تشغيل الوضع الليلي

تجلياتٌ معرفية في الخطاب المهدوي(5)

منذ 6 سنوات عدد المشاهدات : 3038

بقلم: علوية الحسيني
"وَأسْألُكُمْ بِحَقَّ اللهِ وَرَسُولِهِ وَبِحَقَّي - فَإنَّ لِي عَلَيْكُمْ حَقَّ الْقُرْبَى مِنْ رَسُول اللهِ - إِلاَّ أعْنَتُمُونَا وَمَنَعْتُمُونَا مِمَّنْ يَظْلِمُنَا، فَقَدْ اُخِفْنَا وَظُلِمْنَا وَطُردْنَا مِنْ دِيَارنَا وَأبْنَائِنَا وَبُغِيَ عَلَيْنَا، وَدُفِعْنَا عَنْ حَقّنَا، فَأوْتَرَ أهْلُ الْبَاطِل عَلَيْنَا، فَاللهَ اللهَ فِينَا لاَ تَخْذُلُونَا وَانْصُرُونَا يَنْصُرْكُمُ الله".

هنا في هذا المقطع الخطابي، كلام الإمام (عجّل الله فرجه الشريف) موجه إلى أنصاره، إذ مثلما يوجد من يسمع خطابه من صنف المحاججين، فكذلك يسمعه من صنف الموالين، فيطلب الدعاء منهم والمعونة، ويبين ظلامته، وظلامة أجداده (عليهم السلام).

*وقوله: "وَأسْألُكُمْ بِحَقَّ اللهِ وَرَسُولِه"
"أسألكم" السؤال هو صيغة تدل على الطلب.
وإن قيل: إنّ الإمام أعلى درجةً من مواليه –بالعصمة والجعل الإلهي- فكيف يسأل العالي الداني؟
فُيقال: بأنّ السياق القرآني استخدم هذه الصيغة على لسان النبي الأكرم محمد (صلى الله عليه وآله) من قبيل قوله: {قل لا أسألكم عليه أجرًا إلاّ المودة في القربى}، فها هو النبي (صلى الله عليه وآله) يسأل قومه -موالين ومعارضين- المودة في قربته. فكذا الإمام (عجّل الله فرجه الشريف) في خطابه مستخدمًا إياها.

-"بِحَقَّ اللهِ"
حق الله تعالى هو الإيمان بأصول وفروع دينه، والتحلي بأخلاقه المنزلة على النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)، والتي حفظها وبلّغها الإمام (عجّل الله فرجه الشريف).
وقد جاءت روايات معبرة عن حق الله تعالى مبيّنةً أنّ ذلك الحق هو العبادة؛ فقد روي عن رسول الله (صلى الله عليه وآله): "حقّ الله على العباد أن يعبدوه ، ولا يشركوا به شيئا"(1).
وأخرى بيّنت أنّ حق الله تعالى هو العلم، والعمل بالعلم؛ روي عن زرارة بن أعين، أنّه قال: "سألت أبا جعفر الباقر (عليه السلام): ما حق الله على العباد؟ قال: أن يقولوا ما يعلمون، ويقفوا عندما لا يعلمون"(2).

-"وَرَسُولِه" أما حق رسول الله (صلى الله عليه وآله) فهو طاعته، والالتزام بأحاديثه، ومن ضمنها حديث الثقلين، الذي اوصى فيه النبي (صلى الله عليه وآله) بالتمسك بالثقل الاكبر -القرآن الكريم-، والثقل الأصغر -أهل البيت عليهم السلام-
روي عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) أنّه قال: "إني تارك فيكم الثقلين ما إنْ تمسَّكْتُم بهما لن تضلوا؛ كتاب الله المنزل وعــترتي أهل بيتي"(3).

-"وَبِحَقَّي فَإنَّ لِي عَلَيْكُمْ حَقَّ الْقُرْبَى مِنْ رَسُول اللهِ"
وللإمام (عجّل الله فرجه الشريف) حق خاص على مواليه، منصوص عليه من قبل جدّه رسول الله محمد (صلى الله عليه وآله) وهو حق القربى، فلقرابة الإمام (عجّل الله فرجه الشريف)، ورجوع نسبه الطاهر إلى النبي (صلى الله عليه وآله) شرافة، وتميز وميزة، توجب طاعته والإيمان به؛ حيث سبق وأن أوصى النبي (صلى الله عليه وآله) بقربته امتثالاً لأمر إلهي، حيث قال تعالى على لسان نبيه محمد (صلى الله عليه وآله): {قُل لَّا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَىٰ}(4).
العلاّمة الطباطبائي (قدّس سرّه) في تفسيره لهذه الآية ذكر "أنّ الأمر الذي نَفَته الآية هو الأجرُ على تبليغ الرسالة والدعوة الدينيّة، وعن الإمام الحسن بن عليّ (عليهما السّلام) أنّه خَطَب الناسَ بعد شهادة أمير المؤمنين بن عليّ (عليهما السّلام)، فقال: أنا من أهلِ البيت الذين افترض الله مودّتهم على كلّ مسلم، فقال: قُل لا أسألكم عليه أجراً إلاّ المودّةَ في القُربى)"(5).
وبما أنّ الإمام المهدي (عجّل الله فرجه الشريف) من أهل البيت (عليهم السلام)، فيشمله حق المودة في القربى. وهو (عجّل الله فرجه الشريف) يسأل الناس بحقه عليهم.

*وقوله: "إِلاَّ أعْنَتُمُونَا وَمَنَعْتُمُونَا مِمَّنْ يَظْلِمُنَا"
متعلق الدعاء او القسم: المعونة ودفع الأذى من الظالمين والاعانة، والمنع من أذى الأعداء يتحقق بالدفاع والنصرة عن أهل البيت (عليهم السلام).

*وقوله: "فَقَدْ اُخِفْنَا"
والمراد من ذلك ما خاف منه أهل البيت (عليهم السلام) من قبل أعدائهم، وهذا لا ينافي عصمتهم كخيفة النبي موسى (عليه السلام).
والمتتبع لسيرة الأطهار محمد وآل محمد (عليهم السلام) يجد أنّ أعداءهم قد أخافوهم وروعوهم من أولهم إلى قائمهم.

*وقوله: "وَظُلِمْنَا"
قال تعالى: {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَىٰ عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ ۗ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُون}(6). فجميع أعداء محمد وآل محمد (عليه وعليهم السلام) كذّبوا الله تعالى وآياته؛ تحقيقًا لمصالحهم وأهوائهم. وأشد ظلامة مرّت عليهم (عليهم السلام) هي واقعة كربلاء، وما جرى على الإمام الحسين (عليه السلام)، ونسائه، وعياله، كما هو واضح.
*وقوله: "وَطُردْنَا مِنْ دِيَارنَا وَأبْنَائِنَا"
كما طُرد الإمام الحسين وأهله (عليهم السلام) من مكة المكرمة، وطرد الامام الهادي وابنه العسكري من المدينة إلى سرّ من رأى.

*وقوله: "وَبُغِيَ عَلَيْنَا"
بغى الشّخص أي "تجاوَز الحدَّ واعْتَدى ، تسلَّط وظلَم"(7).
وكلّ انسانٍ يعقل انّ أشد أنواع الظلم هو الجرأة على حدود الله التي أوضحها في كتابه الكريم أو على لسان نبيّه الأكرم محمد (صلّى الله عليه وآله) ، حيث قال تعالى: {وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ}(8)، أي: أساء إلى حدود الله بالتعرض لسخط الله تعالى ومقته، ونيل سطوته.
فحدودُ الله هي حدود محمّد وآله (عليهم السلام)، ومَن تعدّى على تلك الحدود فهو ظالمٌ لامحالة، وقد توعّد الله تعالى الظالمين بقوله تعالى: {قَالَ أَمَّا مَنْ ظَلَمَ فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ ثُمَّ يُرَدُّ إِلَى رَبِّهِ فَيُعَذِّبُهُ عَذَابًا نُكْرًا}(9). ونِعمَ به سبحانه مِن حكيمٍ ما أعدله.

*وقوله: "وَدُفِعْنَا عَنْ حَقّنَا"
وأجلى مثالٍ لذلك هو دفع من اجتمع تحت السقيفة حق الخلافة عن الإمام علي (عليه السلام). ودفع معاوية ذلك الحق للإمام الحسن (عليه السلام). ويزيد عن الإمام الحسين (عليه السلام)، وهكذا سائر الأئمة (عليهم السلام).

*وقوله: "فَأوْتَرَ أهْلُ الْبَاطِل عَلَيْنَا"
لعلّ مراد الإمام (عجّل الله فرجه الشريف) قطعونا عن أهلنا بالقتل، فأوتروا أهل البيت (عليهم السلام)، كما قالت السيّدة زينب (عليها السلام) للطاغية يزيد: "وقد نكأت القرحة، واستأصلت الشأفة، بإراقتك دماء ذرية محمد (صلى الله عليه وآله) ونجوم الأرض من آل عبد المطلب وتهتف بأشياخك زعمت أنك تناديهم فلتردن وشيكا موردهم ولتودن أنك شللت وبكمت ولم تكن قلت ما قلت وفعلت ما فعلت"(10).

