تشغيل الوضع الليلي
آمنة... مُجدَّدًا
منذ 6 سنوات عدد المشاهدات : 1871
بقلم: صفاء الندى
بعد قليل سيحين موعد عودة ابنتي من المدرسة، كم أشتاق إليها وكأني فارقتها دهرًا، إنها ابنتي الوحيدة وقرة عيني آمنة، إنكم تعرفونها، كنت قد حدثتكم عنها سابقًا فهي ما زالت لطيفة ورقيقة... ولكن ماذا أقول؟
طرأ بعض التغيير في طبعها قليلًا، لا بأس فهي حاليًا في عمر الثانية عشرة، ولعل هذا التغيير المفاجئ بشخصيتها هو من تقلبات المزاج لدى المراهقين...
الباب يُطرق...
- السلام عليكم يا أمي.
- وعليكم السلام يا ابنتي... ناوليني حقيبتك، ساعدك الله تعالى...
-إني متعبة جدًا وجائعة، ماذا أعددت من غداء اليوم؟
-افتحي غطاء الإناء وستعرفين…
-فاصولياء! لن آكلها، لا أحبها!
-منذ متى حبيبتي؟! كنت أظن أنك ستفرحين بها كالعادة.
تركتني وغادرت إلى غرفتها...
هل لاحظتم ... لم تقل لي سلمت يداك، لا بأس سأعدُّ لها طبقًا آخر على مرامها، كنت أظنها ما زالت تعشق الفاصولياء ، إنني لا أكاد أواكب طفراتها المتلاحقة.
وبعد تناول الغداء... وبينما أنا أجْلي الأواني، كم تمنيت حينها لو أني أستطيع أن أجلي معها تراكمات هواجسي وهمومي حول مستقبلها ومستقبل بلدي الذي يعيش أحداثًا هي الأخرى متلاحقة وغير ثابتة...
جاءت آمنة وقفت بقربي وقالت: أماه أريد (جهازاً لوحياً جديد) هذا لا ينفعني... ثم رمته على الطاولة!
-لماذا يا ابنتي؟ لقد أصلحه والدك قبل أيام قلائل وهو جيد الآن؟!
-لا يا أمي ليس جيدًا لقد كرهته...
وذهبت أيضًا... لم تقل: هل أساعدك ولو مجاملةً!
يا إلهي... أفرغ علي من الصبر الكثير، لقد تكررت طلباتها حتى بِتُّ أخجل أن أُحدّث أباها بما تريد.
وعند المساء وبينما أنا جالسة أتابع التلفاز جاءتني آمنة وسألتني بقلقٍ...
-أ لم يأتِ أبي إلى الآن؟
-لا يا عزيزتي، يبدو أنه سيتأخر هذه الليلة، ماذا هل اشتقتِ لأبيك؟
- بالتأكيد يا أمي أشتاق لأبي، ولكن أيضًا أريد أن أُخبره بأمرٍ ما...
-هل هو سرّ بينكما؟!
-لا يا أمي، ولكني أردت أن أخبره بنفسي لأنك دائمًا تُؤجلين طلباتي ولا تخبرين أبي بها سريعًا.
أغضبتني هذه الجملة فَتحوْقلت بصوت عال: لا حول ولا قوة إلا بالله.. وقلت لها: من واجبي كزوجة أن أراعي ظروف زوجي إن كانت جيدة أم لا، والذي أعرفه أن وضع أبيك المادي الآن ليس على ما يرام، فكوني يا ابنتي فتاة مطيعة ومتعاونة معنا واصبري قليلًا.
-أماه أرجوك فلتعذريني لا أستطيع، لأني قد دعَوت صديقاتي إلى البيت وسأجلسهن بغرفتي، والذي أريده أن يشتري لي أبي غرفة جديدة.
فأجبتها متعجبة وبتهكم: أتريدين أن نبني لك يا عزيزتي قصرًا، أو نذهب سياحة إلى جزر الهاواي ونأخذ معنا صديقاتك؟!
-أمي إنك تستهزئين بي، ألست ابنتك الوحيدة؟ وما الضير أن تُدلّلوني، أهل (سُهى) صديقتي، ينفذون لها كل ما تتمنى وما لا تتمنى وكل يوم تأتي إلى المدرسة بلباس مختلف وهاتف جديد.
-آمنة حبيبتي، اتركيني الآن لوحدي، لم أعد أحتمل.
-أماه لا تغضبي مني، أرجوكِ.
-سنتحدث لاحقًا اذهبي لغرفتك.
بقيتُ جالسة في مكاني، عيناي صوب التلفاز وكل فكري شارد صوب ابنتي التي تطلب منا أن نُدلّلها وكأننا طوال تلك السنين لم نفعل!
قلّبت قنوات التلفاز، شدّتني مرثية بصوت حزين وشجي لأحد القُرّاء عن السيدة الزهراء (عليها السلام)، تفاعلت معها من أعماقي فهي لامست تصدعات قلبي المتألم توًّا من قلبي.
ولم تمضِ سوى دقائق معدودة حتى أطَلّت علي آمنة، مخرجة رأسها فقط من الستارة.
-أمي... يا أميرة هذا القصر هل تسمحين أن أمتثل بين يديك؟
لم يكن جوابي أي كلام هي ابتسامة باردة... وعيني تنازعني لكي أسمح لها بأن تُجري ماءها على وَجنتي بلا فائدة، فأنا لم أعتد أن أبادر للبكاء كلما أحزن، تعلمتُ أن أتريث في كل شيء...
إذن هي ابتسامة فقط وإذا بي أجدها قد تكورت في حضني وهي تبكي بحسرة وندم...
لم أعاتبها ولم أوبخها فدموعها هي أبلغ رسالة اعتذار...
حدّثتُها بقولي: إن شاء الله سنذهب قريبًا للعمرة لقد وعدني والدك بذلك، وستقُر أعيننا برؤية الكعبة المشرفة، وسنتشرف بزيارة الرسول وأئمة البقيع (صلوات الله عليهم)... وسنزور مولاتنا الزهراء (عليها السلام) عند الأماكن التي يظن وجود قبرها فيها.. وسنشرب من ماء زمزم ولن أجعلك تشربين منه فقط، بل سأحَمّمك به أيضًا لنطرد منك الأرواح الشريرة.
