوى القيادة والإدارة والمنهج بالإضافة إلى العبادة. وهنا نفهمُ معنى السؤال الثاني؛ لأن الكثيرَ لا يفهم أنّ الإمامةَ طاعةٌ مُطلقةٌ في كلِّ شيء.. فكم منّا يؤمنُ بإمامةِ علي (عليه السلام)، ويفرحُ بيوم الغدير، ويبتهلُ إلى الله (تعالى) ويُرسلُ التهاني، ولكنّه إذا توّلى منصبًا سياسيًا نراه لا يسيرُ بنهجِ علي فيسرق! ولو كان طالبًا أكاديميًا لا نراهُ يسيرً بنهج علي فيغش!، ولو كان بقالًا أو موظفًا أو... وحتى النساء تفعلُ ما تفعلُ! فيضعنا فعلُهم أمامَ سؤالٍ: أين نهجُ علي؟! وأين الولايةُ التي احتفلوا بها وقدّموا من أجلها التهاني؟! لا أتكلمُ عن الجميع، وإنّما كلامي للبعض.. وهذا هو الخلاف الشيعي الشيعي؛ فعدمُ فهمِ معنى الولاية قادنا إلى متاهات، ونحنُ من جعلنا دائرةَ الخلافِ تتسع. ولا عجب في ذلك، فالجميعُ يعلمُ بحضور شخصياتٍ بارزة في مبايعة يوم الغدير كأبي بكرٍ وعمر بن الخطاب وعثمان بن عفان وطلحة والزبير، ولو تمعّنا في الأسماء جيّدًا سنجدهم أبطالًا لكثيرٍ من الأحداث التي جرت فيما بعد، أهمّها السقيفة! هذه الأسماءُ هي أوّلُ من لبّتْ أمرَ النبي بعد أنْ بلّغ الأمّة بالأمر المهم وهي البيعة لعلي بن أبي طالب (عليه السلام )، وكانت مبايعتهم على مرأى ومسمع الجميع، فكانوا ممّن أطاع الله والنبي (صلى الله عليه وآله) في بيعتهم للإمام علي (عليه السلام)، خصوصًا أنّهم نادوه بإمرة المؤمنين! وهذا يعني أنّهم فهموا من خطبة النبي أنّ عليًا أميرهم وتجب طاعته؛ لأنها طاعةُ الله ونبيّه، ولكن هل ستستمر هذه الطاعة إنْ غاب عنهم شخص النبي؟ ما جرى من أحداثِ السقيفة كشف حقيقة تلك المبايعة. ولكن علينا أنْ نفهمَ أنّ السقيفةَ قد رسمتْ للأمّة منهجًا مغايرًا لمنهجِ النبي وعلي (عليهما وآلهما السلام). وهنا نقفُ مندهشين أمام البعض ممن يُبايعُ الإمام في يوم الغدير بزيارة مرقدِه ولكنّه يسيرُ بمنهج السقيفة بالخفاء! أيُّ نفاقٍ يحملُ هؤلاءِ، هذا النفاقُ الذي بانَ في تعاملهم مع المرجعية؛ فالمقلدون كثيرون كما أنّ المبايعين لعلي (عليه السلام) كثيرون، ولكن إنْ جئنا إلى التطبيق، فلن نجدَ إلّا النزر القليل. وهنا نفهمُ الربطَ الحقيقي بين ما جرى في واقعةِ الغدير وبين علاقتِنا بالإمام الحجة (عجّل الله فرجه) وعلاقتنا بمرجعيتنا. فرسالةُ النبي (صلى الله عليه وآله) للأمّة، رسالةٌ مهمة تحتاج منّا مزيدًا من الوعي، والانتباه؛ إذ إنَّ نكرانَ إمامةِ علي (عليه السلام) لا يختلفُ كثيرًا عن إنكارِ التقليد؛ لأنّه سيقودُ لإنكار إمامةِ الحجة (عجّل الله فرجه). وعدمُ السير بمنهج علي (عليه السلام) لا يختلفُ كثيرًا عن عدمِ الأخذِ بوصايا المرجعية والسير وفقَ منهجِ الهوى الذي وضعه أهل السقيفة. فاليوم مطلوبٌ منّا ألّا ننظر للأمر من منظارِ المذهبية، بل علينا أنْ ننظر لتلك الولاية من منظار التطبيق؛ لأنّ وفق منظار التطبيق سيسقطُ الكثيرُ سواءً على مستوى من يخالفنا في المذهب أو يتفق معنا بالمذهب! ولكي نُزيلَ الأوهامَ والقلق الذي يكادُ أنْ يقتل المُنصفين أقول: إنَّ رسالةَ النبي (صلى الله عليه وآله) للأمّة في يومِ الغدير عميقةٌ في محتواها، تحتاجُ للعقول الواعية.. فنبيُّكم يُنادي وإمامُكم يُنادي ومرجعُكم يُنادي الولايةُ تطبيقُ منهجٍ، وليس فقط مذهب! فهل فيكم مَن يعي ذلك النداء؟!

اخرى
منذ 6 سنوات
2190

خيرة النساء وظلم التاريخ (2)

