تشغيل الوضع الليلي

زجـاجٌ مُــنكسر

منذ 6 سنوات عدد المشاهدات : 16125

بقلم: علوية الحسيـني
عنوانٌ يستوقف القارئ ليعلم ما وراءه من سطور مبيّنة لمغزى المقال، ويتضح له المعنى المراد من ذلك هل هو المعنى الحقيقي أم المجازي.
وعليه، أقول: جرى بعض الكتّاب على استعمال الألفاظ في معناها غير الحقيقي كنايةً؛ ليكون أبلغ في النفوس، وأرسخ في الأذهان، وعلى نهجهم أصغرهم تسير، لأبين ما بدا يُتساءل في الضمير.
الزجاج المنكسر اليوم هو لجوء بعض الامهات إلى الأعمال الشيطانية من سحرٍ وشعوذةٍ، وتسليط تلك الأعمال على زوجة الابن، لدواعٍ عديدة تُذكر في محلها، وما ذلك إلا خلاصة استقراءٍ ناقص بين بعض النسوة وبيوتاتهن، وبناءً على طلب العديد منهنّ بأن أكتب حول هذه الظاهرة غير الشرعية، وغير الأخلاقية.
وفي قبال ذلك لجوء زوجة الابن إلى تلك الأعمال الشيطانية لعقد لسان زوجها، وتوثيق المحبة بينها وبين زوجها، أو عقد لسان ام زوجها عنها؛ تجنباً للمشاكل.
فمن نافذةٍ زجاجها منكسر ينظر الزوج إلى الموضوع، فيتخير بين تأييد الأم على الباطل وبين ترك طاعتها والبر بها، كما يتخير بين هجر الزوجة وبين الإحسان والمعروف إليها!
مجتمعنا اليوم لا يخلو من هذه المشكلات العويصة التي هدمت أسرًا بكاملها، مع اقرار الأم أو الزوجة بذلك، وعلانية ممارستها لتلك الأعمال، أو ترددها على أهل السحر والشعوذة.
بل الأدهى من ذلك قد تعلّق الأم رضاها عن أبنها على مساندتها وعدم الاعتراض بما تقوم به من أعمال شعوذةٍ، وطلب الشهادة زورًا على زوجة ابنها، وأعمال اخرى من هذا القبيل، والعياذ بالله!
ونظيره تخلف الزوجة عن القيام بواجباتها الشرعية تجاه زوجها مالم يطرد امه من بيته، أو تهديده بعمل طلاسم وشعوذات ضد أمه!
فمن الأمهات مَن تبالغ في مشاحناتها مع زوجة ابنها، ومِن زوجات الأبناء مَن تتهم أم زوجها بذلك، فيصدقها الزوج، فتتفاقم المشاكل، وآخر ما يؤول إليه المصير هو عقوق الوالدة، أو هجران أو طلاق الزوجة، فما كان السِحر يومًا ما حلاً ومنفذًا للمشاحنات.
ولأجل الوقوف على هذا الموضوع، و إصلاح ذلك الزجاج المنكسر لابد من تسليط الضوء على نقاط ثلاث:
1- شرعية السحر
2- أسباب المشاحنات بين الام وزوجة الابن
3- علاج المشاحنات
■النقطة الاولى: شرعية السحر
●مناقشة الموضوع قرآنيًّا:
إنّ الله تعالى في كتابه الكريم وصفَ السحر ببئسَ العمل، حينما تطرّق لقصة هاروت وماروت بقوله تعالى:{وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَىٰ مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَٰكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّىٰ يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ ۚ وَمَا هُم بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنفَعُهُمْ وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنفُسَهُمْ ۚ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ} (١).
● الموضوع روائيًّا:
بعض الروايات تطرقت إلى تكرار فعل السحر، واخرى إلى تعلّم القليل منه، واخرى إلى بيان الغرض منه، فرويَ عن رسول الله صلى الله عليه واله: "ثلاثة لا يدخلون الجنة: مدمن الخمر ، ومدمن سحر ، وقاطع رحم" (٢).
وعن أمير المؤمنين عليه السلام: "من تعلّم شيئاً من السحر قليلاً أو كثيراً فقد كـفر، وكان آخر عهده بربه، وحدّهُ أن يقتل إلاّ أن يتوب" (٣).
وعن أمير المؤمنين عليه السلام أنّه قال: "الساحر كالكافر في النار" (٤).
وروي عنه أيضاً: "أقبلت امرأة إلى رسول الله (صلى الله عليه واله) فقالت: إن لي زوجاً وبه غلظة عليَّ وإنّي صنعت شيئاً لأعطفه عليَّ؟
فقال لها رسول الله (صلى الله عليه واله): أفٍ لك كدرّتِ البحار، وكدرّتِ الطين ولعنتْك الملائكة الأخيار، وملائكة السماء والأرض" (٥).
● الموضوع فقهيًّا:
لا أحد من الفقهاء يفتي بجواز العمل بالسحر والإضرار بالآخرين، ومن يراجع الرسائل العمليّة لمراجعنا الكرام سيجد ذلك.
فالمرجع الأعلى السيّد السيستاني (دام ظله) يقول: بأنّ "عمل السحر و تعليمه و تعلّمه و التكسب به حرام مطلقا و إن كان لدفع السحر على الأحوط ، نعم يجوز بل يجب إذا توقفت عليه مصلحة أهم كحفظ النفس المحترمة المسحورة ، و المراد بالسحر ما يوجب الوقوع في الوهم بالغلبة على البصر أو السمع أو غيرهما ، و في كون تسخير الجن أو الملائكة أو الإنسان من السحر إشكال ، و الأظهر تحريم ما كان مضرا بمن يحرم الإضرار به دون غيره"(٦).
■النقطة الثانية: أسباب المشاحنات بين الام وزوجة الابن:
أ/ أسباب ترجع إلى الام، ومنها:
1- عدم الاحترام المتبادل.
2- الغيرة.
3- توهمها بأنّ زوجة الابن قد أخذت ابنها منها.
4- حب السلطنة.
5- الابتعاد عن الله عز وجل.
6- الانقياد الأعمى التام لأفكار الشيطان وتسويلاته.
7- سوء تدبير إدارة المنزل.
ب/ أسباب تعود إلى زوجة الابن، ومنها:
1- عدم احترام الكبير وتوقيره.
2-عدم التربية الدينية الصحيحة.
3- الغرور والتكبر والشعور بالأفضلية.
4- سذاجة وانطماس الشخصية.
■النقطة الثالثة: علاج المشاحنات:
إنّ من وجهة نظر كل عاقل يكون العلاج الأمثل هو:
1- التآلف والتواد والنصح الدائم بدلاً من اللجوء إلى الشيطان وأتباعه.
2- إدراك كل من الأم والزوجة أنّ الأمومة والزوجية لا تعنيان ملكيتهما للزوج، فلا هذه تملكه، ولا تلك.
3-إبعاد الرجل عن الاطلاع على المشاكل الحاصلة بين امه وزوجته، ومحاولتهما حلّها بعيدًا عنه؛ تخفيفًا من كاهله، وتوقيرًا له.
4- اهداء الزوجة هدايا مناسبة لأم زوجها بين فترةٍ وفترة، ففي حديث مضمونه (تهادوا تحابوا) يدل على ذوبان المشاحنات، ونسيان المواقف الخلافية.
5- على ام الزوج إدراك أنّه لا يوجد إنسان كامل سوى محمد وآل محمد (عليهم السلام)، فلتتغاض عن سلبيات زوجة ابنها، أو تحاول معالجتها بعيدًا عن طرق الشعوذة والصراخ، وتمدح الإيجابيات وتحاول تنميتها، واختصارًا لتعاملها كأنها بنت لها، كما على زوجة الابن كذلك معاملة ام زوجها كأنها ام لها.
6- عدم افشاء المشاكل أمام الضيوف، أو الأهل، إذ ذلك يؤدي إلى الوقوع في ارتكاب الغيبة؛ بذكر عيب كل منها للأخرى في غيابها.
7- على الزوجة أن لا تؤلب زوجها على امه مهما كانت المشاكل كبيرة، وكذا على الأم ذلك؛ إذ سيكون الجميع في معرض خسران بعضهم بعضًا؛ فقد يؤدي ذلك إلى الطلاق، أو إلى العقوق، أو إلى البهتان، فضلاً عن وقوع الزوج نفسه في حرجٍ شديد إذا انحاز لإحداهن.
8- الدعوة إلى الإحسان؛ فالله تعالى يقول في كتابه الكريم: {ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيم}.
____________________
(١) البقرة: ١٠٢ .
(٢) وسائل الشيعة.
(٣) المصدر نفسه.
(٤) المصدر نفسه.
(٥) المصدر نفسه.
(٦) منهاج الصالحين: السيّد السيستاني دام ظله، ج٢، مسألة ٢٣.

والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على محمدٍ وآله الطاهرين.