قامت آمنة منزعجة وجلست بجانبي... أماه أرواح شريرة! أ لم أكن ملاككِ وحوريتكِ؟
- إنني أمزح يا حبيبتي، أنتِ ملاكي وستظلين كذلك.
وأكملت حديثي: قبل قليل وأنا أستمع لقصيدة عن الزهراء (عليها السلام) انتبهت أنك ومولاتي تجتمعان بشيء ما.
-قالت مندهشة: أنا والسيدة الزهراء؟! إنه الرسول يا أمي عطوف على جميع الناس فكيف بابنته؟!
-لا يا ابنتي لا مزاح بهذا الأمر
قالت متشوقة للجواب:
- إذن؟
- ألم تلاحظي أنك والزهراء (عليها السلام) وحيدتا والديكما.
- أعرف هذا الأمر ولكن يغيب عني.
-نعم صحيح، فنحن نعرف أمورًا كثيرة في حياتنا كمعلومات ولكن لا نربطها بواقعنا لنستفيد.
هل تعتقدين يا آمنة أن الزهراء (عليها السلام) كانت تعيش سعيدة في كنف والدها الرسول (صلى الله عليه وآله)؟ فالسيدة خديجة (عليها السلام) فارقت الحياة وكانت الزهراء ما تزال طفلة صغيرة.
-بلا أدنى شك، بل هي في قمة السعادة مع هكذا أب، إنه الرسول (صلى الله عليه وآله) يا أمي عطوف على جميع الناس كيف بابنته؟!
-حسنا يا آمنة.. سؤالي التالي.. استمعي جيدًا: هل عاشت السيدة الزهراء حياة مُرفهة كونها بنت الرسول (صلى الله عليه وآله) الوحيدة؟
-أماه.. ما تقصدين بهذا الكلام، لا أعرف.
)لقد شَعُرت أن الحديث بدأ يتجه صوبها فبدأت تتململ(
-كيف لا تعرفين؟ عندما تتذكرين الزهراء (عليها السلام) ما الصورة التي ترسم في ذهنك؟ هيا أجيبي..
-صورتها وهي خلف الباب وقد آلمها المسمار وأُسقط جنينها... )وأجهشت بالبكاء(
مسحت دموعها بيدي ونظرت بعينيها وقلت لها: قد بدأتِ يا ابنتي من نهاية المعاناة فبعد هذا الحادث بأشهر قليلة استشهدت السيدة الزهراء وهي مقهورة وغاضبة على أولئك القوم، فَلنعُد بالأحداث عندما كانت الزهراء (عليها السلام) ما تزال فتاة صغيرة وقد عاشت في أيام كان أبوها نبينا الحبيب (صلى الله عليه وآله) يكابد ظلم واضطهاد قريش هو ومن معه من المسلمين الأوائل، حيث تذكر الروايات أنها كانت تدافع عن الرسول (صلى الله عليه وآله) إذا تعرض للأذى منهم، فعندما كان الرسول (صلى الله عليه وآله) يصلي حدث أن رمى أحد المشركين القاذورات على رأسه الشريف وهو ساجد، اكتفى البعض بالمراقبة والبعض الآخر بالاستهزاء والضحك، جاءت الزهراء (عليها السلام) مسرعة فأزالتها وزجرتهم بشدة، فَلَم تفكر أنها ابنته الوحيدة ويجب أن تكون مرفهة وبعيدة عن هذه الضغوطات والمواقف الصعبة...
ألم تتصدق بثوب زفافها لامرأة فقيرة واكتفت بما لديها؟ ولم تقل: ماذا ستقول عني نساء المدينة وأنا ألبس القديم في يوم زفافي وأبي سيدهم وزعيمهم!
ألم تطحن بالرحى وتكنس بيتها؟ وقد تقاسمت العمل مع خادمتها ولم تتكبر أو تنتظر الآخرين أن ينجزوا لها أعمالها لأنها الابنة الوحيدة والمُدلّـلَـة وعلى الجميع أن يكونوا في خدمتها...
ألم تقف بوجه الغاصبين الذين سلبوا حقها وحق أمير المؤمنين (عليه السلام) فصدحت بالحق أمام المسلمين جميعًا حاكمًا ومحكومين؟ ولمّا لم يستجيبوا واستكبروا اتخذت موقف المقاطعة وأعلنت غضبها عليهم ولم تنكفئ صامتة ولم تقل لنفسها: أنا امرأة رقيقة لا دخل لي بمواجهة السلطة الظالمة.
هذا نموذج يا ابنتي للبنت الوحيدة لأهلها والتي تكيّفت مع الحياة بكل ظروفها وصعوباتها ولوعاتها وتقلباتها، ولم تُثقل كاهل أبيها وزوجها بشيء، بل كانت (عليها السلام) خير معينة لهما في مختلف الظروف.
أَلمْ تَجِدي غير تلك البنت التي كلما تحدثت عنها تُبدين إعجابك بها وبما تتفاخر به من أمور زائلة وزائدة عن الحاجة؟!
ثم يا ابنتي ما هو مفهوم الدلال عندك؟
أنا ووالدك لم نحرمك من شيء وبقدر ما نستطيع، فلا يكلف الله نفسًا إلا وسعهاـ نحن لم نهملك مطلقًا واهتممنا بكل شؤونك صغيرها وكبيرها، أفضنا عليك من الحب والحنان وربيناك تربية دينية صحيحة وأخذنا بنصائح المختصين تربويًا لنضمن لك الصحة النفسية والنجاة دنيويًا وأخرويًا...
هذا كله ألا يسمى دلالاً واهتماماً؟!
