تشغيل الوضع الليلي
خاطرة
منذ 6 سنوات عدد المشاهدات : 1803
متى ترانا ونراك
نداءٌ ذبتُ فيهِ شوقاً لرؤياك
ثمَّ عاودتُ افكرُ في خفايا لقاك
كيف ترانا
وما هي علائمُ محيَّاك
أفَرِحٌ انتَ سيدي أم الحزنُ اعتلاك
كيف ترانا
ونحنُ نقاتلُ بعضنا وتركنا عِداك
كيف ترانا
ونحن نمزِّقُ دينَ جَدِّك وأبَيك حتى استُضعِف كلّ مَن والاك
كيف ترانا
والناسُ غرقى في حبِ دنيا كلّها هلاك
سيدي
ارهقتني متى ترانا
وعشقتُ متى نراك
فعكفتُ أُصلحُ نفسي
فوجدتها ذائبةٌ في هواك
تناديك عجّل فالقلب ليس له سواك
اخترنا لكم
كانَ صوتُه في الظل (قصة قصيرة)
بقلم: حيدر عاشور حين استعادَ قواهُ بدأ يشعرُ بنفثاتِ الشمسِ المُحرقة، وعى المكانَ الذي كانَ فيه، وأدرك أنّ له فرصةً واحدةً، وربما حظًا واحدًا في أنْ يعيشَ طاهرًا بعد ساعاتِ النور الإلهي التي تغلغلتْ في أعماقِ جسده.. ألـمـّتْ برأسه أفكارٌ عديدة، تارةً يُفكرُ في المنظرِ المحيطِ به، مُنتظرًا اللحظةَ التي يأتي فيها شخصُه العظيم، وتارةً يغيبُ عن الوعي ليعيشَ الحالة، وكأنّه هو قد عادَ من جديدٍ لينشرَ من فيوضاتِه القُدسية.. كان يدّعي لسنواتٍ طويلةٍ أنّ بوسعِه تذكُّرَ أشياءٍ شاهدَها وقتَ تقمُّصه الشخصية، حين كانت أسماله تتحرّكُ بهيكلٍ بشري هزيلٍ على ناقةٍ يقودُها رجلٌ ذو بأسٍ شديد، وآخرُ قصيرٌ جدًا يحملُ لوحةً تعريفيةً، تؤكدُ للمشاهدين، الاسمَ والكنيةَ واللقبَ الطاهر، وصوتُه كأنّه يأتي من بعيدٍ أصم عبر كثافاتِ الصمتِ ممزوجًا بأصداءَ لا أسماء لها. كان يعرفُ أنّ الصوتَ البعيدَ ليس كلامَه، ولكنّه يسمعُ صوتَه هو، كما لو كانَ في داخلِه. ومن عجائبِ اللحظة، كُلّما نثرَ الصوتُ الناعي كلماتِه، كان المستمعون يجهشونَ بالبكاء، ويُغدِقون عليه بالأموالِ والهدايا، ويتساءلون عمّا إذا كانت هناك كرامات ستحدثُ بترقُّبٍ شديد، وهم ينظرون إلى وجهه الشاحب وجسده الهزيل، ولا يعلمون أنّ المرضَ يسري في جوفه يأكله رويدًا، رويدًا.. لم يُطِقْ بعدُ صبرًا، ومرَّ في عينيه شعاعٌ غريبٌ، كأنّه مزيجٌ من اليأسِ والسخرية، أريدُ أنْ أعرفَ، أعلمُ أنّ التفكيرَ بذلك مُريعٌ؟! ولكنّي أُريدُه. والناقةُ أشعرُ بها تتقهقرُ وتتقدمُ وتتهادى، وتأخذُني في دورانها، لكأنّي أسمعُ الصوتَ بوضوحِ ونقاءِ لغة، ولكأنّ أُذُنيّ مُلتصقتان على حافةِ السرج، ولكأنّ فمي يتكلمُ، تسقطُ الكلماتُ منه بكُلِّ هدوءٍ وكياسة، وبدون هوادة، أمامَ العذابِ الذي يُمارسُه الجلّادون للسبايا من أهلِ بقيةِ اللهِ على الأرض ووَرَثةِ علمِه وحكمتِه، وأمامَ حشدٍ من الموالين والمُعزّين يحملون كفنًا لصغيرِ الطفِّ يتأرجحُ بخِفةٍ، وحينَ اقتربَ الكفنُ من الناقةِ أثارَ فيّ لوعةً من الرُعبِ الخفي، هنا ارتفعَ الصوتُ وسطَ ضجيجِ وصَخَبِ الموجوعين: "اعلمْ رحمكَ اللهُ أنّ للهِ عليكَ حقوقًا مُحيطةً لك في كُلِّ حركةٍ تحركتَها، أو سَكَنَةٍ سكنتَها، أو منزلةٍ نزلتها، أو جارحةٍ قلَبتها، وآلةٍ تصرّفتَ بها: بعضُها أكبرُ من بعض"... يعرفُ حقَّ اليقين لم يكنِ الكلامُ كلامَه. وكان هناك شيءٌ واحدٌ يهمُّه، حرارةُ انفعالِه الداخلي وتفاقمُ قلقه، وملأه الدوارُ فضمَّ جسدَه النحيلَ إلى سرجِ الناقة، ضمّةً هستيريةً، فدخلَ في الغيبوبةِ وفاضتْ روحُه إلى عالمِ ملحمةِ العروجِ الملكوتي الدامي الصاعد إلى الله تعالى في غيبِ الغيوبِ في فاجعةِ طفِّ كربلاء التي صرعتْ وجندلتْ خيرةَ خلقِ الله، بعدَ أنْ عاثتِ السيوفُ والرماحُ والسهامُ الكافرةُ في الأجسادِ الشريفة، وهم مُقتّلون مُلقون نثرًا على رمضاء كربلاء.. فمن يُطيقُ تلك المشاهدَ الرهيبةَ، بل من يُطيقُ الحياةَ بعدَ الكارثةِ الباكيةِ المُبكية المُفجعة؟! وسادتْ حالةٌ سامةٌ من الهدوء المُميت، لم يَعُدْ يرى أحدًا، وهو يرتعدُ بسخونةٍ على ناقتهِ، ليعودَ الصوتُ في أوجِ نقاوتِه، يسمعُه في داخلِه ويلهجُ به لسانُه، وينطلقُ في هواءِ الموكبِ ككتلةٍ رنينيةٍ ترتفعُ بالتدريج، تخنقُ القلبَ بالعبرات، إنَّ عليك (حَقّ الهَدْيِ) أَنْ تُخلِصَ بهَا الإرَادَةَ إلَى رَبكَ، وَالتَّعَرُّضَ لِرَحْمَتِهِ وَقَبُولِهِ، ولا تُرِيدَ عُيُونَ النَّاظِرِينَ دُونهُ، فـَإذَا كُنْتَ كَذَلِكَ لَمْ تَكُنْ مُتَكَلِّفًا ولا مُتَصَنِّعًا وَكُنْتَ إنَّمَا تَقْصِدُ إلَى الله. وَاعْلَمْ أَنَّ الله يُرَادُ بالْيَسِيرِ وَلا يُرَادُ بالْعَسِيرِ.. عندما يسمعُ ويتأمّلُ المرءُ جيدًا للصوتِ لمراتٍ، وهو عارفٌ ممّن هذه النواصحُ الإلهية فهي مذاقٌ مُسبقٌ لعذابِ الموتِ يغضّنَّ جبينَه بظلِّ ألمِ وجزعِ صاحبِ الصوتِ والعلامةِ المخلدة التي تركها عليه الموتُ كانت بالضبطِ الرمزُ الفارقُ بينه وبين كُلِّ الرجال العاديين على الأرض. ومن المؤكدِ أنّ مثلَ هذا الصوت الذي أبحرَ به طوالَ مسيرةِ مسرحِ التعزيةِ هو التذكيرُ والفرصةُ إلى معرفةِ حقِّ الله الذي كان يُردِّدُه في ساعاتِ الغضب والجنوحِ إلى غرور الحياة، وعندما ذكر اسمَ اللهِ أنشدَ هامسًا: "فأَمَّا حَقُّ اللهِ الأَكْبَرُ فَإنَّكَ تَعْبُدُهُ لا تُشْرِكُ بهِ شَيْئًا، فَإذَا فَعَلْتَ ذَلِكَ بإخلاص جَعَلَ لَكَ عَلَى نَفْسِهِ أَنْ يَكفِيَكَ أَمْرَ الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَيَحْفَظَ لَكَ مَا تُحِبُّ مِنْهَما" عندئذٍ وهنَ إنشادُه، تضاعفَ وتردّدَ صداه برنينٍ جليل، سمع أنينًا قويًا جاء دون شكٍّ من هناك، في مسرحِ القتلِ كان الجلّادون الأمويون يتقاتلون على أخذِ كُلِّ ما يقدرون أخذه من فرائسهم، فهم مُتعطشونَ للقتلِ والنهبِ والغزو والغنائم، وكُلُّ الميتات التي أوقعوها بقافلةِ العشقِ لم يكنْ عليها أنْ تفيضَ بالدمِ وحسب، بل استمتعوا بقطعِ الرؤوس بمراسمَ الحقدِ والثأرِ من رائحةِ زوجِ سيّدِ الكون، لكي يطولَ العذابُ وتصدر عن ضحاياهم – القربان- صرخاتٌ حزينةٌ طويلة، تجعلُ السامعَ يشعرُ بعُزلةِ الحياة التي لا يُمكِنُ التعبيرَ عنها، وهو يردُّ على الضحيةِ صرخةً بصرخة. من ذلك المكان المُعبّدِ بدماءِ الأطهارِ من تلك الصفوف النخبوية من الرجالِ التي تقتسم السماءَ المليئةَ بالنجوم. كان الصوتُ يشبهُ ذلك النهار الدامي وهو يُجلجِلُ في وجهِ قُبّةِ السماء المُرصّعةِ بالأرواحِ الزكية: ها أنا بعدَ كُلِّ هذه المصائب أسيرُ مع البقيةِ الباقيةِ من ريحانةِ أعظمِ رجلٍ في الملكوتين، كسبايا في أرضٍ وعرةٍ يتصفّحُ فيها العدوُ والصديقُ وجوهَنا مُقادينَ في بلادِ العربِ وبين أمراءِ القبائل الهمجية.. لم يكنْ في هذه الغيبوبةِ ما يُطمئنُه، ولكن كان الصوتُ رفيقًا ودودًا حنينًا، أحسنُ من جِلستِه على الناقة، وهو يُتمتِمُ مع نفسه: إنّني لا أكادُ أنْ أصدقَ أنْ يكون إعصارُ الطفِّ رهيبًا إلى هذا الحد، وهو يذبحُ الأقمارَ، ويفلُ بريقها، على يدِ أمراءٍ همج، وغلمانِ القبائلِ الخائنة. كنت واحدًا من أولئك النهّابين المُتوحشين الذين لا يعرفونَ كيفَ يُعبِّرون عن حُبِّهم، فيقتلون بطريقِ الجهلِ الشخصَ الذي يُحبّونه في كُلِّ عصرٍ وزمانٍ وبنفس المكان أو في أي مكان.. كان صوتُه في الظل، ولا يُمكِنُ أن يُرى، وبدا من صوتِه الرصين أنّه هو، لكن الغريب أنّ الساحاتِ ممتلئةٌ، ومجموعة من الناس تتحدّثُ بأصواتٍ خفيضةٍ وعاليةٍ أو تتحدّث إلى نفسِها، كان عزاءً جنائزيًا يُخيّمُ عليه حزنٌ بغمغمةٍ لا تنتهي، والصوتُ الوحيدُ الذي يُمكِنُ سماعه من حينٍ لحينٍ، وهو يقرأ قوانينَ وحقوقَ تمسُّ ذاتي وحدي.. واشتدَّ الدافعُ بداخلي تدريجيًا ليصلَ إلى حُلُمِ يقظةٍ ربما كان حُطامًا يُمكِنُ أنْ يحلمَ به إنسانٌ مثلي، كما هو معَ أحلامِ يقظتي الكثيرة، والمُتعةُ التي أشعرُ بها في هذه اللحظة هي شعورٌ إنسانيٌ حقيقيٌ يرتجفُ لها عقلي، ويتجدّدُ في صدري الجَزِعِ العميقِ وأنا في مَلبسِ شخصيتِه العظيمة. كان يُراقِبُ هذه المُقاومةَ النفسيةَ الروحيةَ المُثيرةَ للشفقة، وعليه أنْ يمسكَ الفرصةَ، وربما الحظَّ الأخير في أنْ يعيشَ طاهرًا.. فجأةً صرخ: من أين أبدأ..؟ خنقتْه العبرةُ وأغميَ عليه وكأنّه قد مات فعلًا. فعَلَتْ صرخاتُ الموالين، ونحبَ الناحبون، وشمرتِ النساءُ على رؤوسهن التراب، وضربَ الرجالُ ظهورَهم بالسلاسل النصلة، وصحا على ضربةٍ على الرأسِ أذهلته، لما تحملهُ من قوةٍ مملوءةٍ بالودِ، لم يرَ أحدًا ولكن بوسعه أنْ يشعرَ أكثر من أن يرى.. إنّها رسالةٌ عميقةٌ ارتجفَ لها عقلُه تحتَ وطأةِ الإثارةِ لتقمُّصِ شخصيةٍ عظيمةٍ، تومضُ عيناه، يلتهبُ الدمُ في كُلِّ جسدِه، وتفيضُ بذلك التعبير عن الشخصيةِ التي يُجسِّدُها بشكلٍ يتحدّى أيّ تعبير، لم يكنْ بوسعِه أنْ يُصدِّقَ أنَّ الصوتَ الذي يدقُّ في المدى دونَ انقطاعٍ في أُذُنيه، يتعلّقُ بالطبيعةِ المُطلقةِ للحقوقِ العقابية، ولم يشك فيما حدث وهو يعيشُ خلالَ اللحظاتِ الشعورَ المُعذَّبَ بالنقاهةِ، بعدَ أنْ كانَ ولا يزال شخصًا يعاني من مرضٍ مجهولٍ في غمراتِ الخوف، يختفي عنه لحظةَ تجسيدِه الشخصية وهو مُشبعٌ بشكلٍ خفي في العقلانية المُفترضة، وينتابهُ شعورٌ بالراحةِ التي تشبهُ الإنهاك. الغريبُ أنّه يسمعُ الصوتَ بنغمةِ التوسّل البالغةِ الوضوح، ولحظةُ الفراقِ تنتظره بلهفة، كان صوتًا إلهيًا من أصواتِ الوداعِ إلى الأبدية، استنهضَ نفسه، وهو يسترقُ النظرةَ الأخيرةَ من وراءِ البُرقُعِ الأبيضِ ناحيةَ المُعزّين لقافلةِ العشقِ الملكوتي تحتَ ضوءِ الشمسِ الوهّاج، ثم انعطفَ الركبُ وابتعدتِ الناقةُ ببُطءٍ عن الطريق، بينما كان جسدُه ينتقلُ على أيادي بما يليقُ بالأجداثِ الطيبة.