*وقوله: "فَاللهَ اللهَ فِينَا لاَ تَخْذُلُونَا وَانْصُرُونَا يَنْصُرْكُمُ الله"
وهذا مثيل طلب الإمام الحسين (عليه السلام) النصرة من مواليه في واقعة كربلاء، حينما قال: ألاّ من ناصر ينصرنا.
فلعل طلب الإمام (عجّل الله فرجه الشريف) النصرة والمعونة من مواليه حتى يأخذ بثأر من رضي بذلك التخويف، والظلم، والطرد، والبغي، والدفع عن الحق من ذراري أعداء أهل البيت (عليهم السلام).
وبما أنّ محمدًا وآل محمد (عليهم السلام) هم أشرف خلق الله تعالى، بل هم بابه تعالى، فتكون نصرتهم نصرةً لله عزّ اسمه وتباركت قدرته؛ فمن ينصر الله فقد نصره الله، قال تعالى في كتابه الكريم {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ}(11).
فظاهر الآية يقول بوجود طرفين، الله تعالى، وناصر الله. وهناك طرف ثالث هو أولياء الله؛ لقرينة خارجية منفصلة، وهي آية كريمة اخرى تقول {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنكُمْ}(12).
فالنصرة فرع الطاعة، فكما أنّ طاعة الله تعالى ورسوله وأولي الأمر –أهل البيت عليهم السلام- واجبة، كذلك نصرتهم جميعًا واجبة؛ فلازم اللازم لازم.
اذًا فالثلاثية في آية النصرة محتملة كما تحتمل الثنائية.
وتتحقق النصرة أما بالقول، فلعلّ الإمام (عجّل الله فرجه الشريف) يطلب نصرتنا له بنقل كلامه حين ظهوره، وكيفية محاججته لأعدائه، أو بالرد القولي على كلّ من جحد الإمام ولم يحضر خطبته (عجّل الله فرجه الشريف).
أو بالفعل، فلعلّ الإمام (عجّل الله فرجه الشريف) يطلب نصرتنا له بمحاربة الظالمين الجاحدين، ونصرة خليفة ربّ العالمين.
أو بالقلب، فلعلّ الإمام (عجّل الله فرجه الشريف) يطلب نصرتنا له بالدعاء الخفي، وهذا الاحتمال وارد لمن يعيش في بلدةٍ مكتظة بمخالفين له في العقيدة، فيشكّل مجرّد التجاهر بالدعاء بالنصرة لإمام الزمان (عجّل الله فرجه الشريف) خطرًا عليه وعلى إمامه، فكيف به لو نصره قوليًّا، أو حتى فعليّا؟!. فتتعيّن عليه النصرة القلبية.
وعلى كل حال، كأن الإمام (عجّل الله فرجه الشريف) هنا يريد تذكير الناس بمظلومية أهل البيت (عليهم السلام)، ويُعلمهم أنّ الإيمان بهم إيمانٌ جمعي، فليس بمؤمن من آمن بالأئمة وأنكر القائم منهم (عليهم السلام)، ومن وقف على إمامة إمامٍ، ورغم ذلك فالإمام (عجّل الله فرجه الشريف) يعطيهم فرصة للإيمان والتوبة.
__________________
(1) بحار الأنوار: للعلامة المجلسي، ج 3، ص 10. ج 71، ص 3، 11.
(2) المصدر السابق: ج2، ص113، ح2.
(3) أمالي الطوسي: للشيخ الطوسي، ص161.
(4) الشورى: 23.
(5) تفسير الميزان: للعلامة الطباطبائي، ج 52، ص18.
(6) الأنعام: 21.
(7)ظ: القاموس المحيط.
(8) البقرة: 229.
(9) الكهف: 87.
(10) زينب الكبرى (عليها السلام) من المهد الى اللحد: للسيد محمد كاظم القزويني، ص401.
(11) محمد: 7.
(12) النساء: 59.

اللهم عجّل فرجه، وأيّده بالنصر، وانصر ناصريه، واخذل خاذليه، ودمدم على من نصب له، وكذَّب به.

اخترنا لكم

المشكاة مَن هي؟

حينما ترى أشعة الشمس الهادئة، وهي تخترق الأشجار المتشابكة، وتهب نسمات الهواء بروائحه العليلة، وتصادم مع وريقات الأشجار الجميلة، فيصدر صوت حفيفها يأخذ بالألباب، كأنه سلم موسيقي، تعزف يد القدرة على أوتاره، إنه صوت الطبيعة، صوت الهدوء، وأنت في قمة الخشوع والناس في جموع، وأنت عنهم في هجوع، أعلم أنه صوت تسبيح أنفاس فاطمة، لأنها جمال الرب في الوجود، وهي سيدة كل موجود. وحيدة العصور وفريدة الدهور قدوة النساء وسيدتهن، فهي كالقمر في ليلة البدر، أو كالشمس كفر غماماً، إذا خرج من السحاب، عالمة غير معلمة، وفاهمة غير مفهمة، وهي بضعة النبي صلى الله عليه وآله، وخزانة الأسرار، ووالدة الأئمة الأطهار، تبلغ الأحكام وتدرس علوم الدين والقرآن، كان علمها من الله لا يقبل الشك والخطأ والشبهات، وكيف لا وهي بضعة المصطفى محمد صلى الله عليه وآله وروحه التي بين جنبيه. هي الصديقة والمباركة والطاهرة والزكية والراضية والمرضية والمحدثة والزهراء وفاطمة القدسية بنت سيد الكائنات وفخر العالمين محمد صلى الله عليه وآله. ولدتها أم المؤمنين خديجة الكبرى، سيدة مكة وعظيمة عصرها، وأرضعتها من مصدر العفاف والشرف ينبوع الطهر والنقاء، فتربت في هذين الحجرين الطاهرين، هي مشكاة نور الله جل جلاله زيتونة عم الورى بركاتها، هي عنصر الشجرة الطيبة التي هي رسول الله صلى الله عليه وآله وفرعها علي عليه السلام. ولكنها ما لبثت حتى تفاجأت بالانقلاب وتبدل الأوضاع وأفاقت من نومة العز والرأفة والحنان في ظل حامل القرآن، ومشرع دستور الحكم والأديان وحامل لواء العدل والإيمان على هول مصيبة فظيعة وأمر مفجع مؤلم ألا وهو وفاة رسول الله (صلى الله عليه وآله)، وكانت بداية الأيام السود، وبدأ حالها بالجمود وأمورها بالركود وكان الذين يطلبون القرب منها وينشدون رضاها بالأمس من أشد خصومها بل هتكوا سترها وأحرقوا دارها وكسروا بابها وعصروها فكسرت أضلاعها وأسقط ما في احشائها وبدء زمن الانقلاب وظهور سلطنة المنقلبين... نعم هذه هي حالة السيدة فاطمة الزهراء (عليها السلام) من بعد العز والشموخ تستصرخ وتستغيث برب العالمين. وفي نهاية كلماتنا الباسقات على أنهر الجمال نقول: عندما تعتريك هيبة وخضوع، من هذا المنظر المهيب البديع، ولا يجالسك في تلكم اللحظات سوى الغفار السميع، فتعوم في بحار الأفكار، تناغي وتناجي الجبار، ثم تقول له: يا جابر العظم الكسير بكسر فاطمة، يا جابر الهم العظيم بحق الفاهمة، يا جبار القلوب المنكسرة بحق القائمة، ويا أنيس النفوس المتعسرة بحق أم الائمة، أنت للقلب روح وللروح قلب، وأنت للعقل فكر وللفكر عقل ولب، وانت للنفس تنفيس وللتنفيس نفس وحب ، وأنت للبدن مهجة وللمهج بئر وجب، فالسلام على مهجة المختار، وحبيبة علي وصي الجبار. حنان الزيرجاوي