قالت آمنة منكسرة: أمي حبيبتي أنا أسفة، لا أعرف ما الذي حدث لي؟! ولكني رأيت هذه الطالبة وهي جاءت لمدرستي بالفترة الأخيرة من مدرسة أخرى، قد جمعت حولها الكثير من الطالبات وتبدو محبوبة وتلفت الانتباه فقلت في نفسي: ما ينقصني لأكون مثلها والآن شعرت بخطأي، صدقي... وأعدك لن يتكرر.
أسمع ما تقول وأتعجب أن تفكر ابنتي بهذا التفكير الساذج، ولكن هذا ما حدث، هي ثغرة ما قد حصلت وعليّ اكتشافها لسدها بإحكام.
هزتني آمنة: أماه أتسمعينني.. أين سرحتِ بفكرك عني وقالت مازحة وبمكر: لعلك تفكرين بأبي، إنه حقًا تأخر لا أعرف أين يقضي الرجال لياليهم ونساؤهم المسكينات ينتظرنهم؟!
فأجبتها: (الفتنة أشد من القتل) يا ابنتي، ثم إنني أثق بزوجي .
-إذن لنرى ما ستؤول إليه أموركما.
- ستؤول لكل خير إن شاء الله، طالما إن أباك يخشى الله قبل كل شيء فلن أخشى من تأخره بل سأقلق عليه.
وبينما نحن نتجادل بمحبة وللتسلية سمعت آمنة صوت فتح الباب فذهبت إليه وابتدرته بالقول: أبي أين كنت؟ لو قلت لك أن أمي غاضبة لتأخرك هل تصدقني؟
-بالطبع لا، بل لعلها خائفة عَلَي لأني تأخرت عن وقت عودتي المعتاد...
دخل أبو آمنة غرفة الجلوس فقلت له: حمدًا لله على سلامتك.
-اعذريني لقد تأخرت بسبب حالة طارئة حصلت، فقد تدهورت صحة أحد أصدقائنا سريعًا وأسعفناه للمشفى حتى أنني لم أنتبه لمكالماتك لي.
-ألبسه الله ثوب العافية، لا بأس عزيزي وحسنًا فعلتم.
-أليس غريبا أن تظل ابنتنا لهذا الوقت المتأخر وغدًا لديها مدرسة؟
فقلت له: اسألها هي تجيبك.
نظرت إلينا آمنة بنظرات كلها خجل ثم قالت: لقد اشتقت لك يا أبي، فبالنهار لا أراك لانشغالك بالعمل.
قبّلت رأس أبيها وقبلتني وقالت: تصبحون على خير، وسامحاني ... وذهبت مسرعة لغرفتها...
وأنا دعوت الله بقلبي وتوسلت بفاطمة وأبيها وبعلها وبنيها والسر المستودع فيها بالهداية والثبات لابنتنا ولنا -وأن تكون هذه آخر الانقلابات..
اخترنا لكم
عقدة الحقارة
هي أن يقتنع الإنسان في داخل ذاته بنقصه وعجزه ، و قلة قيمته ومكانته من الآخرين ، فهو إنسان منهزم من الداخل لشعوره بالعجز عما يفعله الآخرون . *أسباب هذه العقدة أولاً: الولادة غير الشرعية غالبا ما يعاني الولد الغير شرعي من عقدة الحقارة و ذلك لإنعقاد نطفته و الحقارة معاً عندما تلوث نفسيا بجريمة أبويه عند إرتباطهما ارتباطاً جنسياً محرماً من جهة و من جهة أخرى عندما تتفتح عيناه على الدنيا ويجد واقعة مخالفاً للنظام السائد . بل وربما لا يجد أمه ولا أباه فيزداد تعقداً وصراعاً داخلياً في نفسه ، ويشعر أن المجتمع ينظر إليه نظرة ازدراء واستخفاف وريبة فتزداد بذلك عقدة الحقارة عنده ، ويحقد على المجتمع برمته . ثانيا : التربية السيئة للتربية دور كبير في بناء شخصية الإنسان وتعزيز ذاته ، إلا إن الأسر كثيرا ما ترتكب أخطاء تؤدي إلى نشوء عقدة الحقارة منها : 1 ـ التحقير والسخرية تحقير الأبناء واعتبارهم صغاراً لا احترام لهم و عدم منحهم ولو القليل من الاستقلالية وتوبيخهم لأدنى خطأ وإن كان عفوياً و شتمهم بكلمات بذيئة و مقززة و ضربهم بشكل مهين يؤدي إلى تحطيم شخصيتهم وتظهر شخصيته المحطمة كلما ازداد عمره حيث يشعر أنه غير قادر على بناء شخصيته وتحمل المسئوليات . و قد حذر الدين الاسلامي من إتباع هذه السلوكيات مع الأطفال لخطورة آثارها . وكان (صلّى الله عليه وآله) يؤتى بالصبي الصغير ليدعو له بالبركة أو ليسميّه. فيأخذه فيضعه في حجره تكرمة لأهله. فربما بال الصبي عليه فيصيح بعض من رآه حين بال. فيقول (صلى الله عليه واله وسلم) : لا تزرموا بالصبي فيدعه حتى يقضي بوله ، ثم يفرغ من دعائه أو تسميته. فيبلغ سرور أهله فيه ، ولا يرون أنه يتأذى ببول صبيهم ، فإذا انصرفوا غسل ثوبه " (1). و من تحقير الولد تسميته بإسم سيء لذا أكدت أحاديث كثيرة حول الاهتمام باسم الطفل وحسن اختياره ، فقد روي عن الإمام علي (عليه السلام): حق الولد على الوالد أن يحسن اسمه، ويحسن أدبه، ويعلمه القرآن "(2) 2 ـ التمييز بين الأبناء تفضيل ابن على آخر والاهتمام به على حساب أخيه لا يغرس في نفس الأخ الشعور بحقارة ذاته و كره الآخرين فحسب ، بل و يترك مشاعر سلبية على الطفل المفضل أيضا فيعجب بنفسه . و قد روي عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) : " اعدلوا بين أولادكم كما تحبون أن يعدلوا بينكم في البر و اللطف"(3) 3 ـ الإهمال الطفل بحاجة شديدة الى العطف و الحب و الحنان فإن لم توفره له الاسرة يصبح فريسة سهلة للجهات المنحرفة الفاسدة التي تحسن إستغلال هكذا نفسيات منهكة، بالاضافة الى أن الجوع العاطفي للطفل يدفعه الى مقارنة حاله مع حال الرعاية و الحب التي ينعم بها أقرانه مما يحدث لديه شعورا بالنقص . و تحصل حالة الاهمال إما بسبب نزاع بين الوالدين يهدم استقرار الأسرة فتنعدم العناية بالأولاد أو بسبب انشغالهما بأعمالهما بحيث لا يعطيان جزءاً من وقتهما للاهتمام بالأولاد . و من الجدير بالذكر إن الحضور المجدي للوالدين بين أبنائهما هو ذلك الحضور معهم بالروح و الجسد الذي يشعرهم بالاهتمام و الرعاية و يغمرهم بالمحبة و الحنان و أما مجرد الحضور بالجسد فهو لا يختلف عن الغياب كثيرا . 