الظلامة الثانية: حديث الأزواج بالرغم من أن الدين الإسلامي يُبيح للمرأة الزواج بزوجٍ آخر بعد وفاة زوجها أو طلاقها منه، وهذا أمرٌ واردٌ كثيراً في المجتمع الإسلامي لاسيما في صدر الإسلام، إلا أن تكرر ذلك كثيراً من امرأةٍ ما وبلوغ عدد الأزواج خارج الحد المألوف قد يشكل نوعاً من الانتقاص إليها وإلى عائلتها عرفاً. وهذا ما حصل مع عائشة بنت طلحة بن عبيد الله التي اشتهرت بتعدد الأزواج فلم يكن من بعض الحاسدين للبيت العلوي إلا أن نسبوا ما اشتهرت به عائشة إلى السيدة سكينة (سلام الله عليها) محاولةً منهم في الإساءة إلى البيت العلوي والانتقاص من شأنه والحط من رفعته. وقد وضعوا لتعداد أزواج السيدة سكينة (عليها السلام) عدة قوائم ظلماً وزوراً، ذكر منها السيد محمد علي الحلو أربع قوائم كلها تعود إلى راوٍ واحد وهو الزبير بن بكار عن عمه مصعب الزبيري وهما معروفان بكذبهما وضعفهما وانحرافهما عن العترة الطاهرة (صلوات الله عليهم)، وبالتالي فهي روايات ساقطة عن الاعتبار سنداً. وأما متناً فيتضح التهافت بينها جلياً، واضطراب الرواة وتضاربهم في افتعال هذه الأكذوبة، لكننا نعرض عنها روماً للاختصار محاولين الاقتصار على ذكر أسماء الأزواج فقط ليتسنى لنا مناقشتها تباعاً: 1ـ مصعب بن الزبير ، وقد ورد اسمه في القوائم الأربع (رواية الإصفهاني وابن سعد وابن خلكان وسبط ابن الجوزي). 2ـ عبدالله بن عثمان بن عبدالله بن حكيم بن حزام ، وقد ورد اسمه في القوائم الأربع أيضاً. 3ـ الأصبغ بن عبدالعزيز بن مروان ، كما في رواية ابن سعد ، أما الإصفهاني وابن خلكان وسبط ابن الجوزي فقالوا: لم يدخل بها . 4ـ زيد بن عمرو بن عثمان بن عفان ، فهو برواية الإصفهاني وابن سعد وابن خلكان ، أما سبط ابن الجوزي فلم يذكره . 5ـ إبراهيم بن عبدالرحمن بن عوف ، لم يذكره غير الإصفهاني وابن سعد ، واتفقا أنه لم يدخل بها ، ولم يذكره ابن خلكان وسبط ابن الجوزي . 6ـ أما عبدالله بن الحسن بن علي ، فهو حسب رواية الإصفهاني فقط . ومن الواضح جداً أن واضع هذه الحادثة ومفتعلها قد اختار وبعناية فائقة الأشخاص الذين ادعى أنهم تزوجوا هذه السيدة الجليلة إذ إنهم جميعاً ممن ينصب العداء لأهل البيت (عليهم السلام)، فهم إما زبيريون أو أمويون أو مروانيون. وهذا الاختيار لم يأتِ اعتباطاً ولم يحدث صدفةً بل جاء لأغراض مقصودة ولأهداف منشودة سعى لتحقيقها وهي: الهدف السياسي: المتمثل بالتقليل من البون الشاسع بين كل من التوجهات السياسية الأموية والزبيرية والمروانية وبين توجه أهل البيت (عليهم السلام). الهدف الأيديولوجي: المتمثل بمحاولة تحسين الأيديولوجية الزبيرية والأموية والمروانية وإضفاء لمسة من الشرعية عليها؛ وذلك لأن الأطراف المختلفة خلافاً فكرياً عميقاً من البعيد إن لم يكن من المحال أن تتصاهر. محاولة التعتيم على الجرائم التي ارتكبها الأمويون والزبيريون والمروانيون بحق أهل البيت (عليهم السلام) بهذه المصاهرة المفتعلة بين الطرفين. وقد شهد التأريخ الاسلامي افتعال حوادث أخرى من قبل بعض المغرضين (عليهم السلام) والتشبث بها محاولةً منهم في تحقيق نفس الأهداف المذكورة آنفاً كافتعال حادثة زواج عمر بن الخطاب من أم كلثوم بنت أمير المؤمنين (عليهما السلام). ثانياً: الأزواج كما تقدم كلهم من أعداء أهل البيت (عليهم السلام)، أ فهل يُعقل أن يزوج الامام السجاد (عليه السلام) أخته الطاهرة بهكذا شخصيات نصبت العداء لأهل البيت (عليهم السلام)؟! أم هل انقرضت الرجال من على وجه الأرض ولم يبقَ إلا هؤلاء؟! ثالثاً: عند مناقشة كل شخصية من هذه الشخصيات، ترتسم علامة استفهام كبيرة إلى جانب علامة تعجب أكبر، لا سيما عند التأمل قليلاً بشخصية مصعب بن الزبير، أ فهل يُعقل ان يرضى الإمام السجاد (عليه السلام) بمصاهرة هذا الذي بلغ من عدائه لأهل البيت وحقده عليهم ان ضم قتلة الإمام الحسين (عليه السلام) إليه بل ونصبهم قادة لجيشه. كما جاء في الطبري (أن مصعب بن الزبير استقطب قتلة الحسين عليه السلام وأهل بيته، وجعلهم قادة جيشه؛ لإحباط محاولات المختار بن أبي عبيد الثقفي ، الذي تصدى لملاحقة قتلة الحسين وأهل بيته عليهم السلام )(2) كما طالت قائمة انتهاكاته بحق أهل البيت (عليهم السلام) وشيعتهم، حتى أُغرق نفسه بدماء المطالبين بدم الامام الحسين (عليه السلام)، قال المسعودي: (فكان جملة من أدركه الإحصاء ممن قتله مصعب مع المختار سبعة آلاف رجل، كل هؤلاء طالبون بدم الحسين وقتلة أعدائه، فقتلهم مصعب وسماهم الخشبية، وتتبع مصعب الشيعة بالقتل بالكوفة وغيرها)(3)؟! ثم أولم يعلم (سلام الله عليه) بأن مصاهرته تعني بلا شك توافقاً سياسياً مع نهجه وتأييداً شرعياً له؟! فإن قيل: إن الزواج قد تم قهراً. قلنا: إن عبد الله بن الزبير لم يُحكِم سيطرته على المدينة بعد ليتمكن أخوه