اخرى
أختي الزينبية: حجابُكِ تجسيدٌ لولائكِ زيارة الأربعين نموذجاً.
لم يُفرض الحجاب على المرأة المسلمة إنقاصا من كرامتها أو للحط من شأنها بل فُرِضَ تكريما لها وإعلاءً لقيمتها بل وحمايةً لها من النفوس الدنيئة ووقايةً لها من الوقوع في الرذيلة، بالإضافة إلى صيانة عفاف المجتمع وطهارته. كما أنه لم يفرض على المرأة لتُحجب عن الحياة أو لتُمنع من ممارسة حقوقها أو ليُحال دون قيامها بواجباتها أو بما ترغب من المباحات فضلاً عن المستحبات.. وإذا كان الحجاب واجباً على المرأة في كل زمان ومكان وينبغي أن تتمسك به وأن تؤديه بأكمل وجه، فإن هناك أمكنة لها قدسية، وأزمنة لها خصوصية يتأكد فيها التشديد في مراعاة الحجاب وبكلا قسميه الظاهري والباطني. ونقصد بالحجاب الظاهري حجب المرأة لمفاتنها عن الناظر الأجنبي سواء كانت مفاتن جسمية كالمفاتن المعروفة في جسم المرأة أو مفاتن سلوكية كطريقة المشي والجلوس والكلام وما إلى ذلك، وأما الحجاب الباطني فهو حجابٌ للروح عن كل ما من شأنه أن يدنس عفة المرأة أو يمس طهارتها من قبيل النظر المحرم وما شابه ذلك.. وبذلك يكون حجاب المرأة متكاملاً... ومن الأزمنة التي لابد للمرأة فيها أن تشدد من مراعاتها للحجاب الشرعي بكل تفاصيله هو موسم زيارة الأربعين للإمام الحسين (عليه السلام)، ومما يضيف إلى هذا الزمان خصوصية أخرى هو قداسة المكان الذي يُتوجه إليه في هذه الزيارة وهو مرقد الإمام الحسين (عليه السلام)، كما إن طهر وعفاف أولى زائراتٍ للإمام الحسين (عليه السلام) في زيارة الأربعين لاسيما عقيلة الطالبيين (عليها السلام) له خصوصية كبرى في نفوس الزينبيات حيث يستلهمن منه ضرورة الاقتداء ببنت سيدة النساء في كل خطوة يخطينها في السير إلى الامام الحسين (عليه السلام). ولأن المرأة لا يمكن لها أن تفكر بالتبرج والظهور بأبهى حُلّة وأجمل مظهر إلا في حال انبساطها وسرورها غالباً؛ بخلاف الحزن الذي تنشغل فيه عادةً عن الالتفات إلى مثل هذه الأمور، كان للمسير إلى الامام الحسين (عليه السلام) خصوصية أخرى تحتم على المرأة التشديد أكثر في مسألة الحجاب والابتعاد عن التفكير بالتبرج والتجمل وهو استشعار الحزن والألم لما جرى على السادة الأبرار والسيدات الطاهرات.. ولكل ما تقدم أختي الزائرة نضع بين يديك جملة من الملاحظات المهمة التي لا نستبعد علمك بها ولكن نحيطها اهتماماً من باب التذكير لك ولأخواتك الزائرات المؤمنات وفقك الله تعالى وإياهن لكل ما فيه رضاه وتقبل منكن جميعا كل خطوة تسرنها في هذا الطريق المبارك، وكل جهد تبذلنه في إحياء هذه الشعيرة العظيمة، وكل عناء تتكبدنه في سبيل مواساة زينب العقيلة عليها أفضل التحية والسلام. إن الحجاب على قسمين: ظاهري وباطني. أولاً: الحجاب الظاهري: وهو حجابٌ ذو مواصفاتٍ لابُدّ منها ليكون ساتراً للمفاتن أمام جميع الرجال سوى الزوج والمحارم منهم، وقد أمر الله (عز وجل) الفتيات و النساء الالتزام به في القرآن الكريم، كما أكدت عليه السنة المطهرة من أحاديث النبي المصطفى (صلى الله عليه وآله) و الأئمة المعصومين (عليهم السلام). وبما إن مفاتن المرأة لا تقتصر على الجانب المادي فقط بل تمتد لتشمل الجانب السلوكي أيضاً، إذاً يمكن القول: إن الحجاب الظاهري ينقسم هو الآخر أيضاً إلى حجاب مادي ــ لو صح التعبير ــ وآخر سلوكي. فأما الحجاب المادي فالواجب فيه هو أن تستر الفتاة أو المرأة كافة أجزاء بدنها ما عدا الوجه و الكفين عن جميع الرجال غير الزوج و المحارم، ولا يشترط فيه زي معين ولكن الأفضل أن ترتدي العباءة الزينبية المعروفة لأنها أجلى مصاديق الحجاب الشرعي وأكثرها تحقيقاً لستر المحاسن وحجب المفاتن. ومن أهم الشروط التي ينبغي توفرها في الحجاب المادي: 1. أن يكون فضفاضاً... فلا يصح حجابكِ أختاه الكريمة إذا كان ضيقاً بحيث يُظهر مفاتن البدن. وتذكري أن هنالك ملابس تسبب الالتصاق بالبدن, مثل الصوف والحرير إذا اجتمعا معاً. ومعلومٌ لديك أختاه العفيفة أن التصاق العباءة بالجسد يؤدي إلى ما يؤدي إليه اللباس الضيق، فتنبهي.. 2. أن لا يُعد الحجاب من الزينة... وبما أنكِ أختاه العزيزة صاحبة ذوقٍ رفيعٍ فمما لاشك فيه أنك تميزين جيداً ما يُعد زينةً من كريستالات، أو فصوص لمّاعة، وما شابه ذلك من أمور تشد إليها أعين الناظرين، فاحذري أن يكون حجابكِ مشتملاً على أيٍّ من ذلك لأنه يُعد حينئٍذ من الزينة ومعها لا يعد حجابك مطابقاً لمبتغى إلهكِ وخالقكِ... 3. أن يكون ساتراً لبشرة الجسم.. أي أن لا يكون شفّافاً يُظهر البشرة وسماتها. وقد تتسم بعض الألبسة النسائية اليوم بهذه الصفة أو تشتمل على ما يعد زينة فاحرصي على أن لا ترتديها حتى تحت العباءة أختي الموالية؛ لأن الزينة إنما تُرتدى في مناسبات الفرح والسرور لا عند مناسبات حزن الأطهار وفقد الأبرار.. ومن صحة الحجاب وموافقته للشرع ستر القدمين فضلاً عما قرب منهما من الرجلين، فلا تتهاوني عزيزتي في سترهما، ولأنك في سفر الزيارة حيث يتعرض جوربك الى التمزق أو الاتساخ فمن الأفضل أن تحملي معك جورباً آخر أو أكثر على سبيل الاحتياط .. وللجورب الذي يكون ساتراً شرعاً مواصفات هي: 1. ألا يكون شفافاً . 2. ألا يكون من الزينة . 3. ألا يكون مثيراً . فإن لم تتوفر هذه الشروط مجتمعة في الحجاب فاعلمي أختاه المؤمنة أن الشرع لا يعد ذلك حجاباً شرعياً وهذا يعني ترتب الإثم على من ترتديه بمقدار ما أهملت من شروط أوجب الشرع توفرها فيه. وما أحزنه من موقف حين نغضب الله تعالى لأمرٍ بسيط تعجز أنفسنا عن الالتزام به... وما أقساه من موقف على قلب إمام زمانكِ عجل الله فرجه وهو يرى عجزنا عن التمسك بواجب تمسك به الموالون والمخالفون أيضاً فكيف يصدق دعاءنا بنصرته أو رغبتنا في الاستشهاد بين يديه؟؟!! ثانياً: الحجاب السلوكي معلومٌ لديكِ أختي المؤمنة إنما أمر الله (تعالى) أن يُحجب جسم المرأة عن الناظرين الأجانب لما فيه من مواضع فاتنة تجذب انتباههم، و تغريهم بإمعان النظر فيها، بل قد تُثير فيهم الطمع في الوصول إليها، لذا كان الحجاب المادي ــ الذي تقدَم ذكره ــ حصناً للمرأة من الأذى و حصناً لغيرها من الوقوع في الخطيئة .. ولعلكِ توافقينني الرأي أختاه العزيزة أنّ سلوك المرأة هو الآخر قد يتضمن من المفاتن و المغريات ما يتضمن ... من قبيل المِشية المغرية، والضحكة الفاتنة، والجِلسة المثيرة، والخضوع بالقول وما شاكل ذلك. ولذا لم يقتصر الأمر الإلهي على وجوب الحجاب المادي فقط بل تعدّاه لوجوب الحجاب السلوكي أيضاً، فكان جزءً من الحجاب الشرعي للمرأة، وعليه أختي الموالية فلا يمكن أن تكون المرأة محجبة حجاباً شرعياً تاماً إن لم تلتزم بالحجاب السلوكي قال (تعالى):"فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا (32) "(1). و قال أيضاً:"وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ(31) "(2). وإذا كان الحجاب السلوكي واجباً في كل حين وعلى ايِّ حال، فإنه في المناسبات الدينية يتأكد وجوبه لاسيما في زيارة الأربعين للإمام الحسين (عليه السلام) حيث السير على الأقدام لمسافات بعيدة والتي في الأعم الأغلب لا تخلو من المشقة والتعب والعناء، وهذه الأحوال قد تقود الإنسان أحياناً إلى التساهل في أداء الواجبات وعدم العناية بالإتيان بها كما