4 ـ التدليل والإفراط في المحبة يجب على الاهل محبة الاولاد و لكن في الوقت نفسه لا يصح الافراط فيها اعتقاداً منهم أن ذلك نوع من الإحسان والحب ؛ لأن الإفراط له مضاعفات سيئة جداً حيث يزرع في الطفل و منذ صغره بإمكانه الحصول على كل ما يرغب به لأنه يحصل على كل ما يريد ويطلب من أبويه فينشأ على الاعتماد على الآخرين و عدم قدرته على تحمل المسؤولية و بالتالي ينشأ على حب الذات والإعجاب بالنفس لأنه يرى شدة حب والديه له فيعتقد أن على الناس جميعاً أن يحبونه أيضا . . فضلا عن إن المبالغة في التدليل و الحب تزرع فيه الشعور الحساس والمرهف فلا يقدر على مواجهة المشاكل ويصبح في المستقبل ناقص الشخصية ينتابه الشعور بالحقارة والنقص . وقد حذرت النصوص من الإفراط في حب وبر الأطفال كما روي عن الإمام الباقر (عليه السلام) أنه قال : " شر الآباء من دعاه البر إلى الإفراط "(4) ثالثا : الحرمان الاجتماعي و يتضح في الحالات الآتية : 1 ـ اليتم من البديهي أن تختلف حياة اليتيم عن غيره ، فإن لم يكن من الناحية المادية و مستوى الرفاهية التي تحققها فمن الناحية المعنوية . و اليتيم يشعر بهذا الفرق لا محالة و هذا الحرمان يولد فيه شعوراً بالضعة والنقص ، و يتكون عنده الاستعداد لعقدة الحقارة ، لذلك أكدت النصوص الدينية على ضرورة الاهتمام باليتيم و حذرت من تحقيره أو إهانته أو قهره ، قال (تعالى) : " فأما اليتيم فلا تقهر "(5) ، كما روي عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) إنه قال : " من عال يتيماً حتى يستغني أوجب الله له بذلك الجنة "(6) وعنه أيضا : " خير بيت في المسلمين بيت فيه يتيم يحسن اليه ، وشر بيت فيه يتيم يساء اليه "(7) فمن الواجب على المجتمع أن يراعي نفسية اليتيم أينما حل و يكرمه ليقطع الطريق أمام قابليته على الإصابة بهذه العقدة و بالتالي إنقاذه و المجتمع من آثارها السيئة . 2 ـ الفقر مما لا ريب فيه إن الفقر يخلق في الفرد شعورا بالضعة و النقص نتيجة مقارنة حاله مع غيره . حيث يجد من حوله يمتلكون الإمكانيات ويعيشون حياة الرفاهية والراحة ، في حين يعاني هو من العوز لدرجة عدم تمكنه من الدراسة أحيانا فيضطر الى العمل كي ينفق على نفسه و عائلته. و إن تمكن من الذهاب الى المدرسة فحاله يختلف عمن هو معه كما هو واضح . و قد حارب الاسلام الفقر من خلال تشريعه لمختلف التشريعات كالزكاة و الخمس و الكفارات و الحث على الصدقة . كما حارب كل ما من شأنه الإساءة الى الفقراء كالتمييز بين الناس في المعاملة والاحترام على أساس وضعهم المادي . فقد روي عن الإمام الصادق (عليه السلام ) : " من لقى فقيراً مسلماً فسلم عليه خلاف سلامه على الغني لقى الله عز وجل يوم القيامة وهو عليه غضبان "(8) ، وعن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قال : " ألا ومن استخف بفقير مسلم فقد استخف بحق الله ، والله يستخف به يوم القيامة إلا أن يتوب "(9) 3 ـ السمعة السيئة فقد يرتكب شخص ما أو عائلة ما عملاً مخالفاً للعرف العام لدى المجتمع فيحمل تبعة ذلك العمل طيلة حياته ، و ما أن يسمع الناس بإسم ذلك الشخص أو تلك العائلة حتى يتبادر لأذهانهم ذلك العمل فيحتقرون ذلك الشخص أويستنقصون أبناء تلك العائلة . و قد يسبب الشعور بالنقص مجرد إسم تلك العائلة إن كانت لدى المجتمع محتقرة الشأن . لذا فقد نهى الاسلام عن احتقار الابن لجريمة والديه ، كما نهى عن التنابز بالألقاب ، قال (تعالى) : " ولا تنابزوا بالألقاب "(10) و قال (صلى الله عليه و آله) : " حق المؤمن على أخيه أن يسميه بأحب أسمائه "(11) وأحياناً يتسبب المجتمع في ظلم بعض أفراده الذين قد إرتكبوا أعمالاً بذيئة في المجتمع لكن بعد فترة تابوا منها فلا يقبل توبتهم و لا ينفك يُعيرهم بها مما يولد في نفوسهم الشعور بالحقارة ، بل و قد يعودوا إليها بسببه لعدم احترام الآخرين له . وقد حذر الإسلام من ذلك فقد روي عن الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) قال : " إذا زنت أمة أحدكم فليجلدها