اخرى
منذ 7 سنوات
3212

المرجع الأعلى للـنساء

السيدة زينب (عليها السلام) نموذجًا. تنتاب بعض النسوة حالة من اليأس والشعور بعدم معرفة أهمية دور المرأة المناط بها، مما يجعلها منطوية، معتزلة العالم وأحداثه، لا تبالي بأُمور المسلمات، فضلاً عن أمور محيطها الأُسري والاجتماعي، وهذا أمر لا يحمد عقباه؛ حيث إنّ الروايات الشريفة حذّرت من ذلك، فقد روي "عَنِ السَّكُونِيِّ عَنْ أَبِي عَبْدِ الله (عَلَيهِ السَّلام) قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآلِه) مَنْ أَصْبَحَ لا يَهْتَمُّ بِأُمُورِ الْمُسْلِمِينَ فَلَيْسَ بِمُسْلِمٍ"(١). ومن معاني (الاهتمام بأمور المسلمين) هو مطالعتها، ومعالجة السلبيات والنهي عنها، والإشادة بالإيجابيات والحث عليها. والاهتمام بأمور المسلمين يحصل نتيجة متابعة ومواكبة المجتمع، والمرأة جزء من المجتمع، والشرع المقدّس قد رسم لنا أُسس العشرة وضوابطها، فقد حثّت الآيات الكريمة على ذلك، منها: قوله تعالى: { وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالجَنبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ إِنَّ اللّهَ لاَ يُحِبُّ مَن كَانَ مُخْتَالاً فَخُورا}(٢). والروايات الشريفة منها ما تحث على التودد، كما روي "عَنْ أَبِي بَصِيرٍ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ (عَلَيهِ السَّلام) قَالَ إِنَّ أَعْرَابِيّاً مِنْ بَنِي تَمِيمٍ أَتَى النَّبِيَّ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآلِه) فَقَالَ لَهُ أَوْصِنِي فَكَانَ مِمَّا أَوْصَاهُ تَحَبَّبْ إِلَى النَّاسِ يُحِبُّوكَ"(٣). ومنها ما حثّت على المصاحبة، كما روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام): "ابذل لصديقك نصحك، ولمعارفك معونتك ولكافة الناس بشرك"(٤). فالعشرة خلاف العزلة المنهي عنها شرعاً؛ إذ لم يرد نص صريح قرآني أو روائي يدعو الإنسان إلى اعتزال الناس مطلقاً. نـعم، هنالك حثٌ على اعتزال أهل الباطل بعد أمرهم بالمعروف وعدم امتثالهم له، مع الخوف من الانجراف معهم، فتكون عزلتهم أسلم. إذاً ليست العزلة الممدوحة محل كلامنا، إنّما المذمومة منها. فالمرأة التي تعتزل بني جنسها، لا تناصحهن، ولا تشاورهن، ولا تؤالفهن، ولا تصاحبهن، فما هو دورها تجاه الإسلام، وكيف ستهتم بأمور المسلمات؟ هذا سؤالٌ يحتاج إلى إيقاظِ ضميرٍ غلب عليه سبات الغفلة، واعترته حمى إهمال الدور المناط، فلابدّ له من جوابٍ وعلاج. ومن معاني (فليس بمسلم) ظاهراً هو أنّ من لم يهتم بأُمور المسلمين فهو غير مسلم بما جاء من آيات وروايات تحث على الاهتمام بأُمورهم. وبعد اللتيا والتي تتساءل المرأة المسلمة عن حقيقة دورها الديني والاجتماعي. •فأمّـا الدور الديني: - ففي اصول الدّين يكفي الاعتقاد به الإيمان بأصول الدّين المتمثلة بالتوحيد والعدل والنبوة والإمامة والمعاد. -وفي فرع الدّين: "يجب تعلّم المسائل التي يبتلى بها عادة - كجملة من مسائل الشكّ والسهو في الصلاة - لئلّا يقع في مخالفة تكليف إلزاميّ متوجّه إليه عند ابتلائه بها"(٥). فوجوب تعلّم المسائل الابتلائية مطلق، والمثال ليس حصرياً، إنّما يشمل كلّ ما يمكن أن يكلّف به، فيجب على المرأة تعلّم مسائل العبادات والمعاملات التي تبتلى بها، ولاسيما المسائل الخاصة بأحكام النساء. •وأمّا الدور الإجتماعي: فيتجسّد بتطبيق ما نصّت عليه الآيات والروايات المتقدمة في آداب وأُسس العشرة. عندئذٍ ستكون المرأة قد وصلت بنفسها وبني جنسها إلى برّ الأمان، واستحصال رضا الرحمن. وهذا هو المعهود من النساء؛ تأسّياً بسيرة السلف من القدوات المؤمنات، على رأسهن الزهراء والحوراء (عليهما أزكى التحيات)، حينها يمكن أن تكون المرأة مرجعاً أعلى للنساء تفيض عليهن مما هي اكتسبته وطبقته. والمراد بالمرجع: هو: رجوع النسوة إليها في أُمور دينهن ودنياهن. والمراد بالأعلى: هو المقام السامي والعالي علماً وعملاً. والآن نقرأ ما جاء في سيرة السيّدة زينب (عليها السلام): "أنّها كانت تنوب عن أخيها الإمام الحسين (عليه السّلام) في حال غيابه، فيرجع إليها المسلمون في المسائل الشرعيّة؛ ونظراً لسعة معارفها كان الإمام زين العابدين (عليه السّلام) يروي عنها، وكذلك كان يروي عنها عبد الله بن جعفر، والسيّدة فاطمة بنت الإمام الحسين (عليه السّلام). ولمّا كانت في الكوفة في أيام أبيها كان لها مجلس خاص تزدحم عليها السيّدات، فكانت تلقي عليهنَّ محاضرات في تفسير القرآن الكريم، كما كانت المرجع الأعلى للسيّدات من نساء المسلمين، فكنّ يأخذنَ منها أحكام الدين وتعاليمه وآدابه. ويكفي للتدليل على فضلها أنّ ابن عباس حبر الاُمّة كان يسألها عن بعض المسائل التي لا يهتدي لحلّها، كما روى عنها كوكبة من الأخبار، وكان يعتزّ بالرواية عنها، ويقول : حدّثتنا عقيلتنا زينب بنت علي. وقد روى عنها الخطاب التاريخي الذي ألقته اُمّها سيّدة النساء فاطمة (عليها السّلام) في جامع أبيها (صلّى الله عليه وآله). وقد نابت عن ابن أخيها الإمام زين العابدين (عليه السّلام) في أيام مرضه ، فكانت تجيب عمّا يرد عليه من المسائل الشرعيّة ، وقد قال (عليه السّلام) في حقها :(( إنّها عالمة غير معلّمة)). [وهنا لابدّ من الإشارة إلى أنّ السيّدة (عليها السلام) كانت توصل الإجابات عن طريق نسوة الرجال الذين رووا عنها]. وكانت ألمع خطيبة في الإسلام ؛ فقد هزّت العواطف، وقلبت الرأي العام وجنّدته للثورة على الحكم الاُموي ، وذلك في خطبها التاريخية الخالدة التي ألقتها في الكوفة ودمشق، وهي تدلّل على مدى ثرواتها الثقافية والأدبية . لقد نشأت حفيدة الرسول (صلّى الله عليه وآله) في بيت الوحي ومركز العلم والفضل ، فنهلت من نمير علوم جدّها وأبيها وأخويها ، فكانت من أجلّ العالمات ، ومن أكثرهنَّ إحاطة بشؤون الشريعة وأحكام الدين [وهذا الدور يشير إلى أهمية التربية الصالحة وحصاد نتاجه]"(٦). وبذلك كانت السيّدة زينب (عليها السلام) الـمرجع الأعلى للنساء، فهلاّ اقتدينا؟. اختاه، حذار أن تكوني كلاً على أمتك، وبلسماً لعدو دينك. استصرخكِ، لمن تتركين الميدان؟! ألا يكتوي قلبكِ حين ترين وحوشاً كشَّرت عن أنيابها الفضائية، ومخالبها الصحفية، وراحت تعبث في أخواتك، وتنتهك عفتهن وكرامتهن بدعوى التحرر من الدّين؟! ألا يتقطع نياط قلبكِ وأنتِ ترين انتشار ظاهرة الطلاق، أو الجهل بالواجبات الزوجية الملقاة على عاتق المرأة، والانتهاكات التي تحصل في بعض البيوتات المنتشرة انتشار النار في الهشيم؟! أيطيب لكِ طعام أو شراب وأنتِ ترين فتاةً تلو فتاة من فتياتنا قد رَمَت بحجابها، وتركت صلاتها، وعصت أمر ربّها، منساقة وراء أبواقٍ خاسئة؟! رحماكَ يا الله، كيف تقوى نفسكِ على القعود وأنت تملكين – بفضل الله تعالى – القدرة على تحصين نفسكِ، وأخواتك من حبائل المفسدين ومكايد العابثين؟!. ثم هل من المعقول التفريط بسيرةِ سليلة الطهر والعفاف (عليها السلام)، وعدم تطبيقها في زمننا الحالي؟! فيا ابنة الإسلام انهضي، فيكِ انطوى العالم الأكبر، فلِمَ العزلة والتقهقر ! _________________ (١) الكافي، ج٢، باب الاهتمام بأمور المسلمين، ح١. (٢) النساء:٣٦. (٣) الكافي، ج٢، باب التحبب إلى الناس والتودد إليهم، ح١. (٤) غرر الحكم: ٢٤٦٦. (٥) منهاج الصالحين: للسيد السيستاني، ج١، م١٩. (٦) السيدة زينب (عليها السّلام) رائدة الجهاد في الإسلام: باقر شريف القرشي، ص٤٥-٤٦. اللّهم أجرِ للناس على يدينا الخير، وسددّ خطانا يا قويّ يا خبير، وصلِ اللّهم على محمدٍ وآله البشير النذير. علوية الحسيني

اخرى
منذ 7 سنوات
4179

ضياءٌ وإحياء مِن كلام ربِّ السماء (٤)