اخترنا لكم

جزءٌ من اُنثى

بقلم: أمل نصير أحضر مؤيد صديقه إلى منزله بخُطى ثقيلة وخائفة، فهو مُترددٌ من إحضاره إلا أنَّ الموقف استدعاهُ إلى ذلك ...آه ...عليَّ أنْ أكون حذرًا... فقد تخرج أمّي وتُفسد الأمر كعادتها، فهي ما برحت تُفسد أشيائي الجميلة... لكنه فوجئ بوجود أخته داخل صالة استقبال الضيوف فصرخ في وجهها: هذه أنتِ؟! لماذا تجلسين هنا؟ لعنة الله على النساء فلا يأتي منكن إلا المتاعب، أخرجي بسرعة فصديقي يُريد الدخول .. خرجت أخته مُسرعةً وهي تُلملم ما سقط من يدها من كتب ..آهٍ يا ربي .. لماذا خلقتني أنثى؟ فالجميعُ في هذا البيت يجدُني عارًا، والله لو كنتُ رجلًا لقابلتُ كلَّ من يتخطى حدوده معي بالضرب والتعنيف، فالجميعُ هنا لا يعرف إلا لغة العنف ... سمعها مؤيد فقابلها بابتسامةٍ ساخرة .. ــ احلمي يا عزيزتي ولكن ليس لكِ سوى الأحلام، هذهِ هي حقيقتكن أنتن أيتها النساء الضعيفات، عاجزات .. مُخربات .. اللعنةُ عليكن جميعًا .. هيّأ المكان وأدخل صديقة في صالةِ الضيوف ثم جال في أرجاء المنزل بحثًا عن أمّه .. ــ وأخيرًا.. وجدتُكِ .. أين كنتِ يا امرأة؟ هيا هيا بسرعة أعدي العشاء، فصديقي موجود معي في غرفة الضيوف ورجاءً حاولي السيطرة على أطفالكِ؛ فهم يضعونني بمواقف محرجة أمام صديقي وأرجو أنْ لا ترفعن أصواتكن أنتِ وأختي حتى لا يسمع صديقي .. فصوتكن عورة. وخرج وهو يتمتم بداخلهِ وجودكن كله عورة ...الله يأخذكن جميعًا ... التقى بوالده وهو يدخل المنزل فما لبث حتى هرع إلى يديه يُقبلهما ــ أهلًا وسهلًا يا أبي أنرت البيت، وكالعادة لم يتكلم معه أبوه إلا أنّه رمقهُ بنظرةٍ وهو يُعطيه ما أحضر من مواد .. ــ خُذها إلى أمك وأطلب منها أنْ تُحضّر الطعام لأنني أكاد أسقط من التعب.. وما إنْ سمعت الأمُّ صوته حتى ركضت واستقبلته وأخذت من يده وشكرت الله تعالى على سلامته ودعت له أنْ يحفظه لها وهو على عادته يستمعُ إلى دعائها وكأنّه يصنعُ لها معروفًا إنْ سمح لها بذلك، فهو سيّد البيت ولها كلّ الشرف بخدمتهِ .. رجعت الأمُّ مُسرعةً إلى المطبخ وأعدّت أشهى الأطباق بسرعةٍ تكاد تكون جنونية؛ لأنّها لا تريد أنْ تقع تحت مرمى العتب واللوم من زوجها وابنها، تقريبًا أنهت كلَّ شيءٍ، فقد جهَّزت الطعام والفاكهة والحلويات وجهَّزت حتى الشاي، وهي تدعو: يا رب يعجبهم الطعام فقد تعبت في إعدادهِ .. وما إنْ قدمت لهم الطعام حتى شرعت بتنظيف البيت للمرةِ العاشرة، فالجميعُ يعتمدُ عليها وكأَنّهم يمنون عليها بوجودهم؛ لأنها امرأة! وهذا عملها .. تنظفُ ما يُخلف الجميع حتى أنَّ ابنها الصغير يكادُ ينام بحذائهِ لولا أنْ تخلعها هي من أقدامهِ ..آه .. يا رب زوِّدني بالطاقة حتى أتحمل وأعنّي يا خالقي من أجل زوجي وأولادي، فأنّهم لا يدبرون شيئًا من دوني ..يا رب لا تأخذ عمري حتى أطمئن عليهم .. يا رب اعطني الصحة حتى أتمكن من أنْ أوفر لهم ما يحتاجون ... وبينما هي تدعو وإذا بصوتِ زوجها يشقُّ طمأنينة مناجاتها ... ــ هيه .. أنتِ .. أين ذهبتِ؟ هيا هيئي لي الحمام لكي أستحم وأنام، فأنا بانتظار يوم عملٍ شاق وليس كجنابكِ تأكلُين وتنامين ... ــ حاضر حاضر .. تأمر يا زوجي العزيز .. صدقتَ والله، فنحن من دونك نموت، وأسرعت وهيأت له الحمام والمنام وكل ما يجعل المرء ينام في سلام .. وخرجت من الحجرة وكأنّها تضع رضيعها على السرير وتسير على أطراف أقدامها حتى يتمكن من النوم، وأسرعت إلى تنظيف المطبخ فالعشاء كان فخمًا والطعام كثير ولله الحمد .. ــ ها حبيبي، يا بُني هل أكل صديقك جيدًا؟ هل أعجبه الطعام؟ هل شربتم الشاي؟ هل تحتاجون لشيءٍ آخر؟ ــ رفع مؤيد صوتهُ: أمّي أكلنا والحمد لله أنا خارجٌ مع صديقي .. ــ اذهب يا ولدي، رعتك عين الرحمن .. وما لبِثتْ حتى أكملت عملها وثيابها تكادُ تقطر من البلل وأصابعها ترتعش من برودةِ الماء فهي لا يطيب لها التنظيف حتى تغسل البيت من أوله إلى آخره، وكأنه فردٌ من أفراد عائلتها ... تفقدت الجميع .. ــ حبيبي وسام هل شبعت يا نور عيني؟ متى تنام؟ أترك هذا الجهاز جانبًا فإنّه مضرٌ بعينيك هيا يا نور عيني حاول النوم ..حبيبتي ملاك حاولي النوم يا ابنتي حتى تحافظي على جمال بشرتك .. دخلت حجرتها وبدلت ملابسها وأرادت الاسترخاء قليلًا، فكلُّ عظمةٍ من عظامها تشتكي ألمًا، فهي تكاد لا تجلس من الصباح وحتى المساء، وما إن وضعت جسدها على السرير حتى سمِعت صوتَ زوجها ..كنتُ بانتظاركِ .. وواصل طلباته .. وهي تستمع ولا تستطيع أنْ تقولَ لهُ: أنا متعبةٌ مثلك .. أنت تعمل وأنا أعمل، وكما إنَّك تريد أن ترتاح أنا كذلك أتمنى أنْ أرتاح حتى أستجمِع القوة لمواجهةِ يومٍ آخر معكم، لكنها نهضت من السرير وكأن الراحة لم تُكتب لها ... وبعد ساعتين تقريبًا وبعد أن نام الزوج العزيز سمعت الباب تُغلق .. أسرعت وإذا به مؤيد ... حبيبي أهلًا بعودتك يا نور عيني .. سمعها وانصرف حتى إنَّه لم يُكلف نفسه عناء الرد على سلامها ولكنها وجدت له العذر في داخلها فقلبها الكبير يضع التفاسير لكلِّ شيء ويُبرر أخطاءهم بحقها ... ما إنّ حلَّ ألصباح حتى نهضت الأم مبكرًا لإعداد الفطور وتجهيز الأولاد للذهاب إلى المدارس، لكنَ مهمتها العظمى إن يخرج زوجها راضيًا، فكلُّ ما تريدهُ هو رضاه وهو يعلم ذلك جيدًا؛ ولذا يحاولُ ابتزازها بكلماتهِ الجارحة وكأنّه واجبٌ عليها إرضاء الجميع لأنها أم! ولابد لها من التحمل وهي تحاول أنْ تتغاضى عن إزعاجهم لها وتحاول تحقيق طلباتهم ... ــ حبيبي وسام أنت أصبحت ولدًا كبيرًا، اغتسل وكُل فطورك ... ــ لا لا اُريد ...اُريد أن أنام .. ــ مؤيد حبيبي تأخرت، انهض لتفطر وتذهب إلى الجامعة .. ــ أمي اتركيني نائمًا، وايقظيني بعد نصف ساعة.. .. ــ ملاك يا ابنتي ..تعالي كُلي فطوركِ .. ــ لا يا أمي، أنا مُتأخرة، سوف تأتي حافلة المدرسة .. ــ لماذا يا حبيبتي هذا التأخير؟ أ لم أنبهكِ في ساعةٍ مبكرة؟ ..آه .. قولي ماذا ينقصك لأُساعدُك؟ ــ أمي أريدُ حجابي الأسود الجديد، هيّا ابحثي عنه .. ــ حسنًا حسنًا يا ابنتي، خذي هذا الحجاب وهذه الأموال اجعليها تحت تصرفُك؛ لأنك لم تفطري أرجوكِ يا ابنتي أريحي قلبي وقولي إنّكِ ستشترين شيئًا تأكلينه في المدرسة... ركضت ملاك إلى الحافلة مُسرعةً وهي تقول: حسنًا حسنًا .. .. آه .. عليَ إيقاظ مؤيد .. ــ حبيبي مؤيد انهض يا نور عيني سوف تتأخر .... ــ حسنًا ها قد نهضت .. ماذا تريدين؟ لماذا تحاولين إزعاجي ..؟ ــ حبيبي عندك دوام .. لابُد أنْ تنهض .. ــ أوووه... احضري لي ملابسي وهيئي الفطور .. ــ يا ولدي فقط انهض كلُّ شيءٍ جاهز ... خرج الجميع وبقيت وحدها في المنزل وهي تنظر إلى ما خلّفه الجميع من فوضى .. حاولت مساعدة نفسها استخرجت هاتفها ورفعت صوت القرآن وكأنّها تطلب منه العون والمساعدة فقد انتهت وجبة الفطور وما ينتظرها في وجبة الغداء له قصةٌ أخرى، فعند المساء يرجع الجميع وكأن بطارياتهم تنفد بمجرد دخولِهم عتبةَ المنزل، فالجميع يتسابق في رمي أغراضه هنا وهناك، على الرغم من أنَّهم رأوا نظافة المنزل وشموا رائحتهُ العطرة وحتى إنْ حاول ضميرهم أنْ يؤنبهم للحظة يستدركون قائلين: لا، هذا واجبها نحن منهكون من الدوام والعمل، فالأب كان في محل العمل وهو يجلس أمام بضاعته يُهيئ البضاعة منذ الساعات الأولى وبعدها يجلس على كرسيهِ ينتظر رزق الله تعالى، والابن الأكبر في الجامعة وهو يتعب؛ لأنه لا يترك شبرًا واحدًا في الجامعة لا يمشي فيه لذلك يعود منهكًا، وحتى ملاك فإنَّها في مدرستها تُنهك نفسها باللعب والصعود والنزول على سلالم المدرسة، أما وسام فحدِّث ولا حرج .. فهو يحتاج إلى التدليك لكثرة اللعب.. أما الأم فهي الكائن الخارق الذي لا يجب أنْ يشتكي وحتى وإنْ اشتكى لا أحد يُصغي إليه، فأهميته في البيت مرتبطة براحة بقية أفراد الأسرة، فكلما كان عملها في إرضاء الجميع أتم فهي أمٌ بارةٌ صالحة، وأما إذا أخلت بشيءٍ فلا .. هنا تنزل الطامة الكبرى ولا يمضي يوم العائلة بسلام .. فسلامٌ سلامٌ وألف سلامٌ إلى المرابطات في ساحات وغى المنازل المجاهدات في تسيير خطة عمل البيوت والمشرفات على تجهيز المدارس والدوائر بالأشخاص لا السلع .. سلامٌ على أيديهن المعطاءة، سلامٌ على قدميهن الساعيتين، سلامٌ على قلوبهن الحنونة، سلامٌ على شكواهن والأنين، سلامٌ على تحملهن لنا على طول السنين، يا عطور النرجس والياسمين، يا هدية الله رب العالمين، يا مجهولات القدر حتى يغِبن…

اخرى
منذ 6 سنوات
2118

اتهامٌ باطلٌ!

