تشغيل الوضع الليلي

التخاطرُ الذهنيّ بين الفراسةِ والتوسم

منذ 6 سنوات عدد المشاهدات : 10346

أ.د. سعيد غني نوري
التخاطر الذهني أو التخاطر عن بعد، وهو الذي يُسمى في المصطلح الإسلامي بعلم الفراسة أو التوسم، وله الكثير والعديد من الأسماء الأخرى مثل التخاطر الروحي، وكلُّ هذه المُسميات تنتمي لشيءٍ واحد وهو الفراسة العقلية.
وهو عبارة عن (اتصالٍ عقليّ بين البشر، ولكنْ بصورةٍ غير ملموسة بين شخصين فيستقبلُ كلُّ طرفٍ منهم رسالةَ الآخر في نفس الوقت الذي يُرسلُ فيها الآخر الرسالة إليه، حتى إذا بَعُدَت أماكن تواجدهم، وتزدادُ هذه الخاصية سموًا بدرجاتِها لدى الأولياء والعارفين). فالتخاطرُ يعني معرفة الشخص بكلِّ ما يدور في رأس الطرف الآخر، وهذه الظاهرة أقدم القدرات الإنسانية الخارقة التي عرفها الإنسان قديمًا.
وقد جسّدها الإسلام بصورةٍ جليّة، مُشيرًا إلى العوامل التي تؤثر في زيادة هذه القدرة على التخاطر أو الفراسة، ومنها:
1- القدرة العقلية للإنسان وعامل الذكاء (الجانب التكويني).
2- درجة التقرب من الله (عز وجل) وقوة الإيمان.
3- صفاء النفس.
4- درجة التقارب الروحي والنفسي بين المتخاطرين.
وتؤكد بعض الدراسات السيكولوجية في التنمية البشرية أنَّ التخاطر عن بعد لا يحدث بين أفراد البشر فقط، بل يحدث عند الحيوانات أيضًا، كالحيوانات الأليفة التي نعيش معها، فقد أجرى العلماء العديد من التجارب على حيوانات مختلفة وكانت النتيجة أنَّ هذه الحيوانات تتنبأ بالفيضانات والزلازل والكوارث التي تصيب الكون، فوجدوا أنَّ القطط والكلاب والأسماك والطيور تشعر بهذه الكوارث قبل حدوثها بساعاتٍ؛ ولذا كانت للكلاب القدرة على حماية أصحابها من دون الحيوانات الأخرى، ومن ثم إنقاذهم من المواقف الصعبة والأخطار المحدقة التي تؤدي بهم إلى الموت. لذا بدأت الدول المتقدمة تستشعر الأخطار والزلازل والفيضانات والبراكين عن طريق مجموعة من الحيوانات التي تمتلك هذا النوع من التخاطر.
ويسمى التخاطر أيضًا بالقدرة الخارقة؛ لأن العديد من الأشخاص الذين يفكرون في أشخاصٍ آخرين كانوا يعرفونهم وشعروا بأنَّهم يودون زيارتهم أو الاتصال بهم، في هذا الوقت نفسه يكون أولئك الأشخاص الآخرون هم أيضًا يُفكرون بنفس التفكير ويعتريهم ذات الشعور! إذ من الممكن أنْ تذهب إلى غرفتك وتجلس بها وتفكر في أحدٍ من أصدقائك وإذا بجرس الهاتف يرن فجأةً ويكون هو نفس الشخص الذي كنت تفكر به! هذا هو التخاطر عن بعد. ولكي تستطيع التواصل العقلي بشخصٍ معين عليك التركيز والتأمل؛ لأنهما يساعدانك في الحصول على نتيجةٍ أفضل في إيصال رسالتك إلى هذا الشخص. فظاهرة التخاطر هي غريزة فطرية (تكوينية) عند الإنسان، ويوجد كثيرٌ من الناس تأتيه هذه المقدرة بسهولة.
وتوصلت بعض الدراسات إلى أنَّ بعض الأشخاص قد يستغربون أو يُصابون بحالةٍ من الاستغراب والذهول، فلا مجال للكذب في التخاطر، وأنَّ الشخص الذي يتمتع بهذه الموهبة يكون بأقصى درجةٍ من العفوية فيعتقد أنَّه يتكلم مع نفسه أحيانًا، ويُمكن للمُتخاطر أنْ يملك القدرة على قراءة أفكار الناس الذين حوله.
وللتخاطر أسبابٌ علمية بحسب بعض الدراسات، فالعلم الحديث أثبت نشاطاتٍ متعددة لجسم الإنسان، ومن الممكن أنْ نتعرف عليها من وجهة فسيولوجية:
تقوم خلايا المخ عند الإنسان بعدةِ مهام عن طريق إرسال الإشارات الكهربائية فيما بينها، ويكون دور هذه الإشارات بمثابة الأمر الذي تُرسله مراكز المخ المختلفة التي تكون مسؤولةً عن القيام بتوصيل المعلومات من مراكز المخ إلى الحواس أو العكس، ومن خلال الأعصاب تقوم بتوصيل الأوامر من المخ إلى الأعضاء، والتي تكون مسؤولةً أيضًا عن تحريك الأعضاء والإحساس، ومهما كانت درجة ضعف هذا النشاط الكهربائي فهو يولد نوعًا من الطاقة الكهرومغناطيسية التي ترصدها العديد من المعدات، وتقوم بعمل الكثير من العمليات التي يقوم بها عقل أو مخ الإنسان تصدر عنها كميةٌ قليلةٌ من الطاقة يمكن أنْ تتميز عن غيرها بالقدر الذي يسمح به إمكانيات الأجهزة التي نستعملها حاليًا.
ويكون جهاز الاستقبال هو عقل الإنسان الذي وهبه الله تعالى القدرة على أنْ يشعر بهذه الموجات ويستقبلها ويترجمها إلى أفكار، ويمكن القول: إنَّ الفروق الفردية التي حددها الإمام الصادق (عليه السلام) في تفاوت الناس بالقدرات العقلية هي التي تُحدد نوع الاستقبال لهذه الخواطر، فمنهم من يستجيب بسرعةٍ، ومنهم من لا يستجيب بسرعةٍ، وهذا دليلٌ دامغٌ على أرجحية نظرية الإمام (عليه السلام) بأنَّ بني البشر يتفاوتون في مستويات الذكاء وقدراتهم العقلية بحسب نشأتهم التكوينية عند انعقاد النطفة وفترة الحمل وبعد الولادة واكتمال العقل لديهم.
فقد روي عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَمَّارٍ قَالَ: قُلْتُ لأَبِي عَبْدِ الله (عليه السلام): الرَّجُلُ آتِيه وأُكَلِّمُه بِبَعْضِ كَلَامِي فَيَعْرِفُه كُلَّه ومِنْهُمْ مَنْ آتِيه فَأُكَلِّمُه بِالْكَلَامِ فَيَسْتَوْفِي كَلَامِي كُلَّه ثُمَّ يَرُدُّه عَلَيَّ كَمَا كَلَّمْتُه ومِنْهُمْ مَنْ آتِيه فَأُكَلِّمُه فَيَقُولُ أَعِدْ عَلَيَّ؟ فَقَالَ: يَا إِسْحَاقُ ومَا تَدْرِي لِمَ هَذَا؟ قُلْتُ: لَا. قَالَ: الَّذِي تُكَلِّمُه بِبَعْضِ كَلَامِكَ فَيَعْرِفُه كُلَّه فَذَاكَ مَنْ عُجِنَتْ نُطْفَتُه بِعَقْلِه وأَمَّا الَّذِي تُكَلِّمُه فَيَسْتَوْفِي كَلَامَكَ ثُمَّ يُجِيبُكَ عَلَى كَلَامِكَ فَذَاكَ الَّذِي رُكِّبَ عَقْلُه فِيه فِي بَطْنِ أُمِّه وأَمَّا الَّذِي تُكَلِّمُه بِالْكَلَامِ فَيَقُولُ أَعِدْ عَلَيَّ فَذَاكَ الَّذِي رُكِّبَ عَقْلُه فِيه بَعْدَ مَا كَبِرَ فَهُوَ يَقُولُ لَكَ أَعِدْ عَلَيَّ.
فالتخاطرُ عن بعد أمرٌ مختلفٌ فهو يعني استقبال الطاقة التي تصدر من عقل أيِّ شخصٍ، ويقوم العقل المستقبل بتحليلها، فهو يعرف ويدرك أفكار الآخرين ويعمل على توفيق حواسه على تلقي الموجات الكهرومغناطيسية التي تصدر من الآخرين ويعرف ما يدور في عقولهم عن طريقها، فيما يقوم الجانب الآخر بإرسال الخواطر وإدخالها في عقول الأشخاص الآخرين.
ويكون التخاطر عبارةً عن انتقال صورٍ وأفكار عقلية بين الكائنات الحية دون أنْ يستعين بالحواس الخمسة، أو يقوم بنقل الأفكار من عقلٍ إلى آخر من دون وسيطٍ مادي، حيث يكون عقل الإنسان مثل (البلوتوث) يعتمد على نقل البيانات والملفات من جهاز إلى آخر عن طريق الموجات ومن دون أسلاك، فالبعض منها يستقبل فقط ولا يرسل، والبعض الآخر يرسل ويستقبل، وبذا يكون عقل الإنسان في حالة التخاطر.
الفراسة والتوسم والتخاطر الذهني عند الأولياء
الفراسة مصطلح إسلامي وهو ما يُسميه العلماء بـ(الفراسة الإيمانية)، وتكون بحسب قوة الإيمان، فمن كان أقوى إيمانًا كان أحدَّ فِراسةً.
فمن غرس الإيمان في أرض قلبه الطيبة الزاكية، وسقى ذلك الغرس بماء الإخلاص والصدق والمتابعة وموالاة العترة الطاهرة من آل محمد (صلى الله عليه وآله)، كان من بعض ثماره هذه الفراسة. فقد روي عن أبي سعيد الخدري أنَّه قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): "اتقوا فراسة المؤمن فإنّه ينظر بنور الله، ثم قرأ قول الله (تعالى): "إن في ذلك لآيات للمتوسمين" وقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): "إنَّ لله عبادًا يعرفون الناس بالتوسم"، وأصل هذا النوع من الفراسة من الحياة والنور اللذين يهبهما الله (تعالى) لمن يشاء من عباده فيحيا القلب بذلك ويستنير، فلا تكاد فراسته تُخطئ قال الله (تعالى) عنها: "أومن كان ميتًا فأحييناه وجعلنا له نورًا يمشي به في الناس كمن مثله في الظلمات ليس بخارج منها".
ولعل أفضلَ مثالٍ وخيرَ دليلٍ على فراسة التوسم والتخاطر العقلي في التاريخ هو فراسة سيد المتوسمين أمير المؤمنين عليّ (عليه السّلام) الذي أضاء الله مصباح المعرفة في قلبه.. فلا تَحدُث في العالَم حادثة إلا ويطّلع قلبه عليها. قال المصطفى (صلّى الله عليه وآله): "اتَّقوا فِراسةَ المؤمن؛ فإنّه ينظر بنور الله"
وحول فراسة الأولياء، روي أنه خَرج عليُّ بن أبي طالب عليه السلام يريد الخوارج إذ أقبل رجل يركُض حتّى انتهى إلى أمير المؤمنين عليّ ( عليه السلام ) فقال : يا أمير المؤمنين البُشرى ! قال : هات ما بُشراك ؟ قال : قد عَبر القوم النهروان لما بلغهم عنك ، وقد مَنَحَكَ الله أكْتافَهم ، فقال : الله لأنت رأيْتَهُم قد عَبروا ؟ فقال : والله لأنا رأيتُهم حين عَبروا ، فحلّفه ثلاث مرّات في كلِّ ذلك يَحْلِفُ له ، فقال له أمير المؤمنين : كذَبْتَ والّذي فَلَقَ الحبّة وبرأ النّسَمَة ما عبَروا النهروان ، ولن يبلغوا الأثلاث ولا قصْر بُوران ، حتّى يَقْتُلُهُم الله على يَدَيَّ ، لا ينَجُو منهم تمام عشرة ، ولا يُقتَلُ مِنّا عشرة : عهداً معهوداً ، وقدراً مَقْدوراً وقضاء مقْضِيّاً ، وقد خابَ مِنَ افْتَرى .
فكان كما قال (عليه السلام).