مصعب من قهر بني هاشم على الزواج من آمنة، فالهاشميون رفضوا البيعة لعبدالله بن الزبير، ولم يتمكن من إكراههم على ذلك فكيف يمكنه إكراههم على الزواج بعقيلتهم؟! ومن الملاحظ أن اسم مصعب بن الزبير قد تكرر في القوائم الأربعة مما يدل على حرص من افتعل مسألة تعدد أزواج السيدة الجليلة وتأكيده على وقوع هذا الزواج لما له من أثر سياسي كبير يحقق مصلحة الزبيريين. وبالرغم من ذلك التأكيد فإن الغربال يعجز عن أن يحجب ضوء الشمس، إذ لم يثبت زواج السيدة سكينة بنت الحسين (عليهما السلام) من مصعب لضعف الرواية أولاً وللقرائن الدالة على نفي ذلك ثانياً. وأما عبدالله بن عثمان ابن حزام فهو الآخر قد تكرر اسمه في القوائم الأربعة ولا غرابة في ذلك فإن أم عبد الله تكون رملة بنت الزبير بن العوام، مما دفع خؤولته الزبيريون الى التأكيد على وقوع هذا الزواج للمصلحة السياسية كما أسلفنا.. ومما يثير الشك في وقوع هذا الزواج من السيدة بنت الامام الحسين (عليه السلام) ، ما رواه أبو منصور البغدادي، عن المدائني، عن مجالد، عن الشعبي: أن سكينة نشزت على زوجها عبدالله ابن عثمان ابن حزام فشكتها أمه رملة بنت الزبير بن العوام إلى عبدالملك(4). ومن المعلوم أن المرأة عندما تنشز تُشكى الى ولي أمرها، فإذا صحت هذه الرواية فقد يكون المراد من (سكينة) امرأة تحمل هذا الاسم إلا أنها ليست بنت الامام الحسين (عليه السلام). وبالتالي لم يثبت زواجها من عبدالله بن عثمان ابن حزام أيضا لضعف الرواية سنداً ولعدم تمامية دلالتها . وأما الأصبغ بن عبدالعزيز بن مروان، فلا يمكن قبول خبر زواجه بها؛ وذلك لأن الأصبغ بن عبدالعزيز كان والياً لعبد الملك بن مروان في مصر، والسيدة آمنة بنت الحسين بقيت مقيمة في المدينة ولم تغادرها أبداً، فكيف يتسنى لهذا المرواني من زواجها؟ بل وإن قيل بعدم دخوله بها، فكيف ومتى وقع عقد الزواج؟ وأما زيد بن عمرو بن عثمان وإبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف فقد روي عنهما حدثٌ يشتركان به كلاهما وهو تفريق والي عبد الملك بن مروان بينهما وبين سكينة (5). فقد روي عن ابن سعد أنه قال: "فخلف عليها إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف الزهري كانت ولته نفسها، فتزوجها، فأقامت معه ثلاثة أشهر، فكتب هشام ابن عبدالملك إلى واليه بالمدينة أن فرق بينهما ففرق بينهما..."(6). كما روي عن ابن خلكان: "تزوجها زيد بن عمرو بن عثمان بن عفان، فأمره سليمان بن عبد الملك بطلاقها ففعل..."(7). ومن الواضح للقارئ الكريم أن هذين النصين يفتقران إلى الواقعية من جهاتٍ عديدة: الأول: اشتراك كلا الشخصين في حدث واحد. الثاني: ما السبب الذي دفع كلاً من هشام بن عبدالملك وسليمان بن عبدالملك أن يأمرا إبراهيم بن عبدالرحمن بن عوف وعمرو بن عثمان بطلاق السيدة «آمنة» سكينة بنت الحسين؟ الثالث: من البعيد جداً إن لم يكن من المحال أن تولّي السيدة سكينة (عليها السلام) أمر نفسها إلى إبراهيم بن عبدالرحمن بن عوف ويتزوجها بناءً على هذه الولاية. إذ أين كان أولياء أمورها وهم خير الأولياء الإمام السجاد (عليه السلام)، ومن بعد استشهاده ولده الإمام الباقر(عليه السلام) حتى تولي أمر نفسها من يخالف أهل البيت (عليهم لسلام) في الفكر والرأي والموقف؟! لكل هذه التساؤلات التي يعجز التاريخ عن الإجابة عنها إجابة منطقية وافية، ولوجود قرائن يطول المقام بذكرها قد ذكرتها كتب التأريخ لا يمكن القبول بخبري زواجها (عليها السلام) من كلٍ من إبراهيم بن عبدالرحمن بن عوف وزيد بن عمرو بن عثمان. مما ذكر تُفتضح الأكذوبة التي جهدوا في إلصاقها بهذه السيدة الجليلة، مما يتضح أنها (سلام الله عليها) لم تتزوج إلا من عبدالله بن الحسن السبط الذي استشهد في واقعة الطف، ولم تتزوج بعده حتى ماتت (عليها أزكى التحية والسلام). وهكذا يحبط الله (تعالى) محاولات الظالمين الذين أرادوا تشويه تاريخ أهل البيت عليهم السلام، وتبقى شمس نورهم لا تحجبها سحب حقدهم مهما تزايد وتمدد، لأن الله وعد في كتابه يستحيل أن يأفل ويتبدد، كيف لا وهو القائل(عز من قائل):"يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ (32)"(8). ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) للمزيد من التفصيل نحيل القارئ الكريم إلى كتاب عقيلة قريش آمنة بنت الحسين عليهما السلام الملقبة بسكينة، تأليف السيد محمد علي بن يحيى الحلو ص96 وما بعدها.. (2) الأغاني 161:16 (3) الطبقات الكبرى لابن سعد 475:8 في قسم النساء اللواتي لم يروين عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، وروين عن أزواجه وغيرهن. (4) وفيات الأعيان 394:2رقم 268(5)تذكرة الخواص سبط ابن الجوزي : 249 (6) أنظر تاريخ الطبري ج6 ص52 (7) مروج الذهب ج3 ص113 (8) التوبة 32 رضا الله غايتي