بقلم: أم باقر الربيعي قال الإمام علي (عليه السلام) :" والله لو أعطيتُ الأقاليم السبعة بما تحت أفلاكها على أنْ أعصيَ اللهَ في نملةٍ أسلبها جُلب شعيرةٍ ما فعلت"(1). حذّر القرآن الكريم والروايات الواردة عن أهل البيت (عليهم السلام)، من ظلم الناس والتعدّي على حقوقهم وسلبها منهم، كما لو تجرأ البعض على اتهام شخصٍ ما بالباطل بلا جُرمٍ يُذكر، كاتهامه بالسرقة أو شرب الخمر أو الكذب، والحكم عليه قبل التحري ومعرفة الصواب واستبيان الأمر، وهذا ما يُقبحه العقل علاوة على الشرع. ويذهب ضحية هذا الاتهام الباطل الكثير، وقد يضيع مستقبلهم أو ينقطع رزقهم، أو ربما يصلُ الأمر إلى سفك دمائهم، كما هو الحاصل في مجتمعاتنا رغم أنّ ظلم الآخرين ظُلمات يوم القيامة، والظالم بما جنت يداه من فعل القبيح سيُظلم حتمًا طالت المدة أم قصُرت؛ لأنَّ عدالة الله (جلَّ وعلا) مبسوطةً في أرضه وسمائه وعلى جميع موجوداته، وقانونٌ إلهي جارٍ لا مفرَّ منه. روي عن عبد الأعلى مولى آل سام قال أبو عبد الله (عليه السلام) مبتدئًا: "من ظلم سلَّط اللهُ عليه من يظلمه أو على عقب عقبه، قلت: هو يظلمُ فيسلط اللهُ على عقبه أو على عقب عقبه؟ فقال: إنّ الله يقول: "وليخش الذين لو تركوا من خلفهم ذرية ضعافًا خافوا عليهم فليتقوا الله وليقولوا قولًا سديدًا"(٩) (١٠) والظلمُ قد يكون ظلمًا لمجتمعٍ بأكمله، وقد يكون لفردٍ من أفراده، والتأريخ خيرُ شاهدٍ على ظلمِ الأمراء والرؤساء المتجبرين والمتسلطين على رقاب الناس، فنذكر مثالًا على ظلم المجتمع ثم نردفه بمثال آخر على ظلم الفرد. ظلم المجتمع: لقد كان ديدن الحكام الجائرين من آل امية وبني العباس وأسلافهم التعدي على حقوق الآخرين في الدين والمعتقد، وربما إجبارهم على ترك دينهم وتغيير معتقداتهم، وعدم إحياء شعائرهم وسلب حرياتهم في إبداء آرائهم، كما حدث في زمنٍ ليس ببعيد عنّا؛ بل لا تزال صورُ الإجرامِ في مُخيلاتنا، ترتسمُ بين الحين والآخر لرجلِ دينٍ عُذِّبَ بأشدِّ أنواع التعذيب وبشتى الوسائلِ وأبشع الصور، أو لشابٍ مؤمنٍ لا جُرمَ له إلا أنّه يصلي في المسجد او يقرأ كتابًا دينيًا أو يسمع محاضرةً دينيةً تربويةً أخلاقيةً، أو لفتاةٍ محتشمةٍ في جامعتها أو محلِّ عملها، ذنبُها أنّها ترتدي الحجاب الفاطمي، فانتُهِكت حرمتها وسُلبت عفتها رغمًا عنها من قبل جلاوزة الطاغية اللعين. سنواتٌ عجافٌ مظلمةٌ طالت كلَّ إنسانٍ شريفٍ مؤمنٍ بمعتقده ومتمسكٍ بدينه غيورٍ عليه، فكان الظلم في تلك الحقبة العصيبة على أغلبِ فئات المجتمع رجالًا ونساءً صغارًا وكبارًا. قال الإمام الصادق (عليه السلام) :"إنَّ الله (تعالى) أوحى إلى نبيٍّ من الأنبياء، في مملكةِ جبارٍ من الجبابرة : أن ائتِ هذا الجبار فقل له: إنّي لم أستعملك على سفكِ الدماء، واتخاذ الأموال، وإنّما استعملتك لتكفّ عني أصوات المظلومين فأنّي لنْ أدع ظلامتهم وإنْ كانوا كفاراً"(3). اما ظلم الفرد: فقد يُظلم شخصٌ من قبل عدةِ أشخاصٍ ظلمًا وزورًا ويُتهم باطلًا بلا دليلٍ ولا برهان، كما هو واقعُ حالِ ذلك الفتى؛ الذي كان يكدحُ ويشقى لأجل توفير لقمةِ عيشٍ حلالٍ لوالدته وإخوته دون أنْ يمدَّ يده لغير الله (جلّ وعلا)، وإذا بربِّ عمله يتهمه بالسرقةِ، فألصِقت به تهمةٌ باطلةٌ من غيرِ حجةٍ ودليل، ومن دون التحري لمعرفة من هو السارقُ الحقيقي لتثبت براءته، فطُرد من محلِّ عمله ظلمًا وعدوانًا، وكان الله (تعالى) شاهدًا على ظُلامته، قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) :"يقول الله (عز وجل) اشتدَّ غضبي على من ظلمَ من لا يجدُ ناصرًا غيري"(3). فحريٌ بنا أنْ نتروى ونتريث قبل إصدار الحكم على الناس، وظلمهم وإلصاق التهم بهم من غير دليلٍ يثبتُ صحة الادعاء؛ لكيلا نكون من الظالمين ودعاتهم المستوجبين لغضب الله (تعالى) وسخطه، والمتعرضين لازدراء الناس ونفرتهم؛ لأنَّ فطرة الإنسان السوي جُبلت على حب العدل وجميع مصاديقه، ونبذ الظلم وما يندرج تحته من رذائل الأخلاق. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ 1- نهج البلاغة. 2- سورة النساء : 9. الكافي : 2/ 332 ح 13. 3- الوافي ج 3 ص 162 عن الكافي. 4- مستدرك سفينة البحار - الشيخ علي النمازي الشاهرودي - ج 7 - الصفحة 15.