اخترنا لكم

خاطرة

حاولتُ كتابةَ خاطرةٍ قصيرةٍ عن مصرع أبي الفضل (صلوات الله وسلامه عليه) ولكنّي وجدتُ الحروفَ تفرُّ منّي لم أستطِعْ أنْ أجمعَها لأرتِّبَ كلمةً واحدة، فهي أبتْ أنْ تصفَ ما جرى... فتناثرتْ مع دموعي فوقَ ورقتي؛ لترسمَ نهرًا جاريًا يبكي وقلمًا كالسهمِ نابتًا في ..... السلامُ عليكَ يا كافلَ العِفّةِ والحياء السلامُ عليك يا رمزَ الشموخِ والإباء السلامُ على حبيبِ زينبَ الحوراء السلامُ على من أجهشَ عليه الإمامُ الحُسينُ (صلوات الله وسلامه عليه) بالبكاء

اخرى
منذ 6 سنوات
1766

معرفةُ المرأةِ باللهِ (سبحانه) وأثرُها في معرفةِ القضية الحسينية (4)

بقلم: علوية الحسيني المطلب الثالث: الارتباط الوثيق والدور الجلي الحقيق بين المعرفة بالله (تعالى) وبالقضية الحسينية ▪️الفرع الاول: الارتباط الوثيق بين المعرفة بالله (تعالى) والقضية الحسينية إنّ مجرّدَ الاعتقادِ بتوحيدِ الله (تعالى) ليس كافيًا، بل لابُدَّ من الاعتقادِ بجميعِ أصولِ الدّين؛ فهي كالسلسلة، ما إن تُقطع إحدى حلقاتها حتى يضطرب الإيمانُ كُلُّه. وتلك السلسلةُ متمثلةٌ بالتوحيد، فالعدل الإلهي، فالنبوة، فالإمامة، ثم المعاد. ووجهُ الارتباطِ بين حلقاتِ هذه السلسلة هو أنّ اللهَ الواحدَ الأحدَ –وهذا هو أصلُ التوحيد- من عدلِه فرضَ تكاليفَ على عبادهِ، كلٌّ حسبَ استطاعته -وهذا هو أصلُ العدلِ الإلهي-، وأنّه حينما أرادَ إيصالها إلى عبادِه أوجبَ على نفسِه أنْ يبعثَ لهم قادةً هُداةً يكونون واسطةً بينَه (تعالى) وبين عبادِه عن طريقِ الوحي النازل عليهم –وهذا هو أصلُ النبوة-، ثم بعد انتهاء حياةِ النبي (صلى الله عليه وآله) لم يترك الأمّةَ سدى؛ إذ أوحيَ إليه أنِ اتخذِ أوصياءً من بعدك؛ ليحفظوا الشريعة من الانطماس، وليقوموا بما كان يقومُ به، فنصّبَ أولياء من بعده –وهذا هو أصلُ الإمامة-، ثم بعد انتهاءِ حياةِ جميعِ البشر لابُدَّ من أنْ يُثابَ المُحسنُ الذي أطاع الله والنبي والإمام، ويُعاقب من عصاهم؛ لما يقتضيه عدلُ الله (تعالى) فيعطي كلّاً حقّه –وهذا هو أصلُ المعاد-. وبهذا يتبيّنُ أنّ الإمامَ الحسينَ (عليه السلام) هو واسطةٌ بين العبادِ وبين اللهِ (تعالى) عن طريق النبي (صلى الله عليمه وآله)؛ أيّ يُملي على العبادِ ما كان يُمليه عليه النبي (عليهما السلام) من معارف. صحيحٌ أنّ الطرقَ إلى اللهِ (تعالى) بـعددِ أنفاسِ الخلائق، لكنّ الإنسانَ المُنغمسَ في عالمِ المادّة -ما سوى المعصوم- لا يعرفُ اللهَ بالله، ولا يؤدي مجرّدُ عقلِه إلى اللهِ (تعالى)، بـل يعرفُ اللهَ (تعالى) بأفعالهِ وصفاتهِ –بأفعالهِ أيّ بمخلوقاتِه، ومِن مخلوقاتهِ أهل بيت النبوّة، ويعضدُ ذلك ما نقرأهُ في الزيارةِ الجامعةِ الكبيرةِ: "مَن عـرفَكم فقد عَـرَفَ الله"، فبعدَ معرفةِ مخلوقاتِه ننتبهُ ونعرفُ اللهَ (تعالى)؛ إذ هُم (عليهم السلام) الأدلّاءُ على الله-. فلابد من مرشدٍ وهاد, وهم محمد وآل محمد (عليهم السلام), إذ هم مظاهر التجلي, كما قرأنا "مَن عرفكم فقد عرف الله". وسيّدُ القضية الحسينية الإمامُ الحسينُ (عليه السلام) هو الدالُّ على معرفةِ اللهِ (تعالى)؛ من خلالِ ما هو مُكلّفٌ به من وظيفةٍ إلهيةٍ من حِفظِ الشريعةِ وبيانِ معالم الدّين، وهدايةِ وإرشادِ عبادِ الله (تعالى). فالإيمانُ بكُلِّ ما جرى في القضيةِ الحسينية له يؤدي إلى الإيمان بالله (تعالى) بتوحيده، وعدله، ونبوّته، عروجًا على إمامته، بـل وحتى بمعاده. ▪️الفرع الثاني: دورُ المرأةِ في معرفتِها بالله (تعالى) وتوظيفه بالقضيةِ الحسينية إنّ الوصولَ إلى الكمالِ الرّوحي يتطلبُ تحمُّلَ المشاق، والتسليمَ المطلق لله (سبحانه)، والذوبان في هيمنتِه وسلطنتِه (جلّ شأنه)، فالإنسانُ وإنْ كانَ مجبولًا في فطرتِه على حُبِّ الوصولِ إلى الكمال، إلّا أنّ التعلُّقاتِ الدنيوية التي تطرأ عليه عرضًا تجعله محجوبًا عن الوصول. وها هي الأنموذجُ النسوي الأمثل -من بعدِ أُمِّها الزهراء (عليها السلام)- السيّدةُ زينبُ (عليها السلام) قد نالتْ ما نالتْ من فيوضاتٍ، وهيّمتْ قلبها لإرادةِ الواحدِ القهّار، فأصبحتْ من خواصِ اللهِ خَلقًا، وأثمرهم عطاءً. ومن هُنا، على المرأةِ النهوضُ بدورها الرسالي الذي تُشاطِرُ به الرجل، انطلاقًا من معرفتها بالله (تعالى)؛ لتجسيدِ التلبيةِ في الولاءِ لأولياءِ الله (سبحانه) والإذعانِ لأوامرِهم ونواهيهم المنقولة لنا عن بعضهم البعض. فدينُ الإسلامِ دينُ النهوض "لم يعترفْ بكونِ المرأةِ ربةَ بيتٍ فقط، بل هي في نظره إنسانةٌ كاملةُ الإنسانية، دورها في الحياةِ دورٌ إنساني رائد. أمّا المهامُ المنزليةُ فتعاونٌ مُشتركٌ بين الرجلِ والمرأةِ؛ لتدبيرِ شؤونِ حياتِهما المنزلية، فإنُ يتطوعَ أحدُهما للقيامِ بها فإنّه يُشكر على تطوعه. ومن أبرزِ معالمِ دورِ المرأةِ في عملها الرسالي أنْ تكونَ داعيةً بين بني جنسها الأنثوي في أيّ مكان: في البيتِ أو في العملِ أو المدرسة أو الحرم الجامعي أو التجمعات النسوية، فإذا وجدتِ القدرةَ على أداءِ الرسالةِ كان ذلك واجبًا عليها كواجبها في أداءِ الصلاةِ والصوم والحج والأمرِ بالمعروف والنهي عن المنكر، فالأمرُ يدورُ على الاستطاعةِ أو عدمها، فإذا كانتِ المرأةُ عالمةً بأنّها تستطيعُ أنْ تهديَ جمهورًا من النساء أو الرجال وجبَ عليها أنْ تقومَ بذلك في دائرةٍ مكاناتها الطبيعة والواقعية، وإذا كانت تستطيعُ توسعةُ هذه الإمكاناتِ من دونِ أنْ تضغطَ على ظروفِها فإنّه من الواجب عليها أنْ تفعلَ ذلك، وربما تكونُ المصلحةُ في أنْ يكونَ القيامُ بهذا الدورِ الثقافي من بعضِ مسؤولياتها الخاصة، بحيث تتقدم المصلحة العامة على المصلحة الخاصة في بعض الحالات"(10). إذًا على المرأةِ أنْ تدركَ وظيفتَها وأهميةَ مكانتها؛ لتنهضَ لتبليغِ رسالةِ السماء كما نهضتِ السيّدةُ زينب (عليها السلام) قبلَ وأثناءَ وبعد الثورة الحسينية. يقولُ اللهُ (تعالى): {الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ الله وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّا اللَّهَ وَكَفَىٰ بِاللَّهِ حَسِيبا}(11). ظاهر الآيةِ يدلُّ على أنّ الذين يُبلّغونَ رسالاتِ الله هم الرجالُ والــنساءُ، بدلالةِ السياقِ الخطابي للقرآن الكريم حينما يُريدُ تكليفَ الجنسين يُعبّرُ عن ذلك بصيغةِ الجمعِ كما هو واضحٌ في آيةِ {وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُون}(12)، إذ التكليف بإقامةِ الصلاة لا ينحصرُ بجنسِ الرجالِ دونَ النساء، بل صيغةُ الجمعِ تدلُّ على شمولِ كلا الجنسين بالتكليف، فكذلك أمرُ تبليغِ رسالاتِ الله (تعالى)، والظهورُ حُجّةٌ، وفي ذلك قوّةٌ للدليل على شمولِ النساءِ بتبليغِ الرسالات تلك. إذًا فمِن الخطأ حصرُ مسؤوليةِ الدعوةِ إلى الله (تعالى) وإلى دينه بالرجال دون النساء، حيثُ إنّ الإسلامَ أولى مسألةَ تحصيلِ العلمِ أهمّيّةً قصوى، حتّى أنّه عدَّه فرًضًا واجبًا على كُلِّ مسلمٍ ومسلمةٍ. وقد تعرّضتْ جُملةٌ من الآياتِ القرآنيّةِ والأحاديثِ الشريفة لبيانِ فضلِ العلمِ والعلماءِ وما لهم من الأجرِ الكبير عند الله (عزَّ وجلَّ)، وكُلُّ ذلك ترغيبًا في العلمِ والمعرفةِ ودعوةً إلى تحصيله. جاء في الحديث: "طلبُ العلمِ فريضةٌ على كُلِّ مُسلمٍ ومُسلمةٍ"(13)، وفي هذا الحديث تأكيدٌ على أنَّ طلبَ العلمِ أمرٌ لا يتمايز فيه أحدٌ عن أحدٍ، فهو واجبٌ على الرجلِ والمرأة، بل الصغير والكبير، الشاب والشيخ، الحاكم والمحكوم، ولا يختصُّ بطبقةٍ أو جنسٍ. كما وهناك أدلةٌ عامةٌ تدلُّ على مشاركةِ المرأة الرجل في الدعوة، قال تعالى: {أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِّنكُم مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ بَعْضُكُم مِّن بَعْض}(14). إذاً، اُخيّة شمِّري عن ساعدي الجدِّ، ولا تخافي في اللهِ (تعالى) لومةَ لائمٍ ببيانِ معالمِ الدّين، وإحياءِ سُننِ النبي الأمين (صلى الله عليه وآله الطاهرين)، ولا تنسي قوله (تعالى): {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَة}(15). فالآيةُ الكريمةُ تُشيرُ إلى مبتدأ تبليغِكِ وهو نفسكِ ثم أهلكِ، وهذا ما أكّدَ عليه أميرُ المؤمنين (عليه السلام): "مَنْ نَصَبَ نَفْسَهُ لِلنَّاسِ إِمَاماً فَلْيَبْدَأْ بِتَعْلِيمِ نَفْسِهِ قَبْلَ تَعْلِيمِ غَيْرِهِ، وَلْيَكُنْ تَأْدِيبُهُ بِسِيرَتِهِ قَبْلَ تَأْدِيبِهِ بِلِسَانِهِ، وَمُعَلِّمُ نَفْسِهِ وَمُؤَدِّبُهَا أَحَقُّ بِالْإِجْلاَلِ مِنْ مُعَلِّمِ النَّاسِ وَمُؤَدِّبِهِمْ"(16). فمعرفتُكِ بالله (تعالى) لذاتكِ ومجتمعكِ من المُمكنِ أنْ توظَّفَ بالقضيةِ الحُسينية؛ من خلالِ الاقتداءِ بأبرزِ شخصياتِ الطفِّ من النساء، وهي السيدةُ زينبُ (عليها السلام). _______________________ (10) تربية الفتاة في الإسلام: للشيخ مجيد الصائغ, ص200ـ207. (11) الأحزاب: 39. (12) النور: 56. (13) بحار الأنوار: ج 2، ص 32، باب 9، من كتاب العلم، ح 20. (14) آل عمران: 195. (15) التحريم: 6 (16) نهج البلاغة: ح70. والحمدُ للهِ ربِّ العالمين، وصلّى اللهُ على سيّدنا محمدٍ وآله الطاهرين..

العقائد
منذ 6 سنوات
1876

سقيمٌ وخدمتكَ تُشفيني (وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ)