اخرى
منذ 7 سنوات
3056

التعليقات

يتصدر الان

لا تعاشر نفساً شبعت بعد جوع

يستشهد الكثير من الناس ــ وحتى بعض المثقفين ــ بقول:" لا تعاشر نفساً شبعت بعد جوع فإن الخير فيها دخيل وعاشر نفساً جاعت بعد شبع فإن الخير فيها أصيل" على أنه من أقوال أمير المؤمنين علي (عليه السلام)، كما يستشهدون أيضاً بقولٍ آخر ينسبونه إليه (عليه السلام) لا يبعد عن الأول من حيث المعنى:"اطلبوا الخير من بطون شبعت ثم جاعت لأن الخير فيها باق، ولا تطلبوا الخير من بطون جاعت ثم شبعت لأن الشح فيها باق"، مُسقطين المعنى على بعض المصاديق التي لم ترُق افعالها لهم، لاسيما أولئك الذين عاثوا بالأرض فساداً من الحكام والمسؤولين الفاسدين والمتسترين عل الفساد. ونحن في الوقت الذي نستنكر فيه نشر الفساد والتستر عليه ومداهنة الفاسدين نؤكد ونشدد على ضرورة تحرّي صدق الأقوال ومطابقتها للواقع وعدم مخالفتها للعقل والشرع من جهة، وضرورة التأكد من صدورها عن أمير المؤمنين أبي الأيتام والفقراء (عليه السلام) أو غيرها من المعصومين (عليهم السلام) قبل نسبتها إليهم من جهة أخرى، لذا ارتأينا مناقشة هذا القول وما شابه معناه من حيث الدلالة أولاً، ومن حيث السند ثانياً.. فأما من حيث الدلالة فإن هذين القولين يصنفان الناس الى صنفين: صنف قد سبق له أن شبع مادياً ولم يتألم جوعاً، أو يتأوه حاجةً ومن بعد شبعه جاع وافتقر، وصنف آخر قد تقلّب ليله هماً بالدين، وتضوّر نهاره ألماً من الجوع، ثم شبع واغتنى،. كما جعل القولان الخير متأصلاً في الصنف الأول دون الثاني، وبناءً على ذلك فإن معاشرة أفراد هذا الصنف هي المعاشرة المرغوبة والمحبوبة والتي تجرّ على صاحبها الخير والسعادة والسلام، بخلاف معاشرة أفراد الصنف الثاني التي لا تُحبَّذ ولا تُطلب؛ لأنها لا تجر إلى صاحبها سوى الحزن والندم والآلام... ولو تأملنا قليلاً في معنى هذين القولين لوجدناه مغايراً لمعايير القرآن الكريم بعيداً كل البعد عن روح الشريعة الاسلامية ، وعن المنطق القويم والعقل السليم ومخالفاً أيضاً لصريح التاريخ الصحيح، بل ومخالف حتى لما نسمعه من قصص من أرض الواقع أو ما نلمسه فيه من وقائع.. فأما مناقضته للقرآن الكريم فواضحة جداً، إذ إن الله (تعالى) قد أوضح فيه وبشكلٍ جلي ملاك التفاضل بين الناس، إذ قال (عز من قائل):" يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (13)"(1) جاعلاً التقوى مِلاكاً للتفاضل، فمن كان أتقى كان أفضل، ومن البديهي أن تكون معاشرته كذلك، والعكس صحيحٌ أيضاً. وعليه فإن من سبق حاجتُه وفقرُه شبعَه وغناه يكون هو الأفضل، وبالتالي تكون معاشرته هي الأفضل كذلك فيما لو كان تقياً بخلاف من شبع وكان غنياً ، ثم افتقر وجاع فإنه لن يكون الأفضل ومعاشرته لن تكون كذلك طالما كان بعيداً عن التقوى. وأما بُعده عن روح الشريعة الإسلامية فإن الشريعة لطالما أكدت على أن الله (سبحانه وتعالى) عادلٌ لا جور في ساحته ولا ظلمَ في سجيته، وبالتالي لا يمكن أن يُعقل إطلاقاً أن يجعل البعض فقيراً ويتسبب في دخالة الخير في نفوسهم، التي يترتب عليها نفور الناس من عشرتهم، فيما يُغني سواهم ويجعل الخير متأصلاً في نفوسهم بسبب إغنائه إياهم ليس إلا ومن ثم يتسبب في كون الخير متأصلاً في نفوسهم، وبالتالي حب الناس لعشرتهم. فإن ذلك مخالف لمقتضى العدل الإلهي لأنه ليس بعاجزٍ عن تركه ولا بمُكره على فعله، ولا محب لذلك لهواً وعبثاً (تعالى عن كل ذلك علواً كبيراً). كما إن تأصل الخير في نفوس بعض الناس ودخالته في نفوس البعض الآخر منهم بناءً على أمر خارج عن إرادتهم واختيارهم كـ(الغنى والشبع أو الجوع والفقر) إنما هو أمرٌ منافٍ لمنهج الشريعة المقدسة القائم على حرية الانسان في اختياره لسبيل الخير والرشاد أو سبيل الشر والفساد، قال (تعالى):" إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا (3)"(2) بل إن الانسان أحياناً قد يكون فقيراً بسبب حب الله (تعالى) له، كما ورد في الحديث القدسي: "أن من عبادي من لا يصلحه إلا الغنى فلو أفقرته لأفسده ذلك و أن من عبادي من لا يصلحه إلا الفقر فلو أغنيته لأفسده ذلك"(3) وهل يمكن ان نتصور أن الخيرَ دخيلٌ فيمن يحبه الله (تعالى) أو إن معاشرته لا تجدي نفعا، أو تسبب الهم والألم؟! نعم، ورد عن أمير المؤمنين (عليه السلام):"اِحْذَرُوا صَوْلَةَ اَلْكَرِيمِ إِذَا جَاعَ وَ اَللَّئِيمِ إِذَا شَبِعَ"(4) ولا يقصد به الجوع والشبع المتعارف عليه لدى الناس، وإنما المراد منه: احذروا صولة الكريم إذا اُمتُهِن، واحذروا صولة اللئيم إذا أكرم، وفي هذا المعنى ورد عنه (عليه السلام) أيضاً: "احذروا سطوة الكريم إذا وضع و سورة اللئيم إذا رفع"(5) وأما العقل السليم والمنطق القويم فإنهما يقتضيان أن تتأصل صفة الخير في الإنسان لملكاتٍ حميدة يتسم بها وصفات فضيلة يتميز بها، لا أن تتأصل صفة الخير في نفسه لمجرد أنه ولد في أسرة تتمتع بالرفاهية الاقتصادية ووجد في بيئة تتنعم بالثروات المادية! وعند مراجعتنا للتاريخ الصحيح نجد أن قادة البشر وصفوة الناس إنما كان أغلبهم ينتمي الى الطبقات الفقيرة من المجتمع، فهؤلاء الأنبياء ورسل الله (صلوات الله عليهم) منهم من كان نجاراً أو خياطاً أو راعياً، ومع ذلك فقد كانوا من أطيب الناس خلقاً، وأعظمهم شرفاً، وأرفعهم منزلةً، قد تأصّل الخير في نفوسهم تأصّلاً حتى غدوا قطعة منه، فكانوا هم الخير للبشر، وهم الرحمة للعالمين. وبالنزول إلى أرض الواقع نجد أن الكثير من الفقراء والمساكين طيبي الروح، كريمي النفس، يتألمون لألم المحتاج ولربما يؤثرونه على أنفسهم رغم حاجتهم. ولا نقصد من كلامنا هذا أن الأغنياء هم على نقيض ذلك، وإنما تأكيداً على مسألة عدم ارتباط تأصل الخير في النفوس وعدمه بمستواهم الاقتصادي الذي نشأوا فيه ارتباط العلة والمعلول، فكما إن بعض الفقراء أخيار، فإن بعض الأغنياء كذلك، والعكس صحيح أيضاً. ومن هنا يُفهم من بعض الروايات ضرورة عدم طلب الخير والحاجات ممن هم أهل للخير بقطع النظر عن مستواهم المعاشي الحالي والسابق، منها ما روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام):"أشد من الموت طلب الحاجة من غير أهلها"(5)، وعنه (عليه السلام) أيضاً: "فوت الحاجة أهون من طلبها إلى غير أهلها"(6) إذن فلا صحة لهاتين المقولتين من حيث الدلالة، حتى وإن تنزلنا وحملنا الجوع والشبع على المعنى المعنوي لا المادي؛ وذلك لأنه حتى من يفتقر الى الأخلاق المعنوية فإنه ما إن يتكامل بالفضائل ويقلع عن الرذائل حتى يتسم بالخير وتحسن عشرته وتطيب للناس صحبته، والعكس صحيحٌ أيضا.. ومن البديهي أن ما لا يوافق العقل والمنطق السليم، ويخالف صريح القرآن الكريم، لا يمكن أن يصدر من وصي الرسول الكريم (صلوات الله عليهما وآلهما)، وعليه لا تصح نسبة هذين القولين الى أمير المؤمنين (عليه السلام).. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) الحجرات 13 (2) الانسان 3 (3) عوالي الآلي ج2 ص29 (4) غرر الحكم ج1 227 (5) المدر السابق ج1 ص246 (6) ميزان الحكمة ج4 ص 238 رضا الله غايتي

اخرى
منذ 8 سنوات
89460

بين طيبة القلب وحماقة السلوك...