أراد الشرع المقدس، ولما كانت المرأة تتميز برقتها وبضعف قوتها الجسمية قياساً بالرجل بشكل عام فعليها أن تأخذ هذه النقطة المهمة في نظر الاعتبار.. لذا أختي الغالية إن كنتِ ممن ينال منهم التعب سريعاً، وتتميزين بعدم القدرة على المشي لمسافات طويلة، فمن الأفضل لكِ غاليتي أن ترتبي أمر زيارتكِ بما يتوافق مع قدرتكِ وقابليتكِ، كأن تقسّمي المسافة بين منزلكِ وبين كربلاء مثلاً فتستقلي السيارة في قطع قسم منها وتمشين في قطع القسم الآخر بحسب ما يناسب قدرتكِ، واعلمي أن ذلك لا يقلل من أجركِ وثوابكِ إن شاء الله لأنكِ إنما تقومين بذلك حفاظاً على واجباتكِ كأداء الصلاة في وقتها فقد يأخذ منك التعب مأخذه فتقصري في هذا الواجب، كما لا أعتقد أنه سيضعف علاقتك بسيد الشهداء (عليه السلام)؛ لأنك حافظتِ بذلك على ستركِ فقد يحصل لكِ عارض لضعف قدرتك على المسيرــ لا سمح الله ــ فيجبر بعض إخوتكِ من الأجانب على حملكِ ونقلكِ إلى مركز المعالجة، بل سيُسَر بتفكيركِ هذا أبو الشهداء (سلام الله عليه) حتماً وهو أبو الغيرة بل ومنبعها، كما لا أظن أن قراركِ هذا سيوهن علاقتكِ بعقيلة الطالبيين (عليها السلام)؛ لأن العناء قد يؤثر فيكِ فتتكاسلين عن العناية بحجابكِ كما يجب، أو تتماهلين برعايته كما ينبغي، وهي (سلام الله عليها) أم الستر والخدر والعفاف والحجاب، بل ستكونين عندها ذات شأنٍ كريم.. ملاحظات حول الحجاب السلوكي في زيارة الأربعين... تأتي إن شاء الله... ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) الأحزاب 32 (2) النور 31 رضا الله غايتي
اخرى
المظلوميات الإعلامية للإمام الحسن (عليه السلام) 《٣》 مقارنة صلح الإمام الحسن بقيام الإمام الحسين (سلام الله عليهما)
من المظلوميات الإعلامية العديدة التي تعرض لها الإمام الحسن المجتبى (عليه السلام) مقارنة صلحه مع قيام أخيه الحسين (سلام الله عليه) والجمع بين الموقفين، وهذا بلا شك ظلم عظيم لاختلاف ظروف عصر كل إمام السياسية منها والاجتماعية والاقتصادية وغيرها، وتعدد هذه الأسباب والظروف هو الذي يحدد طريقة كل إمام في التعامل مع هذه المعطيات المرحلية فتتعدد أساليب المواجهة بما يتناسب وهذه المتغيرات . فلو كان الإمام الحسن (عليه السلام) في زمن يزيد لقام بالسيف وكذلك الإمام الحسين (عليه السلام) لو كان في زمن معاوية لصالحه على الشروط ذاتها لأنهما نور واحد ومنبع واحد والهدى واحد، ولكن الاختلاف الحاصل كما أشرنا هو في الظروف الموضوعية وعلى كافة الصُعُد في عهد كل منهما، وأيضا لاختلاف سياسة معاوية عن سياسة يزيد فمعاوية كان داهية ولا تهمه خسة ودناءة الأساليب التي يتبعها بقدر ما تهمه الغاية فهو من أنصار مبدأ (الغاية تبرر الوسيلة) وإن كانت هذه الوسائل تنمّ عن غدر ومكر وخديعة، وهذا ما أشار إليه الإمام علي (عليه السلام) في حديث له :(والله ما معاوية بأدهى مني ولكنه بغدر ويفجر ولولا كراهية الغدر لكنت من أدهى الناس ولكن لكل غدرة فجرة وكل فجرة كفرة ولكل غادر لواء يعرف به يوم القيامة والله ما استغفل بالمكيدة ولا أُستغمز بالشديدة)(1) أي إنه لولا خوفه من الله لاتّبع ذات أساليب معاوية الملتوية، إنها أخلاق أهل البيت (عليهم السلام) ومبادئهم في السلم والحرب، وهذا ديدن أهل بيت العصمة والطهارة فهم المطهرون من الرجس بنص الذكر الحكيم، وكذلك الإمام الحسن (سلام الله عليه) فهذا الشبل من ذاك الاسد، فإن استقامته (عليه السلام) لا تسمح له بانتهاج نهج الأدعياء وأبناء الطلقاء لأن استقامته نابعة من نهج الأنبياء والأوصياء. ثم إن معاوية كان يتستر على تلك الدناءة باسم الدين، أي إنه كان يحافظ على الواجهة الإسلامية لتمرير مخططاته ومصالحه الشخصية على السواد الأعظم من سُذّج هذه الأمة ولهذا كان دائما ما يستأجر علماء ورواة البلاط لوضع الأحاديث المجعولة التي تتحدث بفضائل ومناقب وهمية لمعاوية منها أنه كاتب الوحي وأنه خال المؤمنين وغيرها كثير كي يعزز موقعيته الدينية عند المسلمين بهالة من القداسة، فانطلت هذه الواجهات الإسلامية المظهر على الأمة التي غطت في سبات عميق وابتعدت كثيرا عن مفاهيم الإسلام الحركية والعملية دون النظرية منها، ولهذا كان لزاما على الإمام الحسن (عليه السلام) أن يقوم بالسيف. فمن قال أن الإمام الحسن (سلام الله عليه) صالح ولم يقاتل؟! نعم قاتلَ، ولكن خيانات جيشه والمؤامرات فيه هي التي اضطرت الإمام أن يصالح معاوية ليحافظ على الشيعة المخلصين وأيضا ليكشف للأمة زيف ادعاءاته وخسة منهجه في سياسة البلاد والعباد التي خفيت على الكثيرين. أما يزيد فكان شابا ماجنا فاسقا خمارا ملاعبا للقرود وملازما للنساء لا يفقه من أمور دينه شيئا ولهذا فإن للحاكم الظالم حدًّا للقيام عليه من قبل الجهات المعصومة المخولة من قبل رب العزة والجلال وهذا الحد هو أن يتجاوز هذا الحاكم كل الخطوط الحمراء الأساسية في الإسلام وأن يعلن فسقه وفجوره وتخلّيه عن نهج الإسلام الذي هو أساس ومنطلق خلافته، أو ليس يدعون أنه (خليفة رسول الله!) فأي خلافة هذه لرسول الله؟ وكيف حفظ هذا المقام؟ فتأمل. ولهذا جاء على لسان الإمام الحسين (عليه السلام) حينما أراد الوليد عامل معاوية على المدينة أن يجبر الإمام الحسين (سلام الله عليه) على البيعة ليزيد فرفض الإمام الحسين بشدة معللا بذلك الحد الذي تجاوزه الظالمون في الاستهتار بالدين كما فعل يزيد فقال (عليه السلام) :(إنا أهل بيت النبوة ومعدن الرسالة ومختلف الملائكة ومحل الرحمة بنا فتح الله وبنا يختم ويزيد رجل شارب للخمر قاتل النفس المحترمة ومثلي لا يبايع مثله)(2) وهنا ختم الإمام الحسين بكلمة رائعة للمتأمل فيها بروية وإمعان وهي (مثلي لا يبايع مثله) أي إنه (عليه السلام) نفى شخصنة القضية وإن رفضه لبيعة يزيد ليس حقدا كلاسيكيا بين بني هاشم وبني أمية كما يتصوره البعض لسذاجة تفكيره وعدم معرفته بأهل البيت (عليهم السلام) فهم نهج السماء المتجسد على الأرض وهم القمة السامقة في السمو الروحي والأخلاقي ولهذا قال (مثلي لا يبايع مثله) أي إن المسألة تعدت مسألة الزمان والمكان وكلمة (مثلي) هنا يمكن أن نجيب بها على الإشكالية التي يشدق بها البعض من مقارنة صلح الإمام الحسن بقيام الإمام الحسين (سلام الله عليهما) فمن خلال كلمة (مثلي) في النص السابق نتساءل هل يوجد مثل مساو تماما للحسين غير الإمام الحسن (عليه السلام)؟ أوليس الإمام الحسن مثله تماما في الفضل والكرامة والمنزلة عند الله تعالى ورسوله (صلى الله عليه وآله) أو لم يقرن الحسن مع الحسين (عليهما السلام) على لسان الرسول الكريم (صلى الله عليه وآله) بأمر رب العباد مرارا وتكرارا على مسامع هذه الأمة؟ فإذا كان الحسن مثل الحسين ومثل الحسين لا يبايع يزيدا وبالتأكيد يعني قيام الإمام الحسن (عليه السلام) بالسيف لو عاصر يزيدا ولصالح الإمام الحسين (عليه السلام) معاوية ، إذن المبدأ واحد لكل الأئمة المعصومين (عليهم السلام) لكن الاختلاف في ظروف الأمة هو من يجعل لكل معصوم خطا يتميز به دون غيره من المعصومين تبعا لتلك الظروف. وما يجيب على هذه الإشكالية أيضا قول الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله) :(الحسن والحسين إمامان قاما أو قعدا)(3) وقد أشار الإمام الحسن (عليه السلام) الى مفهوم هذا الحديث في هذه الرواية عن أبي سعيد عقيصا قال :قلت للحسن بن علي بن أبي طالب عليهما السلام) :يا ابن رسول الله لـمَ داهنت معاوية وصالحته وقد علمت أن الحق لك دونه وأن معاوية ضال باغ؟ فقال: يا أبا سعيد ألست حجة الله تعالى ذكره على خلقه وإماما عليهم بعد أبي عليه السلام؟ قلت: بلى. قال: ألست الذي قال رسول الله صلى الله عليه وآله لي ولأخي: الحسن والحسين إمامان قاما أو قعدا؟ قلت: بلى. قال: فأنا إذن إمام لو قمت وأنا إمام إذا قعدت، يا أبا سعيد علة مصالحتي لمعاوية علة مصالحة رسول الله صلى الله عليه وآله لبني ضمرة وبني أشجع ولأهل مكة حين انصرف من الحديبية أولئك كفار بالتنزيل ومعاوية وأصحابه كفار بالتأويل ، يا با سعيد إذا كنت إماما من قبل الله تعالى ذكره لم يجب أن يسفه رأيي فيما اتيته من مهادنة أو محاربة وإن كان وجه الحكمة فيما اتيته ملتبسا ألا ترى الخضر عليه السلام لما خرق السفينة وفتل الغلام واقام الجدار سخط موسى عليه السلام فعله لاشتباه وجه الحكمة عليه حتى أخبره فرضي هكذا أنا سخطتم علي بجهلكم بوجه الحكمة فيه ولولا ما اتيت لما ترك من شيعتنا على وجه الأرض أحد إلا قتل)(4). ومن الإجابات على إشكاليتهم أيضا: أنه من قال أن الإمام الحسين (عليه السلام) لم يصالح معاوية كما صالحه الإمام الحسن (عليه السلام)، نعم لقد التزم الإمام الحسين (عليه السلام) بصلح أخيه الحسن (عليه السلام) حتى وفاة معاوية وخير دليل على ذلك هو الكتب والرسائل التي أرسلها أهل الكوفة للإمام الحسين (عليه السلام) _وهي أكثر بكثير من تلك الكتب والرسائل التي أرسلوها في عهد يزيد_ والتي يطالبونه فيها بأن يقدم عليهم ليعزلوا معاوية عن الخلافة بعد أن تبين لهم عدم التزامه بالضوابط الدينية وأن يجعلوا الحسين (عليه السلام) خليفة على المسلمين فرفض الإمام الحسين ذلك بشدة وقال بما مضمونه لا يمكن أن أفعل هذا حتى يهلك معاوية إن بيني وبينه لعهدا(5) مشيرا بذلك الى وثيقة صلح الإمام الحسن (عليه السلام) التي كان من ضمن بنودها ان يسلم الحسن (عليه السلام) الخلافة لمعاوية وأن لا يعهد معاوية لأحد من بعده فإذا هلك معاوية فيخلفه الحسن فإذا رحل الحسن فأخوه الحسين. وهذا الجواب الشافي لمن يتشدق بأن الإمام الحسين خرج على إمام زمانه وأنه خرج عن حدّه فقتل بسيف جدّه وغيرها من الترهات، متناسين وثيقة الإمام الحسن التي هادن بها معاوية والتي دفعت مسبقا كل الأقاويل الباطلة على الإمام الحسين (عليه السلام). فإذن نستطيع القول بأن صلح الحسن وقيام الحسين يعني أيضا صلح الحسين وقيام الحسن . ونعني بصلح الحسين الفترة التي التزم بها الإمام الحسين بصلح أخيه الحسن حتى وفاة معاوية. ونعني بقيام الحسن هو قيامه بالسيف لولا خيانات ومؤامرات الحزب الأموي داخل جيشه مما اضطره للصلح الذي مهّد لعاشوراء، فالأمر سيان لأن فعل المعصوم ينبع من نور واحد من نور الله جل وجلاله وعلمهم اللدني الذي أكرمهم به الله تعالى به إصافة الى العلم الذي تعلموه من جدهم رسول الله (صلى الله عليه وآله) نعم إنها أسرار الإمامة فلكل إمام دور يتناسب وعوامل حركة المجتمع في الأمة اﻹسلامية وهي ذات العوامل لتي تفرض على المعصوم واقعا يجب التعامل معه بما يتناسب والإمكانيات المتاحة للمعصوم وان وقع عليه حيف أو ظلم كبير وتلك حكمة الله جل وعلا ،فالحكمة اﻹلهية شاءت أن يقاتل الإمام علي (عليه السلام) الناكثين والقاسطين والمارقين في الجمل وصفين والنهروان وأن يختم حياته مخضبا بدمه الشريف في المحراب. وهي ذات الحكمة التي شاءت أن تعصر الزهراء (عليها السلام) بين الباب والجدار وأن يصاب ضلعها الشريف بالمسمار وأن يسقط جنينها المحسن على أعتاب الدار لجهادها في ذات الله ولنصرة إمام زمانها وتثبيت دعائم الولاية بكافة الوسائل المتاحة لها ضد الحاكم الظالم. وهي تلك المشيئة اﻹلهية التي شاءت أن يصالح اﻹمام الحسن (عليه السلام) معاوية بعد خذلان جيشه وخيانته له وانتهاءً بقتله مسموما على يدي زوجته بأمر من معاوية. وهي ذات الحكمة اﻹلهية التي شاءت أن يقتل الإمام الحسين (عليه السلام) ويذبح على أرض كربلاء ويرفع رأسه على الرماح وسيقت نساؤه سبايا بين القفار والأمصار لرفضه للظلم والاستعباد لتصبح كربلاء قبس هداية ينير مسير الأحرار . وهي ذات الحكمة التي أبقت اﻹمام السجاد (عليه السلام) حيا لعلته وسقمه في كربلاء ليجعل الله من عبادته (عليه السلام) نبراسا لكل العابدين الذين جاهدوا الباطل بعبادته ودعائه وسجوده في ظل ظروف صعبة من تضييق وإقامة جبرية وتعتيم كامل على نشاطه (عليه السلام) والتنكيل بشيعته بعد أحداث معركة الطف. وهي ذات الحكمة اﻹلهية التي شاءت أن ينشغل الظالمون عن اﻹمام الباقر (عليه السلام) بالمخاطر والتهديدات الخارجية لتتاح له الفرصة بذلك أن ينشر فكر أهل البيت (عليهم السلام) بعد الانغلاق التام عليها خاصة بعد مجزرة كربلاء مما ساهم (عليه السلام) في التمهيد لجامعة الإمام الصادق (عليه السلام) الذي شاءت حكمته تعالى أن يؤسس أعظم جامعة دينية علمية ثقافية لا زال العلماء ينهلون من معارف وأنوار تلك المدرسة الربانية حتى وقتنا الحاضر. وهي ذات الحكمة اﻹلهية التي اقتضت أن يتنقل اﻹمام الكاظم (عليه السلام) بين سجون العراق وتشريد ابنائه وذراريه حتى شهادته مسموما في سجن هارون العباسي. وهي ذات الحكمة التي جعلت المأمون العباسي يتظاهر بالتقرب الى العلويين ليمتص غضبهم ونقمتهم على بني العباس وليمنع ثورات العلويين عليه بإجبار اﻹمام الرضا (عليه السلام) بقبول ولاية العهد ليحجزه عن قواعده الشعبية وليسهل قتله بالسم في أرض طوس بعد أن وطد دعائم حكمه. وهي ذات الحكمة اﻹلهية التي جعلت من الإمام الجواد (عليه السلام) أول ظاهرة للإمامة المبكرة عند أئمة أهل البيت تماما كعيسى بن مريم ويحيى بن زكريا (عليهما السلام) ليقيم الحجة بذلك على إمامة الإمام المهدي (عجل الله تعالى فرجه الشريف) مع الأخذ لنظر الاعتبار التحديات التي واجهها الإمام وإنعكاساتها على الأمة. وهي ذات الحكمة الإلهية التي جعلت الإمام الهادي (عليه السلام) يعيش منفيا في سامراء وأن يسلك مسلك الاحتجاب الجزئي عن شيعته ومواليه تمهيدا لغيبة الإمام المهدي (عجل الله تعالى فرجه). وكذلك شاءت حكمة الله أن يسلك الإمام العسكري (عليه السلام) سلوك الاحتجاب الجزئي بشكل مكثف وأن يثبت البيعة لابنه المهدي وأن يثبت وجوده بين خلص شيعته ليحمي وجوده وأن يحرسه كذلك من السلطات العباسية التي كانت تروم قتله وأن يمهد الذهنية العامة لﻷمة لغيبة ولده الإمام المهدي (عليه السلام) الذي شاءت حكمته تعالى أن يظل محتجبا عن شيعته لتسع وستين عاما وأن يتعامل مع شيعته عن طريق السفارة التي تعتبر الخطوة التمهيدية للغيبة الكبرى التي شاءت حكمته جل وعلا أن تطول وتمتد لقرون حتى تكتمل مشيئته تعالى بأن يظهر دينه على الدين كله ولو كره المشركون، إنه مخطط رباني يهدف في الأساس إلى تربية اﻷمة نفسيا وروحيا وأخلاقيا وفكريا لتتكامل في ساحة العزة والجلال لتصل إلى المستوى المنشود من العبودية الحقة لله تعالى. وبلحاظ ما تقدم ندرك جيدا أن كل ما مر به الأئمة (عليهم السلام) من ظروف مرحلية هي التي حتمت عليهم طريقة الصراع مع قوى الظلم والاستكبار بما يتناسب وما توفر لهم من أدوات وسبل المواجهة بشكل واقعي وحسب نواميس الكون الطبيعية والسنن التاريخية عبر الأجيال فلا يأتي النصر بالمعجزة فالله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم ولا بأس من اتخاذ حلول مؤقتة تناسب إمكانات وظروف المرحلة ريثما تتهيأ الظروف لتحقيق الاهداف الكبرى على المستوى البعيد وهذا يتطلب وعيا مستقبليا لمستجدات الأحداث على الساحة. وما أشبه صلح الإمام الحسن (عليه السلام) بغيبة الإمام المهدي (عجل الله فرجه وسهل مخرجه) التي ما طالت إلا لغدر الأمة وعدم التزامها بأمام زمانها وعدم التفافها حول إمامها الحق وإذعانها للظالمين ومؤامراتهم ومخططاتهم مبتعدين عن الشريعة وانغماسهم في الملذات مما يؤخر ظهوره المبارك فكذلك كان صلح الإمام الحسن (سلام الله عليه) لولا أن الأمة تخاذلت عن نصرة الإمام الحسن ولم تعرفه حق معرفته وتراخت عزائمها أمام مكائد بني أمية لما حصل هذا الصلح أساسا. لكن يبقى كما قلنا أن الهدف الأساسي من الصلح والغيبة هو تربية الأمة فكريا وروحيا ونفسيا وتعبويا وتوعويا حتى قيام الإمام بالسيف لمقارعة الظلم والطغاة وهذا ما حصل بعد الصلح حيث تربى أنصار الحسين (سلام الله عليهم) روحيا وفكريا واستفادوا من فترة الصلح التي محصتهم وغربلتهم جيدا من خلال تجميع الأفكار وتوحيد الرؤى والثبات على ملازمة خط الإمامة ونصرة إمام زمانهم رغم إشاعات معاوية وانجرار بعض الشيعة إليها بوصفهم الإمام بأنه ضعيف الشخصية وأنه مذل المؤمنين ونحوها رغم تهديدات معاوية للشيعة والتعذيب والمطاردة والتشريد والتصفية الجسدية للمخلصين لخط الإمامة مما أنتج أفرادا قمة في الإخلاص لشخص الإمام واليقين به كأصحاب الإمام الحسين خيرة الأصحاب وقت الصعاب، وبنظرة تأمل بسيطة نرى ما يجري اﻵن للمنتظرين في زمن الغيبة وكيف يتعرضون لصنوف البلاء من التكذيب والتكفير والظلم والتشريد والتصفية والإبادة إضافة إلى تكذيب الفرق الضالة بالإمام المهدي (عجل الله تعالى فرجه الشريف) ونفي وجوده المبارك وتشويه وتسفيه القضية المهدوية بشتى الوسائل ولكن هذا لا يمنع المنتظرين لإمام الزمان من أن يزدادوا ثباتا والتزاما بولاية الإمام