بقلم: زهراء علاء إنَّ حُبّ محمدٍ وآل محمدٍ (صلوات الله عليهم أجمعين) فطرةٌ وضعها الله تعالى في قلوب مُحبيهم، وهذه الفطرة كالنبتةِ تحتاجُ إلى سَقيٍ بِماء الإيمان.. كُنتُ ألتمس هذا الشعور - شعور الحُب - الذي غُرِس في داخلي لهم، حيث كان نقي السريرة .. كُنتُ أبحثُ عنه منذ نعومة أظافري، رجوتُ الله (تعالى) أن يثبت أعمدة هذا الحبِّ وأنْ لا يحول بيني وبين الطريق المؤدي إليه، وكنتُ انتظرُ الأيام التي أرى فيها ثمره هذا الحب قد أينعت .. كانت جُلَّ أمنياتي أنْ يكون الحسين (عليه السلام) هو من يتولى زمام أمرِ هذا الحبِّ ويرشدني إلى الطريق الأمثل، فتنهيدةُ هذا الطلب أراقت دمعتي وقضَّت مضجعي. كُنتُ أحلم أنْ أخدم في حرمه الشريف، وعندما كانت تخبرني صديقتي عن أيامها التي قضتها في الخدمة الحسينية أيام زيارة الأربعين، كان الحزن يُخيّم على قلبي ويمتطي اليأس نفسي، فلقد كان أهلي يرفضون ذهابي إلى هناك خوفًا عليّ.. وهكذا ظلت روحي تعاني من هذا الأمر كُلّما اقترب موعد الخدمة إلى أنْ ساقَ الله (تعالى) في طريقي أشخاصًا يمهدون لي سُبل السير إليه.. يا لِتعاستي، فلقد مرّت هذه السنون عبثًا دون أنْ أحظى بخدمتك يا أبا عبد الله. انطلق الجميع للزيارة وبقيتُ أنا مع خَيبتي والغُصة تملأ فمي الناشف، لكن لم يهُن دمعي وانكساري على الله (تعالى)، وعرفتُ أنَّ تأخير طلبي كلَّ هذه السنين حيث هيأ ذهابي في الوقت المناسب، الوقت الذي فقدتُ فيه الأمل، وأوشك هذا الحب أنْ يتلاشى فأفقد أجرَ صبرِ كلِّ هذه السنين. (زينب...) إحدى الهبات الإلهية التي وضعها الله في طريقي، كُنت دائمًا ما أتكلم عنها أمام أهلي، حتى غُرِس حبها في قلوبهم، فكانوا يطمئنون عليّ عندما أكون معها؛ ولهذا زال خوف أهلي عندما رأوا إلحاحي وطلبي للذهاب للخدمة برفقتها، اقترب موعد الزيارة وأنا كُلي أملٌ أنْ أكون هذه السنة بين صفوف خادمات الإمام (عليه السلام). اتصلت بي زينب وهي تخبرني بأنَّها ستذهب إلى الزيارة والخدمة بنفس الوقت، عندها انشرح صدري وسال الدمع من عيني شوقًا وحبًا إلى الإمام الحسين (عليه السلام). يا الله لقد استُجيب دعائي! أوشكت نفسي من نفسي تضيع، هل حقًا تحقق حلمي؟! بعد أنْ كادَ أنْ يُحطَّم سراج الأمل في داخلي عندما فشلت جميع محاولاتي في الذهاب لخدمتك يا أبا عبد الله .. هل فعلًا قبلتني؟! هل قبلت أنْ تتكفل بهذا الحُب؟ حينها أخبرتُ أهلي، فأذنوا لي بالذهاب مع زينب .. ذهب أبي مسرعًا لإحضار سيارته ليوصلني إلى المستشفى التي تعمل بها (زينب)، وأنا في طريقي إليها شعرتُ بأنَّ روحي قد حلّقت عاليًا في السماء، وصلت إلى (زينب)، وعندما رأيتُها دعوتُ الله (تعالى) أنْ يوفقها في حياتها؛ لأنها كانت سبباً في تسهيل طريق خدمتي لأبي عبد الله (عليه السلام). انطلقنا وانطلق معنا التوفيق الإلهي في مسيرنا صوب كربلاء، وقبل أنْ نصل شعرتُ بشعورٍ غريب لا يمكن للحروف أن تصفه، طوال الطريق وأنا أحدث نفسي: ماذا أفعل عندما أراك؟ ماذا أعمل لشكرك! وعلى هذه الحال دخلنا الحرم الحسيني الشريف، دخلنا لمكان يسمى بـ(شعبة الزينبيات)، سلَّمتُ على صديقاتي وشعرتُ بالأمان التام والتسليم المطلق. وكنتُ متشوقةً جدًا للخدمة. انتهينا من الصلاة وأحضرت لي (زينب) وشاح الخدمة .. أتت اللحظة التي انتظرتها كلَّ هذه السنين، لحظة أنْ أكون بين صفوفِ الخادمين عند أبي عبد الله (عليه السلام).. كان مكان خدمتي عند الرأس الشريف، للتوِّ سكنت الروح وسكتَ أنينُها، وانفرجت أسارير قلبي .. تموّجت روحي بين الحزن والفرح؛ الفرح باللقاء والحزن على مصابه الأليم. شُغِفتُ في العمل بقربه، وقفتُ دقيقةَ صمتٍ لأستجمع شعوري، لا بل نفسي التي تاهت عند رأسه الشريف قائلةً: (يا أبا عبد الله كُنتُ أبحثُ عن الحُب فوجدتك أهلًا له، أدركتُ أنّك مُقيمٌ بين أوصالي، وغايتي في البحث عن الشيء المفقود في نفسي توقفت؛ إذ لا فقدَ بوجودك ولا وجودَ بفقدك، يا بهيَّ الطّلعة، يا غاية المُنى، فبعزتِك لا تحرمني من هذا العطاء، وأنْ تثبت لي قدمَ صدقٍ معك يوم الورود وتسهل لي طريق البحث عن الموعود). وعندما انتهى وقت خدمتي رجعتُ إلى الشعبة، استلقيتُ في فراشي، وبدأتُ أتمعن في تفاصيلِ المكان، حينها رأيت لوحةً مكتوبًا عليها على ما أتذكر: "أختي الزائرة اخفضي صوتكِ فأنتِ في أرضٍ سارت عليها السيدة زينب ورقية (لا أتذكر صيغةَ النصِ كاملًا) لكن كان نصًا مؤثرًا جدًا، بكيتُ حينها وتذكرتُ عندما كُنتُ في الثانوية وكُنتُ أذهب إلى كربلاء وأنا لم أرتدِ العباءة بعد إلا عند دخولي إلى الحرم الشريف، وعندما كنت أضحك بصوتٍ عالٍ أنا وصديقاتي).. هنا أدركتُ ماهي كربلاء وقدسيتها! غفوتُ على تنهيدةِ تلك الأيام التي ذهبت دون أنْ أدرك أهمية الأمر، حتى أيقظني صوت هتافات الزائرين بـ(لبيك يا حسين)، التي كانت تملأ الغرفة، وهيّجت الشوق.. كان الكلُّ نائمًا في الغرفة، أخذتُ وشاحي بكلِّ هدوءٍ وذهبتُ إلى الحرم، ومن ثم عملتُ في المفرزة الطبية، وتعلّمت أشياءً كثيرةً أضافت خبرةً لدراستي. حينها قالت لي إحدى الأخوات: هل تذهبين للسقاية؟ لم أكن أعرف ما هي، لكني وافقتُ وبدأتُ بتوزيع الماء إلى الزائرات المتوجهات صوبَ أبي عبد الله (عليه السلام).. يا الله، كان المنظرُ حزينًا جدًا؛ فالكلُّ متعطشٌ ومتلهفٌ لشرب الماء، ساعد الله تعالى قلبك يا حبيبي يا أبا عبدالله. شارفت الزيارة على الانتهاء، ودّعتُ سيدي بركعتي شكر وامتنان له ووعدته وعودًا كثيرةً، أهمها البحث والتعمق بمعرفة صاحب الزمان (عجل الله فرجه)، وطلبت منه أنْ يشرف بنفسه على هذا الوعد وأنْ يسهل لي طريقي إليه إذا تعسّر المسير. رجعتُ إلى المنزل أخبرت أهلي بكافةِ التفاصيل ومن شدةِ الفرح أكررُ نفس الموضوع عليهم في ذلك الحين. عندما ذهبت إلى فراشي تذكرتُ كلَّ موقفٍ وكلَّ دقيقهٍ مرّت هناك .. نمتُ من شدةِ التعب جراء السفر من كربلاء عندئذٍ رأيتُ في المنام أنّي ما زلتُ في الخدمة الحسينية، أسمع تلك الهتافات التي لم تفارق مسمعي (لبيك يا حسين ... لبيك يا حسين) وعندما أفقتُ بكيت وتألمت. تمنيت لو أنَّ عمري ينقضي بجوارك يا أبا عبد الله بقيت على هذه الحالة ثلاثة أيام أرى نفس الرؤيا حينها كان النوم صعبًا جدًا .. قررت أن أباشر بتنفيذ الوعود التي وعدتُ أبا عبد الله (عليه السلام) بها، تغيّرتُ جدًا، فأصبحت أكثر حرصًا على إيماني وأكثر شغفًا وحبًا للموعود. فيا سيدي أبا عبد الله، لاريب عندي أنّك أنت من عززت أواصر الحُب بيني وبين صاحب الزمان (عجل الله فرجه)، وجعلتني أسير على خطى أختك الحوراء في عفتها وحيائها.. أنت من جعلتني أحيى من جديد، من أضفتَ لونًا لأيامي .. عَلَيْكَ مِني سَلامُ اللهِ أبَدًا ما بقيتُ وَبَقِيَ الليْل والنهار.