بقلم: علوية الحسيني سُبحان قال تعالى: بسم الله الرحمن الرحيم {سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُون} (1) مفردةٌ ذات خمسة أحرف، لها جذور قرآنية وروائية، تلهج بها الألسن سلوكًا، ودعاءً وصلاةً. غالبًا ما تكون مقرونة بلفظ الجلالة أو أحد أسمائه الحسنى، فنقول: (سبحان الله)، (سبحان الواحد الأحد) وهكذا، وأحيانًا تقرن بضمير يعود عليه جلّ جلاله، فنقول: (سبحانه)، (سبحانك)، وأحيانًا أُخرى تقرن بالاسم الموصول، فنقول: (سبحان الذي)، وأُخرى تقرن باسم، فنقول: (سبحان ربّك، سبحان ربّنا) وجميع ما تقرن به يدل على الله تعالى. مفردة (سبحان) تحول الواقع النظري إلى عملي، فتضيء النظري، وتحيي العملي، فتحيي فينا حياة المعرفة الإلهية، بتسديداتٍ ربانيّة سبحانية. وسوف تضيء لنا هذه المفردة النقاط التالية: ■النقطة الأولى: الاستخدام اللغوي لمفردة: سبحان. سبحان نوع من التسبيح، و "التَّسبيح: هو تنْزيهُ الله جلَّ ثناؤه من كلِّ سوء. والتَّنْزيه: التبعيد. والعرب تقول: سبحان مِن كذا، أي ما أبعدَه" (2). ■النقطة الثانية: الاستخدام القرآني لمفردة: سبحان. إنّ المتأمل في الآيات القرآنية الكريمة يجد أنّ مفردة (سبحان) تكررت أربعة وأربعين مرّة، وجميعها تعطي معنىً واحدًا، وهو التنزيه، كما اتفقت التفاسير الشيعية على ذلك، حسب الظهور السياقي للآيات التي ممكن تقسيمها إلى ما يلي: 1- تنزيه الله تعالى عن أن يشاركه أحدٌ في علم الغيب دون إذنه، كما في قوله تعالى: { قَالُوا سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا ۖ إِنَّكَ أَنتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيم} (3)، فعلم الغيب علمٌ استأثر الله تعالى به لنفسه، ولم يطلع على بعضه أحدًا إلاّ مَن شاء، بقول تعالى: {عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَىٰ غَيْبِهِ أَحَدًا * اِلَّا مَنِ ارْتَضَىٰ مِن رَّسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدا} (4)، أما إذا لم يشأ سبحانه اطلاع أفاضل خلقه على غيبه، فيستأثر به لنفسه، رغم أفضلية منزلته عند ربّه على سائر الأنبياء والملائكة، مثل: أ/ أمر الرّوح، يقول تعالى: {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ ۖ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي} (5). فانفرد تعالى بالعلم بالروح، وأمر نبيّه (صلى الله عليه وآله وسلم) أن يرجع أمر العلم بحقيقتها لربّها فقط، فسبحانه من أن يشاركه أحد من خلقه في ذلك. ب/ يوم القيامة، يقول تعالى: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا ۖ قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِندَ رَبِّي ۖ لَا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلَّا هُو} (6). فانفرد تعالى بالعلم بموعد قيام القيامة، وأيضًا امر نبيّه (صلى الله عليه وآله وسلّم) أن يرجع أمر تحديد زمانها إلى ربّه وحده، وسبحانه من أن يشاركه أحد من خلقه في ذلك. ج/ توحيد الله تعالى لنفسه، يقول تعالى: {شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ ۚ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيم} (7). فانفرد تعالى بكيفية توحيده لنفسه، وسبحانه من أن يشاركه أحد من خلقه في ذلك. فها هو الإله منزّه عن مشاركة خلقه لعلمه الغيبي. 2- تنزيه الله تعالى عن أن يكون له ولد. الأقوام السابقة الضالة اختلفت في نسبة نوع الولد لله تعالى، فمنهم من نسبَ له تعالى أن يكون له ابن من الذكور، كاليهود الذين قالوا بأنّ عزير ابن الله، والنصارى الذين قالوا إنّ عيسى ابن الله، سبحانه عمّا ينسبون، {وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّه} (8)، ولهذا جاءت الآية الكريمة منزّهة لله تعالى عن تلك النسبة، حيث قال تعالى: {إِنَّمَا اللَّهُ إِلَٰهٌ وَاحِدٌ ۖ سُبْحَانَهُ أَن يَكُونَ لَهُ وَلَد} (9). ومن الأقوام الضالة من نسب لله تعالى أن تكون له البنات أبناءً، ويكون لهم البنين،{ وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ الْبَنَاتِ سُبْحَانَه} (10)، ونزّه الله سبحانه نفسه عن تلك النسبة. ومنهم من نسب لله تعالى أن تكون له الملائكة أبناء {وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَٰنُ وَلَدًا ۗ سُبْحَانَهُ ۚ بَلْ عِبَادٌ مُّكْرَمُون} (11)، فالله تعالى نزّه نفسه عن تلك النسبة أيضًا، وتنقل بعض التفاسير أنّ المنزلة العظيمة التي أعطاها الله سبحانه لملائكته ناشئة من علمه الأزلي بأقوالهم وأفعالهم جميعها طاعةً له – إذ خلقهم بعقلٍ فقط- " (12). والآيات كثيرة بصدد هذا المضمار، وجميعها تذيّل بكلمة (سبحانه)، أو (سبحانك)، أو (سبحان ربّك)، وما شابه، فتنزَّه الله تعالى عن أن يكون له ولد، بنت، ملائكة، أبناءً. 3- تنزيه الله تعالى عن الشريك في الملك، كما في قوله تعالى: {لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا ۚ فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُون} (13)، وهذه الآية مستبطنة لقضية شرطية –كما يستدل المناطقة- مؤداها نفي الشريك عن الله تعالى في الواقع الخارجي، بدلالة كلمة (سبحان الله) أي تنزّه الباري تعالى أن يكون له شريك، وذيل الآية جاء للفظ الجلالة –وهو ربّ العرش أي ربّ العلم، فلو كان لله تعالى شريك في الملك لكان تعالى عالمًا بذلك الشريك وبأفعاله وآثاره؛ لعلمه المطلق جلّ جلاله. ثم استنكرت الآية في ذيلها ما يصفون لله من شريك؛ ترتيبًا على التنزيه. 4- تنزيه الله تعالى عن التجسيم ولوازمه كالرؤية، كما قال تعالى: {فَلَمَّا جَاءَهَا نُودِيَ أَن بُورِكَ مَن فِي النَّارِ وَمَنْ حَوْلَهَا وَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ* يَا مُوسَىٰ إِنَّهُ أَنَا اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيم} (14)، فهنا نبي الله موسى (عليه السلام) نزّه ربّه من أن يكون كالنور المادي المحسوس، وقول النبيّ حجّة، فوجب تنزيه الله تعالى عن الرؤية. 5- تنزيه الله تعالى عن الظلم، كما قال تعالى: {وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِن كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولا} (15)، إنّ العقل يدرك إجمالاً الحسن والقبح، فيقول هذا الفعل حسن، وهذا الفعل قبيح، فيؤمن أنّ الإيفاء بالوعد أمرٌ حسن، وخلفه قبيح، وبالتالي إنّ الله تعالى وعدَ عباده المطيعين الجنة، ووعد العاصين منهم النار، وإن لم يوف بعهده كان ظالمًا، والظلم أمرٌ قبيح؛ فهو هنا مترتب على خلف الوعد. ولهذا جاءت الآية منزّهة لله تعالى عن الظلم؛ بقرينة كلمة (سبحان ربّنا)، وهي حاكية عن لسان قومٍ وجدوا حقًا ما وعدهم ربّهم. ■النقطة الثالثة: الاستخدام الروائي لمفردة: سبحان. الروايات الشريفة كان رأس مالها الآيات الكريمة، فاستند الثقل الأصغر على الأكبر، وكان المؤدى واحدًا، وهو تفسير مفردة (سبحان) بالتنزيه؛ روي عن هشام الجواليقي، قال: "سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن قول الله (عز وجل): سبحان الله ما يعني به؟ قال: تنزيهه"(16). ولم تزد الروايات على ذلك في المعنى. ■النقطة الرابعة: التفاتة عقائدية. إنّ عقيدة الشيعة تجذرت على ما جاءت به الآيات الكريمة، والروايات الشريفة، هذا من جانب النقل. أما من جانب العقل فلكلِّ تنزيه استدلال عقلي يختلف عن الآخر، لابد من التعريج عليه، بل والتركيز؛ لأنّ العقل طريق مشترك بين ذوي الأديان والمذاهب، وبالتالي يكون أشد صلابةً كدليلٍ ممكن أن يحاجج به لإثبات تنزيه الله تعالى، والكلام هنا ضمن نقاط: 1- الاستدلال العقلي على تنزيه الله تعالى من إثبات الولد له. بقضيةٍ شرطيةٍ نقول: لو كان لله تعالى ولد لكان هو أبًا له، والتالي باطل، فالمقدم مثله في البطلان. بيان الملازمة: إن كان الله تعالى أبًا لكان له أب أيضًا، ولذلك الأب أب، وهكذا تتسلسل السلسلة، وبالتالي سيكون الله تعالى مخلوقًا من أبيه –على مبنى الفرض-، وعبادة المخلوق كفر؛ فالمخلوق لا يملك لنفسه نفعًا ولا ضرًا ولا موتًا ولا حياةً ولا نشورًا فأنّى له أن يُعبد ويغني عباده وهو في نفسه حقير فقير محتاج إلى خالقه؟! فالأب ليس العلّة التامة للابن، بل هو علّة ناقصة، وعلّته التامة هو الله تعالى. وبهذا ثبت تنزيه الله سبحانه عن اثبات الولد له. 2- الاستدلال العقلي على تنزيه الله تعالى عن إثبات الشريك له. هنا ممكن الاستدلال بدليل التمانع، المتكوّن من قضية شرطية أيضًا. وخلاصته: "لو كان لله شريك للزم فساد الكون، وهذا الدليل مستنبط من قوله تعالى: {لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا} (17)، والتالي باطل، والمقدم مثله في البطلان. بيان الملازمة: لو أراد الله تعالى خلْق جسم ما، وأراد الإله الآخر خلْق نفس الجسم، فهنا احتمالان: ١/إن اختلفت إرادتهما بأن يريده أحدهما ساكنًا، والآخر متحركًا، فالأمر لا يخلو عن ثلاث فرضيات: أ- أن يقع مرادهما، وهذا باطل؛ لأنه يلزم اجتماع النقيضين -الحركة والسكون-. ب- أن يقع مراد أحدهما، وهذا باطل؛ لأنه ترجيح بلا مرجح، ويدل على عجز الإله الثاني، فتنتفي فرضية وجود شريك مع الله سبحانه. ج- أن لا يقع مرادهما، وهذا باطل؛ لأنّه يلزم خلو الجسم من الحركة والسكون. ٢/إن اتحدت إرادتهما، بأن يريدا الجسم أن يكون متحركًا مثلاً، وهذا باطل أيضًا؛ لأنّ الجسم لا تتعلق به أكثر من إرادة واحدة، وبالتالي يقع مراد أحدهما، ويكون الآخر عاجزًا، والعاجز لا يصح أن يكون إلهًا، وهذا ينفي وجود شريك مع الله سبحانه" (18). 3- الاستدلال العقلي على تنزيه الله تعالى عن اثبات الجسم له. أيضًا بقضية شرطيةٍ نقول: لو كان الله تعالى جسمًا لكان تعالى محتاجًا إلى أجزائه، والتالي باطل فالمقدم مثله في البطلان. بيان الملازمة: لأنه لو لكان تعالى محتاجًا إلى أجزائه فالاحتياج صفة المخلوقات، والله سبحانه هو الغني المطلق، وهذا ينافي قول الله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ ۖ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيد}. أيضًا لو كان جسمًا لجرت عليه أحكام وقوانين الزمكان، فيلزم أن يكون موجوداً في المكان والزمان الذي تُفترض رؤيته فيه، وعدم وجوده في سائر الأزمنة والأمكنة الاخرى، وهذا ينافي قوله تعالى:{وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ ۚ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِير})، فلو حواه مكان للزمت الإشارة إليه بالحواس -بالنظر أو باليد-، والمشار إليه محدود. وما امتازت به الشيعة الاماميّة هو الاعتقاد ببساطة ذات الله تعالى، والمراد بالبساطة: عدم التركيب -الملازم للجسميّة-. وبما انّ واجبيّة الوجود هي المائز بين الموجود الواجب والممكن منه، تعيّن التعريف بذلك. الموجود الواجب: هـو الموجودُ الذي يكون وجودهُ نابعاً مِن صميمِ ذاتهِ، ومتحقق الوجود خارجًا بالضرورة. والموجود الممكن: هو الموجودُ الذي يكون وجودهُ مفاضًا عليه، اذ تساوت نسبة الوجودِ والعدم فيه، ولا يستدعي في حدِّ ذاتهِ ترجيح أحد النسبتين، بـل علّته الواجبّة ترجّح له نسبةٍ الوجود. ومِن هنا يتضح انّ واجبَ الوجودِ غنيٌ، غير محتاجٍ بلحاظ علِّيته، بينما الممكنُ محتاجٌ الى علّته، بلحاظ معلوليّته. واذا تعيَّن غنى الواجب سبحانه تعيَّن عدم كونه مركباً مِن أجزاء، فالمرّكب محتاجٌ لأجزائه، والاحتياج مِن سمات الممكن، اذًا الواجبُ بسيطُ الذات. ولإثبات بساطة ذاته تعالى نقول: إنّ الماهيّة إمّا أن تكون مركبة أو بسيطة، فالمركبة منها: أ- قد تكون مركبة تركيبًا عقليًّا (مِن قبيل النوع والجنس والفصل)، وهذا التركيب محالٌ على الله تعالى، "فلو كانَ الله تعالى له ماهيةً مركبة لكانت له أجزاءً عقليّة". والتالي باطلٌ، فالمقدّم مثلهُ في البطلان. ب- وقد تكون مركبة تركيبًا مقداريًا (مِن قبيل الخط والجسم والسطح) والمراد بالخط: هو المتحيّز الذي يقبل القسمة في الطول فقط. والسطح: هو المتحيّز الذي يقبل القسمة في الطول والعرض فقط. والجسم: هو المتحيّز الذي يقبل القسمة في الطول والعرض والعمق. وهذا التركيب محالٌ على الله تعالى أيضًا، بدليل القضيّة الشرطيّة التالية: "لو كانت ذات الله مركبة تركيبًا مقداريًا لكانت متحيّزة". والتالي باطل؛ لاحتياج المتحيّز الى مكان، والاحتياج ينافي الغنى المُطلق، فالمقدّم مثله في البطلان. ج- وقد تكون مركبة تركيبًا خارجيًا ( مِن قبيل الصورة والمادة) فالصورة: هي الجوهر المفيد لفعلية القوّة. والمادة: هي الجوهر الحامل للقوة. والله تعالى ليس بجوهر، فهو ليس بصورة، ولا مادة. "فلو كانَ الله تعالى جوهرًا لزمَ أن لا يخلو مِن الحوادث". والتالي باطل؛ لأنّ الذي لا يخلو مِن الحوادث فـهو حادث، والحادثية تنافي الأزلية، فالمقدّم مثله في البطلان. وإذا سقطَ فرضُ كون ماهية الله تعالى مركبة -بجميع أقسامها- ثــبَتَ فرضُ كونها بسيـطة، وتنزّه سبحانه عن الجسمية ولوازمها، وهوَ المطلوب. 4- الاستدلال العقلي على تنزيه الله تعالى عن اثبات الظلم له. إنّ العدل صفة كمال، واتصاف المولى بها يعد كمالاً له تعالى، وسلب العدل عنه تعالى يعدّ نقصًا له جلّ جلاله؛ لأنّه عندئذٍ سيوصف بالظلم، وهذا محال؛ لأنّه خلافٌ لما نراه من عدله في الأمور التكوينية والتشريعية والجزائية. ________________________ (1) الصافات: 159. (2) معجم مقاييس اللغة: لأحمد بن فارس، ج3، ص125. (3) البقرة: 32. (4) الجن 26-27 (5) الإسراء: 85. (6) الأعراف: 187. (7) آل عمران: 18. (8) التوبة: 30. (9) النساء: 171. (10) النحل: 57. (11) الأنبياء: 26. (12) الميزان في تفسير القرآن: للعلامة الطباطبائي، ج14، ص276. (13) الأنبياء: 22. (14) النمل: 8. (15) الإسراء: 108. (16) التوحيد: للشيخ الصدوق، ب45، ح3. (17) الأنبياء: 22 (18) ظ: أجوبة الشبهات الكلامية: محمد قراملكي، ج1، ص385. وسبحان ربّك ربّ العزّة عمّا يصفون، والحمد لله ربّ العالمين، وصل اللّهم على محمّد وآله الطاهرين.