المهدي وإن حجبته عنا ذنوبنا إلا إن تلك الشمس التي خلف السحاب ستشرق علينا إن أخذنا العبرة من صلح الإمام الحسن وقيام الإمام الحسين (عليهما السلام) فهما صنوان لأن صلح الإمام الحسن يعلمنا في زمن الغيبة كيف نهادن العدو ومتى ويعلمنا كذلك الوعي في قراءة الواقع الموضوعي للأمة في ظل التحديات والمؤامرات التي يتعرض لها الرساليون في زمن الغيبة، كما تعلمنا من نهضة الإمام الحسين الإباء ورفص الظلم وطلب الإصلاح في الأمة ومعرفة الحدود والخطوط الحمراء التي يجب أن نأخذها على الحاكم الظالم للقيام بثورة فكرية وروحية وعسكرية -إن لزم الأمر- وعلى كافة الصعد الأخرى لنقتلع جذور الظلم والفساد في الأمة ممهدين بذلك لليوم الأكبر الذي ستملأ به الأرض قسطا وعدلا بعد أن ملئت ظلما وجورا على بد الإمام المنتظر (هجل الله تعالى فرجه) سائلين المولى عزو جل أن يجعلنا من أنصاره وأعوانه والمستشهدين تحت لوائه إنه سميع مجيب. _____________________ (1)نهج البلاغة للشريف الرضي ص180 خطبة 200(2)قراءة في مقتل الحسين للشيخ محمد صنقور ص77 (3)بحار الأنوار للمجلسي ج43 ص291 ح54 (4)بحار الأنوار للمجلسي ج44 ص1_2 (5)راجع من وحي الثورة الحسينية لهاشم معروف الحسني ص19 عبير المنظور
اخرىالتعليقات
يتصدر الان
لا تعاشر نفساً شبعت بعد جوع
يستشهد الكثير من الناس ــ وحتى بعض المثقفين ــ بقول:" لا تعاشر نفساً شبعت بعد جوع فإن الخير فيها دخيل وعاشر نفساً جاعت بعد شبع فإن الخير فيها أصيل" على أنه من أقوال أمير المؤمنين علي (عليه السلام)، كما يستشهدون أيضاً بقولٍ آخر ينسبونه إليه (عليه السلام) لا يبعد عن الأول من حيث المعنى:"اطلبوا الخير من بطون شبعت ثم جاعت لأن الخير فيها باق، ولا تطلبوا الخير من بطون جاعت ثم شبعت لأن الشح فيها باق"، مُسقطين المعنى على بعض المصاديق التي لم ترُق افعالها لهم، لاسيما أولئك الذين عاثوا بالأرض فساداً من الحكام والمسؤولين الفاسدين والمتسترين عل الفساد. ونحن في الوقت الذي نستنكر فيه نشر الفساد والتستر عليه ومداهنة الفاسدين نؤكد ونشدد على ضرورة تحرّي صدق الأقوال ومطابقتها للواقع وعدم مخالفتها للعقل والشرع من جهة، وضرورة التأكد من صدورها عن أمير المؤمنين أبي الأيتام والفقراء (عليه السلام) أو غيرها من المعصومين (عليهم السلام) قبل نسبتها إليهم من جهة أخرى، لذا ارتأينا مناقشة هذا القول وما شابه معناه من حيث الدلالة أولاً، ومن حيث السند ثانياً.. فأما من حيث الدلالة فإن هذين القولين يصنفان الناس الى صنفين: صنف قد سبق له أن شبع مادياً ولم يتألم جوعاً، أو يتأوه حاجةً ومن بعد شبعه جاع وافتقر، وصنف آخر قد تقلّب ليله هماً بالدين، وتضوّر نهاره ألماً من الجوع، ثم شبع واغتنى،. كما جعل القولان الخير متأصلاً في الصنف الأول دون الثاني، وبناءً على ذلك فإن معاشرة أفراد هذا الصنف هي المعاشرة المرغوبة والمحبوبة والتي تجرّ على صاحبها الخير والسعادة والسلام، بخلاف معاشرة أفراد الصنف الثاني التي لا تُحبَّذ ولا تُطلب؛ لأنها لا تجر إلى صاحبها سوى الحزن والندم والآلام... ولو تأملنا قليلاً في معنى هذين القولين لوجدناه مغايراً لمعايير القرآن الكريم بعيداً كل البعد عن روح الشريعة الاسلامية ، وعن المنطق القويم والعقل السليم ومخالفاً أيضاً لصريح التاريخ الصحيح، بل ومخالف حتى لما نسمعه من قصص من أرض الواقع أو ما نلمسه فيه من وقائع.. فأما مناقضته للقرآن الكريم فواضحة جداً، إذ إن الله (تعالى) قد أوضح فيه وبشكلٍ جلي ملاك التفاضل بين الناس، إذ قال (عز من قائل):" يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (13)"(1) جاعلاً التقوى مِلاكاً للتفاضل، فمن كان أتقى كان أفضل، ومن البديهي أن تكون معاشرته كذلك، والعكس صحيحٌ أيضاً. وعليه فإن من سبق حاجتُه وفقرُه شبعَه وغناه يكون هو الأفضل، وبالتالي تكون معاشرته هي الأفضل كذلك فيما لو كان تقياً بخلاف من شبع وكان غنياً ، ثم افتقر وجاع فإنه لن يكون الأفضل ومعاشرته لن تكون كذلك طالما كان بعيداً عن التقوى. وأما بُعده عن روح الشريعة الإسلامية فإن الشريعة لطالما أكدت على أن الله (سبحانه وتعالى) عادلٌ لا جور في ساحته ولا ظلمَ في سجيته، وبالتالي لا يمكن أن يُعقل إطلاقاً أن يجعل البعض فقيراً ويتسبب في دخالة الخير في نفوسهم، التي يترتب عليها نفور الناس من عشرتهم، فيما يُغني سواهم ويجعل الخير متأصلاً في نفوسهم بسبب إغنائه إياهم ليس إلا ومن ثم يتسبب في كون الخير متأصلاً في نفوسهم، وبالتالي حب الناس لعشرتهم. فإن ذلك مخالف لمقتضى العدل الإلهي لأنه ليس بعاجزٍ عن تركه ولا بمُكره على فعله، ولا محب لذلك لهواً وعبثاً (تعالى عن كل ذلك علواً كبيراً). كما إن تأصل الخير في نفوس بعض الناس ودخالته في نفوس البعض الآخر منهم بناءً على أمر خارج عن إرادتهم واختيارهم كـ(الغنى والشبع أو الجوع والفقر) إنما هو أمرٌ منافٍ لمنهج الشريعة المقدسة القائم على حرية الانسان في اختياره لسبيل الخير والرشاد أو سبيل الشر والفساد، قال (تعالى):" إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا (3)"(2) بل إن الانسان أحياناً قد يكون فقيراً بسبب حب الله (تعالى) له، كما ورد في الحديث القدسي: "أن من عبادي من لا يصلحه إلا الغنى فلو أفقرته لأفسده ذلك و أن من عبادي من لا يصلحه إلا الفقر فلو أغنيته لأفسده ذلك"(3) وهل يمكن ان نتصور أن الخيرَ دخيلٌ فيمن يحبه الله (تعالى) أو إن معاشرته لا تجدي نفعا، أو تسبب الهم والألم؟! نعم، ورد عن أمير المؤمنين (عليه السلام):"اِحْذَرُوا صَوْلَةَ اَلْكَرِيمِ إِذَا جَاعَ وَ اَللَّئِيمِ إِذَا شَبِعَ"(4) ولا يقصد به الجوع والشبع المتعارف عليه لدى الناس، وإنما المراد منه: احذروا صولة الكريم إذا اُمتُهِن، واحذروا صولة اللئيم إذا أكرم، وفي هذا المعنى ورد عنه (عليه السلام) أيضاً: "احذروا سطوة الكريم إذا وضع و سورة اللئيم إذا رفع"(5) وأما العقل السليم والمنطق القويم فإنهما يقتضيان أن تتأصل صفة الخير في الإنسان لملكاتٍ حميدة يتسم بها وصفات فضيلة يتميز بها، لا أن تتأصل صفة الخير في نفسه لمجرد أنه ولد في أسرة تتمتع بالرفاهية الاقتصادية ووجد في بيئة تتنعم بالثروات المادية! وعند مراجعتنا للتاريخ الصحيح نجد أن قادة البشر وصفوة الناس إنما كان أغلبهم ينتمي الى الطبقات الفقيرة من المجتمع، فهؤلاء الأنبياء ورسل الله (صلوات الله عليهم) منهم من كان نجاراً أو خياطاً أو راعياً، ومع ذلك فقد كانوا من أطيب الناس خلقاً، وأعظمهم شرفاً، وأرفعهم منزلةً، قد تأصّل الخير في نفوسهم تأصّلاً حتى غدوا قطعة منه، فكانوا هم الخير للبشر، وهم الرحمة للعالمين. وبالنزول إلى أرض الواقع نجد أن الكثير من الفقراء والمساكين طيبي الروح، كريمي النفس، يتألمون لألم المحتاج ولربما يؤثرونه على أنفسهم رغم حاجتهم. ولا نقصد من كلامنا هذا أن الأغنياء هم على نقيض ذلك، وإنما تأكيداً على مسألة عدم ارتباط تأصل الخير في النفوس وعدمه بمستواهم الاقتصادي الذي نشأوا فيه ارتباط العلة والمعلول، فكما إن بعض الفقراء أخيار، فإن بعض الأغنياء كذلك، والعكس صحيح أيضاً. ومن هنا يُفهم من بعض الروايات ضرورة عدم طلب الخير والحاجات ممن هم أهل للخير بقطع النظر عن مستواهم المعاشي الحالي والسابق، منها ما روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام):"أشد من الموت طلب الحاجة من غير أهلها"(5)، وعنه (عليه السلام) أيضاً: "فوت الحاجة أهون من طلبها إلى غير أهلها"(6) إذن فلا صحة لهاتين المقولتين من حيث الدلالة، حتى وإن تنزلنا وحملنا الجوع والشبع على المعنى المعنوي لا المادي؛ وذلك لأنه حتى من يفتقر الى الأخلاق المعنوية فإنه ما إن يتكامل بالفضائل ويقلع عن الرذائل حتى يتسم بالخير وتحسن عشرته وتطيب للناس صحبته، والعكس صحيحٌ أيضا.. ومن البديهي أن ما لا يوافق العقل والمنطق السليم، ويخالف صريح القرآن الكريم، لا يمكن أن يصدر من وصي الرسول الكريم (صلوات الله عليهما وآلهما)، وعليه لا تصح نسبة هذين القولين الى أمير المؤمنين (عليه السلام).. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) الحجرات 13 (2) الانسان 3 (3) عوالي الآلي ج2 ص29 (4) غرر الحكم ج1 227 (5) المدر السابق ج1 ص246 (6) ميزان الحكمة ج4 ص 238 رضا الله غايتي
اخرىبين طيبة القلب وحماقة السلوك...