اخرى
منذ 6 سنوات
1646

التعليقات

يتصدر الان

لا تعاشر نفساً شبعت بعد جوع

يستشهد الكثير من الناس ــ وحتى بعض المثقفين ــ بقول:" لا تعاشر نفساً شبعت بعد جوع فإن الخير فيها دخيل وعاشر نفساً جاعت بعد شبع فإن الخير فيها أصيل" على أنه من أقوال أمير المؤمنين علي (عليه السلام)، كما يستشهدون أيضاً بقولٍ آخر ينسبونه إليه (عليه السلام) لا يبعد عن الأول من حيث المعنى:"اطلبوا الخير من بطون شبعت ثم جاعت لأن الخير فيها باق، ولا تطلبوا الخير من بطون جاعت ثم شبعت لأن الشح فيها باق"، مُسقطين المعنى على بعض المصاديق التي لم ترُق افعالها لهم، لاسيما أولئك الذين عاثوا بالأرض فساداً من الحكام والمسؤولين الفاسدين والمتسترين عل الفساد. ونحن في الوقت الذي نستنكر فيه نشر الفساد والتستر عليه ومداهنة الفاسدين نؤكد ونشدد على ضرورة تحرّي صدق الأقوال ومطابقتها للواقع وعدم مخالفتها للعقل والشرع من جهة، وضرورة التأكد من صدورها عن أمير المؤمنين أبي الأيتام والفقراء (عليه السلام) أو غيرها من المعصومين (عليهم السلام) قبل نسبتها إليهم من جهة أخرى، لذا ارتأينا مناقشة هذا القول وما شابه معناه من حيث الدلالة أولاً، ومن حيث السند ثانياً.. فأما من حيث الدلالة فإن هذين القولين يصنفان الناس الى صنفين: صنف قد سبق له أن شبع مادياً ولم يتألم جوعاً، أو يتأوه حاجةً ومن بعد شبعه جاع وافتقر، وصنف آخر قد تقلّب ليله هماً بالدين، وتضوّر نهاره ألماً من الجوع، ثم شبع واغتنى،. كما جعل القولان الخير متأصلاً في الصنف الأول دون الثاني، وبناءً على ذلك فإن معاشرة أفراد هذا الصنف هي المعاشرة المرغوبة والمحبوبة والتي تجرّ على صاحبها الخير والسعادة والسلام، بخلاف معاشرة أفراد الصنف الثاني التي لا تُحبَّذ ولا تُطلب؛ لأنها لا تجر إلى صاحبها سوى الحزن والندم والآلام... ولو تأملنا قليلاً في معنى هذين القولين لوجدناه مغايراً لمعايير القرآن الكريم بعيداً كل البعد عن روح الشريعة الاسلامية ، وعن المنطق القويم والعقل السليم ومخالفاً أيضاً لصريح التاريخ الصحيح، بل ومخالف حتى لما نسمعه من قصص من أرض الواقع أو ما نلمسه فيه من وقائع.. فأما مناقضته للقرآن الكريم فواضحة جداً، إذ إن الله (تعالى) قد أوضح فيه وبشكلٍ جلي ملاك التفاضل بين الناس، إذ قال (عز من قائل):" يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (13)"(1) جاعلاً التقوى مِلاكاً للتفاضل، فمن كان أتقى كان أفضل، ومن البديهي أن تكون معاشرته كذلك، والعكس صحيحٌ أيضاً. وعليه فإن من سبق حاجتُه وفقرُه شبعَه وغناه يكون هو الأفضل، وبالتالي تكون معاشرته هي الأفضل كذلك فيما لو كان تقياً بخلاف من شبع وكان غنياً ، ثم افتقر وجاع فإنه لن يكون الأفضل ومعاشرته لن تكون كذلك طالما كان بعيداً عن التقوى. وأما بُعده عن روح الشريعة الإسلامية فإن الشريعة لطالما أكدت على أن الله (سبحانه وتعالى) عادلٌ لا جور في ساحته ولا ظلمَ في سجيته، وبالتالي لا يمكن أن يُعقل إطلاقاً أن يجعل البعض فقيراً ويتسبب في دخالة الخير في نفوسهم، التي يترتب عليها نفور الناس من عشرتهم، فيما يُغني سواهم ويجعل الخير متأصلاً في نفوسهم بسبب إغنائه إياهم ليس إلا ومن ثم يتسبب في كون الخير متأصلاً في نفوسهم، وبالتالي حب الناس لعشرتهم. فإن ذلك مخالف لمقتضى العدل الإلهي لأنه ليس بعاجزٍ عن تركه ولا بمُكره على فعله، ولا محب لذلك لهواً وعبثاً (تعالى عن كل ذلك علواً كبيراً). كما إن تأصل الخير في نفوس بعض الناس ودخالته في نفوس البعض الآخر منهم بناءً على أمر خارج عن إرادتهم واختيارهم كـ(الغنى والشبع أو الجوع والفقر) إنما هو أمرٌ منافٍ لمنهج الشريعة المقدسة القائم على حرية الانسان في اختياره لسبيل الخير والرشاد أو سبيل الشر والفساد، قال (تعالى):" إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا (3)"(2) بل إن الانسان أحياناً قد يكون فقيراً بسبب حب الله (تعالى) له، كما ورد في الحديث القدسي: "أن من عبادي من لا يصلحه إلا الغنى فلو أفقرته لأفسده ذلك و أن من عبادي من لا يصلحه إلا الفقر فلو أغنيته لأفسده ذلك"(3) وهل يمكن ان نتصور أن الخيرَ دخيلٌ فيمن يحبه الله (تعالى) أو إن معاشرته لا تجدي نفعا، أو تسبب الهم والألم؟! نعم، ورد عن أمير المؤمنين (عليه السلام):"اِحْذَرُوا صَوْلَةَ اَلْكَرِيمِ إِذَا جَاعَ وَ اَللَّئِيمِ إِذَا شَبِعَ"(4) ولا يقصد به الجوع والشبع المتعارف عليه لدى الناس، وإنما المراد منه: احذروا صولة الكريم إذا اُمتُهِن، واحذروا صولة اللئيم إذا أكرم، وفي هذا المعنى ورد عنه (عليه السلام) أيضاً: "احذروا سطوة الكريم إذا وضع و سورة اللئيم إذا رفع"(5) وأما العقل السليم والمنطق القويم فإنهما يقتضيان أن تتأصل صفة الخير في الإنسان لملكاتٍ حميدة يتسم بها وصفات فضيلة يتميز بها، لا أن تتأصل صفة الخير في نفسه لمجرد أنه ولد في أسرة تتمتع بالرفاهية الاقتصادية ووجد في بيئة تتنعم بالثروات المادية! وعند مراجعتنا للتاريخ الصحيح نجد أن قادة البشر وصفوة الناس إنما كان أغلبهم ينتمي الى الطبقات الفقيرة من المجتمع، فهؤلاء الأنبياء ورسل الله (صلوات الله عليهم) منهم من كان نجاراً أو خياطاً أو راعياً، ومع ذلك فقد كانوا من أطيب الناس خلقاً، وأعظمهم شرفاً، وأرفعهم منزلةً، قد تأصّل الخير في نفوسهم تأصّلاً حتى غدوا قطعة منه، فكانوا هم الخير للبشر، وهم الرحمة للعالمين. وبالنزول إلى أرض الواقع نجد أن الكثير من الفقراء والمساكين طيبي الروح، كريمي النفس، يتألمون لألم المحتاج ولربما يؤثرونه على أنفسهم رغم حاجتهم. ولا نقصد من كلامنا هذا أن الأغنياء هم على نقيض ذلك، وإنما تأكيداً على مسألة عدم ارتباط تأصل الخير في النفوس وعدمه بمستواهم الاقتصادي الذي نشأوا فيه ارتباط العلة والمعلول، فكما إن بعض الفقراء أخيار، فإن بعض الأغنياء كذلك، والعكس صحيح أيضاً. ومن هنا يُفهم من بعض الروايات ضرورة عدم طلب الخير والحاجات ممن هم أهل للخير بقطع النظر عن مستواهم المعاشي الحالي والسابق، منها ما روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام):"أشد من الموت طلب الحاجة من غير أهلها"(5)، وعنه (عليه السلام) أيضاً: "فوت الحاجة أهون من طلبها إلى غير أهلها"(6) إذن فلا صحة لهاتين المقولتين من حيث الدلالة، حتى وإن تنزلنا وحملنا الجوع والشبع على المعنى المعنوي لا المادي؛ وذلك لأنه حتى من يفتقر الى الأخلاق المعنوية فإنه ما إن يتكامل بالفضائل ويقلع عن الرذائل حتى يتسم بالخير وتحسن عشرته وتطيب للناس صحبته، والعكس صحيحٌ أيضا.. ومن البديهي أن ما لا يوافق العقل والمنطق السليم، ويخالف صريح القرآن الكريم، لا يمكن أن يصدر من وصي الرسول الكريم (صلوات الله عليهما وآلهما)، وعليه لا تصح نسبة هذين القولين الى أمير المؤمنين (عليه السلام).. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) الحجرات 13 (2) الانسان 3 (3) عوالي الآلي ج2 ص29 (4) غرر الحكم ج1 227 (5) المدر السابق ج1 ص246 (6) ميزان الحكمة ج4 ص 238 رضا الله غايتي

اخرى
منذ 8 سنوات
89460

بين طيبة القلب وحماقة السلوك...