ولا يعيرها "(12) 4/ الأمراض والعاهات مما يمهد لإصابة بعض الأفراد بعقدة الحقارة العاهات التي قد إبتلوا بها منذ ولادتهم او في أثناء حياتهم . و التي تجعلهم مختلفين عن الآخرين كإن يكونوا قد فقدوا لعضو من أعضائهم أو لحاسة من حواسهم . و تزداد معاناة ذوي العاهات في المجتمعات المتخلفة حيث تنعدم المدارس والمعاهد الخاصة أو الأعمال المناسبة ، فيعيشون في جهل و عالة على الآخرين ، فضلا عن معاملة المجتمع لهم بالسخرية والاحتقار . و قد حذر الاسلام من الاساءة اليهم ولو بالنظر اليهم نظرات تشعرهم بنقصهم وتذكيرهم بعاهاتهم ، هذا فضلاً عن عدم تعييرهم بها . فقد روي عن الامام الصادق (عليه السلام) إنه قال : " لا تنظروا إلى أهل البلاء فان ذلك يحزنهم" (13) ، وعنه ( عليه السلام ) أيضا : " إسماع الأصم من غير تضجر صدقة هنيئة "(14) 5 ـ الصدمات النفسية لا تخلو حياة فرد من الأفراد من المشاكل والصعوبات التي تعترض طريقه في الاعم الاغلب، و قد يفشل في حل هذه المشكلة أو في تجاوز تلك العقبة مما تترك قناعة داخلية بأنه إنسان فاشل وغير قادر على النجاح لتكون فيما بعد عقدة الحقارة لديه . 6 ـ الأفكار الانهزامية سلوك الانسان و مسيرة حياته إنما هي نتاج أفكاره . فإن كانت أفكاره إنهزامية كما لو كان يعتقد بأنه عاجز و لا يتمكن من تغيير حاله نحو الفضل فإنها تفقده الثقة بنفسه وتشعره بالحقارة . و لذلك فإن القرآن الكريم يستنهض الهمم و يربط تغيير واقع الانسان بيده و بإختياراته ليسعى الى إصلاح حاله فقال (تعالى) : " إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ " (15) 7 ـ السلطات الطاغوتية و من أهم مناشيء عقدة الحقارة في المجتمع هو هيمن الطواغيت و سلطتهم الاستبدادية التي ترفض تغيير حالهم نحو الافضل فتحفر في أذهانهم الشعور بالحقارة والضعة والعجز و ضعف الثقة بالنفس من خلال إتباعها لوسائل القمع والارهاب الذي يقوم على أساس إذلال المواطنين وتحقيرهم . و مصادرة الحريات وإنعدام القانون و ممارسة العنف مع المواطنين سنةٌ قد إتبعها الطواغيت منذ سالف الازمان والى يومنا هذا، قال (تعالى): " إن فرعون علا في الأرض وجعل أهلها شيعاً يستضعف طائفة منهم يذبح أبناءهم ويستحي نساءهم * إنه كان من المفسدين "(16) علاج عقدة الحقارة إن وجود حالة من الحالات التي تقدم ذكرها في الانسان لا يعني حتمية إصابته بعقدة الحقارة و إنما فقط يكون مستعدا للإصابة بها أكثر من غيره و لذا فإن بإمكانه وقاية نفسه. بل و حتى الاشخاص الذين قد أصيبوا بها فبإمكانهم أن يتغلبوا على هذا المرض إذا ما أرادوا ذلك وصمموا على الالتزام بأساليب العلاج .لإنه ليس مرضاً ثابتاً يستحيل علاجه . و هناك وسائل لعلاج عقدة الحقارة أهمها: أولا : الوعي الصحيح كرم الله (تعالى) بني آدم و سخر لهم كل ما في السموات و ما في الأرض ، قال (تعالى) : " أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَابٍ مُنِيرٍ (20) "(17) ، ويقول الإمام علي (عليه السلام): أتحسب أنك جرم صغير وفيك انطوى العالم الأكبر(18) و الانسان كلما وعى هذه الحقيقة و علم بمكانته عند الله (تعالى) فإنه لا يقبل لنفسه الذل والهوان ، ولا يستسلم للضعف الذي في داخله بل يسعى الى التفتيش و البحث عن مكامن القوة في شخصيته ويستعين بالله في إستثمارها . وهذا ما يميز الإنسان المؤمن بالله المستمد لقوته منه عن الإنسان الكافر الذي يتعامل مع الحياة تعاملا ماديا بحتا . ثانيا : الإيحاء الذاتي . . يستمد الانسان صورته عن ذاته من العقل الباطن الذي يقتنع بما يمليه عليه الانسان نفسه من عبارات و تصورات و أفكار ، و عليه فإذا أراد الانسان تغيير صورته عن نفسه ليشعر بثقة أعلى و قوة أكبر لمواجهة المصاعب يجب أن يوحي لذاته و يلقنها يومياً عشرات المرات بأنه ناجح و إنه قادر و إنه قوي . و أنه يستطيع و سوف يتقدم ، فالذين تقدموا ليسوا بأفضل منه . كما إن الارتباط بالله و دعاءه يجعل الانسان أكثر قوة لإرتباطه بالقوة المطلقة والقدرة اللامتناهية . كما يجب التغافل عن النواقص التي تعيقه عن التقدم و محاولة معالجتها إن أمكنه ذلك و لكن لا ينبغي التركيز عليها كثيراً لكي لا يصاب بالتشاؤم . ثالثا : قراءة حياة العظماء لم يولد العباقرة والعلماء والقادة و هم كذلك بل إنهم كسائر البشر لم يكونوا يعلمون شيئا . قال (تعالى) : " والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئاً وجعل لكم السمع والإبصار والأفئدة لعلكم تشكرون "(19) ، بل إن أكثرهم لم تكن تتوفر له الظروف الملائمة للتقدم أو كان يعاني بعض المشاكل والصعوبات . و مطالعة