اخرى
منذ 6 سنوات
8680

آراءٌ ووجهاتُ نظر الجزء الثاني: الشبابُ وسُرعةُ التأثر بالمُغريات

بقلم: دعاء الربيعي يعاني المجتمعُ من مجموعةٍ من الظواهرِ السلبيةِ المنتشرة فيه، ومن أهمِّ وأخطرِ هذه الظواهر هي سُرعةُ التأثُر بالمُغرياتِ، والانصياع للرغبات، والانسياق وراءَ الشهوات. وكُلُّ فئةٍ من فئاتِ المُجتمعِ مُعرضةٌ للتأثُّرِ بالمُغريات، لكنّ فئةَ الشبابِ تُعدُّ هي المُتأثِر الأول والأسرع بهذه الظواهر؛ وذلك لأنّ مرحلةَ الشباب تتفرّدُ عن غيرِها من المراحل، ففيها تكونُ الانطلاقةُ الحقيقةُ للفردِ، فهي مرحلةٌ دافقةٌ ومليئةٌ بالحيوية والنشاط، وهي مرحلةٌ متأججةٌ بالاندفاعية والإرادة، مليئةٌ بالطاقاتِ والطموحاتِ والتطلعاتِ. ففي مرحلةِ الشباب يكتملُ نموّ الإنسانِ جسميًا وفكريًا، وتُسمّى الفترةُ الذهبيةُ من حياةِ الإنسان؛ لأنّها مرحلةٌ واقعةٌ بين ضعفِ الطفولةِ والصبا وضعف الشيخوخة. وفي هذه المرحلة العمرية تتبلورُ وتتشكلُ ملامحُ شخصيةِ الفرد من عدّةِ نواحي: وهي الجسدية، والنفسية، والعقلية، والعاطفية؛ لتتجلى فيها الشخصيةُ الحقيقية. ولأنّ مرحلةَ الشباب تختلطُ فيها العواملُ الإيجابيةُ والسلبيةُ والمؤثرات الجيّدةُ والرديئة؛ لذا فإنَّ فئةَ الشبابِ هي الفئةُ المستهدفةُ من بينِ فئاتِ المُجتمعِ الأخرى بالدرجة الأولى، مستهدفة من قبل المُصلحين والمُفسدين؛ لما للشبابِ من أهمية، ولما لهم من سرعةِ تأثرٍ واستجابةٍ وتحوّلٍ وحماس. لذا نجدً أنّ الشبابَ هم الضحيةُ الأولى، وهم المتأثرُ الأولُ بالمغريات من حولهم بغضِّ النظرِ عمّا إذا كانت سلبيةً أو إيجابيةً يُراد بها إفسادهم أو إصلاحهم. ولأنّ شخصيةَ الشبابِ عادةً ما تكونُ سطحيةً خاليةً من التدبر والتأمل نراهم يقعون في حبالِ المُغرياتِ المُفسدة التي تودي بهم إلى الهاوية. وبما أنَّ التأثرَ بالمُغرياتِ له مردوداتٌ سلبيةٌ على الفردِ والمُجتمعِ ككل، توجّبَ علينا أنْ نسلطَ الضوءَ على هذه الموضوعة الحسّاسة والمهمة، ونبحث عن أسبابها والدوافع التي تقفُ وراءَ انتشارِ هذه الظاهرة بين فئةِ الشبابِ، ونسعى لوضعِ حلولٍ ناجعةٍ تُساعدُ على الحدِّ من التأثر السلبي. لذا توجّهنا بالسؤال إلى بعض المختصين وأصحاب الخبرة وسألناهم عن سببِ سرعةِ تأثُّرِ الفردِ الشابِ بالمغرياتِ دون غيره من الفئات الأخرى؟ وكيف يُمكنُ الحدُّ من ذلك؟ وما هي انعكاساتُ وآثارُ هذا التأثّر على حياةِ الشابِ في المستقبل؟ وكانت الإجاباتُ متنوعةً وذاتَ أبعادٍ مختلفة منها: أولًا: العالم الإلكتروني. وهو أهمُّ مسبباتِ التأثر السلبي، هذا ما أكدت عليه أ. م. د. فاطمة كريم رسن، جامعة ابن رشد/ كلية التربية / قسم اللغة العربية، حيث قالت: تتعرضُ فئةُ الشبابِ في عصرِنا الحالي إلى موجةٍ عارمةٍ من التحديات على مستوى التعاطي الفكري والأخلاقي والنفسي في ظلِّ المؤثراتِ السمعية والمرئية التي أتاحتها السوشيل ميديا (العالم الإلكتروني) دون ضابطةٍ تُحدِّدُ منافعَ هذه التقنية من مضارها والمتمثلة بمقاطع الفيديو اللا أخلاقية والمنشورات ذات الأفكار المدسوسة.. إلخ. وكلُّ هذه الأمور بلا شك سوف تهدرُ وقتَ الشابِ على الأمورِ غير النافعةِ التي لا تُسمِنُ ولا تُغني من جوع، ثم إنّ مسار تعاملِ الشبابِ بهذا المستوى وعلى هذه الشاكلة يُعرِّضه إلى إشكاليةِ هدرِ الوقتِ، والفراغِ الفكري، وخواء النفس. ويُساعدُ على ذلك قلّةُ معرفتِه وعدمُ ضبطِ سلوكِه على الأغلب، فيكون الشاب فريسةً سهلةً تطيحُ به تلك المُغريات. وهناك عدةُ مؤشراتٍ يُمكنُها أنْ تتركَ أثرًا كبيرًا في انحرافِ الشباب وهي بذاتِها تُعدُّ من موجباتِ حمايتِه وبنائه بناءً سليمًا لو اشتغلَ عليها على النحوِ الصحيح وهي: الالتزام الأخلاقي، والقرب من الله (تعالى) بالاطلاع ولو بنسبةٍ قليلةٍ على التعاليمِ الإلهية من مبدأ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ودور الوالدين، ومقدار عنايتهم بالأبناء وتحليهم بنسبةٍ وافيةٍ من المعرفةِ النفسيةِ والتربوية في طريقةِ تربيتهم، والبيئة والمحيط، وهو مؤشرٌ ليس باليسيرِ إغفاله؛ فانتشارُ المؤشراتِ السلبية لا يُمكنُ تجاوزوها لذلك هناك أثرٌ كبيرٌ للمجتمعِ في توجيهِ الشبابِ وغيرها الكثير. ولا شكَّ أنّ ضغوطاتِ الحياةِ المختلفة أيضًا تُساهمُ في خلقِ فئةٍ شبابيةٍ مهزوزةٍ من الداخل، ذات وعيٍ منقوصٍ لا يعي خطورة المرحلة التي يعيشها بكُلِّ مؤثراتِها المُتمثلةِ في قتلِ المقدرة العقلية البنائية للشباب المسلم التي تُمكِّنه من بناء مستقبله. وهنا تكمن المشكلة، وغايةُ دولِ الاستكبار من البلدان الإسلامية تحطيمُ الشبابِ معنويًا وفكريًا لصيرورة مجتمعٍ سلبي غير قادرٍ على البناء، ومن ثم يكونُ أداةً سهلةً في عجلةِ الاستكبارِ العالمي الذي غايته الكبرى هو تهديمُ وتدميرُ الدين الإسلامي من خلال ضعف بنيته الشبابية. ثانيًا: التوجيهُ الصحيحُ يُساهمُ في حلِّ مشكلةِ التأثر. هذا ما أوضحته الدكتورة كوثر حسن، جامعة كربلاء/ كلية التربية قسم العلوم الإسلامية؛ إذ أشارت إلى أنّ الشبابَ يمرُّ بمرحلةِ النضجِ الفكري والعقلي والوجداني، مما يؤدي ذلك إلى محاولةِ إشباعِ حاجاتِه النفسية والعقلية والفكرية والمهنية وغيرها؛ فنجدُ الشابَ يخضعُ أحيانًا إلى مغرياتٍ من شأنِها أنْ تُشبعَ هذه الحاجاتِ لكونه يمرُّ بفترةٍ حرجةٍ من حياتِه، فلا بُدَّ من توجيهِ طاقاتهم الخلّاقة وحماستهم التوجيه الصحيح. ويُمكنُ أنْ نحدَّ من سرعةِ تأثرِ الشباب بالمغريات من خلالِ التوجيه والتوعية الدينية وفسح المجال للشباب للتعبير عن آرائهم ومقترحاتهم واحتوائهم من خلال معرفة متطلباتهم ورغباتهم، ومحاولة الاستجابة لها ومنها: توفير فرص عمل للشباب؛ لتفريغِ الطاقاتِ الكامنة والأفكار البنّاءة، وبذلك نكونُ قد بنينا مجتمعًا صحيحًا متكاملًا وفقَ أسسٍ رصينةٍ وثابتة. ثالثًا: ضعفُ الشعور بالذات من أهمِّ عواملِ التأثر. هذا ما أشارت إليه الأستاذة الحوزوية اعتدال العجمي من دولة عمان/ جامعة المصطفى العالمية، حيث قالت: الإنسانُ عبارةٌ عن مجموعةِ عناصرٍ مادية ومعنوية، حسية وروحية، ولبنائه بناءً سليمًا لا بُدَّ من إشباعِ هذه العناصر والعناية بها؛ لذا يجبُ أنْ يُعدَّ الشبابُ بشكلٍ خاص إعدادًا سليمًا متكاملًا، روحيًا وبدنيًا وفكريًا ونفسيًا وعقليًا وعاطفيًا ووجدانيًا، كلُّ ذلك من مُنطلقاتٍ مُتعددةٍ أساسها العقائد الحقّة، حيثُ يجبُ أنْ يُربّى الشبابُ على الاعتزازِ بدينهم، والتمسك بهويتهم، ويتوجّبُ عليهم أنْ يكونوا أقوياء في أجسامهم وعقولهم وأرواحهم وأخلاقهم، وأن يكونوا مراقبين لسلوكياتهم، مغتنمين مرحلة الشباب بكُلِّ ميزاتها وخصائصها. أما موضوعةُ لهثِ الشبابِ خلفَ المُغرياتِ وانجرارهم نحوها فله عدةُ أسبابٍ منها: الاتكالية، واللامبالاة، وضعف الشعور بالذات، وعدم القدرة على تحمُّلِ المسؤوليات الجسمية؛ حيث يكونون مصدرًا للمتاعب والمشاكل، ويُشكلون عبئًا على الأسرة والمجتمع، عاجزين عن تحمُّلِ زلاتهم وتبعاتها والإدلاء برأيهم في القضايا المصيرية. بالإضافةً إلى الجهل والهمجية وسوء الأخلاق؛ بسبب الابتعاد عن الدين، وضعف الإيمان، والانعزال عن أهلِ العلمِ والصلاحِ، والانغماسِ والغرق في لُججِ الفتن والملذات والأهواء، وتدني مستوى التطلعات، والانشغال بالأماني الفارغة، كلُّ تلك الأمور تُساعدُ وتُساهمُ بشكلٍ فعّالٍ في سرعةِ تأثرِ الشبابِ بالمُغرياتِ، وتكونُ دافعًا أساسيًا لهم في الابتعاد عن الطريق الصحيح والمنهج القويم؛ فتنقلبُ كافةُ الموازين، وتتبدل أغلبُ المضامين فيصعبُ الإصلاحُ، وقد يتعذّر أو يستحيلُ؛ فمن شبَّ على شيءٍ شاب عليه. رابعًا: احتواء الشباب والشعور باحتياجاتهم. وهذا ما بيّنته الأستاذة الحوزوية عبير ياسر الزين من دولة سوريا/ حوزة بنت الهدى، حيث قالت: الشبابُ بطبيعةِ الحالِ يحتاجون إلى من يحتويهم، ويشعرُ ويتفهمُ أفعالهم التي يقومون بها؛ فمثلًا إنْ قلّدوا ظاهرةً ما فيتوجبُ علينا قبلَ أنْ نحكمَ عليهم أو نوبخهم أن نسألهم عن السبب الذي جعلهم يُقلّدون ويحاكون هذه الظاهرة أو تلك، فأحيانًا يجدُ الشابُ نفسَه أو يُحققُ ذاته أو يُثبتُ شخصيته في تقليدِ الآخر في مظهرهِ، كأن يقول: أنا أجد في نفسي حلاوةً عندما أقلِّدُ فلانًا من المشاهير، أو أحاكي تصرفاته، وهذا الشيءُ يجعلُني مقبولًا ومُحببًا بين أقراني! فهنا يتوجّبُ علينا كمُربين أنْ نوعّي الشاب، ونُبيّن له أنّ إيجاد نفسك أو إثبات ذاتك لا يكونُ بمحاكاةِ الآخرين أو تقليد الغير. جِدْ نفسك، وحقِّقْ ذاتك في أمورٍ مُحببةٍ لديك، أنت تنفردُ بها، كأن تكون صاحبَ هوايةٍ أو مهنةٍ مُشرّفةٍ تجعلُ منك إنسانًا ناجحًا يتبعك ويُقلدك الآخرون بدل أنْ تكون أنت مقلداً لهم. وهذا الأمرُ لا يتحققُ بسرعةٍ وبسهولةٍ، إذ يتوجّبُ على المُربين وأولياء الأمور أنْ لا ييأسوا من كثرةِ محاولاتِهم في إقناعِ أولادهم بأمرٍ ما، ونصحهم وتوجيههم نحو السلوك القويم. وبعد أنْ أنهينا الحديث مع المختصات اتجهنا بالسؤال إلى مجموعة من الشباب من فئة الإناث لنأخذ آرائهن حول موضوعة التأثر وكان سؤالنا: من وجهةِ نظرِك ماهي العواملُ التي تساعدُ الشباب على التأثر بالمُغريات والانجرار وراءها دون وعيٍ وإدراك؟ وماهي الرسالة التي تودين توجيهها إلى بناتِ عصرك فيما يخصُّ التأثر السلبي وصيانة النفس من الشهوات والوقوع في المحرمات؟ *هبة الموسوي، طالبة جامعية / 22عاماً قالت: برأيي قوةُ الشخصية لها الأثرُ الفعّال والكبير في ابتعادِ الشبابِ عن المُغريات؛ فالشابُ صاحبُ الشخصية القوية تكون لديه الرؤيا واضحةً ويستطيع أنْ يُميّزَ الأفكار الغريبة الدخيلة فيبتعد عنها ويكونُ بمأمنٍ من مضارِها المادية والمعنوية التي سوف تؤثرُ عليه سلبًا. ورسالتي لأخواتي هي أنْ يبتعدن عن التقليد الأعمى للغرب، وعليهن أن يميزن بين الصح والخطأ قبل أنْ يلجأن إلى التقليد. *غدير خم العارضي، طالبة في كلية الصيدلة/ جامعة الكوفة/ مرحلة ثانية، قالت: برأيي يتوجّبُ أن يكون الشابُ بالمستوى المطلوب، لكن مع الأسف نرى اليومَ أنّ أغلب الشباب ليس لديهم الوعي أو الثقافة المطلوبة فبمجرد أنْ يواجهه خطرٌ ما فإنّه سوف يقعُ فريسةً له؛ لأن ليس لديه أيّ رادعٍ ديني أو مرتكز يُمكنُه من التصدي أو مواجهة ذلك الخطر المحدق به. كذلك رفقاء السوء من وجهة نظري؛ إذ يُعدُّ صديق السوء مؤثراً قوياً وفعالاً في الشاب يجعله يحاكي تصرفاته ويفعل ما يفعلون، وكما تعرفون أنّ المرءَ على دين خليله، والإنسانُ بطبعهِ ميالٌ إلى محاكاة أقرانه وتقلديهم. ومن هنا يتوجّبُ على الشاب أو الشابة أنْ يُحسنا اختيار الصديق، ويبحثا جاهدين عن الخليل المثالي الذي يسلكُ به سبل الخير والفلاح. وأما رسالتي إلى أقراني من الشباب والشابات فهي الاعتناء بالتحصيل العلمي والسعي لتهذيبِ النفس سلوكيًا وأخلاقيًا؛ لأنّ الدراسة شيءٌ مهمٌ؛ فكُلّما كثُرت معلوماتِ الأنسان تنبّه من مواجهةِ الأمورِ المحيطة به بحكمةٍ ووعيٍ أكثر . *بنين عارف الجبوري، طالبة إعدادية/ 18 عاماً، قالت: سهولةُ الحصول على المُغريات برأيي هو عاملٌ أساسيٌ في خرابِ الشاب وتدني مستواه الأخلاقي، فاليومَ مع بالغِ الأسف نشهدُ تطورًا تكنلوجيًا لا مثيل له، وقد دخل البيوت من أوسع أبوابه، وبات موجودًا في كُلِّ غرفةٍ ولدى كل شاب، والشابُ يرى ويسمعُ ويتأثرُ بما يُعرضُ، وبالتالي يُقلدُ ويُحاكي ما يُشاهده وما يسمعه. ورسالتي للفتيات هي الابتعاد عن كُلِّ ما يُسببُ الانحلال الخُلقي والديني من برامجَ تلفزيونية ومواقعَ تواصلٍ إلى غيره من وسائل التكنلوجيا الحديثة. وختامًا، لكُلِّ ما ذُكِر على لسان الأخوات يُمكنُ القولُ: إنّ هناك عدةً من العوامل تؤثرُ في الشبابِ، وأهمها الجهل في الأحكام الشرعية الذي يُعدُّ من أخطرِ عواملِ التأثر السلبي لدى الأفراد بشكلٍ عامٍ، والشباب بشكلٍ خاص، فلو تعرف الشابُ على أحكامِ دينه لعرف ما يتوجّبُ عليه، ولميّزَ في حياتِه بين التأثر السلبي والتأثر الإيجابي؛ فكما هو معروفٌ أنّ هناك نوعين من التأثر؛ فمثلًا من يتأثرُ بشخصيةٍ غربيةٍ نتيجةً لما قدمته من علومٍ أو اختراعاتٍ وأفكارٍ علمية أفادت البشرية، فيتأثر الشابُ المسلمُ بها ويحاولُ أنْ يجتهدَ في الدراسة؛ كي يصلَ إلى ما وصلت إليه تلك الشخصية وهذا التأثر ممدوحٌ ولا بأس به، أمّا التأثر السلبي فهو ذلك الذي يؤدي بصاحبه إلى التشبه بمظهرِ وزي وتصرفاتِ الغرب التي تتعارضُ بطبيعةِ الحال مع قيمِنا وأخلاقِنا والتي غالبًا ما تكونُ مخالفةً للدين والشرع، ومغايرةً للعاداتِ والتقاليدِ السائدة. فيتوجبُ على المربين عامة وأولياء الأمور خاصة أنْ يحذِّروا الشباب من الانجرار وراء التقاليد الغربية؛ لأنّ تلك التقاليد وهذه المحاكاة هي بدايةُ النهاية، فيبدأ الشابُ بالتقليد الأعمى للمظاهر الغربية ثم ينجرُّ وراءَ الأفعال والأقوال إلى أنْ يقع فريسةً سهلةً لحبائلِ الشيطان ومكايده. ولذا تقعُ المسؤوليةُ علينا جميعًا في توعية الشباب توعيةً صالحةً؛ لأنّهم عمادُ الأمة وثورةُ الدولة وصناعُ الحضارة وبُناةُ الأوطان والأمجاد، كما أنّ رعايةَ وإعداد الشباب هي مسؤوليةٌ دينيةٌ ووطنيةٌ واجتماعيةٌ بحتة، ولا بُدّ من تظافرِ جهود جميع الجهات المسؤولة ضمن خططٍ وبرامجَ علميةٍ مدروسةٍ شاملةٍ، تشملُ الأسرة والمسجد والمدرسة والجامعة والدولة بكلِّ مؤسساتها ومرافقها المعنية بإعداد وتكوين الشباب. وتتضاعف هذه المسؤولية في هذا العصر الذي تزدادُ فيه المُغريات والعولمة والفضائيات يومًا بعد يوم، والتي باتت منتشرةً ومتاحةً للجميع، وكُلّما ازدادت شياعًا ورواجًا في المجتمع ازدادت الضرورة إلى توعيةِ شبابِنا وإرشادهم نحو الطريق الصحيح الذي يؤمّنُ لهم حياةً آمنةً مُطمئنةً بعيدةً كُلِّ البُعدِ عن مُغرياتِ الغربِ التي تؤدي بالإنسان إلى ما لا يُحمَدُ عُقباه.