النكات العلمية في القرآن الكريم
منذ 6 سنوات
3687

التعليقات

يتصدر الان

لا تعاشر نفساً شبعت بعد جوع

يستشهد الكثير من الناس ــ وحتى بعض المثقفين ــ بقول:" لا تعاشر نفساً شبعت بعد جوع فإن الخير فيها دخيل وعاشر نفساً جاعت بعد شبع فإن الخير فيها أصيل" على أنه من أقوال أمير المؤمنين علي (عليه السلام)، كما يستشهدون أيضاً بقولٍ آخر ينسبونه إليه (عليه السلام) لا يبعد عن الأول من حيث المعنى:"اطلبوا الخير من بطون شبعت ثم جاعت لأن الخير فيها باق، ولا تطلبوا الخير من بطون جاعت ثم شبعت لأن الشح فيها باق"، مُسقطين المعنى على بعض المصاديق التي لم ترُق افعالها لهم، لاسيما أولئك الذين عاثوا بالأرض فساداً من الحكام والمسؤولين الفاسدين والمتسترين عل الفساد. ونحن في الوقت الذي نستنكر فيه نشر الفساد والتستر عليه ومداهنة الفاسدين نؤكد ونشدد على ضرورة تحرّي صدق الأقوال ومطابقتها للواقع وعدم مخالفتها للعقل والشرع من جهة، وضرورة التأكد من صدورها عن أمير المؤمنين أبي الأيتام والفقراء (عليه السلام) أو غيرها من المعصومين (عليهم السلام) قبل نسبتها إليهم من جهة أخرى، لذا ارتأينا مناقشة هذا القول وما شابه معناه من حيث الدلالة أولاً، ومن حيث السند ثانياً.. فأما من حيث الدلالة فإن هذين القولين يصنفان الناس الى صنفين: صنف قد سبق له أن شبع مادياً ولم يتألم جوعاً، أو يتأوه حاجةً ومن بعد شبعه جاع وافتقر، وصنف آخر قد تقلّب ليله هماً بالدين، وتضوّر نهاره ألماً من الجوع، ثم شبع واغتنى،. كما جعل القولان الخير متأصلاً في الصنف الأول دون الثاني، وبناءً على ذلك فإن معاشرة أفراد هذا الصنف هي المعاشرة المرغوبة والمحبوبة والتي تجرّ على صاحبها الخير والسعادة والسلام، بخلاف معاشرة أفراد الصنف الثاني التي لا تُحبَّذ ولا تُطلب؛ لأنها لا تجر إلى صاحبها سوى الحزن والندم والآلام... ولو تأملنا قليلاً في معنى هذين القولين لوجدناه مغايراً لمعايير القرآن الكريم بعيداً كل البعد عن روح الشريعة الاسلامية ، وعن المنطق القويم والعقل السليم ومخالفاً أيضاً لصريح التاريخ الصحيح، بل ومخالف حتى لما نسمعه من قصص من أرض الواقع أو ما نلمسه فيه من وقائع.. فأما مناقضته للقرآن الكريم فواضحة جداً، إذ إن الله (تعالى) قد أوضح فيه وبشكلٍ جلي ملاك التفاضل بين الناس، إذ قال (عز من قائل):" يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (13)"(1) جاعلاً التقوى مِلاكاً للتفاضل، فمن كان أتقى كان أفضل، ومن البديهي أن تكون معاشرته كذلك، والعكس صحيحٌ أيضاً. وعليه فإن من سبق حاجتُه وفقرُه شبعَه وغناه يكون هو الأفضل، وبالتالي تكون معاشرته هي الأفضل كذلك فيما لو كان تقياً بخلاف من شبع وكان غنياً ، ثم افتقر وجاع فإنه لن يكون الأفضل ومعاشرته لن تكون كذلك طالما كان بعيداً عن التقوى. وأما بُعده عن روح الشريعة الإسلامية فإن الشريعة لطالما أكدت على أن الله (سبحانه وتعالى) عادلٌ لا جور في ساحته ولا ظلمَ في سجيته، وبالتالي لا يمكن أن يُعقل إطلاقاً أن يجعل البعض فقيراً ويتسبب في دخالة الخير في نفوسهم، التي يترتب عليها نفور الناس من عشرتهم، فيما يُغني سواهم ويجعل الخير متأصلاً في نفوسهم بسبب إغنائه إياهم ليس إلا ومن ثم يتسبب في كون الخير متأصلاً في نفوسهم، وبالتالي حب الناس لعشرتهم. فإن ذلك مخالف لمقتضى العدل الإلهي لأنه ليس بعاجزٍ عن تركه ولا بمُكره على فعله، ولا محب لذلك لهواً وعبثاً (تعالى عن كل ذلك علواً كبيراً). كما إن تأصل الخير في نفوس بعض الناس ودخالته في نفوس البعض الآخر منهم بناءً على أمر خارج عن إرادتهم واختيارهم كـ(الغنى والشبع أو الجوع والفقر) إنما هو أمرٌ منافٍ لمنهج الشريعة المقدسة القائم على حرية الانسان في اختياره لسبيل الخير والرشاد أو سبيل الشر والفساد، قال (تعالى):" إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا (3)"(2) بل إن الانسان أحياناً قد يكون فقيراً بسبب حب الله (تعالى) له، كما ورد في الحديث القدسي: "أن من عبادي من لا يصلحه إلا الغنى فلو أفقرته لأفسده ذلك و أن من عبادي من لا يصلحه إلا الفقر فلو أغنيته لأفسده ذلك"(3) وهل يمكن ان نتصور أن الخيرَ دخيلٌ فيمن يحبه الله (تعالى) أو إن معاشرته لا تجدي نفعا، أو تسبب الهم والألم؟! نعم، ورد عن أمير المؤمنين (عليه السلام):"اِحْذَرُوا صَوْلَةَ اَلْكَرِيمِ إِذَا جَاعَ وَ اَللَّئِيمِ إِذَا شَبِعَ"(4) ولا يقصد به الجوع والشبع المتعارف عليه لدى الناس، وإنما المراد منه: احذروا صولة الكريم إذا اُمتُهِن، واحذروا صولة اللئيم إذا أكرم، وفي هذا المعنى ورد عنه (عليه السلام) أيضاً: "احذروا سطوة الكريم إذا وضع و سورة اللئيم إذا رفع"(5) وأما العقل السليم والمنطق القويم فإنهما يقتضيان أن تتأصل صفة الخير في الإنسان لملكاتٍ حميدة يتسم بها وصفات فضيلة يتميز بها، لا أن تتأصل صفة الخير في نفسه لمجرد أنه ولد في أسرة تتمتع بالرفاهية الاقتصادية ووجد في بيئة تتنعم بالثروات المادية! وعند مراجعتنا للتاريخ الصحيح نجد أن قادة البشر وصفوة الناس إنما كان أغلبهم ينتمي الى الطبقات الفقيرة من المجتمع، فهؤلاء الأنبياء ورسل الله (صلوات الله عليهم) منهم من كان نجاراً أو خياطاً أو راعياً، ومع ذلك فقد كانوا من أطيب الناس خلقاً، وأعظمهم شرفاً، وأرفعهم منزلةً، قد تأصّل الخير في نفوسهم تأصّلاً حتى غدوا قطعة منه، فكانوا هم الخير للبشر، وهم الرحمة للعالمين. وبالنزول إلى أرض الواقع نجد أن الكثير من الفقراء والمساكين طيبي الروح، كريمي النفس، يتألمون لألم المحتاج ولربما يؤثرونه على أنفسهم رغم حاجتهم. ولا نقصد من كلامنا هذا أن الأغنياء هم على نقيض ذلك، وإنما تأكيداً على مسألة عدم ارتباط تأصل الخير في النفوس وعدمه بمستواهم الاقتصادي الذي نشأوا فيه ارتباط العلة والمعلول، فكما إن بعض الفقراء أخيار، فإن بعض الأغنياء كذلك، والعكس صحيح أيضاً. ومن هنا يُفهم من بعض الروايات ضرورة عدم طلب الخير والحاجات ممن هم أهل للخير بقطع النظر عن مستواهم المعاشي الحالي والسابق، منها ما روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام):"أشد من الموت طلب الحاجة من غير أهلها"(5)، وعنه (عليه السلام) أيضاً: "فوت الحاجة أهون من طلبها إلى غير أهلها"(6) إذن فلا صحة لهاتين المقولتين من حيث الدلالة، حتى وإن تنزلنا وحملنا الجوع والشبع على المعنى المعنوي لا المادي؛ وذلك لأنه حتى من يفتقر الى الأخلاق المعنوية فإنه ما إن يتكامل بالفضائل ويقلع عن الرذائل حتى يتسم بالخير وتحسن عشرته وتطيب للناس صحبته، والعكس صحيحٌ أيضا.. ومن البديهي أن ما لا يوافق العقل والمنطق السليم، ويخالف صريح القرآن الكريم، لا يمكن أن يصدر من وصي الرسول الكريم (صلوات الله عليهما وآلهما)، وعليه لا تصح نسبة هذين القولين الى أمير المؤمنين (عليه السلام).. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) الحجرات 13 (2) الانسان 3 (3) عوالي الآلي ج2 ص29 (4) غرر الحكم ج1 227 (5) المدر السابق ج1 ص246 (6) ميزان الحكمة ج4 ص 238 رضا الله غايتي

اخرى
منذ 7 سنوات
85843

بين طيبة القلب وحماقة السلوك...