الكتب التي تتحدث عن حياة العظماء وكيف أصبحوا عظماء ، و كيف إنهم أصروا على النجاح رغم حالات الفشل التي مروا بها، تمنح الانسان شحنة إيجابية و تمده بنشاط و عزم على المحاولة وعدم الاستسلام للفشل . رابعا : ممارسة العطاء يحول الشعور بالنقص بين الإنسان و بين ممارسة دور العطاء و القيام بالأعمال السامية ، ولعلاج ذلك الشعور و تجاوزه والتنكر له لا بد من اقتحام مواقع المسؤولية وممارسة العطاء . يقول أمير المؤمنين ( عليه السلام ) : " إذا هبت أمرا فقع فيه فإن شدة توقيه أشد من الوقوع فيه "(20) . و لقد أثبتت التجربة كم من شخص كان يعاني من ضعف الثقة بنفسه ويحتقر ذاته و يستصغر قدراته ولكنه حينما اندفع لممارسة دور مسؤول وتبني قضية صالحة استعاد ثقته بذاته وبرزت قدراته وتفجرت طاقاته واصبح عنصراً فاعلاً في المجتمع . خامسا : المحيط الصالح قد ينعزل المصاب بعقدة الحقارة عن المجتمع لأنه يشعر إنهم يرون ضعفه ، أو كان البعض السبب في وجدان هذه العقدة لديه فينعزل عن المجتمع بأكمله و يحقد عليهم. إلا إن عليه أن يدرك أن ليس كل الناس أشراراً، وإنما هناك الكثير منهم صالح و عليه أن يبحث عن المحيط الصالح من الناس المؤمنين الذين يساعدونه على تجاوز مشكلته . ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) بحار الانوار ج6 ص153 (2) ميزان الحكمة ج8 ص195 (3) بحار الانوار ج101 ص (4) 92تاريخ اليعقوبي ج3|53 نقلا عن الطفل بين الوراثة و التربية ج2 ص182 (5) الضحى 9 (6) ميزان الجكمة ج11 ص412 (7) مشكاة الانوار ج1 ص129 (8) المصدر السابق ج1 ص98 (9) بحار الانوار ج73 ص333 (10) الحجرات 11 (11) الوجيز في الفقه الاسلامي ج1 ص147 (12) ميزان الحكمة ج7 ص270 (13) بحار الانوار ج72 ص16 (14) مشكاة الانوار ج1 ص169 (15) الرعد 11 (16) القصص 4 (17) لقمان 20 (18) الديوان المرتضوي ص145 نقلا عن كتاب الأربعين ج1 ص294 (19) النحل 78 (20) غرر الحكم و درر الكلم ج1 ص177
اخرى
من علاماتِ قبولِ التائبين في دعاءٍ لإمامِنا زين العابدين (عليه السلام)
بقلم: فاطمة الركابي هل رأيتَ مُحِبًا أغضبَ محبوبَه فعاشَ بعدها هانئًا سعيدًا؟ أم هل رأيتَ صاحبًا أخطأ في حقِّ صاحبه فتمكّن من مواصلةِ طريقه (بذات البهجة!)؟ أم هل رأيتَ طالبًا عصا مُرشدَه، فبقيَ بروحٍ مستقيمة؟ أم هل رأيتَ مريضًا خالفَ طبيبَه فحافظَ على بدنِه سليمًا؟ بلا شك، كلا! ولنا أنْ نتخيلَ كم أنّ حياة ذلك الشخص ستطيبُ، والبسمة على مُحيّاه ستتجدّدُ، والحيوية في روحِه ستتولّدُ إذا ما عفا عنه المحبوبُ، وسامحَه الصاحبُ، ورضيَ عنه المرشدُ، وقوّمَه الطبيبُ. وهكذا -بلا مُقايسة- فإنّ الإنسانَ الذي يتجاوزُ حدودَ ربِّه، ويقعُ في مواطنِ غضبِه وعصيانِه ومخالفتِه، هو بفطرتِه يسعى للعودةِ، وبذاتِ الوقتِ يبقى هناك في داخلِه هاجسٌ يريدُ أنْ يعرفَ هل أنَّ الربَّ الجليلَ قبلَ توبته أم لا؟ وعن سؤال هذا الشخص وأمثاله يُجيبُ إمامُنا زينُ العابدين (عليه السلام) في (دعائه إذا استقال من الذنوب)(١)، مُبينًا أنّ لقبولِ التوبةِ علاماتٍ ودلالاتٍ تحصلُ في النفس، وبشاراتٍ ذات أثرٍ تكشفُ عن صدقِ قرارِ التائبِ في رجوعه لربِّه وتوبته النصوحة والتي منها ما ورد في قوله (عليه السلام): "وَأَذِقْنِي حَلاَوَةَ الْمَغْفِـرَةِ"، فهُنا يجدُ التائبُ حلاوةً معنويةً يتذوّقُ بها طعمَ محبةِ الله (تعالى)، وجمالَ حقيقةِ سترِ اللهِ (تعالى) عليه. وفي قوله (عليه السلام): "وَاجْعَلْنِي طَلِيقَ عَفْـوِكَ"، هنا علامةٌ أخرى وهي حصولُ حالةٍ من التحرُّرِ من ذلك الذنب كمن لم يُذنب من قَبل، فيُنسِيهِ إيّاه، ويُنسي الملائكةَ ما ارتكبَه، فلا يعيشُ شعورَ الخجلِ والأسفِ المُثبِّط الذي يُعيقُه عن مواصلةِ في السيرِ إلى الله (تعالى). وقوله (عليه السلام): "وَعَتِيقَ رَحْمَتِكَ"، فالعتقُ هُنا -كما يبدو- عدمُ الميولِ مرّةً أخرى للرجوعِ لذلك الجُرم، وذلك بالعيشِ في طريقِ رحمةِ الرحمان بعيدًا عن أجواءِ وخطواتِ الشيطان. وقوله (عليه السلام): "وَبَشِّرْنِي بِذلِكَ فِي الْعَاجِلِ دُونَ الآجِلِ بُشْرى أَعْرِفُهَا، وَعَرِّفْنِي فِيهِ عَلاَمَةً أَتَبَيَّنُهَا إنَّ ذلِكَ لاَ يَضيقُ عَلَيْكَ فِي وُسْعِكَ"، فالتائبُ الحقيقي لابُدّ أنْ يرى البشاراتِ، يرى أثرَها في واقعِه الحياتي الآن، قبل الجزاء الأخروي، وتتبيّنُ له العلاماتُ، كأن يحصل على التحصين، ويبلغ التوفيقَ بعدَ حصولِ الخُذلان، ويلهم سُبلَ التصحيحِ والتيسيرِ بعدَ التعثُرِ في نفس المسار. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) الصحيفة السجادية: ص ٧٠.