خلق الله الأشياء كلها في الحياة ضمن موازين وقياسات... فالزيادة أو النقيصة تسبب المشاكل فيها. وهكذا حياتنا وأفعالنا وعواطفنا لا بد أن تكون ضمن موازين دقيقة، وليست خالية منها، فالزيادة والنقيصة تسبب لنا المشاكل. ومحور كلامنا عن الطيبة فما هي؟ الطيبة: هي من الصفات والأخلاق الحميدة، التي يمتاز صاحبها بنقاء الصدر والسريرة، وحُبّ الآخرين، والبعد عن إضمار الشر، أو الأحقاد والخبث، كما أنّ الطيبة تدفع الإنسان إلى أرقى معاني الإنسانية، وأكثرها شفافية؛ كالتسامح، والإخلاص، لكن رغم رُقي هذه الكلمة، إلا أنها إذا خرجت عن حدودها المعقولة ووصلت حد المبالغة فإنها ستعطي نتائج سلبية على صاحبها، كل شيء في الحياة يجب أن يكون موزوناً ومعتدلاً، بما في ذلك المحبة التي هي ناتجة عن طيبة الإنسان، وحسن خلقه، فيجب أن تتعامل مع الآخرين في حدود المعقول، وعندما تبغضهم كذلك وفق حدود المعقول، ولا يجوز المبالغة في كلا الأمرين، فهناك شعرة بين الطيبة وحماقة السلوك... هذه الشعرة هي (منطق العقل). الإنسان الذي يتحكم بعاطفته قليلاً، ويحكّم عقله فهذا ليس دليلاً على عدم طيبته... بالعكس... هذا طيب عاقل... عكس الطيب الأحمق... الذي لا يفكر بعاقبة أو نتيجة سلوكه ويندفع بشكل عاطفي أو يمنح ثقة لطرف معين غريب أو قريب... والمبررات التي يحاول إقناع نفسه بها عندما تقع المشاكل أنه صاحب قلب طيب. الطيبة لا تلغي دور العقل... إنما العكس هو الصحيح، فهي تحكيم العقل بالوقت المناسب واتخاذ القرار الحكيم الذي يدل على اتزان العقل، ومهما كان القرار ظاهراً يحمل القسوة أحياناً لكنه تترتب عليه فوائد مستقبلية حتمية... وأطيب ما يكون الإنسان عندما يدفع الضرر عن نفسه وعن الآخرين قبل أن ينفعهم. هل الطيبة تصلح في جميع الأوقات أم في أوقات محددة؟ الطيبة كأنها غطاء أثناء الشتاء يكون مرغوباً فيه، لكنه اثناء الصيف لا رغبة فيه أبداً.. لهذا يجب أن تكون الطيبة بحسب الظروف الموضوعية... فالطيبة حالة تعكس التأثر بالواقع لهذا يجب أن تكون الطيبة متغيرة حسب الظروف والأشخاص، قد يحدث أن تعمي الطيبة الزائدة صاحبها عن رؤيته لحقيقة مجرى الأمور، أو عدم رؤيته الحقيقة بأكملها، من باب حسن ظنه بالآخرين، واعتقاده أن جميع الناس مثله، لا يمتلكون إلا الصفاء والصدق والمحبة، ماي دفعهم بالمقابل إلى استغلاله، وخداعه في كثير من الأحيان، فمساعدة المحتاج الحقيقي تعتبر طيبة، لكن لو كان المدّعي للحاجة كاذباً فهو مستغل. لهذا علينا قبل أن نستخدم الطيبة أن نقدم عقولنا قبل عواطفنا، فالعاطفة تعتمد على الإحساس لكن العقل أقوى منها، لأنه ميزان يزن الأشياء رغم أن للقلب ألماً أشد من ألم العقل، فالقلب يكشف عن نفسه من خلال دقاته لكن العقل لا يكشف عن نفسه لأنه يحكم بصمت، فالطيبة يمكن أن تكون مقياساً لمعرفة الأقوى: العاطفة أو العقل، فالطيّب يكون قلبه ضعيفاً ترهقه الضربات في أي حدث، ويكون المرء حينها عاطفياً وليس طيباً، لكن صاحب العقل القوي يكون طيباً أكثر من كونه عاطفياً. هل الطيبة تؤذي صاحبها وتسبب عدم الاحترام لمشاعره؟ إن الطيبة المتوازنة المتفقة مع العقل لا تؤذي صاحبها لأن مفهوم طيبة القلب هو حب الخير للغير وعدم الإضرار بالغير، وعدم العمل ضد مصلحة الغير، ومسامحة من أخطأ بحقه بقدر معقول ومساعدة المحتاج ... وغيرها كثير. أما الثقة العمياء بالآخرين وعدم حساب نية المقابل وغيرها فهذه ليست طيبة، بل قد تكون -مع كامل الاحترام للجميع- غباءً أو حماقة وسلوكاً غير عقلاني ولا يمت للعقل بصلة. إن المشكلة تقع عند الإنسان الطيب عندما يرى أن الناس كلهم طيبون، ثم إذا واجهه موقف منهم أو لحق به أذى من ظلم أو استغلال لطيبته، تُغلق الدنيا في وجهه، فيبدأ وهو يرى الناس الطيبين قد رحلوا من مجتمعه، وأن الخير انعدم، وتحصل له أزمة نفسية أو يتعرض للأمراض، لأن الطيّب يقدم الإحسان للناس بكل ما يستطيع فعله، ويقدّم ذلك بحسن نية وبراءة منه، فهو بالتالي ينتظر منهم الرد بالشكر أو المعاملة باللطف على الأقل... صحيح أن المعروف لوجه الله، ولكن من باب: من لم يشكر المخلوق لم يشكر الخالق، لذلك يتأذى عندما يصدر فعل من الشخص الذي كان يعامله بكل طيب وصدق. هل الطيبة والصدق من علامات ضعف الشخصية؟ الكثير من الناس يصف طيب القلب بأنه ضعيف الشخصية، لأنه يتصف بعدم الانتقام ممن ظلمه، والصفح عنه عند رجوعه عن الخطأ، وأنه لا يحب إيقاع الآخرين بالمشاكل؛ لأنه مقتنع أن الله سيأخذ له حقه. والحقيقة هي أن الصدق والطيبة وحسن الظن بالآخرين ليست ضعف شخصية، بل هي من الأخلاق الراقية وهي تزيد صاحبها سمواً وجمالاً روحياً، وليس من المعيب أن يمتلك الإنسان الطيبة بل العيب في من لا يُقدّر هذه الطيبة ويعطيها حقها في التعامل بالمثل. فالمشكلة الأساسية ليست في الطيبة، إنما في استغلال الآخرين لهذه الطيبة، نتيجة لعدم عقلنة قراراتنا والاعتماد على عواطفنا بشكل كلي. فالصدق والطيبة حسب المنطق والعقل، ولها فوائد جمة للنفس ولعموم أفراد المجتمع، فهي تحصين للشخص عن المعاصي، وزيادة لصلة الإنسان بربه، وتهذيب للنفس والشعور بالراحة النفسية، فالصادق الطيب ينشر المحبة بين الناس، وهذا يعزّز التماسك الاجتماعي وتقويته من سوء الظنون والحقد، وهذا التعامل أكّدت عليه جميع الشرائع السماوية، ولو تأمّلنا تاريخ وأخلاق الأنبياء والأوصياء لوجدنا كل ما هو راقٍ من الأخلاق والتعامل بالطيبة والصدق... حنان الزيرجاوي
اخرىلا تقاس العقول بالأعمار!