خلق الله الأشياء كلها في الحياة ضمن موازين وقياسات... فالزيادة أو النقيصة تسبب المشاكل فيها. وهكذا حياتنا وأفعالنا وعواطفنا لا بد أن تكون ضمن موازين دقيقة، وليست خالية منها، فالزيادة والنقيصة تسبب لنا المشاكل. ومحور كلامنا عن الطيبة فما هي؟ الطيبة: هي من الصفات والأخلاق الحميدة، التي يمتاز صاحبها بنقاء الصدر والسريرة، وحُبّ الآخرين، والبعد عن إضمار الشر، أو الأحقاد والخبث، كما أنّ الطيبة تدفع الإنسان إلى أرقى معاني الإنسانية، وأكثرها شفافية؛ كالتسامح، والإخلاص، لكن رغم رُقي هذه الكلمة، إلا أنها إذا خرجت عن حدودها المعقولة ووصلت حد المبالغة فإنها ستعطي نتائج سلبية على صاحبها، كل شيء في الحياة يجب أن يكون موزوناً ومعتدلاً، بما في ذلك المحبة التي هي ناتجة عن طيبة الإنسان، وحسن خلقه، فيجب أن تتعامل مع الآخرين في حدود المعقول، وعندما تبغضهم كذلك وفق حدود المعقول، ولا يجوز المبالغة في كلا الأمرين، فهناك شعرة بين الطيبة وحماقة السلوك... هذه الشعرة هي (منطق العقل). الإنسان الذي يتحكم بعاطفته قليلاً، ويحكّم عقله فهذا ليس دليلاً على عدم طيبته... بالعكس... هذا طيب عاقل... عكس الطيب الأحمق... الذي لا يفكر بعاقبة أو نتيجة سلوكه ويندفع بشكل عاطفي أو يمنح ثقة لطرف معين غريب أو قريب... والمبررات التي يحاول إقناع نفسه بها عندما تقع المشاكل أنه صاحب قلب طيب. الطيبة لا تلغي دور العقل... إنما العكس هو الصحيح، فهي تحكيم العقل بالوقت المناسب واتخاذ القرار الحكيم الذي يدل على اتزان العقل، ومهما كان القرار ظاهراً يحمل القسوة أحياناً لكنه تترتب عليه فوائد مستقبلية حتمية... وأطيب ما يكون الإنسان عندما يدفع الضرر عن نفسه وعن الآخرين قبل أن ينفعهم. هل الطيبة تصلح في جميع الأوقات أم في أوقات محددة؟ الطيبة كأنها غطاء أثناء الشتاء يكون مرغوباً فيه، لكنه اثناء الصيف لا رغبة فيه أبداً.. لهذا يجب أن تكون الطيبة بحسب الظروف الموضوعية... فالطيبة حالة تعكس التأثر بالواقع لهذا يجب أن تكون الطيبة متغيرة حسب الظروف والأشخاص، قد يحدث أن تعمي الطيبة الزائدة صاحبها عن رؤيته لحقيقة مجرى الأمور، أو عدم رؤيته الحقيقة بأكملها، من باب حسن ظنه بالآخرين، واعتقاده أن جميع الناس مثله، لا يمتلكون إلا الصفاء والصدق والمحبة، ماي دفعهم بالمقابل إلى استغلاله، وخداعه في كثير من الأحيان، فمساعدة المحتاج الحقيقي تعتبر طيبة، لكن لو كان المدّعي للحاجة كاذباً فهو مستغل. لهذا علينا قبل أن نستخدم الطيبة أن نقدم عقولنا قبل عواطفنا، فالعاطفة تعتمد على الإحساس لكن العقل أقوى منها، لأنه ميزان يزن الأشياء رغم أن للقلب ألماً أشد من ألم العقل، فالقلب يكشف عن نفسه من خلال دقاته لكن العقل لا يكشف عن نفسه لأنه يحكم بصمت، فالطيبة يمكن أن تكون مقياساً لمعرفة الأقوى: العاطفة أو العقل، فالطيّب يكون قلبه ضعيفاً ترهقه الضربات في أي حدث، ويكون المرء حينها عاطفياً وليس طيباً، لكن صاحب العقل القوي يكون طيباً أكثر من كونه عاطفياً. هل الطيبة تؤذي صاحبها وتسبب عدم الاحترام لمشاعره؟ إن الطيبة المتوازنة المتفقة مع العقل لا تؤذي صاحبها لأن مفهوم طيبة القلب هو حب الخير للغير وعدم الإضرار بالغير، وعدم العمل ضد مصلحة الغير، ومسامحة من أخطأ بحقه بقدر معقول ومساعدة المحتاج ... وغيرها كثير. أما الثقة العمياء بالآخرين وعدم حساب نية المقابل وغيرها فهذه ليست طيبة، بل قد تكون -مع كامل الاحترام للجميع- غباءً أو حماقة وسلوكاً غير عقلاني ولا يمت للعقل بصلة. إن المشكلة تقع عند الإنسان الطيب عندما يرى أن الناس كلهم طيبون، ثم إذا واجهه موقف منهم أو لحق به أذى من ظلم أو استغلال لطيبته، تُغلق الدنيا في وجهه، فيبدأ وهو يرى الناس الطيبين قد رحلوا من مجتمعه، وأن الخير انعدم، وتحصل له أزمة نفسية أو يتعرض للأمراض، لأن الطيّب يقدم الإحسان للناس بكل ما يستطيع فعله، ويقدّم ذلك بحسن نية وبراءة منه، فهو بالتالي ينتظر منهم الرد بالشكر أو المعاملة باللطف على الأقل... صحيح أن المعروف لوجه الله، ولكن من باب: من لم يشكر المخلوق لم يشكر الخالق، لذلك يتأذى عندما يصدر فعل من الشخص الذي كان يعامله بكل طيب وصدق. هل الطيبة والصدق من علامات ضعف الشخصية؟ الكثير من الناس يصف طيب القلب بأنه ضعيف الشخصية، لأنه يتصف بعدم الانتقام ممن ظلمه، والصفح عنه عند رجوعه عن الخطأ، وأنه لا يحب إيقاع الآخرين بالمشاكل؛ لأنه مقتنع أن الله سيأخذ له حقه. والحقيقة هي أن الصدق والطيبة وحسن الظن بالآخرين ليست ضعف شخصية، بل هي من الأخلاق الراقية وهي تزيد صاحبها سمواً وجمالاً روحياً، وليس من المعيب أن يمتلك الإنسان الطيبة بل العيب في من لا يُقدّر هذه الطيبة ويعطيها حقها في التعامل بالمثل. فالمشكلة الأساسية ليست في الطيبة، إنما في استغلال الآخرين لهذه الطيبة، نتيجة لعدم عقلنة قراراتنا والاعتماد على عواطفنا بشكل كلي. فالصدق والطيبة حسب المنطق والعقل، ولها فوائد جمة للنفس ولعموم أفراد المجتمع، فهي تحصين للشخص عن المعاصي، وزيادة لصلة الإنسان بربه، وتهذيب للنفس والشعور بالراحة النفسية، فالصادق الطيب ينشر المحبة بين الناس، وهذا يعزّز التماسك الاجتماعي وتقويته من سوء الظنون والحقد، وهذا التعامل أكّدت عليه جميع الشرائع السماوية، ولو تأمّلنا تاريخ وأخلاق الأنبياء والأوصياء لوجدنا كل ما هو راقٍ من الأخلاق والتعامل بالطيبة والصدق... حنان الزيرجاوي

اخرى
منذ 7 سنوات
71947

لا تقاس العقول بالأعمار!