خلق الله الأشياء كلها في الحياة ضمن موازين وقياسات... فالزيادة أو النقيصة تسبب المشاكل فيها. وهكذا حياتنا وأفعالنا وعواطفنا لا بد أن تكون ضمن موازين دقيقة، وليست خالية منها، فالزيادة والنقيصة تسبب لنا المشاكل. ومحور كلامنا عن الطيبة فما هي؟ الطيبة: هي من الصفات والأخلاق الحميدة، التي يمتاز صاحبها بنقاء الصدر والسريرة، وحُبّ الآخرين، والبعد عن إضمار الشر، أو الأحقاد والخبث، كما أنّ الطيبة تدفع الإنسان إلى أرقى معاني الإنسانية، وأكثرها شفافية؛ كالتسامح، والإخلاص، لكن رغم رُقي هذه الكلمة، إلا أنها إذا خرجت عن حدودها المعقولة ووصلت حد المبالغة فإنها ستعطي نتائج سلبية على صاحبها، كل شيء في الحياة يجب أن يكون موزوناً ومعتدلاً، بما في ذلك المحبة التي هي ناتجة عن طيبة الإنسان، وحسن خلقه، فيجب أن تتعامل مع الآخرين في حدود المعقول، وعندما تبغضهم كذلك وفق حدود المعقول، ولا يجوز المبالغة في كلا الأمرين، فهناك شعرة بين الطيبة وحماقة السلوك... هذه الشعرة هي (منطق العقل). الإنسان الذي يتحكم بعاطفته قليلاً، ويحكّم عقله فهذا ليس دليلاً على عدم طيبته... بالعكس... هذا طيب عاقل... عكس الطيب الأحمق... الذي لا يفكر بعاقبة أو نتيجة سلوكه ويندفع بشكل عاطفي أو يمنح ثقة لطرف معين غريب أو قريب... والمبررات التي يحاول إقناع نفسه بها عندما تقع المشاكل أنه صاحب قلب طيب. الطيبة لا تلغي دور العقل... إنما العكس هو الصحيح، فهي تحكيم العقل بالوقت المناسب واتخاذ القرار الحكيم الذي يدل على اتزان العقل، ومهما كان القرار ظاهراً يحمل القسوة أحياناً لكنه تترتب عليه فوائد مستقبلية حتمية... وأطيب ما يكون الإنسان عندما يدفع الضرر عن نفسه وعن الآخرين قبل أن ينفعهم. هل الطيبة تصلح في جميع الأوقات أم في أوقات محددة؟ الطيبة كأنها غطاء أثناء الشتاء يكون مرغوباً فيه، لكنه اثناء الصيف لا رغبة فيه أبداً.. لهذا يجب أن تكون الطيبة بحسب الظروف الموضوعية... فالطيبة حالة تعكس التأثر بالواقع لهذا يجب أن تكون الطيبة متغيرة حسب الظروف والأشخاص، قد يحدث أن تعمي الطيبة الزائدة صاحبها عن رؤيته لحقيقة مجرى الأمور، أو عدم رؤيته الحقيقة بأكملها، من باب حسن ظنه بالآخرين، واعتقاده أن جميع الناس مثله، لا يمتلكون إلا الصفاء والصدق والمحبة، ماي دفعهم بالمقابل إلى استغلاله، وخداعه في كثير من الأحيان، فمساعدة المحتاج الحقيقي تعتبر طيبة، لكن لو كان المدّعي للحاجة كاذباً فهو مستغل. لهذا علينا قبل أن نستخدم الطيبة أن نقدم عقولنا قبل عواطفنا، فالعاطفة تعتمد على الإحساس لكن العقل أقوى منها، لأنه ميزان يزن الأشياء رغم أن للقلب ألماً أشد من ألم العقل، فالقلب يكشف عن نفسه من خلال دقاته لكن العقل لا يكشف عن نفسه لأنه يحكم بصمت، فالطيبة يمكن أن تكون مقياساً لمعرفة الأقوى: العاطفة أو العقل، فالطيّب يكون قلبه ضعيفاً ترهقه الضربات في أي حدث، ويكون المرء حينها عاطفياً وليس طيباً، لكن صاحب العقل القوي يكون طيباً أكثر من كونه عاطفياً. هل الطيبة تؤذي صاحبها وتسبب عدم الاحترام لمشاعره؟ إن الطيبة المتوازنة المتفقة مع العقل لا تؤذي صاحبها لأن مفهوم طيبة القلب هو حب الخير للغير وعدم الإضرار بالغير، وعدم العمل ضد مصلحة الغير، ومسامحة من أخطأ بحقه بقدر معقول ومساعدة المحتاج ... وغيرها كثير. أما الثقة العمياء بالآخرين وعدم حساب نية المقابل وغيرها فهذه ليست طيبة، بل قد تكون -مع كامل الاحترام للجميع- غباءً أو حماقة وسلوكاً غير عقلاني ولا يمت للعقل بصلة. إن المشكلة تقع عند الإنسان الطيب عندما يرى أن الناس كلهم طيبون، ثم إذا واجهه موقف منهم أو لحق به أذى من ظلم أو استغلال لطيبته، تُغلق الدنيا في وجهه، فيبدأ وهو يرى الناس الطيبين قد رحلوا من مجتمعه، وأن الخير انعدم، وتحصل له أزمة نفسية أو يتعرض للأمراض، لأن الطيّب يقدم الإحسان للناس بكل ما يستطيع فعله، ويقدّم ذلك بحسن نية وبراءة منه، فهو بالتالي ينتظر منهم الرد بالشكر أو المعاملة باللطف على الأقل... صحيح أن المعروف لوجه الله، ولكن من باب: من لم يشكر المخلوق لم يشكر الخالق، لذلك يتأذى عندما يصدر فعل من الشخص الذي كان يعامله بكل طيب وصدق. هل الطيبة والصدق من علامات ضعف الشخصية؟ الكثير من الناس يصف طيب القلب بأنه ضعيف الشخصية، لأنه يتصف بعدم الانتقام ممن ظلمه، والصفح عنه عند رجوعه عن الخطأ، وأنه لا يحب إيقاع الآخرين بالمشاكل؛ لأنه مقتنع أن الله سيأخذ له حقه. والحقيقة هي أن الصدق والطيبة وحسن الظن بالآخرين ليست ضعف شخصية، بل هي من الأخلاق الراقية وهي تزيد صاحبها سمواً وجمالاً روحياً، وليس من المعيب أن يمتلك الإنسان الطيبة بل العيب في من لا يُقدّر هذه الطيبة ويعطيها حقها في التعامل بالمثل. فالمشكلة الأساسية ليست في الطيبة، إنما في استغلال الآخرين لهذه الطيبة، نتيجة لعدم عقلنة قراراتنا والاعتماد على عواطفنا بشكل كلي. فالصدق والطيبة حسب المنطق والعقل، ولها فوائد جمة للنفس ولعموم أفراد المجتمع، فهي تحصين للشخص عن المعاصي، وزيادة لصلة الإنسان بربه، وتهذيب للنفس والشعور بالراحة النفسية، فالصادق الطيب ينشر المحبة بين الناس، وهذا يعزّز التماسك الاجتماعي وتقويته من سوء الظنون والحقد، وهذا التعامل أكّدت عليه جميع الشرائع السماوية، ولو تأمّلنا تاريخ وأخلاق الأنبياء والأوصياء لوجدنا كل ما هو راقٍ من الأخلاق والتعامل بالطيبة والصدق... حنان الزيرجاوي

اخرى
منذ 7 سنوات
80423

لا تقاس العقول بالأعمار!