(لا تقاس العقول بالأعمار، فكم من صغير عقله بارع، وكم من كبير عقله فارغ) قولٌ تناولته وسائل التواصل الاجتماعي بكل تقّبلٍ ورضا، ولعل ما زاد في تقبلها إياه هو نسبته الى أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام)، ولكننا عند الرجوع إلى الكتب الحديثية لا نجد لهذا الحديث أثراً إطلاقاً، ولا غرابة في ذلك إذ إن أمير البلاغة والبيان (سلام الله وصلواته عليه) معروفٌ ببلاغته التي أخرست البلغاء، ومشهورٌ بفصاحته التي إعترف بها حتى الأعداء، ومعلومٌ كلامه إذ إنه فوق كلام المخلوقين قاطبةً خلا الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله) ودون كلام رب السماء. وأما من حيث دلالة هذه المقولة ومدى صحتها فلابد من تقديم مقدمات؛ وذلك لأن معنى العقل في المفهوم الإسلامي يختلف عما هو عليه في الثقافات الأخرى من جهةٍ، كما ينبغي التطرق الى النصوص الدينية الواردة في هذا المجال وعرضها ولو على نحو الإيجاز للتعرف إلى مدى موافقة هذه المقولة لها من عدمها من جهةٍ أخرى. معنى العقل: العقل لغة: المنع والحبس، وهو (مصدر عقلت البعير بالعقال أعقله عقلا، والعِقال: حبل يُثنَى به يد البعير إلى ركبتيه فيشد به)(1)، (وسُمِّي العَقْلُ عَقْلاً لأَنه يَعْقِل صاحبَه عن التَّوَرُّط في المَهالِك أَي يَحْبِسه)(2)؛ لذا روي عنه (صلى الله عليه وآله): "العقل عقال من الجهل"(3). وأما اصطلاحاً: فهو حسب التصور الأرضي: عبارة عن مهارات الذهن في سلامة جهازه (الوظيفي) فحسب، في حين أن التصوّر الإسلامي يتجاوز هذا المعنى الضيّق مُضيفاً إلى تلك المهارات مهارة أخرى وهي المهارة العبادية. وعليه فإن العقل يتقوّم في التصور الاسلامي من تظافر مهارتين معاً لا غنى لأحداهما عن الأخرى وهما (المهارة العقلية) و(المهارة العبادية). ولذا روي عن الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله) أنه عندما سئل عن العقل قال :" العمل بطاعة الله وأن العمّال بطاعة الله هم العقلاء"(4)، كما روي عن الإمام الصادق(عليه السلام)أنه عندما سئل السؤال ذاته أجاب: "ما عُبد به الرحمن، واكتسب به الجنان. فسأله الراوي: فالذي كان في معاوية [أي ماهو؟] فقال(عليه السلام): تلك النكراء، تلك الشيطنة، وهي شبيهة بالعقل وليست بالعقل"(5) والعقل عقلان: عقل الطبع وعقل التجربة، فأما الأول أو ما يسمى بـ(الوجدان الأخلاقي) فهو مبدأ الادراك، وهو إن نَما وتطور سنح للإنسان فرصة الاستفادة من سائر المعارف التي يختزنها عن طريق الدراسة والتجربة وبالتالي يحقق الحياة الإنسانية الطيبة التي يصبو اليها، وأما إن وهن واندثر لإتباع صاحبه الأهواء النفسية والوساوس الشيطانية، فعندئذٍ لا ينتفع الانسان بعقل التجربة مهما زادت معلوماته وتضخمت بياناته، وبالتالي يُحرم من توفيق الوصول إلى الحياة المنشودة. وعقل التجربة هو ما يمكن للإنسان اكتساب العلوم والمعارف من خلاله، وما أروع تشبيه أمير البلغاء (عليه السلام) العلاقة التي تربط العقلين معاً إذ قال فيما نسب إليه: رأيت العقل عقلين فمطبوع ومسموع ولا ينفع مسموع إذ لم يك مطبــوع كما لا تنفع الشمس وضوء العين ممنوع(6) فقد شبّه (سلام الله عليه) عقل الطبع بالعين وعقل التجربة بالشمس، ومما لاشك فيه لكي تتحقق الرؤية لابد من أمرين: سلامة العين ووجود نور الشمس، وكما إن الثاني لا ينفع إن لم يتوفر الأول فكذلك عقل التجربة لا ينفع عند غياب عقل الطبع فضلاً عن موته. وبما إن عقل الطبع قد ينمو ويزدهر فينفع صاحبه من عقل التجربة، وقد يموت ويندثر عند الاستسلام لإضلال شبهةٍ أوبسبب إرتكاب معصية، فإنه ومن باب أولى أن يتعرض الى الزيادة والنقصان كما سيأتي... وقد ورد في النصوص الدينية أن للعقل زمناً ينمو فيه ويكتمل، فعن إمامنا أبي عبدالله (عليه السلام) قال: قال أمير المؤمنين (صلوات الله عليه):"يثغر الصبي لسبع، ويؤمر بالصلاة لتسع، ويفرق بينهم في المضاجع لعشر، ويحتلم لأربع عشرة، وينتهى طوله لإحدى وعشرين سنة، وينتهي عقله لثمان وعشرين إلا التجارب"(7)، وعن أمير المؤمنين (عليه السلام): "يربى الصبي سبعاً ويؤدب سبعاً، ويستخدم سبعاً، ومنتهى طوله في ثلاث وعشرين سنة، وعقله في خمس وثلاثين [سنة] وما كان بعد ذلك فبالتجارب"(8). إذن يتوقف النمو الطبيعي لعقل الانسان عند سن الثامنة والعشرين أو الخامسة والثلاثين كما ورد في الروايتين، وأية زيادة أخرى في طاقته بعد ذلك إنما تأتي عن طريق التجارب، وقد يُتوهم بأن ثمة تعارضاً ما بين الروايتين المتقدمتين في شأن تحديد سن النمو العقلي، إلا إنه لا تعارض ينهما إذا حملنا اختلافهما فيه على اختلاف الاشخاص وتباين استعدادات وقابليات كل منهم. وعلى الرغم من توقف نمو عقل الإنسان إلا إن له أنْ يزيده بالتجارب ومواصلة التعلم ــ كما تقدم في الروايات ــ وسواء أثبت العلم هذه الحقيقة الروائية أم لا، فنحن نريد الإشارة إلى ضرورة استمرار التجربة والتعلم لزيادة نمو العقل وهذا المقدار لا خلاف فيه وعلى الرغم من إن لعمر الانسان مدخلية في زيادة عقله كما تقدم وكما روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام): "يزيد عقل الرجل بعد الاربعين إلى خمسين وستين، ثم ينقص عقله بعد ذلك"(9)، إلا إن ذلك ليس على نحو العلة التامة، إذ يمكن للعقل أن يبقى شاباً وقوياً وإن شاب الإنسان وضعف جسمه، وتقدم في السن ووهن عظمه، فالعاقل لا يشيب عقله ولا تنتقص الشيخوخة من قوته بل وقد يزداد طاقةً وحيويةً لذا ورد عن أمير المؤمنين (عليه السلام):"رأي الشيخ أحب الي من جَلَد الغلام"(10)، وفي أخرى ".....من حيلة الشباب "(11) وأما من لم يوفر أسباب صقل عقله في مرحلة الشباب فإنه بلا شك يضمحل عقله في مرحلة الشيخوخة. وليس تقدم العمر هو العامل الوحيد في نقصان العقل بل إن النصوص الشرعية أشارت الى عوامل عديدة اخرى أهمها: أولاً: التعلم: فقد روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام): "من لم يصبر على ذل التعلم ساعة بقي في ذل الجهل أبداً"(13). ثانياً: التوبة: وعنه (عليه السلام) ايضاً:"من لم يرتدع يجهل"(14) ثالثاً: التقوى: فقد كتب إمامنا الباقر (عليه السلام) إلى سعد الخير: "بسم الله الرحمن الرحيم أما بعد فإني اوصيك بتقوى الله فإن فيها السلامة من التلف والغنيمة في المنقلب إن الله (عزوجل) يقي بالتقوى عن العبد ما عزب عنه عقله ويجلي بالتقوى عنه عماه وجهله"(15) إذن التوبة هي سبب للتوفيق الإلهي الذي يؤدي فيما يؤدي إليه من إكمال العقل. رابعاً: الوقوف عند الشبهة: وقال (عليه السلام ): "لا ورع كالوقوف عند الشبهة"(16). فإن الوقوف عند الشبهات سبب من أسباب التوفيق الإلهي بلا شك. خامساً: الاعتراف بالجهل: كما روي عن الإمام علي (عليه السلام): "غاية العقل الاعتراف بالجهل"(17) إذ الاعتراف بالجهل يدفع الإنسان دوماً إلى مزيد من بذل الجهد واكتساب المعارف. مما تقدم تتضح جلياً صحة هذه المقولة دلالةً، إذ إن العقول فعلاً لا تقاس بالأعمار لأن كلٍاً من زيادتها ونقيصتها منوطٌ بالعديد من العوامل الأخرى والتي تقدم ذكرها، بيد إن ذلك لا يبرر التساهل في نشرها والتهاون في الاستشهاد بها على إنها من أقوال أمير المؤمنين (صلوات الله وسلامه عليه) لعدم ثبوت ذلك سنداً من جهة ولضعف بلاغتها وركاكة تركيبها بالنسبة إلى سيد البلغاء والبلاغة. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) تهذيب اللغة ج1 ص65 (2) لسان العرب ج11 ص458 (3) نهاية الحكمة ص305 (4) ميزان الحكمة ج3 ص333 (5) أصول الكافي ج1، ح3 / 11 (6) نهج السعادة ج9 ص163 (7) الكافي ج7 ص94 (8) الفقيه ج3 ص493 (9) الاختصاص ص245 (10) نهج البلاغة حكمة 86 (11) بحار الأنوار ج72 ص105 (12) المصدر السابق ج1 ص94 (13) غرر الحكم ودرر الكلم ج1 ص118 (14) الكافي ج8 ص73 (15) وسائل الشيعة ج1 ص162 (16) غرر الحكم ودرر الكلم ج1 ص1 بقلم الكاتبة: رضا الله غايتي
اخرىالمرأة في فكر الإمام علي (عليه السلام)
بقلم: أم نور الهدى كان لأمير المؤمنين (عليه السلام) اهتمام خاص بالمرأة، فنراه تارة ينظر إليها كآية من آيات الخلق الإلهي، وتجلٍ من تجليات الخالق (عز وجل) فيقول: (عقول النساء في جمالهن وجمال الرجال في عقولهم). وتارة ينظر إلى كل ما موجود هو آية ومظهر من مظاهر النساء فيقول: (لا تملك المرأة من أمرها ما جاوز نفسها فإن المرأة ريحانة وليس قهرمانة). أي إن المرأة ريحانة وزهرة تعطر المجتمع بعطر الرياحين والزهور. ولقد وردت كلمة الريحان في قوله تعالى: (فأمّا إن كان من المقربين فروح وريحان وجنة النعيم) والريحان هنا كل نبات طيب الريح مفردته ريحانة، فروح وريحان تعني الرحمة. فالإمام هنا وصف المرأة بأروع الأوصاف حين جعلها ريحانة بكل ما تشتمل عليه كلمة الريحان من الصفات فهي جميلة وعطرة وطيبة، أما القهرمان فهو الذي يُكلّف بأمور الخدمة والاشتغال، وبما إن الإسلام لم يكلف المرأة بأمور الخدمة والاشتغال في البيت، فما يريده الإمام هو إعفاء النساء من المشقة وعدم الزامهن بتحمل المسؤوليات فوق قدرتهن لأن ما عليهن من واجبات تكوين الأسرة وتربية الجيل يستغرق جهدهن ووقتهن، لذا ليس من حق الرجل إجبار زوجته للقيام بأعمال خارجة عن نطاق واجباتها. فالفرق الجوهري بين اعتبار المرأة ريحانة وبين اعتبارها قهرمانة هو أن الريحانة تكون، محفوظة، مصانة، تعامل برقة وتخاطب برقة، لها منزلتها وحضورها. فلا يمكن للزوج التفريط بها. أما القهرمانة فهي المرأة التي تقوم بالخدمة في المنزل وتدير شؤونه دون أن يكون لها من الزوج تلك المكانة العاطفية والاحترام والرعاية لها. علماً أن خدمتها في بيت الزوجية مما ندب إليه الشره الحنيف واعتبره جهادًا لها أثابها عليه الشيء الكثير جدًا مما ذكرته النصوص الشريفة. فمعاملة الزوج لزوجته يجب أن تكون نابعة من اعتبارها ريحانة وليس من اعتبارها خادمة تقوم بأعمال المنزل لأن المرأة خلقت للرقة والحنان. وعلى الرغم من أن المرأة مظهر من مظاهر الجمال الإلهي فإنها تستطيع كالرجل أن تنال جميع الكمالات الأخرى، وهذا لا يعني أنها لا بد أن تخوض جميع ميادين الحياة كالحرب، والأعمال الشاقة، بل أن الله تعالى جعلها مكملة للرجل، أي الرجل والمرأة أحدهما مكمل للآخر. وأخيرًا إن كلام الإمام علي (عليه السلام) كان تكريمًا للمرأة ووضعها المكانة التي وضعها الله تعالى بها، حيث لم يحملها مشقة الخدمة والعمل في المنزل واعتبر أجر ما تقوم به من اعمال في رعاية بيتها كأجر الجهاد في سبيل الله.