اخرى
عبادته حرية
بقلم: زينب الحُسين إنّ من الحفاظ على الهوية الإسلامية هي أن تحافظ المرأة على هويتها وخصوصيتها النسائية، أي إن عليها أن تحافظ على مشاعرها ورقّتها ولطافتها وعواطفها الملتهبة وعطفها ومحبتها وصفائها وتألّقها الأنثوي... وفي الوقت نفسه، فإن عليها أن تتقدم جاهدة للخوض في الجانب التكاملي المعنوي كالعبادة والتقرب لله سبحانه وتعالى وكالمعرفة الإلهية والسير في وديان الحب الإلهي ومعرفة العبودية وتحقيقها. كما أن عليها أن ترتقي في المجالات الاجتماعية والسياسية وفي ميادين الصمود والصبر والمقاومة للمغريات والأساليب الغربية الدخيلة، ومعرفة مستقبلها ومعرفة الأهداف السياسية التي تصبوا إليها البلدان الإسلامية ومعرفة العدو ومؤامراته وأساليبه، والانطلاق نحو العُلا دينيًا وعلميًا وعمليًا يومًا بعد آخر. ويجدر بها التقدم أيضًا على نطاق تحقيق العدل وتوفير الأجواء الهادئة والأمن والسكينة في حديقتها العائلية وعشها الزوجي... على المرأة المثقفة الواعية والمتعلمة أن تتقدم وتحقق أفضل المراتب في كافة المجالات وأن تكون أسوة وقدوة يفتخر بها المحيط الأقرب لها فالأبعد؛ حتى يقولوا أن المرأة المسلمة التي تراعي دينها وحجابها ونعومتها ولطافتها ورقّتها، هي نفسها التي تدافع في نفس الوقت عن حقوقها وثوابت دينها وتتكامل في ميادين المعنويات والعلم والتقرب لله (جل وعلا). إن أساس المعرفة الحقة للعبادة والحرية هي تربية نفسها تربية إسلامية هادفة، حتى إن بعض النساء فاقت الرجال بالقوة والوعي والمثابرة، وهذا بفضل التربية الإسلامية، ومن الآثار الطاهرة المطهرة النورانية لوجود فاطمة الزهراء (عليها أفضل السلام) هو الاقتداء بأفعالها والحذو على منهجها الطاهر. أن تكون المرأة حرّة يعني أن تكون عابدة لله سبحانه. كما جاء في حديث أمير المؤمنين (عليه السلام) (لا تكن عبد غيرك وقد جعلك الله حُرًا) (١). فمن كانت عابدة لزينتها وتبرجها وشهواتها وتميّعها لإبراز مفاتنها وجمالها... لم تكن حرة أبدًا بل هي مملوكة للشيطان وعابدة للهوى، كما وصفهم الله في كتابه العزيز إذ أشار "أرأيت من اتخذ إلههُ هواه"! كما نلاحظ أن الإيمان بالله سبحانه والعبودية الصادقة له هي أعظم خطوة في طريق التحرر الكامل من أي اعتقاد خاطئ أو هوىً جامح أو دنيا غرارة أو شيطان مارد... ففي الإيمان بالله تحرير للفكر من الوهم والضلال والتخبط والحيرة وتحرير النفس من أسر الخوف والقلق والتوتر. فحريتُكِ أيتها السيدة لا تعني تطبيق ما جاء به الغرب من تعاليم لا تمت للإسلام بصلة، ولا في الانجرار لكل سيئة ورذيلة كأن يكن في خلع الحجاب أو التبرج أو الاختلاط بالجنس الآخر. بل تتحقق حريتك في عفّتكِ وصيانتكِ لنفسكِ وجمالكِ. كما قال الإمام علي بن الحُسين (عليه السلام): (ما من شيء أحب الى الله بعد معرفته من عفة بطنٍ وفرج ، وما من شيء أحب الى الله من أن يُسأل) (٢). فالعفة هي الصندوق الذي يصون جوهركِ في داخله، العفة هي الصَّدَفة التي تغطي لؤلؤتكِ لتحفظها من أيادي الغرباء ونظرات الريبة التي توجب الحسرة والندامة! كل ذلك صيانةً للقلب... إذا لم يكدّر مرآة القلب وصفاءها من أقذار الذنوب فإن فطرته الإلهية ستهديه إلى الرشاد. فإن ترك الذنب أهم من التوبة منه بعد الوقوع فيه، (التخلية ثم التحلية). لذلك فإن أكثر أعمال الشيطان هي الوسوسة بارتكاب الذنب لا بترك العبادة. لأن الذنب حينما يسيطر على الإنسان لا تكون عبادته حينئذ موجبة لقربه لله سبحانه بل هي مانعة معيقة إياه، فما كان اهتمام الإسلام في أمر عفاف المرأة إلّا لأنه ينبري للدفاع عنها، حيث إن العفاف هو قانون لحفظ كرامة المرأة وهيبتها وإنسانيتها من الابتذال والزوال؛ فإن جانب العفاف عند المرأة هو عنصر من شخصيتها يجب أن لا يكون عرضة للإهمال! ولنا عبرةٌ في سيدة الطهر والعفاف فاطمة الزهراء (عليها السلام)، إذ قال الإمام علي (عليه السلام): استأذن أعمى على فاطمة (عليها السلام) فحجبته، فقال رسول الله "صلى الله عليه وآله": لِمَ حجبتيه وهو لا يراكِ؟! فقالت (عليها السلام): إن لم يكن يراني فأنا أراه، وهو يشم الريح. فقال (صلى الله عليه وآله): أشهد أنكِ بضعةٌ مني. جمالكِ هو أن تُبحري في تحقيق العفة والعبادة لتنعمي بحريتكِ وتكوني مضيئة .. وليكن في عينيكِ قدوة تحذين حذوها قولًا وفعلًا .. وتستنيرين بنورها الزاهر دنيا ودين.