خلق الله الأشياء كلها في الحياة ضمن موازين وقياسات... فالزيادة أو النقيصة تسبب المشاكل فيها. وهكذا حياتنا وأفعالنا وعواطفنا لا بد أن تكون ضمن موازين دقيقة، وليست خالية منها، فالزيادة والنقيصة تسبب لنا المشاكل. ومحور كلامنا عن الطيبة فما هي؟ الطيبة: هي من الصفات والأخلاق الحميدة، التي يمتاز صاحبها بنقاء الصدر والسريرة، وحُبّ الآخرين، والبعد عن إضمار الشر، أو الأحقاد والخبث، كما أنّ الطيبة تدفع الإنسان إلى أرقى معاني الإنسانية، وأكثرها شفافية؛ كالتسامح، والإخلاص، لكن رغم رُقي هذه الكلمة، إلا أنها إذا خرجت عن حدودها المعقولة ووصلت حد المبالغة فإنها ستعطي نتائج سلبية على صاحبها، كل شيء في الحياة يجب أن يكون موزوناً ومعتدلاً، بما في ذلك المحبة التي هي ناتجة عن طيبة الإنسان، وحسن خلقه، فيجب أن تتعامل مع الآخرين في حدود المعقول، وعندما تبغضهم كذلك وفق حدود المعقول، ولا يجوز المبالغة في كلا الأمرين، فهناك شعرة بين الطيبة وحماقة السلوك... هذه الشعرة هي (منطق العقل). الإنسان الذي يتحكم بعاطفته قليلاً، ويحكّم عقله فهذا ليس دليلاً على عدم طيبته... بالعكس... هذا طيب عاقل... عكس الطيب الأحمق... الذي لا يفكر بعاقبة أو نتيجة سلوكه ويندفع بشكل عاطفي أو يمنح ثقة لطرف معين غريب أو قريب... والمبررات التي يحاول إقناع نفسه بها عندما تقع المشاكل أنه صاحب قلب طيب. الطيبة لا تلغي دور العقل... إنما العكس هو الصحيح، فهي تحكيم العقل بالوقت المناسب واتخاذ القرار الحكيم الذي يدل على اتزان العقل، ومهما كان القرار ظاهراً يحمل القسوة أحياناً لكنه تترتب عليه فوائد مستقبلية حتمية... وأطيب ما يكون الإنسان عندما يدفع الضرر عن نفسه وعن الآخرين قبل أن ينفعهم. هل الطيبة تصلح في جميع الأوقات أم في أوقات محددة؟ الطيبة كأنها غطاء أثناء الشتاء يكون مرغوباً فيه، لكنه اثناء الصيف لا رغبة فيه أبداً.. لهذا يجب أن تكون الطيبة بحسب الظروف الموضوعية... فالطيبة حالة تعكس التأثر بالواقع لهذا يجب أن تكون الطيبة متغيرة حسب الظروف والأشخاص، قد يحدث أن تعمي الطيبة الزائدة صاحبها عن رؤيته لحقيقة مجرى الأمور، أو عدم رؤيته الحقيقة بأكملها، من باب حسن ظنه بالآخرين، واعتقاده أن جميع الناس مثله، لا يمتلكون إلا الصفاء والصدق والمحبة، ماي دفعهم بالمقابل إلى استغلاله، وخداعه في كثير من الأحيان، فمساعدة المحتاج الحقيقي تعتبر طيبة، لكن لو كان المدّعي للحاجة كاذباً فهو مستغل. لهذا علينا قبل أن نستخدم الطيبة أن نقدم عقولنا قبل عواطفنا، فالعاطفة تعتمد على الإحساس لكن العقل أقوى منها، لأنه ميزان يزن الأشياء رغم أن للقلب ألماً أشد من ألم العقل، فالقلب يكشف عن نفسه من خلال دقاته لكن العقل لا يكشف عن نفسه لأنه يحكم بصمت، فالطيبة يمكن أن تكون مقياساً لمعرفة الأقوى: العاطفة أو العقل، فالطيّب يكون قلبه ضعيفاً ترهقه الضربات في أي حدث، ويكون المرء حينها عاطفياً وليس طيباً، لكن صاحب العقل القوي يكون طيباً أكثر من كونه عاطفياً. هل الطيبة تؤذي صاحبها وتسبب عدم الاحترام لمشاعره؟ إن الطيبة المتوازنة المتفقة مع العقل لا تؤذي صاحبها لأن مفهوم طيبة القلب هو حب الخير للغير وعدم الإضرار بالغير، وعدم العمل ضد مصلحة الغير، ومسامحة من أخطأ بحقه بقدر معقول ومساعدة المحتاج ... وغيرها كثير. أما الثقة العمياء بالآخرين وعدم حساب نية المقابل وغيرها فهذه ليست طيبة، بل قد تكون -مع كامل الاحترام للجميع- غباءً أو حماقة وسلوكاً غير عقلاني ولا يمت للعقل بصلة. إن المشكلة تقع عند الإنسان الطيب عندما يرى أن الناس كلهم طيبون، ثم إذا واجهه موقف منهم أو لحق به أذى من ظلم أو استغلال لطيبته، تُغلق الدنيا في وجهه، فيبدأ وهو يرى الناس الطيبين قد رحلوا من مجتمعه، وأن الخير انعدم، وتحصل له أزمة نفسية أو يتعرض للأمراض، لأن الطيّب يقدم الإحسان للناس بكل ما يستطيع فعله، ويقدّم ذلك بحسن نية وبراءة منه، فهو بالتالي ينتظر منهم الرد بالشكر أو المعاملة باللطف على الأقل... صحيح أن المعروف لوجه الله، ولكن من باب: من لم يشكر المخلوق لم يشكر الخالق، لذلك يتأذى عندما يصدر فعل من الشخص الذي كان يعامله بكل طيب وصدق. هل الطيبة والصدق من علامات ضعف الشخصية؟ الكثير من الناس يصف طيب القلب بأنه ضعيف الشخصية، لأنه يتصف بعدم الانتقام ممن ظلمه، والصفح عنه عند رجوعه عن الخطأ، وأنه لا يحب إيقاع الآخرين بالمشاكل؛ لأنه مقتنع أن الله سيأخذ له حقه. والحقيقة هي أن الصدق والطيبة وحسن الظن بالآخرين ليست ضعف شخصية، بل هي من الأخلاق الراقية وهي تزيد صاحبها سمواً وجمالاً روحياً، وليس من المعيب أن يمتلك الإنسان الطيبة بل العيب في من لا يُقدّر هذه الطيبة ويعطيها حقها في التعامل بالمثل. فالمشكلة الأساسية ليست في الطيبة، إنما في استغلال الآخرين لهذه الطيبة، نتيجة لعدم عقلنة قراراتنا والاعتماد على عواطفنا بشكل كلي. فالصدق والطيبة حسب المنطق والعقل، ولها فوائد جمة للنفس ولعموم أفراد المجتمع، فهي تحصين للشخص عن المعاصي، وزيادة لصلة الإنسان بربه، وتهذيب للنفس والشعور بالراحة النفسية، فالصادق الطيب ينشر المحبة بين الناس، وهذا يعزّز التماسك الاجتماعي وتقويته من سوء الظنون والحقد، وهذا التعامل أكّدت عليه جميع الشرائع السماوية، ولو تأمّلنا تاريخ وأخلاق الأنبياء والأوصياء لوجدنا كل ما هو راقٍ من الأخلاق والتعامل بالطيبة والصدق... حنان الزيرجاوي

اخرى
منذ 7 سنوات
80423

لا تقاس العقول بالأعمار!