اخرى
منذ 5 سنوات
1939

التعليقات

يتصدر الان

لا تعاشر نفساً شبعت بعد جوع

يستشهد الكثير من الناس ــ وحتى بعض المثقفين ــ بقول:" لا تعاشر نفساً شبعت بعد جوع فإن الخير فيها دخيل وعاشر نفساً جاعت بعد شبع فإن الخير فيها أصيل" على أنه من أقوال أمير المؤمنين علي (عليه السلام)، كما يستشهدون أيضاً بقولٍ آخر ينسبونه إليه (عليه السلام) لا يبعد عن الأول من حيث المعنى:"اطلبوا الخير من بطون شبعت ثم جاعت لأن الخير فيها باق، ولا تطلبوا الخير من بطون جاعت ثم شبعت لأن الشح فيها باق"، مُسقطين المعنى على بعض المصاديق التي لم ترُق افعالها لهم، لاسيما أولئك الذين عاثوا بالأرض فساداً من الحكام والمسؤولين الفاسدين والمتسترين عل الفساد. ونحن في الوقت الذي نستنكر فيه نشر الفساد والتستر عليه ومداهنة الفاسدين نؤكد ونشدد على ضرورة تحرّي صدق الأقوال ومطابقتها للواقع وعدم مخالفتها للعقل والشرع من جهة، وضرورة التأكد من صدورها عن أمير المؤمنين أبي الأيتام والفقراء (عليه السلام) أو غيرها من المعصومين (عليهم السلام) قبل نسبتها إليهم من جهة أخرى، لذا ارتأينا مناقشة هذا القول وما شابه معناه من حيث الدلالة أولاً، ومن حيث السند ثانياً.. فأما من حيث الدلالة فإن هذين القولين يصنفان الناس الى صنفين: صنف قد سبق له أن شبع مادياً ولم يتألم جوعاً، أو يتأوه حاجةً ومن بعد شبعه جاع وافتقر، وصنف آخر قد تقلّب ليله هماً بالدين، وتضوّر نهاره ألماً من الجوع، ثم شبع واغتنى،. كما جعل القولان الخير متأصلاً في الصنف الأول دون الثاني، وبناءً على ذلك فإن معاشرة أفراد هذا الصنف هي المعاشرة المرغوبة والمحبوبة والتي تجرّ على صاحبها الخير والسعادة والسلام، بخلاف معاشرة أفراد الصنف الثاني التي لا تُحبَّذ ولا تُطلب؛ لأنها لا تجر إلى صاحبها سوى الحزن والندم والآلام... ولو تأملنا قليلاً في معنى هذين القولين لوجدناه مغايراً لمعايير القرآن الكريم بعيداً كل البعد عن روح الشريعة الاسلامية ، وعن المنطق القويم والعقل السليم ومخالفاً أيضاً لصريح التاريخ الصحيح، بل ومخالف حتى لما نسمعه من قصص من أرض الواقع أو ما نلمسه فيه من وقائع.. فأما مناقضته للقرآن الكريم فواضحة جداً، إذ إن الله (تعالى) قد أوضح فيه وبشكلٍ جلي ملاك التفاضل بين الناس، إذ قال (عز من قائل):" يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (13)"(1) جاعلاً التقوى مِلاكاً للتفاضل، فمن كان أتقى كان أفضل، ومن البديهي أن تكون معاشرته كذلك، والعكس صحيحٌ أيضاً. وعليه فإن من سبق حاجتُه وفقرُه شبعَه وغناه يكون هو الأفضل، وبالتالي تكون معاشرته هي الأفضل كذلك فيما لو كان تقياً بخلاف من شبع وكان غنياً ، ثم افتقر وجاع فإنه لن يكون الأفضل ومعاشرته لن تكون كذلك طالما كان بعيداً عن التقوى. وأما بُعده عن روح الشريعة الإسلامية فإن الشريعة لطالما أكدت على أن الله (سبحانه وتعالى) عادلٌ لا جور في ساحته ولا ظلمَ في سجيته، وبالتالي لا يمكن أن يُعقل إطلاقاً أن يجعل البعض فقيراً ويتسبب في دخالة الخير في نفوسهم، التي يترتب عليها نفور الناس من عشرتهم، فيما يُغني سواهم ويجعل الخير متأصلاً في نفوسهم بسبب إغنائه إياهم ليس إلا ومن ثم يتسبب في كون الخير متأصلاً في نفوسهم، وبالتالي حب الناس لعشرتهم. فإن ذلك مخالف لمقتضى العدل الإلهي لأنه ليس بعاجزٍ عن تركه ولا بمُكره على فعله، ولا محب لذلك لهواً وعبثاً (تعالى عن كل ذلك علواً كبيراً). كما إن تأصل الخير في نفوس بعض الناس ودخالته في نفوس البعض الآخر منهم بناءً على أمر خارج عن إرادتهم واختيارهم كـ(الغنى والشبع أو الجوع والفقر) إنما هو أمرٌ منافٍ لمنهج الشريعة المقدسة القائم على حرية الانسان في اختياره لسبيل الخير والرشاد أو سبيل الشر والفساد، قال (تعالى):" إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا (3)"(2) بل إن الانسان أحياناً قد يكون فقيراً بسبب حب الله (تعالى) له، كما ورد في الحديث القدسي: "أن من عبادي من لا يصلحه إلا الغنى فلو أفقرته لأفسده ذلك و أن من عبادي من لا يصلحه إلا الفقر فلو أغنيته لأفسده ذلك"(3) وهل يمكن ان نتصور أن الخيرَ دخيلٌ فيمن يحبه الله (تعالى) أو إن معاشرته لا تجدي نفعا، أو تسبب الهم والألم؟! نعم، ورد عن أمير المؤمنين (عليه السلام):"اِحْذَرُوا صَوْلَةَ اَلْكَرِيمِ إِذَا جَاعَ وَ اَللَّئِيمِ إِذَا شَبِعَ"(4) ولا يقصد به الجوع والشبع المتعارف عليه لدى الناس، وإنما المراد منه: احذروا صولة الكريم إذا اُمتُهِن، واحذروا صولة اللئيم إذا أكرم، وفي هذا المعنى ورد عنه (عليه السلام) أيضاً: "احذروا سطوة الكريم إذا وضع و سورة اللئيم إذا رفع"(5) وأما العقل السليم والمنطق القويم فإنهما يقتضيان أن تتأصل صفة الخير في الإنسان لملكاتٍ حميدة يتسم بها وصفات فضيلة يتميز بها، لا أن تتأصل صفة الخير في نفسه لمجرد أنه ولد في أسرة تتمتع بالرفاهية الاقتصادية ووجد في بيئة تتنعم بالثروات المادية! وعند مراجعتنا للتاريخ الصحيح نجد أن قادة البشر وصفوة الناس إنما كان أغلبهم ينتمي الى الطبقات الفقيرة من المجتمع، فهؤلاء الأنبياء ورسل الله (صلوات الله عليهم) منهم من كان نجاراً أو خياطاً أو راعياً، ومع ذلك فقد كانوا من أطيب الناس خلقاً، وأعظمهم شرفاً، وأرفعهم منزلةً، قد تأصّل الخير في نفوسهم تأصّلاً حتى غدوا قطعة منه، فكانوا هم الخير للبشر، وهم الرحمة للعالمين. وبالنزول إلى أرض الواقع نجد أن الكثير من الفقراء والمساكين طيبي الروح، كريمي النفس، يتألمون لألم المحتاج ولربما يؤثرونه على أنفسهم رغم حاجتهم. ولا نقصد من كلامنا هذا أن الأغنياء هم على نقيض ذلك، وإنما تأكيداً على مسألة عدم ارتباط تأصل الخير في النفوس وعدمه بمستواهم الاقتصادي الذي نشأوا فيه ارتباط العلة والمعلول، فكما إن بعض الفقراء أخيار، فإن بعض الأغنياء كذلك، والعكس صحيح أيضاً. ومن هنا يُفهم من بعض الروايات ضرورة عدم طلب الخير والحاجات ممن هم أهل للخير بقطع النظر عن مستواهم المعاشي الحالي والسابق، منها ما روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام):"أشد من الموت طلب الحاجة من غير أهلها"(5)، وعنه (عليه السلام) أيضاً: "فوت الحاجة أهون من طلبها إلى غير أهلها"(6) إذن فلا صحة لهاتين المقولتين من حيث الدلالة، حتى وإن تنزلنا وحملنا الجوع والشبع على المعنى المعنوي لا المادي؛ وذلك لأنه حتى من يفتقر الى الأخلاق المعنوية فإنه ما إن يتكامل بالفضائل ويقلع عن الرذائل حتى يتسم بالخير وتحسن عشرته وتطيب للناس صحبته، والعكس صحيحٌ أيضا.. ومن البديهي أن ما لا يوافق العقل والمنطق السليم، ويخالف صريح القرآن الكريم، لا يمكن أن يصدر من وصي الرسول الكريم (صلوات الله عليهما وآلهما)، وعليه لا تصح نسبة هذين القولين الى أمير المؤمنين (عليه السلام).. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) الحجرات 13 (2) الانسان 3 (3) عوالي الآلي ج2 ص29 (4) غرر الحكم ج1 227 (5) المدر السابق ج1 ص246 (6) ميزان الحكمة ج4 ص 238 رضا الله غايتي