اخرىالطلاق ليس نهاية المطاف
رحلةٌ مثقلة بالألم في طريق يئن من وطأة الظلم! ينهي حياة زوجية فشلت في الوصول إلى شاطئ الأمان. ويبدد طموحات أطفال في العيش في هدوء نفسي واجتماعي تحت رعاية أبوين تجمعهم المودة والرحمة والحب. الطلاق شرعاً: هو حل رابطة الزواج لاستحالة المعاشرة بالمعروف بين الطرفين. قال تعالى: [ لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (226) وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (227)].(١). الطلاق لغوياً: من فعل طَلَق ويُقال طُلقت الزوجة "أي خرجت من عصمة الزوج وتـحررت"، يحدث الطلاق بسبب سوء تفاهم أو مشاكل متراكمة أو غياب الانسجام والحب. المرأة المطلقة ليست إنسانة فيها نقص أو خلل أخلاقي أو نفسي، بالتأكيد إنها خاضت حروباً وصرعات نفسية لا يعلم بها أحد، من أجل الحفاظ على حياتها الزوجية، ولكن لأنها طبقت شريعة الله وقررت مصير حياتها ورأت أن أساس الـحياة الزوجيـة القائم على المودة والرحـمة لا وجود له بينهما. فأصبحت موضع اتهام ومذنبة بنظر المجتمع، لذلك أصبح المـجتمع يُحكم أهواءه بدلاً من الإسلام. ترى، كم من امرأة في مجتمعنا تعاني جرّاء الحكم المطلق ذاته على أخلاقها ودينها، لا لسبب إنما لأنها قررت أن تعيش، وكم من فتاة أُجبرت قسراً على أن تتزوج من رجل لا يناسب تطلعاتها، لأن الكثير منهن يشعرن بالنقص وعدم الثقة بسبب نظرة المجتمع، وتقع المرأة المطلّقة أسيرة هذه الحالة بسبب رؤية المجتمع السلبيّة لها. وقد تلاحق بسيل من الاتهامات وتطارد بجملة من الافتراءات. وتعاني المطلقة غالباً من معاملة من حولها، وأقرب الناس لها، بالرغم من أن الطلاق هو الدواء المر الذي قد تلجأ إليه المرأة أحياناً للخلاص من الظلم الذي أصبح يؤرق حياتها الزوجية، ويهدد مستقبلها النفسي، والله تعالى لم يشرع أمراً لخلقه إلا إذا كان فيه خير عظيم لهم، والطلاق ما شرّع إلا ليكون دواء فيه شفاء وإن كان مرّاً، وإن كان أمره صعباً على النفوس، حيث قال عز وجل: "وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ وَكَانَ اللَّهُ وَاسِعًا حَكِيمًا"، روي عن الرسول الأعظم (صلى الله عليه واله وسلم) ((أبغض الحلال إلى الله الطلاق) (٢). ورغم أن الشريعة الإسلامية أباحت الطلاق بشروط تلاءم لبناء المجتمع، وأولت أهمية في الإحسان دائمًا للطرف الأضعف والأكثر خسارة في هذه المعادلة وهي "المرأة"، إلا أن المجتمع الذي يدّعي الإسلام لا يرحمها، ويحكم عليها بالإدانة طوال حياتها دون النظر في صحة موقفها في الطلاق من عدمه! قال( تعالى ): [الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ] (٣). ولكن بعد كل هذا فالحياة لم ولن تتوقف بعد الطلاق! الطلاق ليس نهاية الحياة. - أخيتي. ليكن الطلاق بداية جديدة لحياة جديدة وللانطلاق. -قطار العطاء لن يتعطل. فإن كنت السبب في الطلاق فالحمد لله على كل حال وتلك أمة قد خلت وأيام ذهبت وانجلت فلست بالمعصومة من الخطأ. وعليك استدراك الأخطاء وتقوية مواطن الضعف في شخصيتك، واجعليها درساً مفيداً في الحياة لتطوير نفسك وتقويتها. وإذا كنتِ مظلومة فهناك جبار يُحصي الصغير والكبير وسيأتي يوم ينتصر لك فيه. -ومن الجميل أن تعطي نفسك الإحساس بالحب والاحترام، ولا تتأثري بأي نظرة سلبية من المجتمع وكون البعض يتعامل مع المطلقة على أنها حالة خاصة فعليكِ إثبات ذاتك حتى تفرضي على الكل شخصيتك. - نظرتك لنفسك اجعليها نظرة ايجابية مشرقة ولا تنزلقي في مستنقع نبذ الذات وظلم النفس. - ابحثي عن الصفات الجيدة فيك فإن ذلك سيشعرك بالثقة في ذاتك والتقدير لها. -حاولي مراجعة نفسك للخروج بإيجابيات حصلت لك من طلاقك. - خالطي الآخرين وإياك والعزلة بسبب وضعك الجديد فلست بأول من يبتلى بالطلاق. -استمتعي بالموجود ولا تتعلقي بالمفقود، حلقي بروح تعبق أملاً وتفاؤلاً، استمتعي بما وهبك الله من نعم (صحة وأولاد وأهل وصديقات وعمل وهوايات وغيرها من الأمور الجميلة) فما حصل لك حصل… ولابد أن تتقبليه برضا، وأعلمي أن ما أصابك لم يكن ليخطأك وما أخطأك لم يكن ليصيبك. وقال أصدق من قال: ( وعسى أن تكرهوا شيئاً وهو خير لكم). فالرضا سر السعادة الحقيقي. - اقتربي من صديقاتك الصالحات، واقضي معهن وقتاً طيباً تنسين به ألمك وحزنك. - احرصي على الصلوات وقراءة القرآن الكريم والذكر والاستغفار وأكثري من الطاعات قدر ما تستطيعين، ففيها السلوى والفرح والسعادة. ونعم سعادة القرب من الرحمن. - اشغلي نفسك بأعمال البر والإحسان بمساعدة محتاج. بكفالة يتيم. بتعلم الفقه والقرآن وتعليمه. - اجتهدي في عمل برنامج يومي لك يكون ممتلأ بكل ما هو مفيد لك. من قراءة وزيارة الأصدقاء وصلة الرحم. بحيث لا تكون هناك دقيقة أنت فارغة فيها. - وأسرعي بقاربك الجميل بمجذافين من إيمان بالله وثقة بالنفس وسوف تصلين بإذن الله نحو جزيرة السعادة والنجاح. لكي تتسلق جبال الإنجاز، وتصل لأعلى مراتب الاعجاز. وعندها جزماً سيكون للحياة معنى آخر. --------------------------------- (١)-سورة البقرة الآية (٢٢٦-٢٢٧). (٢)-الكافي (٢)-سورة البقرة الآية (٢٢٨) حنان ستار الزيرجاوي
اخرىهَوَّنَ عَلَيَّ مَا نَزَلَ بِي أَنَّهُ بِعَيْنِ اللهِ
عاشوراء مدرسة أعطت وتعطي الكثير الكثير كل يوم للمتأمل فيما ورد عنها من كلمات وفيما وثق فيها من مواقف... ولعل من أهم الدروس التي ترسخها عاشوراء في الأذهان بعد ضرورة مواجهة الباطل والدفاع عن الحق مهما كلفت من تضحيات جسام هو: الصبر على البلاء بل والرضا به .. كيف لا، وقد ورد عن سيّد الشهداء (عليه السلام) في اللحظات الأخيرة من حياته حينما كان يتمرّغ في الدم والتراب: «رضاً بقضائك وتسليماً لأمرك لا معبود سواك»(1). وكذلك فيما جاء في خطبته عند خروجه من مكّة إلى المدينة: «رضا اللَّه رضانا أهل البيت»(2) . فما سر هذا الرضا رغم شدة الابتلاءات وقساوة المحن التي مر بها سيد الشهداء (عليه السلام) ؟ مما لا شك فيه أن يقين الامام الحسين (عليه السلام) هو الذي رفعه إلى مقام الرضا رغم ما جرى عليه في واقعة كربلاء، إلا أنه ومع هذا فقد أرشد المؤمنين إلى مفاتيح الصبر والرضا، ولعل من أهمها ما وَرَدَ عنه (عليه السلام) أَنَّهُ قَالَ بعد أن تفاقم الخطب أمامه في كربلاء، واستشهد أصحابه وأهل بيته: «هَوَّنَ عَلَيَّ مَا نَزَلَ بِي أَنَّهُ بِعَيْنِ اللهِ»(1). فهنا يلفت الامام الحسين (عليه السلام) نظر المؤمنين الى حقيقة مهمة وهي: أن الله سبحانه يعلم بكل مجريات الأُمور، وهو مطلع على كل معاناة المبتلى وما يكابده من ألم دونما اعتراض منه على قضائه هو في حد ذاته حافز للمبتلى للصبر والرضا.. ولتقريب المعنى نقول: إن المتسابقين في ساحة اللعب مثلا يشعرون بالارتياح حينما يعلمون أن أبويهم وأصدقاءهم ينظرون اليهم فيندفعون بقوّة أكبر في تحمل الصعاب لتحقيق الفوز. فإذا كان تأثير وجود الأبوين والأصدقاء كذلك، فما بالك بتأثير استشعار رؤية الله لما يجري على الانسان وهو يصارع الألم ويواجه المحن؟! ما أعظم القوّة التي يمنحها هذا الاستشعار لتحمل الامتحانات العسيرة والمصائب الخطيرة .. ولذا فقد جاء النداء الالهي لتثبيت قلب النبي نوح (عليه السلام) حين واجه أعظم المصائب والضغوط من قومه وهو يصنع الفلك، حيث قال (تعالى) : (وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا)(2). فكان لعبارة «بِأَعْيُنِنَا» وقع عظيم في نفسه (عليه السلام) فصبر وواصل عمله الى نهايته دونما أن يلتفت الى تقريع الأعداء أو يهتم باستهزائهم. ــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) موسوعة الامام علي بن أبي طالب (عليه السلام) ج8 ص42 (2) المصدر السابق (3) بحار الأنوار، ج 45، ص 46 (4) هود 37 رضا الله غايتي
اخرى