(لا تقاس العقول بالأعمار، فكم من صغير عقله بارع، وكم من كبير عقله فارغ) قولٌ تناولته وسائل التواصل الاجتماعي بكل تقّبلٍ ورضا، ولعل ما زاد في تقبلها إياه هو نسبته الى أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام)، ولكننا عند الرجوع إلى الكتب الحديثية لا نجد لهذا الحديث أثراً إطلاقاً، ولا غرابة في ذلك إذ إن أمير البلاغة والبيان (سلام الله وصلواته عليه) معروفٌ ببلاغته التي أخرست البلغاء، ومشهورٌ بفصاحته التي إعترف بها حتى الأعداء، ومعلومٌ كلامه إذ إنه فوق كلام المخلوقين قاطبةً خلا الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله) ودون كلام رب السماء. وأما من حيث دلالة هذه المقولة ومدى صحتها فلابد من تقديم مقدمات؛ وذلك لأن معنى العقل في المفهوم الإسلامي يختلف عما هو عليه في الثقافات الأخرى من جهةٍ، كما ينبغي التطرق الى النصوص الدينية الواردة في هذا المجال وعرضها ولو على نحو الإيجاز للتعرف إلى مدى موافقة هذه المقولة لها من عدمها من جهةٍ أخرى. معنى العقل: العقل لغة: المنع والحبس، وهو (مصدر عقلت البعير بالعقال أعقله عقلا، والعِقال: حبل يُثنَى به يد البعير إلى ركبتيه فيشد به)(1)، (وسُمِّي العَقْلُ عَقْلاً لأَنه يَعْقِل صاحبَه عن التَّوَرُّط في المَهالِك أَي يَحْبِسه)(2)؛ لذا روي عنه (صلى الله عليه وآله): "العقل عقال من الجهل"(3). وأما اصطلاحاً: فهو حسب التصور الأرضي: عبارة عن مهارات الذهن في سلامة جهازه (الوظيفي) فحسب، في حين أن التصوّر الإسلامي يتجاوز هذا المعنى الضيّق مُضيفاً إلى تلك المهارات مهارة أخرى وهي المهارة العبادية. وعليه فإن العقل يتقوّم في التصور الاسلامي من تظافر مهارتين معاً لا غنى لأحداهما عن الأخرى وهما (المهارة العقلية) و(المهارة العبادية). ولذا روي عن الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله) أنه عندما سئل عن العقل قال :" العمل بطاعة الله وأن العمّال بطاعة الله هم العقلاء"(4)، كما روي عن الإمام الصادق(عليه السلام)أنه عندما سئل السؤال ذاته أجاب: "ما عُبد به الرحمن، واكتسب به الجنان. فسأله الراوي: فالذي كان في معاوية [أي ماهو؟] فقال(عليه السلام): تلك النكراء، تلك الشيطنة، وهي شبيهة بالعقل وليست بالعقل"(5) والعقل عقلان: عقل الطبع وعقل التجربة، فأما الأول أو ما يسمى بـ(الوجدان الأخلاقي) فهو مبدأ الادراك، وهو إن نَما وتطور سنح للإنسان فرصة الاستفادة من سائر المعارف التي يختزنها عن طريق الدراسة والتجربة وبالتالي يحقق الحياة الإنسانية الطيبة التي يصبو اليها، وأما إن وهن واندثر لإتباع صاحبه الأهواء النفسية والوساوس الشيطانية، فعندئذٍ لا ينتفع الانسان بعقل التجربة مهما زادت معلوماته وتضخمت بياناته، وبالتالي يُحرم من توفيق الوصول إلى الحياة المنشودة. وعقل التجربة هو ما يمكن للإنسان اكتساب العلوم والمعارف من خلاله، وما أروع تشبيه أمير البلغاء (عليه السلام) العلاقة التي تربط العقلين معاً إذ قال فيما نسب إليه: رأيت العقل عقلين فمطبوع ومسموع ولا ينفع مسموع إذ لم يك مطبــوع كما لا تنفع الشمس وضوء العين ممنوع(6) فقد شبّه (سلام الله عليه) عقل الطبع بالعين وعقل التجربة بالشمس، ومما لاشك فيه لكي تتحقق الرؤية لابد من أمرين: سلامة العين ووجود نور الشمس، وكما إن الثاني لا ينفع إن لم يتوفر الأول فكذلك عقل التجربة لا ينفع عند غياب عقل الطبع فضلاً عن موته. وبما إن عقل الطبع قد ينمو ويزدهر فينفع صاحبه من عقل التجربة، وقد يموت ويندثر عند الاستسلام لإضلال شبهةٍ أوبسبب إرتكاب معصية، فإنه ومن باب أولى أن يتعرض الى الزيادة والنقصان كما سيأتي... وقد ورد في النصوص الدينية أن للعقل زمناً ينمو فيه ويكتمل، فعن إمامنا أبي عبدالله (عليه السلام) قال: قال أمير المؤمنين (صلوات الله عليه):"يثغر الصبي لسبع، ويؤمر بالصلاة لتسع، ويفرق بينهم في المضاجع لعشر، ويحتلم لأربع عشرة، وينتهى طوله لإحدى وعشرين سنة، وينتهي عقله لثمان وعشرين إلا التجارب"(7)، وعن أمير المؤمنين (عليه السلام): "يربى الصبي سبعاً ويؤدب سبعاً، ويستخدم سبعاً، ومنتهى طوله في ثلاث وعشرين سنة، وعقله في خمس وثلاثين [سنة] وما كان بعد ذلك فبالتجارب"(8). إذن يتوقف النمو الطبيعي لعقل الانسان عند سن الثامنة والعشرين أو الخامسة والثلاثين كما ورد في الروايتين، وأية زيادة أخرى في طاقته بعد ذلك إنما تأتي عن طريق التجارب، وقد يُتوهم بأن ثمة تعارضاً ما بين الروايتين المتقدمتين في شأن تحديد سن النمو العقلي، إلا إنه لا تعارض ينهما إذا حملنا اختلافهما فيه على اختلاف الاشخاص وتباين استعدادات وقابليات كل منهم. وعلى الرغم من توقف نمو عقل الإنسان إلا إن له أنْ يزيده بالتجارب ومواصلة التعلم ــ كما تقدم في الروايات ــ وسواء أثبت العلم هذه الحقيقة الروائية أم لا، فنحن نريد الإشارة إلى ضرورة استمرار التجربة والتعلم لزيادة نمو العقل وهذا المقدار لا خلاف فيه وعلى الرغم من إن لعمر الانسان مدخلية في زيادة عقله كما تقدم وكما روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام): "يزيد عقل الرجل بعد الاربعين إلى خمسين وستين، ثم ينقص عقله بعد ذلك"(9)، إلا إن ذلك ليس على نحو العلة التامة، إذ يمكن للعقل أن يبقى شاباً وقوياً وإن شاب الإنسان وضعف جسمه، وتقدم في السن ووهن عظمه، فالعاقل لا يشيب عقله ولا تنتقص الشيخوخة من قوته بل وقد يزداد طاقةً وحيويةً لذا ورد عن أمير المؤمنين (عليه السلام):"رأي الشيخ أحب الي من جَلَد الغلام"(10)، وفي أخرى ".....