اخرى
منذ 8 سنوات
89460

بين طيبة القلب وحماقة السلوك...

خلق الله الأشياء كلها في الحياة ضمن موازين وقياسات... فالزيادة أو النقيصة تسبب المشاكل فيها. وهكذا حياتنا وأفعالنا وعواطفنا لا بد أن تكون ضمن موازين دقيقة، وليست خالية منها، فالزيادة والنقيصة تسبب لنا المشاكل. ومحور كلامنا عن الطيبة فما هي؟ الطيبة: هي من الصفات والأخلاق الحميدة، التي يمتاز صاحبها بنقاء الصدر والسريرة، وحُبّ الآخرين، والبعد عن إضمار الشر، أو الأحقاد والخبث، كما أنّ الطيبة تدفع الإنسان إلى أرقى معاني الإنسانية، وأكثرها شفافية؛ كالتسامح، والإخلاص، لكن رغم رُقي هذه الكلمة، إلا أنها إذا خرجت عن حدودها المعقولة ووصلت حد المبالغة فإنها ستعطي نتائج سلبية على صاحبها، كل شيء في الحياة يجب أن يكون موزوناً ومعتدلاً، بما في ذلك المحبة التي هي ناتجة عن طيبة الإنسان، وحسن خلقه، فيجب أن تتعامل مع الآخرين في حدود المعقول، وعندما تبغضهم كذلك وفق حدود المعقول، ولا يجوز المبالغة في كلا الأمرين، فهناك شعرة بين الطيبة وحماقة السلوك... هذه الشعرة هي (منطق العقل). الإنسان الذي يتحكم بعاطفته قليلاً، ويحكّم عقله فهذا ليس دليلاً على عدم طيبته... بالعكس... هذا طيب عاقل... عكس الطيب الأحمق... الذي لا يفكر بعاقبة أو نتيجة سلوكه ويندفع بشكل عاطفي أو يمنح ثقة لطرف معين غريب أو قريب... والمبررات التي يحاول إقناع نفسه بها عندما تقع المشاكل أنه صاحب قلب طيب. الطيبة لا تلغي دور العقل... إنما العكس هو الصحيح، فهي تحكيم العقل بالوقت المناسب واتخاذ القرار الحكيم الذي يدل على اتزان العقل، ومهما كان القرار ظاهراً يحمل القسوة أحياناً لكنه تترتب عليه فوائد مستقبلية حتمية... وأطيب ما يكون الإنسان عندما يدفع الضرر عن نفسه وعن الآخرين قبل أن ينفعهم. هل الطيبة تصلح في جميع الأوقات أم في أوقات محددة؟ الطيبة كأنها غطاء أثناء الشتاء يكون مرغوباً فيه، لكنه اثناء الصيف لا رغبة فيه أبداً.. لهذا يجب أن تكون الطيبة بحسب الظروف الموضوعية... فالطيبة حالة تعكس التأثر بالواقع لهذا يجب أن تكون الطيبة متغيرة حسب الظروف والأشخاص، قد يحدث أن تعمي الطيبة الزائدة صاحبها عن رؤيته لحقيقة مجرى الأمور، أو عدم رؤيته الحقيقة بأكملها، من باب حسن ظنه بالآخرين، واعتقاده أن جميع الناس مثله، لا يمتلكون إلا الصفاء والصدق والمحبة، ماي دفعهم بالمقابل إلى استغلاله، وخداعه في كثير من الأحيان، فمساعدة المحتاج الحقيقي تعتبر طيبة، لكن لو كان المدّعي للحاجة كاذباً فهو مستغل. لهذا علينا قبل أن نستخدم الطيبة أن نقدم عقولنا قبل عواطفنا، فالعاطفة تعتمد على الإحساس لكن العقل أقوى منها، لأنه ميزان يزن الأشياء رغم أن للقلب ألماً أشد من ألم العقل، فالقلب يكشف عن نفسه من خلال دقاته لكن العقل لا يكشف عن نفسه لأنه يحكم بصمت، فالطيبة يمكن أن تكون مقياساً لمعرفة الأقوى: العاطفة أو العقل، فالطيّب يكون قلبه ضعيفاً ترهقه الضربات في أي حدث، ويكون المرء حينها عاطفياً وليس طيباً، لكن صاحب العقل القوي يكون طيباً أكثر من كونه عاطفياً. هل الطيبة تؤذي صاحبها وتسبب عدم الاحترام لمشاعره؟ إن الطيبة المتوازنة المتفقة مع العقل لا تؤذي صاحبها لأن مفهوم طيبة القلب هو حب الخير للغير وعدم الإضرار بالغير، وعدم العمل ضد مصلحة الغير، ومسامحة من أخطأ بحقه بقدر معقول ومساعدة المحتاج ... وغيرها كثير. أما الثقة العمياء بالآخرين وعدم حساب نية المقابل وغيرها فهذه ليست طيبة، بل قد تكون -مع كامل الاحترام للجميع- غباءً أو حماقة وسلوكاً غير عقلاني ولا يمت للعقل بصلة. إن المشكلة تقع عند الإنسان الطيب عندما يرى أن الناس كلهم طيبون، ثم إذا واجهه موقف منهم أو لحق به أذى من ظلم أو استغلال لطيبته، تُغلق الدنيا في وجهه، فيبدأ وهو يرى الناس الطيبين قد رحلوا من مجتمعه، وأن الخير انعدم، وتحصل له أزمة نفسية أو يتعرض للأمراض، لأن الطيّب يقدم الإحسان للناس بكل ما يستطيع فعله، ويقدّم ذلك بحسن نية وبراءة منه، فهو بالتالي ينتظر منهم الرد بالشكر أو المعاملة باللطف على الأقل... صحيح أن المعروف لوجه الله، ولكن من باب: من لم يشكر المخلوق لم يشكر الخالق، لذلك يتأذى عندما يصدر فعل من الشخص الذي كان يعامله بكل طيب وصدق. هل الطيبة والصدق من علامات ضعف الشخصية؟ الكثير من الناس يصف طيب القلب بأنه ضعيف الشخصية، لأنه يتصف بعدم الانتقام ممن ظلمه، والصفح عنه عند رجوعه عن الخطأ، وأنه لا يحب إيقاع الآخرين بالمشاكل؛ لأنه مقتنع أن الله سيأخذ له حقه. والحقيقة هي أن الصدق والطيبة وحسن الظن بالآخرين ليست ضعف شخصية، بل هي من الأخلاق الراقية وهي تزيد صاحبها سمواً وجمالاً روحياً، وليس من المعيب أن يمتلك الإنسان الطيبة بل العيب في من لا يُقدّر هذه الطيبة ويعطيها حقها في التعامل بالمثل. فالمشكلة الأساسية ليست في الطيبة، إنما في استغلال الآخرين لهذه الطيبة، نتيجة لعدم عقلنة قراراتنا والاعتماد على عواطفنا بشكل كلي. فالصدق والطيبة حسب المنطق والعقل، ولها فوائد جمة للنفس ولعموم أفراد المجتمع، فهي تحصين للشخص عن المعاصي، وزيادة لصلة الإنسان بربه، وتهذيب للنفس والشعور بالراحة النفسية، فالصادق الطيب ينشر المحبة بين الناس، وهذا يعزّز التماسك الاجتماعي وتقويته من سوء الظنون والحقد، وهذا التعامل أكّدت عليه جميع الشرائع السماوية، ولو تأمّلنا تاريخ وأخلاق الأنبياء والأوصياء لوجدنا كل ما هو راقٍ من الأخلاق والتعامل بالطيبة والصدق... حنان الزيرجاوي

اخرى
منذ 7 سنوات
80423

لا تقاس العقول بالأعمار!