(لا تقاس العقول بالأعمار، فكم من صغير عقله بارع، وكم من كبير عقله فارغ) قولٌ تناولته وسائل التواصل الاجتماعي بكل تقّبلٍ ورضا، ولعل ما زاد في تقبلها إياه هو نسبته الى أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام)، ولكننا عند الرجوع إلى الكتب الحديثية لا نجد لهذا الحديث أثراً إطلاقاً، ولا غرابة في ذلك إذ إن أمير البلاغة والبيان (سلام الله وصلواته عليه) معروفٌ ببلاغته التي أخرست البلغاء، ومشهورٌ بفصاحته التي إعترف بها حتى الأعداء، ومعلومٌ كلامه إذ إنه فوق كلام المخلوقين قاطبةً خلا الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله) ودون كلام رب السماء. وأما من حيث دلالة هذه المقولة ومدى صحتها فلابد من تقديم مقدمات؛ وذلك لأن معنى العقل في المفهوم الإسلامي يختلف عما هو عليه في الثقافات الأخرى من جهةٍ، كما ينبغي التطرق الى النصوص الدينية الواردة في هذا المجال وعرضها ولو على نحو الإيجاز للتعرف إلى مدى موافقة هذه المقولة لها من عدمها من جهةٍ أخرى. معنى العقل: العقل لغة: المنع والحبس، وهو (مصدر عقلت البعير بالعقال أعقله عقلا، والعِقال: حبل يُثنَى به يد البعير إلى ركبتيه فيشد به)(1)، (وسُمِّي العَقْلُ عَقْلاً لأَنه يَعْقِل صاحبَه عن التَّوَرُّط في المَهالِك أَي يَحْبِسه)(2)؛ لذا روي عنه (صلى الله عليه وآله): "العقل عقال من الجهل"(3). وأما اصطلاحاً: فهو حسب التصور الأرضي: عبارة عن مهارات الذهن في سلامة جهازه (الوظيفي) فحسب، في حين أن التصوّر الإسلامي يتجاوز هذا المعنى الضيّق مُضيفاً إلى تلك المهارات مهارة أخرى وهي المهارة العبادية. وعليه فإن العقل يتقوّم في التصور الاسلامي من تظافر مهارتين معاً لا غنى لأحداهما عن الأخرى وهما (المهارة العقلية) و(المهارة العبادية). ولذا روي عن الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله) أنه عندما سئل عن العقل قال :" العمل بطاعة الله وأن العمّال بطاعة الله هم العقلاء"(4)، كما روي عن الإمام الصادق(عليه السلام)أنه عندما سئل السؤال ذاته أجاب: "ما عُبد به الرحمن، واكتسب به الجنان. فسأله الراوي: فالذي كان في معاوية [أي ماهو؟] فقال(عليه السلام): تلك النكراء، تلك الشيطنة، وهي شبيهة بالعقل وليست بالعقل"(5) والعقل عقلان: عقل الطبع وعقل التجربة، فأما الأول أو ما يسمى بـ(الوجدان الأخلاقي) فهو مبدأ الادراك، وهو إن نَما وتطور سنح للإنسان فرصة الاستفادة من سائر المعارف التي يختزنها عن طريق الدراسة والتجربة وبالتالي يحقق الحياة الإنسانية الطيبة التي يصبو اليها، وأما إن وهن واندثر لإتباع صاحبه الأهواء النفسية والوساوس الشيطانية، فعندئذٍ لا ينتفع الانسان بعقل التجربة مهما زادت معلوماته وتضخمت بياناته، وبالتالي يُحرم من توفيق الوصول إلى الحياة المنشودة. وعقل التجربة هو ما يمكن للإنسان اكتساب العلوم والمعارف من خلاله، وما أروع تشبيه أمير البلغاء (عليه السلام) العلاقة التي تربط العقلين معاً إذ قال فيما نسب إليه: رأيت العقل عقلين فمطبوع ومسموع ولا ينفع مسموع إذ لم يك مطبــوع كما لا تنفع الشمس وضوء العين ممنوع(6) فقد شبّه (سلام الله عليه) عقل الطبع بالعين وعقل التجربة بالشمس، ومما لاشك فيه لكي تتحقق الرؤية لابد من أمرين: سلامة العين ووجود نور الشمس، وكما إن الثاني لا ينفع إن لم يتوفر الأول فكذلك عقل التجربة لا ينفع عند غياب عقل الطبع فضلاً عن موته. وبما إن عقل الطبع قد ينمو ويزدهر فينفع صاحبه من عقل التجربة، وقد يموت ويندثر عند الاستسلام لإضلال شبهةٍ أوبسبب إرتكاب معصية، فإنه ومن باب أولى أن يتعرض الى الزيادة والنقصان كما سيأتي... وقد ورد في النصوص الدينية أن للعقل زمناً ينمو فيه ويكتمل، فعن إمامنا أبي عبدالله (عليه السلام) قال: قال أمير المؤمنين (صلوات الله عليه):"يثغر الصبي لسبع، ويؤمر بالصلاة لتسع، ويفرق بينهم في المضاجع لعشر، ويحتلم لأربع عشرة، وينتهى طوله لإحدى وعشرين سنة، وينتهي عقله لثمان وعشرين إلا التجارب"(7)، وعن أمير المؤمنين (عليه السلام): "يربى الصبي سبعاً ويؤدب سبعاً، ويستخدم سبعاً، ومنتهى طوله في ثلاث وعشرين سنة، وعقله في خمس وثلاثين [سنة] وما كان بعد ذلك فبالتجارب"(8). إذن يتوقف النمو الطبيعي لعقل الانسان عند سن الثامنة والعشرين أو الخامسة والثلاثين كما ورد في الروايتين، وأية زيادة أخرى في طاقته بعد ذلك إنما تأتي عن طريق التجارب، وقد يُتوهم بأن ثمة تعارضاً ما بين الروايتين المتقدمتين في شأن تحديد سن النمو العقلي، إلا إنه لا تعارض ينهما إذا حملنا اختلافهما فيه على اختلاف الاشخاص وتباين استعدادات وقابليات كل منهم. وعلى الرغم من توقف نمو عقل الإنسان إلا إن له أنْ يزيده بالتجارب ومواصلة التعلم ــ كما تقدم في الروايات ــ وسواء أثبت العلم هذه الحقيقة الروائية أم لا، فنحن نريد الإشارة إلى ضرورة استمرار التجربة والتعلم لزيادة نمو العقل وهذا المقدار لا خلاف فيه وعلى الرغم من إن لعمر الانسان مدخلية في زيادة عقله كما تقدم وكما روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام): "يزيد عقل الرجل بعد الاربعين إلى خمسين وستين، ثم ينقص عقله بعد ذلك"(9)، إلا إن ذلك ليس على نحو العلة التامة، إذ يمكن للعقل أن يبقى شاباً وقوياً وإن شاب الإنسان وضعف جسمه، وتقدم في السن ووهن عظمه، فالعاقل لا يشيب عقله ولا تنتقص الشيخوخة من قوته بل وقد يزداد طاقةً وحيويةً لذا ورد عن أمير المؤمنين (عليه السلام):"رأي الشيخ أحب الي من جَلَد الغلام"(10)، وفي أخرى ".....من حيلة الشباب "(11) وأما من لم يوفر أسباب صقل عقله في مرحلة الشباب فإنه بلا شك يضمحل عقله في مرحلة الشيخوخة. وليس تقدم العمر هو العامل الوحيد في نقصان العقل بل إن النصوص الشرعية أشارت الى عوامل عديدة اخرى أهمها: أولاً: التعلم: فقد روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام): "من لم يصبر على ذل التعلم ساعة بقي في ذل الجهل أبداً"(13). ثانياً: التوبة: وعنه (عليه السلام) ايضاً:"من لم يرتدع يجهل"(14) ثالثاً: التقوى: فقد كتب إمامنا الباقر (عليه السلام) إلى سعد الخير: "بسم الله الرحمن الرحيم أما بعد فإني اوصيك بتقوى الله فإن فيها السلامة من التلف والغنيمة في المنقلب إن الله (عزوجل) يقي بالتقوى عن العبد ما عزب عنه عقله ويجلي بالتقوى عنه عماه وجهله"(15) إذن التوبة هي سبب للتوفيق الإلهي الذي يؤدي فيما يؤدي إليه من إكمال العقل. رابعاً: الوقوف عند الشبهة: وقال (عليه السلام ): "لا ورع كالوقوف عند الشبهة"(16). فإن الوقوف عند الشبهات سبب من أسباب التوفيق الإلهي بلا شك. خامساً: الاعتراف بالجهل: كما روي عن الإمام علي (عليه السلام): "غاية العقل الاعتراف بالجهل"(17) إذ الاعتراف بالجهل يدفع الإنسان دوماً إلى مزيد من بذل الجهد واكتساب المعارف. مما تقدم تتضح جلياً صحة هذه المقولة دلالةً، إذ إن العقول فعلاً لا تقاس بالأعمار لأن كلٍاً من زيادتها ونقيصتها منوطٌ بالعديد من العوامل الأخرى والتي تقدم ذكرها، بيد إن ذلك لا يبرر التساهل في نشرها والتهاون في الاستشهاد بها على إنها من أقوال أمير المؤمنين (صلوات الله وسلامه عليه) لعدم ثبوت ذلك سنداً من جهة ولضعف بلاغتها وركاكة تركيبها بالنسبة إلى سيد البلغاء والبلاغة. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) تهذيب اللغة ج1 ص65 (2) لسان العرب ج11 ص458 (3) نهاية الحكمة ص305 (4) ميزان الحكمة ج3 ص333 (5) أصول الكافي ج1، ح3 / 11 (6) نهج السعادة ج9 ص163 (7) الكافي ج7 ص94 (8) الفقيه ج3 ص493 (9) الاختصاص ص245 (10) نهج البلاغة حكمة 86 (11) بحار الأنوار ج72 ص105 (12) المصدر السابق ج1 ص94 (13) غرر الحكم ودرر الكلم ج1 ص118 (14) الكافي ج8 ص73 (15) وسائل الشيعة ج1 ص162 (16) غرر الحكم ودرر الكلم ج1 ص1 بقلم الكاتبة: رضا الله غايتي