من حيلة الشباب "(11) وأما من لم يوفر أسباب صقل عقله في مرحلة الشباب فإنه بلا شك يضمحل عقله في مرحلة الشيخوخة. وليس تقدم العمر هو العامل الوحيد في نقصان العقل بل إن النصوص الشرعية أشارت الى عوامل عديدة اخرى أهمها: أولاً: التعلم: فقد روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام): "من لم يصبر على ذل التعلم ساعة بقي في ذل الجهل أبداً"(13). ثانياً: التوبة: وعنه (عليه السلام) ايضاً:"من لم يرتدع يجهل"(14) ثالثاً: التقوى: فقد كتب إمامنا الباقر (عليه السلام) إلى سعد الخير: "بسم الله الرحمن الرحيم أما بعد فإني اوصيك بتقوى الله فإن فيها السلامة من التلف والغنيمة في المنقلب إن الله (عزوجل) يقي بالتقوى عن العبد ما عزب عنه عقله ويجلي بالتقوى عنه عماه وجهله"(15) إذن التوبة هي سبب للتوفيق الإلهي الذي يؤدي فيما يؤدي إليه من إكمال العقل. رابعاً: الوقوف عند الشبهة: وقال (عليه السلام ): "لا ورع كالوقوف عند الشبهة"(16). فإن الوقوف عند الشبهات سبب من أسباب التوفيق الإلهي بلا شك. خامساً: الاعتراف بالجهل: كما روي عن الإمام علي (عليه السلام): "غاية العقل الاعتراف بالجهل"(17) إذ الاعتراف بالجهل يدفع الإنسان دوماً إلى مزيد من بذل الجهد واكتساب المعارف. مما تقدم تتضح جلياً صحة هذه المقولة دلالةً، إذ إن العقول فعلاً لا تقاس بالأعمار لأن كلٍاً من زيادتها ونقيصتها منوطٌ بالعديد من العوامل الأخرى والتي تقدم ذكرها، بيد إن ذلك لا يبرر التساهل في نشرها والتهاون في الاستشهاد بها على إنها من أقوال أمير المؤمنين (صلوات الله وسلامه عليه) لعدم ثبوت ذلك سنداً من جهة ولضعف بلاغتها وركاكة تركيبها بالنسبة إلى سيد البلغاء والبلاغة. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) تهذيب اللغة ج1 ص65 (2) لسان العرب ج11 ص458 (3) نهاية الحكمة ص305 (4) ميزان الحكمة ج3 ص333 (5) أصول الكافي ج1، ح3 / 11 (6) نهج السعادة ج9 ص163 (7) الكافي ج7 ص94 (8) الفقيه ج3 ص493 (9) الاختصاص ص245 (10) نهج البلاغة حكمة 86 (11) بحار الأنوار ج72 ص105 (12) المصدر السابق ج1 ص94 (13) غرر الحكم ودرر الكلم ج1 ص118 (14) الكافي ج8 ص73 (15) وسائل الشيعة ج1 ص162 (16) غرر الحكم ودرر الكلم ج1 ص1 بقلم الكاتبة: رضا الله غايتي

اخرى
منذ 8 سنوات
61771

المرأة في فكر الإمام علي (عليه السلام)

بقلم: أم نور الهدى كان لأمير المؤمنين (عليه السلام) اهتمام خاص بالمرأة، فنراه تارة ينظر إليها كآية من آيات الخلق الإلهي، وتجلٍ من تجليات الخالق (عز وجل) فيقول: (عقول النساء في جمالهن وجمال الرجال في عقولهم). وتارة ينظر إلى كل ما موجود هو آية ومظهر من مظاهر النساء فيقول: (لا تملك المرأة من أمرها ما جاوز نفسها فإن المرأة ريحانة وليس قهرمانة). أي إن المرأة ريحانة وزهرة تعطر المجتمع بعطر الرياحين والزهور. ولقد وردت كلمة الريحان في قوله تعالى: (فأمّا إن كان من المقربين فروح وريحان وجنة النعيم) والريحان هنا كل نبات طيب الريح مفردته ريحانة، فروح وريحان تعني الرحمة. فالإمام هنا وصف المرأة بأروع الأوصاف حين جعلها ريحانة بكل ما تشتمل عليه كلمة الريحان من الصفات فهي جميلة وعطرة وطيبة، أما القهرمان فهو الذي يُكلّف بأمور الخدمة والاشتغال، وبما إن الإسلام لم يكلف المرأة بأمور الخدمة والاشتغال في البيت، فما يريده الإمام هو إعفاء النساء من المشقة وعدم الزامهن بتحمل المسؤوليات فوق قدرتهن لأن ما عليهن من واجبات تكوين الأسرة وتربية الجيل يستغرق جهدهن ووقتهن، لذا ليس من حق الرجل إجبار زوجته للقيام بأعمال خارجة عن نطاق واجباتها. فالفرق الجوهري بين اعتبار المرأة ريحانة وبين اعتبارها قهرمانة هو أن الريحانة تكون، محفوظة، مصانة، تعامل برقة وتخاطب برقة، لها منزلتها وحضورها. فلا يمكن للزوج التفريط بها. أما القهرمانة فهي المرأة التي تقوم بالخدمة في المنزل وتدير شؤونه دون أن يكون لها من الزوج تلك المكانة العاطفية والاحترام والرعاية لها. علماً أن خدمتها في بيت الزوجية مما ندب إليه الشره الحنيف واعتبره جهادًا لها أثابها عليه الشيء الكثير جدًا مما ذكرته النصوص الشريفة. فمعاملة الزوج لزوجته يجب أن تكون نابعة من اعتبارها ريحانة وليس من اعتبارها خادمة تقوم بأعمال المنزل لأن المرأة خلقت للرقة والحنان. وعلى الرغم من أن المرأة مظهر من مظاهر الجمال الإلهي فإنها تستطيع كالرجل أن تنال جميع الكمالات الأخرى، وهذا لا يعني أنها لا بد أن تخوض جميع ميادين الحياة كالحرب، والأعمال الشاقة، بل أن الله تعالى جعلها مكملة للرجل، أي الرجل والمرأة أحدهما مكمل للآخر. وأخيرًا إن كلام الإمام علي (عليه السلام) كان تكريمًا للمرأة ووضعها المكانة التي وضعها الله تعالى بها، حيث لم يحملها مشقة الخدمة والعمل في المنزل واعتبر أجر ما تقوم به من اعمال في رعاية بيتها كأجر الجهاد في سبيل الله.