(لا تقاس العقول بالأعمار، فكم من صغير عقله بارع، وكم من كبير عقله فارغ) قولٌ تناولته وسائل التواصل الاجتماعي بكل تقّبلٍ ورضا، ولعل ما زاد في تقبلها إياه هو نسبته الى أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام)، ولكننا عند الرجوع إلى الكتب الحديثية لا نجد لهذا الحديث أثراً إطلاقاً، ولا غرابة في ذلك إذ إن أمير البلاغة والبيان (سلام الله وصلواته عليه) معروفٌ ببلاغته التي أخرست البلغاء، ومشهورٌ بفصاحته التي إعترف بها حتى الأعداء، ومعلومٌ كلامه إذ إنه فوق كلام المخلوقين قاطبةً خلا الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله) ودون كلام رب السماء. وأما من حيث دلالة هذه المقولة ومدى صحتها فلابد من تقديم مقدمات؛ وذلك لأن معنى العقل في المفهوم الإسلامي يختلف عما هو عليه في الثقافات الأخرى من جهةٍ، كما ينبغي التطرق الى النصوص الدينية الواردة في هذا المجال وعرضها ولو على نحو الإيجاز للتعرف إلى مدى موافقة هذه المقولة لها من عدمها من جهةٍ أخرى. معنى العقل: العقل لغة: المنع والحبس، وهو (مصدر عقلت البعير بالعقال أعقله عقلا، والعِقال: حبل يُثنَى به يد البعير إلى ركبتيه فيشد به)(1)، (وسُمِّي العَقْلُ عَقْلاً لأَنه يَعْقِل صاحبَه عن التَّوَرُّط في المَهالِك أَي يَحْبِسه)(2)؛ لذا روي عنه (صلى الله عليه وآله): "العقل عقال من الجهل"(3). وأما اصطلاحاً: فهو حسب التصور الأرضي: عبارة عن مهارات الذهن في سلامة جهازه (الوظيفي) فحسب، في حين أن التصوّر الإسلامي يتجاوز هذا المعنى الضيّق مُضيفاً إلى تلك المهارات مهارة أخرى وهي المهارة العبادية. وعليه فإن العقل يتقوّم في التصور الاسلامي من تظافر مهارتين معاً لا غنى لأحداهما عن الأخرى وهما (المهارة العقلية) و(المهارة العبادية). ولذا روي عن الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله) أنه عندما سئل عن العقل قال :" العمل بطاعة الله وأن العمّال بطاعة الله هم العقلاء"(4)، كما روي عن الإمام الصادق(عليه السلام)أنه عندما سئل السؤال ذاته أجاب: "ما عُبد به الرحمن، واكتسب به الجنان. فسأله الراوي: فالذي كان في معاوية [أي ماهو؟] فقال(عليه السلام): تلك النكراء، تلك الشيطنة، وهي شبيهة بالعقل وليست بالعقل"(5) والعقل عقلان: عقل الطبع وعقل التجربة، فأما الأول أو ما يسمى بـ(الوجدان الأخلاقي) فهو مبدأ الادراك، وهو إن نَما وتطور سنح للإنسان فرصة الاستفادة من سائر المعارف التي يختزنها عن طريق الدراسة والتجربة وبالتالي يحقق الحياة الإنسانية الطيبة التي يصبو اليها، وأما إن وهن واندثر لإتباع صاحبه الأهواء النفسية والوساوس الشيطانية، فعندئذٍ لا ينتفع الانسان بعقل التجربة مهما زادت معلوماته وتضخمت بياناته، وبالتالي يُحرم من توفيق الوصول إلى الحياة المنشودة. وعقل التجربة هو ما يمكن للإنسان اكتساب العلوم والمعارف من خلاله، وما أروع تشبيه أمير البلغاء (عليه السلام) العلاقة التي تربط العقلين معاً إذ قال فيما نسب إليه: رأيت العقل عقلين فمطبوع ومسموع ولا ينفع مسموع إذ لم يك مطبــوع كما لا تنفع الشمس وضوء العين ممنوع(6) فقد شبّه (سلام الله عليه) عقل الطبع بالعين وعقل التجربة بالشمس، ومما لاشك فيه لكي تتحقق الرؤية لابد من أمرين: سلامة العين ووجود نور الشمس، وكما إن الثاني لا ينفع إن لم يتوفر الأول فكذلك عقل التجربة لا ينفع عند غياب عقل الطبع فضلاً عن موته. وبما إن عقل الطبع قد ينمو ويزدهر فينفع صاحبه من عقل التجربة، وقد يموت ويندثر عند الاستسلام لإضلال شبهةٍ أوبسبب إرتكاب معصية، فإنه ومن باب أولى أن يتعرض الى الزيادة والنقصان كما سيأتي... وقد ورد في النصوص الدينية أن للعقل زمناً ينمو فيه ويكتمل، فعن إمامنا أبي عبدالله (عليه السلام) قال: قال أمير المؤمنين (صلوات الله عليه):"يثغر الصبي لسبع، ويؤمر بالصلاة لتسع، ويفرق بينهم في المضاجع لعشر، ويحتلم لأربع عشرة، وينتهى طوله لإحدى وعشرين سنة، وينتهي عقله لثمان وعشرين إلا التجارب"(7)، وعن أمير المؤمنين (عليه السلام): "يربى الصبي سبعاً ويؤدب سبعاً، ويستخدم سبعاً، ومنتهى طوله في ثلاث وعشرين سنة، وعقله في خمس وثلاثين [سنة] وما كان بعد ذلك فبالتجارب"(8). إذن يتوقف النمو الطبيعي لعقل الانسان عند سن الثامنة والعشرين أو الخامسة والثلاثين كما ورد في الروايتين، وأية زيادة أخرى في طاقته بعد ذلك إنما تأتي عن طريق التجارب، وقد يُتوهم بأن ثمة تعارضاً ما بين الروايتين المتقدمتين في شأن تحديد سن النمو العقلي، إلا إنه لا تعارض ينهما إذا حملنا اختلافهما فيه على اختلاف الاشخاص وتباين استعدادات وقابليات كل منهم. وعلى الرغم من توقف نمو عقل الإنسان إلا إن له أنْ يزيده بالتجارب ومواصلة التعلم ــ كما تقدم في الروايات ــ وسواء أثبت العلم هذه الحقيقة الروائية أم لا، فنحن نريد الإشارة إلى ضرورة استمرار التجربة والتعلم لزيادة نمو العقل وهذا المقدار لا خلاف فيه وعلى الرغم من إن لعمر الانسان مدخلية في زيادة عقله كما تقدم وكما روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام): "يزيد عقل الرجل بعد الاربعين إلى خمسين وستين، ثم ينقص عقله بعد ذلك"(9)، إلا إن ذلك ليس على نحو العلة التامة، إذ يمكن للعقل أن يبقى شاباً وقوياً وإن شاب الإنسان وضعف جسمه، وتقدم في السن ووهن عظمه، فالعاقل لا يشيب عقله ولا تنتقص الشيخوخة من قوته بل وقد يزداد طاقةً وحيويةً لذا ورد عن أمير المؤمنين (عليه السلام):"رأي الشيخ أحب الي من جَلَد الغلام"(10)، وفي أخرى ".....من حيلة الشباب "(11) وأما من لم يوفر أسباب صقل عقله في مرحلة الشباب فإنه بلا شك يضمحل عقله في مرحلة الشيخوخة. وليس تقدم العمر هو العامل الوحيد في نقصان العقل بل إن النصوص الشرعية أشارت الى عوامل عديدة اخرى أهمها: أولاً: التعلم: فقد روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام): "من لم يصبر على ذل التعلم ساعة بقي في ذل الجهل أبداً"(13). ثانياً: التوبة: وعنه (عليه السلام) ايضاً:"من لم يرتدع يجهل"(14) ثالثاً: التقوى: فقد كتب إمامنا الباقر (عليه السلام) إلى سعد الخير: "بسم الله الرحمن الرحيم أما بعد فإني اوصيك بتقوى الله فإن فيها السلامة من التلف والغنيمة في المنقلب إن الله (عزوجل) يقي بالتقوى عن العبد ما عزب عنه عقله ويجلي بالتقوى عنه عماه وجهله"(15) إذن التوبة هي سبب للتوفيق الإلهي الذي يؤدي فيما يؤدي إليه من إكمال العقل. رابعاً: الوقوف عند الشبهة: وقال (عليه السلام ): "لا ورع كالوقوف عند الشبهة"(16). فإن الوقوف عند الشبهات سبب من أسباب التوفيق الإلهي بلا شك. خامساً: الاعتراف بالجهل: كما روي عن الإمام علي (عليه السلام): "غاية العقل الاعتراف بالجهل"(17) إذ الاعتراف بالجهل يدفع الإنسان دوماً إلى مزيد من بذل الجهد واكتساب المعارف. مما تقدم تتضح جلياً صحة هذه المقولة دلالةً، إذ إن العقول فعلاً لا تقاس بالأعمار لأن كلٍاً من زيادتها ونقيصتها منوطٌ بالعديد من العوامل الأخرى والتي تقدم ذكرها، بيد إن ذلك لا يبرر التساهل في نشرها والتهاون في الاستشهاد بها على إنها من أقوال أمير المؤمنين (صلوات الله وسلامه عليه) لعدم ثبوت ذلك سنداً من جهة ولضعف بلاغتها وركاكة تركيبها بالنسبة إلى سيد البلغاء والبلاغة. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) تهذيب اللغة ج1 ص65 (2) لسان العرب ج11 ص458 (3) نهاية الحكمة ص305 (4) ميزان الحكمة ج3 ص333 (5) أصول الكافي ج1، ح3 / 11 (6) نهج السعادة ج9 ص163 (7) الكافي ج7 ص94 (8) الفقيه ج3 ص493 (9) الاختصاص ص245 (10) نهج البلاغة حكمة 86 (11) بحار الأنوار ج72 ص105 (12) المصدر السابق ج1 ص94 (13) غرر الحكم ودرر الكلم ج1 ص118 (14) الكافي ج8 ص73 (15) وسائل الشيعة ج1 ص162 (16) غرر الحكم ودرر الكلم ج1 ص1 بقلم الكاتبة: رضا الله غايتي

اخرى
منذ 8 سنوات
61771

المرأة في فكر الإمام علي (عليه السلام)

بقلم: أم نور الهدى كان لأمير المؤمنين (عليه السلام) اهتمام خاص بالمرأة، فنراه تارة ينظر إليها كآية من آيات الخلق الإلهي، وتجلٍ من تجليات الخالق (عز وجل) فيقول: (عقول النساء في جمالهن وجمال الرجال في عقولهم). وتارة ينظر إلى كل ما موجود هو آية ومظهر من مظاهر النساء فيقول: (لا تملك المرأة من أمرها ما جاوز نفسها فإن المرأة ريحانة وليس قهرمانة). أي إن المرأة ريحانة وزهرة تعطر المجتمع بعطر الرياحين والزهور. ولقد وردت كلمة الريحان في قوله تعالى: (فأمّا إن كان من المقربين فروح وريحان وجنة النعيم) والريحان هنا كل نبات طيب الريح مفردته ريحانة، فروح وريحان تعني الرحمة. فالإمام هنا وصف المرأة بأروع الأوصاف حين جعلها ريحانة بكل ما تشتمل عليه كلمة الريحان من الصفات فهي جميلة وعطرة وطيبة، أما القهرمان فهو الذي يُكلّف بأمور الخدمة والاشتغال، وبما إن الإسلام لم يكلف المرأة بأمور الخدمة والاشتغال في البيت، فما يريده الإمام هو إعفاء النساء من المشقة وعدم الزامهن بتحمل المسؤوليات فوق قدرتهن لأن ما عليهن من واجبات تكوين الأسرة وتربية الجيل يستغرق جهدهن ووقتهن، لذا ليس من حق الرجل إجبار زوجته للقيام بأعمال خارجة عن نطاق واجباتها. فالفرق الجوهري بين اعتبار المرأة ريحانة وبين اعتبارها قهرمانة هو أن الريحانة تكون، محفوظة، مصانة، تعامل برقة وتخاطب برقة، لها منزلتها وحضورها. فلا يمكن للزوج التفريط بها. أما القهرمانة فهي المرأة التي تقوم بالخدمة في المنزل وتدير شؤونه دون أن يكون لها من الزوج تلك المكانة العاطفية والاحترام والرعاية لها. علماً أن خدمتها في بيت الزوجية مما ندب إليه الشره الحنيف واعتبره جهادًا لها أثابها عليه الشيء الكثير جدًا مما ذكرته النصوص الشريفة. فمعاملة الزوج لزوجته يجب أن تكون نابعة من اعتبارها ريحانة وليس من اعتبارها خادمة تقوم بأعمال المنزل لأن المرأة خلقت للرقة والحنان. وعلى الرغم من أن المرأة مظهر من مظاهر الجمال الإلهي فإنها تستطيع كالرجل أن تنال جميع الكمالات الأخرى، وهذا لا يعني أنها لا بد أن تخوض جميع ميادين الحياة كالحرب، والأعمال الشاقة، بل أن الله تعالى جعلها مكملة للرجل، أي الرجل والمرأة أحدهما مكمل للآخر. وأخيرًا إن كلام الإمام علي (عليه السلام) كان تكريمًا للمرأة ووضعها المكانة التي وضعها الله تعالى بها، حيث لم يحملها مشقة الخدمة والعمل في المنزل واعتبر أجر ما تقوم به من اعمال في رعاية بيتها كأجر الجهاد في سبيل الله.