(لا تقاس العقول بالأعمار، فكم من صغير عقله بارع، وكم من كبير عقله فارغ) قولٌ تناولته وسائل التواصل الاجتماعي بكل تقّبلٍ ورضا، ولعل ما زاد في تقبلها إياه هو نسبته الى أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام)، ولكننا عند الرجوع إلى الكتب الحديثية لا نجد لهذا الحديث أثراً إطلاقاً، ولا غرابة في ذلك إذ إن أمير البلاغة والبيان (سلام الله وصلواته عليه) معروفٌ ببلاغته التي أخرست البلغاء، ومشهورٌ بفصاحته التي إعترف بها حتى الأعداء، ومعلومٌ كلامه إذ إنه فوق كلام المخلوقين قاطبةً خلا الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله) ودون كلام رب السماء. وأما من حيث دلالة هذه المقولة ومدى صحتها فلابد من تقديم مقدمات؛ وذلك لأن معنى العقل في المفهوم الإسلامي يختلف عما هو عليه في الثقافات الأخرى من جهةٍ، كما ينبغي التطرق الى النصوص الدينية الواردة في هذا المجال وعرضها ولو على نحو الإيجاز للتعرف إلى مدى موافقة هذه المقولة لها من عدمها من جهةٍ أخرى. معنى العقل: العقل لغة: المنع والحبس، وهو (مصدر عقلت البعير بالعقال أعقله عقلا، والعِقال: حبل يُثنَى به يد البعير إلى ركبتيه فيشد به)(1)، (وسُمِّي العَقْلُ عَقْلاً لأَنه يَعْقِل صاحبَه عن التَّوَرُّط في المَهالِك أَي يَحْبِسه)(2)؛ لذا روي عنه (صلى الله عليه وآله): "العقل عقال من الجهل"(3). وأما اصطلاحاً: فهو حسب التصور الأرضي: عبارة عن مهارات الذهن في سلامة جهازه (الوظيفي) فحسب، في حين أن التصوّر الإسلامي يتجاوز هذا المعنى الضيّق مُضيفاً إلى تلك المهارات مهارة أخرى وهي المهارة العبادية. وعليه فإن العقل يتقوّم في التصور الاسلامي من تظافر مهارتين معاً لا غنى لأحداهما عن الأخرى وهما (المهارة العقلية) و(المهارة العبادية). ولذا روي عن الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله) أنه عندما سئل عن العقل قال :" العمل بطاعة الله وأن العمّال بطاعة الله هم العقلاء"(4)، كما روي عن الإمام الصادق(عليه السلام)أنه عندما سئل السؤال ذاته أجاب: "ما عُبد به الرحمن، واكتسب به الجنان. فسأله الراوي: فالذي كان في معاوية [أي ماهو؟] فقال(عليه السلام): تلك النكراء، تلك الشيطنة، وهي شبيهة بالعقل وليست بالعقل"(5) والعقل عقلان: عقل الطبع وعقل التجربة، فأما الأول أو ما يسمى بـ(الوجدان الأخلاقي) فهو مبدأ الادراك، وهو إن نَما وتطور سنح للإنسان فرصة الاستفادة من سائر المعارف التي يختزنها عن طريق الدراسة والتجربة وبالتالي يحقق الحياة الإنسانية الطيبة التي يصبو اليها، وأما إن وهن واندثر لإتباع صاحبه الأهواء النفسية والوساوس الشيطانية، فعندئذٍ لا ينتفع الانسان بعقل التجربة مهما زادت معلوماته وتضخمت بياناته، وبالتالي يُحرم من توفيق الوصول إلى الحياة المنشودة. وعقل التجربة هو ما يمكن للإنسان اكتساب العلوم والمعارف من خلاله، وما أروع تشبيه أمير البلغاء (عليه السلام) العلاقة التي تربط العقلين معاً إذ قال فيما نسب إليه: رأيت العقل عقلين فمطبوع ومسموع ولا ينفع مسموع إذ لم يك مطبــوع كما لا تنفع الشمس وضوء العين ممنوع(6) فقد شبّه (سلام الله عليه) عقل الطبع بالعين وعقل التجربة بالشمس، ومما لاشك فيه لكي تتحقق الرؤية لابد من أمرين: سلامة العين ووجود نور الشمس، وكما إن الثاني لا ينفع إن لم يتوفر الأول فكذلك عقل التجربة لا ينفع عند غياب عقل الطبع فضلاً عن موته. وبما إن عقل الطبع قد ينمو ويزدهر فينفع صاحبه من عقل التجربة، وقد يموت ويندثر عند الاستسلام لإضلال شبهةٍ أوبسبب إرتكاب معصية، فإنه ومن باب أولى أن يتعرض الى الزيادة والنقصان كما سيأتي... وقد ورد في النصوص الدينية أن للعقل زمناً ينمو فيه ويكتمل، فعن إمامنا أبي عبدالله (عليه السلام) قال: قال أمير المؤمنين (صلوات الله عليه):"يثغر الصبي لسبع، ويؤمر بالصلاة لتسع، ويفرق بينهم في المضاجع لعشر، ويحتلم لأربع عشرة، وينتهى طوله لإحدى وعشرين سنة، وينتهي عقله لثمان وعشرين إلا التجارب"(7)، وعن أمير المؤمنين (عليه السلام): "يربى الصبي سبعاً ويؤدب سبعاً، ويستخدم سبعاً، ومنتهى طوله في ثلاث وعشرين سنة، وعقله في خمس وثلاثين [سنة] وما كان بعد ذلك فبالتجارب"(8). إذن يتوقف النمو الطبيعي لعقل الانسان عند سن الثامنة والعشرين أو الخامسة والثلاثين كما ورد في الروايتين، وأية زيادة أخرى في طاقته بعد ذلك إنما تأتي عن طريق التجارب، وقد يُتوهم بأن ثمة تعارضاً ما بين الروايتين المتقدمتين في شأن تحديد سن النمو العقلي، إلا إنه لا تعارض ينهما إذا حملنا اختلافهما فيه على اختلاف الاشخاص وتباين استعدادات وقابليات كل منهم. وعلى الرغم من توقف نمو عقل الإنسان إلا إن له أنْ يزيده بالتجارب ومواصلة التعلم ــ كما تقدم في الروايات ــ وسواء أثبت العلم هذه الحقيقة الروائية أم لا، فنحن نريد الإشارة إلى ضرورة استمرار التجربة والتعلم لزيادة نمو العقل وهذا المقدار لا خلاف فيه وعلى الرغم من إن لعمر الانسان مدخلية في زيادة عقله كما تقدم وكما روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام): "يزيد عقل الرجل بعد الاربعين إلى خمسين وستين، ثم ينقص عقله بعد ذلك"(9)، إلا إن ذلك ليس على نحو العلة التامة، إذ يمكن للعقل أن يبقى شاباً وقوياً وإن شاب الإنسان وضعف جسمه، وتقدم في السن ووهن عظمه، فالعاقل لا يشيب عقله ولا تنتقص الشيخوخة من قوته بل وقد يزداد طاقةً وحيويةً لذا ورد عن أمير المؤمنين (عليه السلام):"رأي الشيخ أحب الي من جَلَد الغلام"(10)، وفي أخرى ".....من حيلة الشباب "(11) وأما من لم يوفر أسباب صقل عقله في مرحلة الشباب فإنه بلا شك يضمحل عقله في مرحلة الشيخوخة. وليس تقدم العمر هو العامل الوحيد في نقصان العقل بل إن النصوص الشرعية أشارت الى عوامل عديدة اخرى أهمها: أولاً: التعلم: فقد روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام): "من لم يصبر على ذل التعلم ساعة بقي في ذل الجهل أبداً"(13). ثانياً: التوبة: وعنه (عليه السلام) ايضاً:"من لم يرتدع يجهل"(14) ثالثاً: التقوى: فقد كتب إمامنا الباقر (عليه السلام) إلى سعد الخير: "بسم الله الرحمن الرحيم أما بعد فإني اوصيك بتقوى الله فإن فيها السلامة من التلف والغنيمة في المنقلب إن الله (عزوجل) يقي بالتقوى عن العبد ما عزب عنه عقله ويجلي بالتقوى عنه عماه وجهله"(15) إذن التوبة هي سبب للتوفيق الإلهي الذي يؤدي فيما يؤدي إليه من إكمال العقل. رابعاً: الوقوف عند الشبهة: وقال (عليه السلام ): "لا ورع كالوقوف عند الشبهة"(16). فإن الوقوف عند الشبهات سبب من أسباب التوفيق الإلهي بلا شك. خامساً: الاعتراف بالجهل: كما روي عن الإمام علي (عليه السلام): "غاية العقل الاعتراف بالجهل"(17) إذ الاعتراف بالجهل يدفع الإنسان دوماً إلى مزيد من بذل الجهد واكتساب المعارف. مما تقدم تتضح جلياً صحة هذه المقولة دلالةً، إذ إن العقول فعلاً لا تقاس بالأعمار لأن كلٍاً من زيادتها ونقيصتها منوطٌ بالعديد من العوامل الأخرى والتي تقدم ذكرها، بيد إن ذلك لا يبرر التساهل في نشرها والتهاون في الاستشهاد بها على إنها من أقوال أمير المؤمنين (صلوات الله وسلامه عليه) لعدم ثبوت ذلك سنداً من جهة ولضعف بلاغتها وركاكة تركيبها بالنسبة إلى سيد البلغاء والبلاغة. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) تهذيب اللغة ج1 ص65 (2) لسان العرب ج11 ص458 (3) نهاية الحكمة ص305 (4) ميزان الحكمة ج3 ص333 (5) أصول الكافي ج1، ح3 / 11 (6) نهج السعادة ج9 ص163 (7) الكافي ج7 ص94 (8) الفقيه ج3 ص493 (9) الاختصاص ص245 (10) نهج البلاغة حكمة 86 (11) بحار الأنوار ج72 ص105 (12) المصدر السابق ج1 ص94 (13) غرر الحكم ودرر الكلم ج1 ص118 (14) الكافي ج8 ص73 (15) وسائل الشيعة ج1 ص162 (16) غرر الحكم ودرر الكلم ج1 ص1 بقلم الكاتبة: رضا الله غايتي

اخرى
منذ 7 سنوات
57812

المرأة في فكر الإمام علي (عليه السلام)

بقلم: أم نور الهدى كان لأمير المؤمنين (عليه السلام) اهتمام خاص بالمرأة، فنراه تارة ينظر إليها كآية من آيات الخلق الإلهي، وتجلٍ من تجليات الخالق (عز وجل) فيقول: (عقول النساء في جمالهن وجمال الرجال في عقولهم). وتارة ينظر إلى كل ما موجود هو آية ومظهر من مظاهر النساء فيقول: (لا تملك المرأة من أمرها ما جاوز نفسها فإن المرأة ريحانة وليس قهرمانة). أي إن المرأة ريحانة وزهرة تعطر المجتمع بعطر الرياحين والزهور. ولقد وردت كلمة الريحان في قوله تعالى: (فأمّا إن كان من المقربين فروح وريحان وجنة النعيم) والريحان هنا كل نبات طيب الريح مفردته ريحانة، فروح وريحان تعني الرحمة. فالإمام هنا وصف المرأة بأروع الأوصاف حين جعلها ريحانة بكل ما تشتمل عليه كلمة الريحان من الصفات فهي جميلة وعطرة وطيبة، أما القهرمان فهو الذي يُكلّف بأمور الخدمة والاشتغال، وبما إن الإسلام لم يكلف المرأة بأمور الخدمة والاشتغال في البيت، فما يريده الإمام هو إعفاء النساء من المشقة وعدم الزامهن بتحمل المسؤوليات فوق قدرتهن لأن ما عليهن من واجبات تكوين الأسرة وتربية الجيل يستغرق جهدهن ووقتهن، لذا ليس من حق الرجل إجبار زوجته للقيام بأعمال خارجة عن نطاق واجباتها. فالفرق الجوهري بين اعتبار المرأة ريحانة وبين اعتبارها قهرمانة هو أن الريحانة تكون، محفوظة، مصانة، تعامل برقة وتخاطب برقة، لها منزلتها وحضورها. فلا يمكن للزوج التفريط بها. أما القهرمانة فهي المرأة التي تقوم بالخدمة في المنزل وتدير شؤونه دون أن يكون لها من الزوج تلك المكانة العاطفية والاحترام والرعاية لها. علماً أن خدمتها في بيت الزوجية مما ندب إليه الشره الحنيف واعتبره جهادًا لها أثابها عليه الشيء الكثير جدًا مما ذكرته النصوص الشريفة. فمعاملة الزوج لزوجته يجب أن تكون نابعة من اعتبارها ريحانة وليس من اعتبارها خادمة تقوم بأعمال المنزل لأن المرأة خلقت للرقة والحنان. وعلى الرغم من أن المرأة مظهر من مظاهر الجمال الإلهي فإنها تستطيع كالرجل أن تنال جميع الكمالات الأخرى، وهذا لا يعني أنها لا بد أن تخوض جميع ميادين الحياة كالحرب، والأعمال الشاقة، بل أن الله تعالى جعلها مكملة للرجل، أي الرجل والمرأة أحدهما مكمل للآخر. وأخيرًا إن كلام الإمام علي (عليه السلام) كان تكريمًا للمرأة ووضعها المكانة التي وضعها الله تعالى بها، حيث لم يحملها مشقة الخدمة والعمل في المنزل واعتبر أجر ما تقوم به من اعمال في رعاية بيتها كأجر الجهاد في سبيل الله.