اخرى
منذ 7 سنوات
52482

الطلاق ليس نهاية المطاف

رحلةٌ مثقلة بالألم في طريق يئن من وطأة الظلم! ينهي حياة زوجية فشلت في الوصول إلى شاطئ الأمان. ويبدد طموحات أطفال في العيش في هدوء نفسي واجتماعي تحت رعاية أبوين تجمعهم المودة والرحمة والحب. الطلاق شرعاً: هو حل رابطة الزواج لاستحالة المعاشرة بالمعروف بين الطرفين. قال تعالى: [ لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (226) وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (227)].(١). الطلاق لغوياً: من فعل طَلَق ويُقال طُلقت الزوجة "أي خرجت من عصمة الزوج وتـحررت"، يحدث الطلاق بسبب سوء تفاهم أو مشاكل متراكمة أو غياب الانسجام والحب. المرأة المطلقة ليست إنسانة فيها نقص أو خلل أخلاقي أو نفسي، بالتأكيد إنها خاضت حروباً وصرعات نفسية لا يعلم بها أحد، من أجل الحفاظ على حياتها الزوجية، ولكن لأنها طبقت شريعة الله وقررت مصير حياتها ورأت أن أساس الـحياة الزوجيـة القائم على المودة والرحـمة لا وجود له بينهما. فأصبحت موضع اتهام ومذنبة بنظر المجتمع، لذلك أصبح المـجتمع يُحكم أهواءه بدلاً من الإسلام. ترى، كم من امرأة في مجتمعنا تعاني جرّاء الحكم المطلق ذاته على أخلاقها ودينها، لا لسبب إنما لأنها قررت أن تعيش، وكم من فتاة أُجبرت قسراً على أن تتزوج من رجل لا يناسب تطلعاتها، لأن الكثير منهن يشعرن بالنقص وعدم الثقة بسبب نظرة المجتمع، وتقع المرأة المطلّقة أسيرة هذه الحالة بسبب رؤية المجتمع السلبيّة لها. وقد تلاحق بسيل من الاتهامات وتطارد بجملة من الافتراءات. وتعاني المطلقة غالباً من معاملة من حولها، وأقرب الناس لها، بالرغم من أن الطلاق هو الدواء المر الذي قد تلجأ إليه المرأة أحياناً للخلاص من الظلم الذي أصبح يؤرق حياتها الزوجية، ويهدد مستقبلها النفسي، والله تعالى لم يشرع أمراً لخلقه إلا إذا كان فيه خير عظيم لهم، والطلاق ما شرّع إلا ليكون دواء فيه شفاء وإن كان مرّاً، وإن كان أمره صعباً على النفوس، حيث قال عز وجل: "وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ وَكَانَ اللَّهُ وَاسِعًا حَكِيمًا"، روي عن الرسول الأعظم (صلى الله عليه واله وسلم) ((أبغض الحلال إلى الله الطلاق) (٢). ورغم أن الشريعة الإسلامية أباحت الطلاق بشروط تلاءم لبناء المجتمع، وأولت أهمية في الإحسان دائمًا للطرف الأضعف والأكثر خسارة في هذه المعادلة وهي "المرأة"، إلا أن المجتمع الذي يدّعي الإسلام لا يرحمها، ويحكم عليها بالإدانة طوال حياتها دون النظر في صحة موقفها في الطلاق من عدمه! قال( تعالى ): [الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ] (٣). ولكن بعد كل هذا فالحياة لم ولن تتوقف بعد الطلاق! الطلاق ليس نهاية الحياة. - أخيتي. ليكن الطلاق بداية جديدة لحياة جديدة وللانطلاق. -قطار العطاء لن يتعطل. فإن كنت السبب في الطلاق فالحمد لله على كل حال وتلك أمة قد خلت وأيام ذهبت وانجلت فلست بالمعصومة من الخطأ. وعليك استدراك الأخطاء وتقوية مواطن الضعف في شخصيتك، واجعليها درساً مفيداً في الحياة لتطوير نفسك وتقويتها. وإذا كنتِ مظلومة فهناك جبار يُحصي الصغير والكبير وسيأتي يوم ينتصر لك فيه. -ومن الجميل أن تعطي نفسك الإحساس بالحب والاحترام، ولا تتأثري بأي نظرة سلبية من المجتمع وكون البعض يتعامل مع المطلقة على أنها حالة خاصة فعليكِ إثبات ذاتك حتى تفرضي على الكل شخصيتك. - نظرتك لنفسك اجعليها نظرة ايجابية مشرقة ولا تنزلقي في مستنقع نبذ الذات وظلم النفس. - ابحثي عن الصفات الجيدة فيك فإن ذلك سيشعرك بالثقة في ذاتك والتقدير لها. -حاولي مراجعة نفسك للخروج بإيجابيات حصلت لك من طلاقك. - خالطي الآخرين وإياك والعزلة بسبب وضعك الجديد فلست بأول من يبتلى بالطلاق. -استمتعي بالموجود ولا تتعلقي بالمفقود، حلقي بروح تعبق أملاً وتفاؤلاً، استمتعي بما وهبك الله من نعم (صحة وأولاد وأهل وصديقات وعمل وهوايات وغيرها من الأمور الجميلة) فما حصل لك حصل… ولابد أن تتقبليه برضا، وأعلمي أن ما أصابك لم يكن ليخطأك وما أخطأك لم يكن ليصيبك. وقال أصدق من قال: ( وعسى أن تكرهوا شيئاً وهو خير لكم). فالرضا سر السعادة الحقيقي. - اقتربي من صديقاتك الصالحات، واقضي معهن وقتاً طيباً تنسين به ألمك وحزنك. - احرصي على الصلوات وقراءة القرآن الكريم والذكر والاستغفار وأكثري من الطاعات قدر ما تستطيعين، ففيها السلوى والفرح والسعادة. ونعم سعادة القرب من الرحمن. - اشغلي نفسك بأعمال البر والإحسان بمساعدة محتاج. بكفالة يتيم. بتعلم الفقه والقرآن وتعليمه. - اجتهدي في عمل برنامج يومي لك يكون ممتلأ بكل ما هو مفيد لك. من قراءة وزيارة الأصدقاء وصلة الرحم. بحيث لا تكون هناك دقيقة أنت فارغة فيها. - وأسرعي بقاربك الجميل بمجذافين من إيمان بالله وثقة بالنفس وسوف تصلين بإذن الله نحو جزيرة السعادة والنجاح. لكي تتسلق جبال الإنجاز، وتصل لأعلى مراتب الاعجاز. وعندها جزماً سيكون للحياة معنى آخر. --------------------------------- (١)-سورة البقرة الآية (٢٢٦-٢٢٧). (٢)-الكافي (٢)-سورة البقرة الآية (٢٢٨) حنان ستار الزيرجاوي

اخرى
منذ 8 سنوات
49193

هَوَّنَ عَلَيَّ مَا نَزَلَ بِي أَنَّهُ بِعَيْنِ اللهِ

عاشوراء مدرسة أعطت وتعطي الكثير الكثير كل يوم للمتأمل فيما ورد عنها من كلمات وفيما وثق فيها من مواقف... ولعل من أهم الدروس التي ترسخها عاشوراء في الأذهان بعد ضرورة مواجهة الباطل والدفاع عن الحق مهما كلفت من تضحيات جسام هو: الصبر على البلاء بل والرضا به .. كيف لا، وقد ورد عن سيّد الشهداء (عليه السلام) في اللحظات الأخيرة من حياته حينما كان يتمرّغ في الدم والتراب: «رضاً بقضائك وتسليماً لأمرك لا معبود سواك»(1). وكذلك فيما جاء في خطبته عند خروجه من مكّة إلى المدينة: «رضا اللَّه رضانا أهل البيت»(2) . فما سر هذا الرضا رغم شدة الابتلاءات وقساوة المحن التي مر بها سيد الشهداء (عليه السلام) ؟ مما لا شك فيه أن يقين الامام الحسين (عليه السلام) هو الذي رفعه إلى مقام الرضا رغم ما جرى عليه في واقعة كربلاء، إلا أنه ومع هذا فقد أرشد المؤمنين إلى مفاتيح الصبر والرضا، ولعل من أهمها ما وَرَدَ عنه (عليه السلام) أَنَّهُ قَالَ بعد أن تفاقم الخطب أمامه في كربلاء، واستشهد أصحابه وأهل بيته: «هَوَّنَ عَلَيَّ مَا نَزَلَ بِي أَنَّهُ بِعَيْنِ اللهِ»(1). فهنا يلفت الامام الحسين (عليه السلام) نظر المؤمنين الى حقيقة مهمة وهي: أن الله سبحانه يعلم بكل مجريات الأُمور، وهو مطلع على كل معاناة المبتلى وما يكابده من ألم دونما اعتراض منه على قضائه هو في حد ذاته حافز للمبتلى للصبر والرضا.. ولتقريب المعنى نقول: إن المتسابقين في ساحة اللعب مثلا يشعرون بالارتياح حينما يعلمون أن أبويهم وأصدقاءهم ينظرون اليهم فيندفعون بقوّة أكبر في تحمل الصعاب لتحقيق الفوز. فإذا كان تأثير وجود الأبوين والأصدقاء كذلك، فما بالك بتأثير استشعار رؤية الله لما يجري على الانسان وهو يصارع الألم ويواجه المحن؟! ما أعظم القوّة التي يمنحها هذا الاستشعار لتحمل الامتحانات العسيرة والمصائب الخطيرة .. ولذا فقد جاء النداء الالهي لتثبيت قلب النبي نوح (عليه السلام) حين واجه أعظم المصائب والضغوط من قومه وهو يصنع الفلك، حيث قال (تعالى) : (وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا)(2). فكان لعبارة «بِأَعْيُنِنَا» وقع عظيم في نفسه (عليه السلام) فصبر وواصل عمله الى نهايته دونما أن يلتفت الى تقريع الأعداء أو يهتم باستهزائهم. ــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) موسوعة الامام علي بن أبي طالب (عليه السلام) ج8 ص42 (2) المصدر السابق (3) بحار الأنوار، ج 45، ص 46 (4) هود 37 رضا الله غايتي

اخرى
منذ 8 سنوات
46621