اخرى
منذ 8 سنوات
61771

المرأة في فكر الإمام علي (عليه السلام)

بقلم: أم نور الهدى كان لأمير المؤمنين (عليه السلام) اهتمام خاص بالمرأة، فنراه تارة ينظر إليها كآية من آيات الخلق الإلهي، وتجلٍ من تجليات الخالق (عز وجل) فيقول: (عقول النساء في جمالهن وجمال الرجال في عقولهم). وتارة ينظر إلى كل ما موجود هو آية ومظهر من مظاهر النساء فيقول: (لا تملك المرأة من أمرها ما جاوز نفسها فإن المرأة ريحانة وليس قهرمانة). أي إن المرأة ريحانة وزهرة تعطر المجتمع بعطر الرياحين والزهور. ولقد وردت كلمة الريحان في قوله تعالى: (فأمّا إن كان من المقربين فروح وريحان وجنة النعيم) والريحان هنا كل نبات طيب الريح مفردته ريحانة، فروح وريحان تعني الرحمة. فالإمام هنا وصف المرأة بأروع الأوصاف حين جعلها ريحانة بكل ما تشتمل عليه كلمة الريحان من الصفات فهي جميلة وعطرة وطيبة، أما القهرمان فهو الذي يُكلّف بأمور الخدمة والاشتغال، وبما إن الإسلام لم يكلف المرأة بأمور الخدمة والاشتغال في البيت، فما يريده الإمام هو إعفاء النساء من المشقة وعدم الزامهن بتحمل المسؤوليات فوق قدرتهن لأن ما عليهن من واجبات تكوين الأسرة وتربية الجيل يستغرق جهدهن ووقتهن، لذا ليس من حق الرجل إجبار زوجته للقيام بأعمال خارجة عن نطاق واجباتها. فالفرق الجوهري بين اعتبار المرأة ريحانة وبين اعتبارها قهرمانة هو أن الريحانة تكون، محفوظة، مصانة، تعامل برقة وتخاطب برقة، لها منزلتها وحضورها. فلا يمكن للزوج التفريط بها. أما القهرمانة فهي المرأة التي تقوم بالخدمة في المنزل وتدير شؤونه دون أن يكون لها من الزوج تلك المكانة العاطفية والاحترام والرعاية لها. علماً أن خدمتها في بيت الزوجية مما ندب إليه الشره الحنيف واعتبره جهادًا لها أثابها عليه الشيء الكثير جدًا مما ذكرته النصوص الشريفة. فمعاملة الزوج لزوجته يجب أن تكون نابعة من اعتبارها ريحانة وليس من اعتبارها خادمة تقوم بأعمال المنزل لأن المرأة خلقت للرقة والحنان. وعلى الرغم من أن المرأة مظهر من مظاهر الجمال الإلهي فإنها تستطيع كالرجل أن تنال جميع الكمالات الأخرى، وهذا لا يعني أنها لا بد أن تخوض جميع ميادين الحياة كالحرب، والأعمال الشاقة، بل أن الله تعالى جعلها مكملة للرجل، أي الرجل والمرأة أحدهما مكمل للآخر. وأخيرًا إن كلام الإمام علي (عليه السلام) كان تكريمًا للمرأة ووضعها المكانة التي وضعها الله تعالى بها، حيث لم يحملها مشقة الخدمة والعمل في المنزل واعتبر أجر ما تقوم به من اعمال في رعاية بيتها كأجر الجهاد في سبيل الله.