اخرى
منذ 7 سنوات
52482

الطلاق ليس نهاية المطاف

رحلةٌ مثقلة بالألم في طريق يئن من وطأة الظلم! ينهي حياة زوجية فشلت في الوصول إلى شاطئ الأمان. ويبدد طموحات أطفال في العيش في هدوء نفسي واجتماعي تحت رعاية أبوين تجمعهم المودة والرحمة والحب. الطلاق شرعاً: هو حل رابطة الزواج لاستحالة المعاشرة بالمعروف بين الطرفين. قال تعالى: [ لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (226) وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (227)].(١). الطلاق لغوياً: من فعل طَلَق ويُقال طُلقت الزوجة "أي خرجت من عصمة الزوج وتـحررت"، يحدث الطلاق بسبب سوء تفاهم أو مشاكل متراكمة أو غياب الانسجام والحب. المرأة المطلقة ليست إنسانة فيها نقص أو خلل أخلاقي أو نفسي، بالتأكيد إنها خاضت حروباً وصرعات نفسية لا يعلم بها أحد، من أجل الحفاظ على حياتها الزوجية، ولكن لأنها طبقت شريعة الله وقررت مصير حياتها ورأت أن أساس الـحياة الزوجيـة القائم على المودة والرحـمة لا وجود له بينهما. فأصبحت موضع اتهام ومذنبة بنظر المجتمع، لذلك أصبح المـجتمع يُحكم أهواءه بدلاً من الإسلام. ترى، كم من امرأة في مجتمعنا تعاني جرّاء الحكم المطلق ذاته على أخلاقها ودينها، لا لسبب إنما لأنها قررت أن تعيش، وكم من فتاة أُجبرت قسراً على أن تتزوج من رجل لا يناسب تطلعاتها، لأن الكثير منهن يشعرن بالنقص وعدم الثقة بسبب نظرة المجتمع، وتقع المرأة المطلّقة أسيرة هذه الحالة بسبب رؤية المجتمع السلبيّة لها. وقد تلاحق بسيل من الاتهامات وتطارد بجملة من الافتراءات. وتعاني المطلقة غالباً من معاملة من حولها، وأقرب الناس لها، بالرغم من أن الطلاق هو الدواء المر الذي قد تلجأ إليه المرأة أحياناً للخلاص من الظلم الذي أصبح يؤرق حياتها الزوجية، ويهدد مستقبلها النفسي، والله تعالى لم يشرع أمراً لخلقه إلا إذا كان فيه خير عظيم لهم، والطلاق ما شرّع إلا ليكون دواء فيه شفاء وإن كان مرّاً، وإن كان أمره صعباً على النفوس، حيث قال عز وجل: "وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ وَكَانَ اللَّهُ وَاسِعًا حَكِيمًا"، روي عن الرسول الأعظم (صلى الله عليه واله وسلم) ((أبغض الحلال إلى الله الطلاق) (٢). ورغم أن الشريعة الإسلامية أباحت الطلاق بشروط تلاءم لبناء المجتمع، وأولت أهمية في الإحسان دائمًا للطرف الأضعف والأكثر خسارة في هذه المعادلة وهي "المرأة"، إلا أن المجتمع الذي يدّعي الإسلام لا يرحمها، ويحكم عليها بالإدانة طوال حياتها دون النظر في صحة موقفها في الطلاق من عدمه! قال( تعالى ): [الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ] (٣). ولكن بعد كل هذا فالحياة لم ولن تتوقف بعد الطلاق! الطلاق ليس نهاية الحياة. - أخيتي. ليكن الطلاق بداية جديدة لحياة جديدة وللانطلاق. -قطار العطاء لن يتعطل. فإن كنت السبب في الطلاق فالحمد لله على كل حال وتلك أمة قد خلت وأيام ذهبت وانجلت فلست بالمعصومة من الخطأ. وعليك استدراك الأخطاء وتقوية مواطن الضعف في شخصيتك، واجعليها درساً مفيداً في الحياة لتطوير نفسك وتقويتها. وإذا كنتِ مظلومة فهناك جبار يُحصي الصغير والكبير وسيأتي يوم ينتصر لك فيه. -ومن الجميل أن تعطي نفسك الإحساس بالحب والاحترام، ولا تتأثري بأي نظرة سلبية من المجتمع وكون البعض يتعامل مع المطلقة على أنها حالة خاصة فعليكِ إثبات ذاتك حتى تفرضي على الكل شخصيتك. - نظرتك لنفسك اجعليها نظرة ايجابية مشرقة ولا تنزلقي في مستنقع نبذ الذات وظلم النفس. - ابحثي عن الصفات الجيدة فيك فإن ذلك سيشعرك بالثقة في ذاتك والتقدير لها. -حاولي مراجعة نفسك للخروج بإيجابيات حصلت لك من طلاقك. - خالطي الآخرين وإياك والعزلة بسبب وضعك الجديد فلست بأول من يبتلى بالطلاق. -استمتعي بالموجود ولا تتعلقي بالمفقود، حلقي بروح تعبق أملاً وتفاؤلاً، استمتعي بما وهبك الله من نعم (صحة وأولاد وأهل وصديقات وعمل وهوايات وغيرها من الأمور الجميلة) فما حصل لك حصل… ولابد أن تتقبليه برضا، وأعلمي أن ما أصابك لم يكن ليخطأك وما أخطأك لم يكن ليصيبك. وقال أصدق من قال: ( وعسى أن تكرهوا شيئاً وهو خير لكم). فالرضا سر السعادة الحقيقي. - اقتربي من صديقاتك الصالحات، واقضي معهن وقتاً طيباً تنسين به ألمك وحزنك. - احرصي على الصلوات وقراءة القرآن الكريم والذكر والاستغفار وأكثري من الطاعات قدر ما تستطيعين، ففيها السلوى والفرح والسعادة. ونعم سعادة القرب من الرحمن. - اشغلي نفسك بأعمال البر والإحسان بمساعدة محتاج. بكفالة يتيم. بتعلم الفقه والقرآن وتعليمه. - اجتهدي في عمل برنامج يومي لك يكون ممتلأ بكل ما هو مفيد لك. من قراءة وزيارة الأصدقاء وصلة الرحم. بحيث لا تكون هناك دقيقة أنت فارغة فيها. - وأسرعي بقاربك الجميل بمجذافين من إيمان بالله وثقة بالنفس وسوف تصلين بإذن الله نحو جزيرة السعادة والنجاح. لكي تتسلق جبال الإنجاز، وتصل لأعلى مراتب الاعجاز. وعندها جزماً سيكون للحياة معنى آخر. --------------------------------- (١)-سورة البقرة الآية (٢٢٦-٢٢٧). (٢)-الكافي (٢)-سورة البقرة الآية (٢٢٨) حنان ستار الزيرجاوي

اخرى
منذ 8 سنوات
49192

هَوَّنَ عَلَيَّ مَا نَزَلَ بِي أَنَّهُ بِعَيْنِ اللهِ

عاشوراء مدرسة أعطت وتعطي الكثير الكثير كل يوم للمتأمل فيما ورد عنها من كلمات وفيما وثق فيها من مواقف... ولعل من أهم الدروس التي ترسخها عاشوراء في الأذهان بعد ضرورة مواجهة الباطل والدفاع عن الحق مهما كلفت من تضحيات جسام هو: الصبر على البلاء بل والرضا به .. كيف لا، وقد ورد عن سيّد الشهداء (عليه السلام) في اللحظات الأخيرة من حياته حينما كان يتمرّغ في الدم والتراب: «رضاً بقضائك وتسليماً لأمرك لا معبود سواك»(1). وكذلك فيما جاء في خطبته عند خروجه من مكّة إلى المدينة: «رضا اللَّه رضانا أهل البيت»(2) . فما سر هذا الرضا رغم شدة الابتلاءات وقساوة المحن التي مر بها سيد الشهداء (عليه السلام) ؟ مما لا شك فيه أن يقين الامام الحسين (عليه السلام) هو الذي رفعه إلى مقام الرضا رغم ما جرى عليه في واقعة كربلاء، إلا أنه ومع هذا فقد أرشد المؤمنين إلى مفاتيح الصبر والرضا، ولعل من أهمها ما وَرَدَ عنه (عليه السلام) أَنَّهُ قَالَ بعد أن تفاقم الخطب أمامه في كربلاء، واستشهد أصحابه وأهل بيته: «هَوَّنَ عَلَيَّ مَا نَزَلَ بِي أَنَّهُ بِعَيْنِ اللهِ»(1). فهنا يلفت الامام الحسين (عليه السلام) نظر المؤمنين الى حقيقة مهمة وهي: أن الله سبحانه يعلم بكل مجريات الأُمور، وهو مطلع على كل معاناة المبتلى وما يكابده من ألم دونما اعتراض منه على قضائه هو في حد ذاته حافز للمبتلى للصبر والرضا.. ولتقريب المعنى نقول: إن المتسابقين في ساحة اللعب مثلا يشعرون بالارتياح حينما يعلمون أن أبويهم وأصدقاءهم ينظرون اليهم فيندفعون بقوّة أكبر في تحمل الصعاب لتحقيق الفوز. فإذا كان تأثير وجود الأبوين والأصدقاء كذلك، فما بالك بتأثير استشعار رؤية الله لما يجري على الانسان وهو يصارع الألم ويواجه المحن؟! ما أعظم القوّة التي يمنحها هذا الاستشعار لتحمل الامتحانات العسيرة والمصائب الخطيرة .. ولذا فقد جاء النداء الالهي لتثبيت قلب النبي نوح (عليه السلام) حين واجه أعظم المصائب والضغوط من قومه وهو يصنع الفلك، حيث قال (تعالى) : (وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا)(2). فكان لعبارة «بِأَعْيُنِنَا» وقع عظيم في نفسه (عليه السلام) فصبر وواصل عمله الى نهايته دونما أن يلتفت الى تقريع الأعداء أو يهتم باستهزائهم. ــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) موسوعة الامام علي بن أبي طالب (عليه السلام) ج8 ص42 (2) المصدر السابق (3) بحار الأنوار، ج 45، ص 46 (4) هود 37 رضا الله غايتي

اخرى
منذ 8 سنوات
46621