اخرى
منذ 7 سنوات
49597

الطلاق ليس نهاية المطاف

رحلةٌ مثقلة بالألم في طريق يئن من وطأة الظلم! ينهي حياة زوجية فشلت في الوصول إلى شاطئ الأمان. ويبدد طموحات أطفال في العيش في هدوء نفسي واجتماعي تحت رعاية أبوين تجمعهم المودة والرحمة والحب. الطلاق شرعاً: هو حل رابطة الزواج لاستحالة المعاشرة بالمعروف بين الطرفين. قال تعالى: [ لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (226) وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (227)].(١). الطلاق لغوياً: من فعل طَلَق ويُقال طُلقت الزوجة "أي خرجت من عصمة الزوج وتـحررت"، يحدث الطلاق بسبب سوء تفاهم أو مشاكل متراكمة أو غياب الانسجام والحب. المرأة المطلقة ليست إنسانة فيها نقص أو خلل أخلاقي أو نفسي، بالتأكيد إنها خاضت حروباً وصرعات نفسية لا يعلم بها أحد، من أجل الحفاظ على حياتها الزوجية، ولكن لأنها طبقت شريعة الله وقررت مصير حياتها ورأت أن أساس الـحياة الزوجيـة القائم على المودة والرحـمة لا وجود له بينهما. فأصبحت موضع اتهام ومذنبة بنظر المجتمع، لذلك أصبح المـجتمع يُحكم أهواءه بدلاً من الإسلام. ترى، كم من امرأة في مجتمعنا تعاني جرّاء الحكم المطلق ذاته على أخلاقها ودينها، لا لسبب إنما لأنها قررت أن تعيش، وكم من فتاة أُجبرت قسراً على أن تتزوج من رجل لا يناسب تطلعاتها، لأن الكثير منهن يشعرن بالنقص وعدم الثقة بسبب نظرة المجتمع، وتقع المرأة المطلّقة أسيرة هذه الحالة بسبب رؤية المجتمع السلبيّة لها. وقد تلاحق بسيل من الاتهامات وتطارد بجملة من الافتراءات. وتعاني المطلقة غالباً من معاملة من حولها، وأقرب الناس لها، بالرغم من أن الطلاق هو الدواء المر الذي قد تلجأ إليه المرأة أحياناً للخلاص من الظلم الذي أصبح يؤرق حياتها الزوجية، ويهدد مستقبلها النفسي، والله تعالى لم يشرع أمراً لخلقه إلا إذا كان فيه خير عظيم لهم، والطلاق ما شرّع إلا ليكون دواء فيه شفاء وإن كان مرّاً، وإن كان أمره صعباً على النفوس، حيث قال عز وجل: "وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ وَكَانَ اللَّهُ وَاسِعًا حَكِيمًا"، روي عن الرسول الأعظم (صلى الله عليه واله وسلم) ((أبغض الحلال إلى الله الطلاق) (٢). ورغم أن الشريعة الإسلامية أباحت الطلاق بشروط تلاءم لبناء المجتمع، وأولت أهمية في الإحسان دائمًا للطرف الأضعف والأكثر خسارة في هذه المعادلة وهي "المرأة"، إلا أن المجتمع الذي يدّعي الإسلام لا يرحمها، ويحكم عليها بالإدانة طوال حياتها دون النظر في صحة موقفها في الطلاق من عدمه! قال( تعالى ): [الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ] (٣). ولكن بعد كل هذا فالحياة لم ولن تتوقف بعد الطلاق! الطلاق ليس نهاية الحياة. - أخيتي. ليكن الطلاق بداية جديدة لحياة جديدة وللانطلاق. -قطار العطاء لن يتعطل. فإن كنت السبب في الطلاق فالحمد لله على كل حال وتلك أمة قد خلت وأيام ذهبت وانجلت فلست بالمعصومة من الخطأ. وعليك استدراك الأخطاء وتقوية مواطن الضعف في شخصيتك، واجعليها درساً مفيداً في الحياة لتطوير نفسك وتقويتها. وإذا كنتِ مظلومة فهناك جبار يُحصي الصغير والكبير وسيأتي يوم ينتصر لك فيه. -ومن الجميل أن تعطي نفسك الإحساس بالحب والاحترام، ولا تتأثري بأي نظرة سلبية من المجتمع وكون البعض يتعامل مع المطلقة على أنها حالة خاصة فعليكِ إثبات ذاتك حتى تفرضي على الكل شخصيتك. - نظرتك لنفسك اجعليها نظرة ايجابية مشرقة ولا تنزلقي في مستنقع نبذ الذات وظلم النفس. - ابحثي عن الصفات الجيدة فيك فإن ذلك سيشعرك بالثقة في ذاتك والتقدير لها. -حاولي مراجعة نفسك للخروج بإيجابيات حصلت لك من طلاقك. - خالطي الآخرين وإياك والعزلة بسبب وضعك الجديد فلست بأول من يبتلى بالطلاق. -استمتعي بالموجود ولا تتعلقي بالمفقود، حلقي بروح تعبق أملاً وتفاؤلاً، استمتعي بما وهبك الله من نعم (صحة وأولاد وأهل وصديقات وعمل وهوايات وغيرها من الأمور الجميلة) فما حصل لك حصل… ولابد أن تتقبليه برضا، وأعلمي أن ما أصابك لم يكن ليخطأك وما أخطأك لم يكن ليصيبك. وقال أصدق من قال: ( وعسى أن تكرهوا شيئاً وهو خير لكم). فالرضا سر السعادة الحقيقي. - اقتربي من صديقاتك الصالحات، واقضي معهن وقتاً طيباً تنسين به ألمك وحزنك. - احرصي على الصلوات وقراءة القرآن الكريم والذكر والاستغفار وأكثري من الطاعات قدر ما تستطيعين، ففيها السلوى والفرح والسعادة. ونعم سعادة القرب من الرحمن. - اشغلي نفسك بأعمال البر والإحسان بمساعدة محتاج. بكفالة يتيم. بتعلم الفقه والقرآن وتعليمه. - اجتهدي في عمل برنامج يومي لك يكون ممتلأ بكل ما هو مفيد لك. من قراءة وزيارة الأصدقاء وصلة الرحم. بحيث لا تكون هناك دقيقة أنت فارغة فيها. - وأسرعي بقاربك الجميل بمجذافين من إيمان بالله وثقة بالنفس وسوف تصلين بإذن الله نحو جزيرة السعادة والنجاح. لكي تتسلق جبال الإنجاز، وتصل لأعلى مراتب الاعجاز. وعندها جزماً سيكون للحياة معنى آخر. --------------------------------- (١)-سورة البقرة الآية (٢٢٦-٢٢٧). (٢)-الكافي (٢)-سورة البقرة الآية (٢٢٨) حنان ستار الزيرجاوي

اخرى
منذ 7 سنوات
47453

هَوَّنَ عَلَيَّ مَا نَزَلَ بِي أَنَّهُ بِعَيْنِ اللهِ

عاشوراء مدرسة أعطت وتعطي الكثير الكثير كل يوم للمتأمل فيما ورد عنها من كلمات وفيما وثق فيها من مواقف... ولعل من أهم الدروس التي ترسخها عاشوراء في الأذهان بعد ضرورة مواجهة الباطل والدفاع عن الحق مهما كلفت من تضحيات جسام هو: الصبر على البلاء بل والرضا به .. كيف لا، وقد ورد عن سيّد الشهداء (عليه السلام) في اللحظات الأخيرة من حياته حينما كان يتمرّغ في الدم والتراب: «رضاً بقضائك وتسليماً لأمرك لا معبود سواك»(1). وكذلك فيما جاء في خطبته عند خروجه من مكّة إلى المدينة: «رضا اللَّه رضانا أهل البيت»(2) . فما سر هذا الرضا رغم شدة الابتلاءات وقساوة المحن التي مر بها سيد الشهداء (عليه السلام) ؟ مما لا شك فيه أن يقين الامام الحسين (عليه السلام) هو الذي رفعه إلى مقام الرضا رغم ما جرى عليه في واقعة كربلاء، إلا أنه ومع هذا فقد أرشد المؤمنين إلى مفاتيح الصبر والرضا، ولعل من أهمها ما وَرَدَ عنه (عليه السلام) أَنَّهُ قَالَ بعد أن تفاقم الخطب أمامه في كربلاء، واستشهد أصحابه وأهل بيته: «هَوَّنَ عَلَيَّ مَا نَزَلَ بِي أَنَّهُ بِعَيْنِ اللهِ»(1). فهنا يلفت الامام الحسين (عليه السلام) نظر المؤمنين الى حقيقة مهمة وهي: أن الله سبحانه يعلم بكل مجريات الأُمور، وهو مطلع على كل معاناة المبتلى وما يكابده من ألم دونما اعتراض منه على قضائه هو في حد ذاته حافز للمبتلى للصبر والرضا.. ولتقريب المعنى نقول: إن المتسابقين في ساحة اللعب مثلا يشعرون بالارتياح حينما يعلمون أن أبويهم وأصدقاءهم ينظرون اليهم فيندفعون بقوّة أكبر في تحمل الصعاب لتحقيق الفوز. فإذا كان تأثير وجود الأبوين والأصدقاء كذلك، فما بالك بتأثير استشعار رؤية الله لما يجري على الانسان وهو يصارع الألم ويواجه المحن؟! ما أعظم القوّة التي يمنحها هذا الاستشعار لتحمل الامتحانات العسيرة والمصائب الخطيرة .. ولذا فقد جاء النداء الالهي لتثبيت قلب النبي نوح (عليه السلام) حين واجه أعظم المصائب والضغوط من قومه وهو يصنع الفلك، حيث قال (تعالى) : (وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا)(2). فكان لعبارة «بِأَعْيُنِنَا» وقع عظيم في نفسه (عليه السلام) فصبر وواصل عمله الى نهايته دونما أن يلتفت الى تقريع الأعداء أو يهتم باستهزائهم. ــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) موسوعة الامام علي بن أبي طالب (عليه السلام) ج8 ص42 (2) المصدر السابق (3) بحار الأنوار، ج 45، ص 46 (4) هود 37 رضا الله غايتي

اخرى
منذ 7 سنوات
38056