اخرى
منذ 7 سنوات
52482

الطلاق ليس نهاية المطاف

رحلةٌ مثقلة بالألم في طريق يئن من وطأة الظلم! ينهي حياة زوجية فشلت في الوصول إلى شاطئ الأمان. ويبدد طموحات أطفال في العيش في هدوء نفسي واجتماعي تحت رعاية أبوين تجمعهم المودة والرحمة والحب. الطلاق شرعاً: هو حل رابطة الزواج لاستحالة المعاشرة بالمعروف بين الطرفين. قال تعالى: [ لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (226) وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (227)].(١). الطلاق لغوياً: من فعل طَلَق ويُقال طُلقت الزوجة "أي خرجت من عصمة الزوج وتـحررت"، يحدث الطلاق بسبب سوء تفاهم أو مشاكل متراكمة أو غياب الانسجام والحب. المرأة المطلقة ليست إنسانة فيها نقص أو خلل أخلاقي أو نفسي، بالتأكيد إنها خاضت حروباً وصرعات نفسية لا يعلم بها أحد، من أجل الحفاظ على حياتها الزوجية، ولكن لأنها طبقت شريعة الله وقررت مصير حياتها ورأت أن أساس الـحياة الزوجيـة القائم على المودة والرحـمة لا وجود له بينهما. فأصبحت موضع اتهام ومذنبة بنظر المجتمع، لذلك أصبح المـجتمع يُحكم أهواءه بدلاً من الإسلام. ترى، كم من امرأة في مجتمعنا تعاني جرّاء الحكم المطلق ذاته على أخلاقها ودينها، لا لسبب إنما لأنها قررت أن تعيش، وكم من فتاة أُجبرت قسراً على أن تتزوج من رجل لا يناسب تطلعاتها، لأن الكثير منهن يشعرن بالنقص وعدم الثقة بسبب نظرة المجتمع، وتقع المرأة المطلّقة أسيرة هذه الحالة بسبب رؤية المجتمع السلبيّة لها. وقد تلاحق بسيل من الاتهامات وتطارد بجملة من الافتراءات. وتعاني المطلقة غالباً من معاملة من حولها، وأقرب الناس لها، بالرغم من أن الطلاق هو الدواء المر الذي قد تلجأ إليه المرأة أحياناً للخلاص من الظلم الذي أصبح يؤرق حياتها الزوجية، ويهدد مستقبلها النفسي، والله تعالى لم يشرع أمراً لخلقه إلا إذا كان فيه خير عظيم لهم، والطلاق ما شرّع إلا ليكون دواء فيه شفاء وإن كان مرّاً، وإن كان أمره صعباً على النفوس، حيث قال عز وجل: "وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ وَكَانَ اللَّهُ وَاسِعًا حَكِيمًا"، روي عن الرسول الأعظم (صلى الله عليه واله وسلم) ((أبغض الحلال إلى الله الطلاق) (٢). ورغم أن الشريعة الإسلامية أباحت الطلاق بشروط تلاءم لبناء المجتمع، وأولت أهمية في الإحسان دائمًا للطرف الأضعف والأكثر خسارة في هذه المعادلة وهي "المرأة"، إلا أن المجتمع الذي يدّعي الإسلام لا يرحمها، ويحكم عليها بالإدانة طوال حياتها دون النظر في صحة موقفها في الطلاق من عدمه! قال( تعالى ): [الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ] (٣). ولكن بعد كل هذا فالحياة لم ولن تتوقف بعد الطلاق! الطلاق ليس نهاية الحياة. - أخيتي. ليكن الطلاق بداية جديدة لحياة جديدة وللانطلاق. -قطار العطاء لن يتعطل. فإن كنت السبب في الطلاق فالحمد لله على كل حال وتلك أمة قد خلت وأيام ذهبت وانجلت فلست بالمعصومة من الخطأ. وعليك استدراك الأخطاء وتقوية مواطن الضعف في شخصيتك، واجعليها درساً مفيداً في الحياة لتطوير نفسك وتقويتها. وإذا كنتِ مظلومة فهناك جبار يُحصي الصغير والكبير وسيأتي يوم ينتصر لك فيه. -ومن الجميل أن تعطي نفسك الإحساس بالحب والاحترام، ولا تتأثري بأي نظرة سلبية من المجتمع وكون البعض يتعامل مع المطلقة على أنها حالة خاصة فعليكِ إثبات ذاتك حتى تفرضي على الكل شخصيتك. - نظرتك لنفسك اجعليها نظرة ايجابية مشرقة ولا تنزلقي في مستنقع نبذ الذات وظلم النفس. - ابحثي عن الصفات الجيدة فيك فإن ذلك سيشعرك بالثقة في ذاتك والتقدير لها. -حاولي مراجعة نفسك للخروج بإيجابيات حصلت لك من طلاقك. - خالطي الآخرين وإياك والعزلة بسبب وضعك الجديد فلست بأول من يبتلى بالطلاق. -استمتعي بالموجود ولا تتعلقي بالمفقود، حلقي بروح تعبق أملاً وتفاؤلاً، استمتعي بما وهبك الله من نعم (صحة وأولاد وأهل وصديقات وعمل وهوايات وغيرها من الأمور الجميلة) فما حصل لك حصل… ولابد أن تتقبليه برضا، وأعلمي أن ما أصابك لم يكن ليخطأك وما أخطأك لم يكن ليصيبك. وقال أصدق من قال: ( وعسى أن تكرهوا شيئاً وهو خير لكم). فالرضا سر السعادة الحقيقي. - اقتربي من صديقاتك الصالحات، واقضي معهن وقتاً طيباً تنسين به ألمك وحزنك. - احرصي على الصلوات وقراءة القرآن الكريم والذكر والاستغفار وأكثري من الطاعات قدر ما تستطيعين، ففيها السلوى والفرح والسعادة. ونعم سعادة القرب من الرحمن. - اشغلي نفسك بأعمال البر والإحسان بمساعدة محتاج. بكفالة يتيم. بتعلم الفقه والقرآن وتعليمه. - اجتهدي في عمل برنامج يومي لك يكون ممتلأ بكل ما هو مفيد لك. من قراءة وزيارة الأصدقاء وصلة الرحم. بحيث لا تكون هناك دقيقة أنت فارغة فيها. - وأسرعي بقاربك الجميل بمجذافين من إيمان بالله وثقة بالنفس وسوف تصلين بإذن الله نحو جزيرة السعادة والنجاح. لكي تتسلق جبال الإنجاز، وتصل لأعلى مراتب الاعجاز. وعندها جزماً سيكون للحياة معنى آخر. --------------------------------- (١)-سورة البقرة الآية (٢٢٦-٢٢٧). (٢)-الكافي (٢)-سورة البقرة الآية (٢٢٨) حنان ستار الزيرجاوي

اخرى
منذ 8 سنوات
49193

هَوَّنَ عَلَيَّ مَا نَزَلَ بِي أَنَّهُ بِعَيْنِ اللهِ

عاشوراء مدرسة أعطت وتعطي الكثير الكثير كل يوم للمتأمل فيما ورد عنها من كلمات وفيما وثق فيها من مواقف... ولعل من أهم الدروس التي ترسخها عاشوراء في الأذهان بعد ضرورة مواجهة الباطل والدفاع عن الحق مهما كلفت من تضحيات جسام هو: الصبر على البلاء بل والرضا به .. كيف لا، وقد ورد عن سيّد الشهداء (عليه السلام) في اللحظات الأخيرة من حياته حينما كان يتمرّغ في الدم والتراب: «رضاً بقضائك وتسليماً لأمرك لا معبود سواك»(1). وكذلك فيما جاء في خطبته عند خروجه من مكّة إلى المدينة: «رضا اللَّه رضانا أهل البيت»(2) . فما سر هذا الرضا رغم شدة الابتلاءات وقساوة المحن التي مر بها سيد الشهداء (عليه السلام) ؟ مما لا شك فيه أن يقين الامام الحسين (عليه السلام) هو الذي رفعه إلى مقام الرضا رغم ما جرى عليه في واقعة كربلاء، إلا أنه ومع هذا فقد أرشد المؤمنين إلى مفاتيح الصبر والرضا، ولعل من أهمها ما وَرَدَ عنه (عليه السلام) أَنَّهُ قَالَ بعد أن تفاقم الخطب أمامه في كربلاء، واستشهد أصحابه وأهل بيته: «هَوَّنَ عَلَيَّ مَا نَزَلَ بِي أَنَّهُ بِعَيْنِ اللهِ»(1). فهنا يلفت الامام الحسين (عليه السلام) نظر المؤمنين الى حقيقة مهمة وهي: أن الله سبحانه يعلم بكل مجريات الأُمور، وهو مطلع على كل معاناة المبتلى وما يكابده من ألم دونما اعتراض منه على قضائه هو في حد ذاته حافز للمبتلى للصبر والرضا.. ولتقريب المعنى نقول: إن المتسابقين في ساحة اللعب مثلا يشعرون بالارتياح حينما يعلمون أن أبويهم وأصدقاءهم ينظرون اليهم فيندفعون بقوّة أكبر في تحمل الصعاب لتحقيق الفوز. فإذا كان تأثير وجود الأبوين والأصدقاء كذلك، فما بالك بتأثير استشعار رؤية الله لما يجري على الانسان وهو يصارع الألم ويواجه المحن؟! ما أعظم القوّة التي يمنحها هذا الاستشعار لتحمل الامتحانات العسيرة والمصائب الخطيرة .. ولذا فقد جاء النداء الالهي لتثبيت قلب النبي نوح (عليه السلام) حين واجه أعظم المصائب والضغوط من قومه وهو يصنع الفلك، حيث قال (تعالى) : (وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا)(2). فكان لعبارة «بِأَعْيُنِنَا» وقع عظيم في نفسه (عليه السلام) فصبر وواصل عمله الى نهايته دونما أن يلتفت الى تقريع الأعداء أو يهتم باستهزائهم. ــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) موسوعة الامام علي بن أبي طالب (عليه السلام) ج8 ص42 (2) المصدر السابق (3) بحار الأنوار، ج 45، ص 46 (4) هود 37 رضا الله غايتي

اخرى
منذ 8 سنوات
46621