اخرىالتعليقات
يتصدر الان
لا تعاشر نفساً شبعت بعد جوع
يستشهد الكثير من الناس ــ وحتى بعض المثقفين ــ بقول:" لا تعاشر نفساً شبعت بعد جوع فإن الخير فيها دخيل وعاشر نفساً جاعت بعد شبع فإن الخير فيها أصيل" على أنه من أقوال أمير المؤمنين علي (عليه السلام)، كما يستشهدون أيضاً بقولٍ آخر ينسبونه إليه (عليه السلام) لا يبعد عن الأول من حيث المعنى:"اطلبوا الخير من بطون شبعت ثم جاعت لأن الخير فيها باق، ولا تطلبوا الخير من بطون جاعت ثم شبعت لأن الشح فيها باق"، مُسقطين المعنى على بعض المصاديق التي لم ترُق افعالها لهم، لاسيما أولئك الذين عاثوا بالأرض فساداً من الحكام والمسؤولين الفاسدين والمتسترين عل الفساد. ونحن في الوقت الذي نستنكر فيه نشر الفساد والتستر عليه ومداهنة الفاسدين نؤكد ونشدد على ضرورة تحرّي صدق الأقوال ومطابقتها للواقع وعدم مخالفتها للعقل والشرع من جهة، وضرورة التأكد من صدورها عن أمير المؤمنين أبي الأيتام والفقراء (عليه السلام) أو غيرها من المعصومين (عليهم السلام) قبل نسبتها إليهم من جهة أخرى، لذا ارتأينا مناقشة هذا القول وما شابه معناه من حيث الدلالة أولاً، ومن حيث السند ثانياً.. فأما من حيث الدلالة فإن هذين القولين يصنفان الناس الى صنفين: صنف قد سبق له أن شبع مادياً ولم يتألم جوعاً، أو يتأوه حاجةً ومن بعد شبعه جاع وافتقر، وصنف آخر قد تقلّب ليله هماً بالدين، وتضوّر نهاره ألماً من الجوع، ثم شبع واغتنى،. كما جعل القولان الخير متأصلاً في الصنف الأول دون الثاني، وبناءً على ذلك فإن معاشرة أفراد هذا الصنف هي المعاشرة المرغوبة والمحبوبة والتي تجرّ على صاحبها الخير والسعادة والسلام، بخلاف معاشرة أفراد الصنف الثاني التي لا تُحبَّذ ولا تُطلب؛ لأنها لا تجر إلى صاحبها سوى الحزن والندم والآلام... ولو تأملنا قليلاً في معنى هذين القولين لوجدناه مغايراً لمعايير القرآن الكريم بعيداً كل البعد عن روح الشريعة الاسلامية ، وعن المنطق القويم والعقل السليم ومخالفاً أيضاً لصريح التاريخ الصحيح، بل ومخالف حتى لما نسمعه من قصص من أرض الواقع أو ما نلمسه فيه من وقائع.. فأما مناقضته للقرآن الكريم فواضحة جداً، إذ إن الله (تعالى) قد أوضح فيه وبشكلٍ جلي ملاك التفاضل بين الناس، إذ قال (عز من قائل):" يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (13)"(1) جاعلاً التقوى مِلاكاً للتفاضل، فمن كان أتقى كان أفضل، ومن البديهي أن تكون معاشرته كذلك، والعكس صحيحٌ أيضاً. وعليه فإن من سبق حاجتُه وفقرُه شبعَه وغناه يكون هو الأفضل، وبالتالي تكون معاشرته هي الأفضل كذلك فيما لو كان تقياً بخلاف من شبع وكان غنياً ، ثم افتقر وجاع فإنه لن يكون الأفضل ومعاشرته لن تكون كذلك طالما كان بعيداً عن التقوى. وأما بُعده عن روح الشريعة الإسلامية فإن الشريعة لطالما أكدت على أن الله (سبحانه وتعالى) عادلٌ لا جور في ساحته ولا ظلمَ في سجيته، وبالتالي لا يمكن أن يُعقل إطلاقاً أن يجعل البعض فقيراً ويتسبب في دخالة الخير في نفوسهم، التي يترتب عليها نفور الناس من عشرتهم، فيما يُغني سواهم ويجعل الخير متأصلاً في نفوسهم بسبب إغنائه إياهم ليس إلا ومن ثم يتسبب في كون الخير متأصلاً في نفوسهم، وبالتالي حب الناس لعشرتهم. فإن ذلك مخالف لمقتضى العدل الإلهي لأنه ليس بعاجزٍ عن تركه ولا بمُكره على فعله، ولا محب لذلك لهواً وعبثاً (تعالى عن كل ذلك علواً كبيراً). كما إن تأصل الخير في نفوس بعض الناس ودخالته في نفوس البعض الآخر منهم بناءً على أمر خارج عن إرادتهم واختيارهم كـ(الغنى والشبع أو الجوع والفقر) إنما هو أمرٌ منافٍ لمنهج الشريعة المقدسة القائم على حرية الانسان في اختياره لسبيل الخير والرشاد أو سبيل الشر والفساد، قال (تعالى):" إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا (3)"(2) بل إن الانسان أحياناً قد يكون فقيراً بسبب حب الله (تعالى) له، كما ورد في الحديث القدسي: "أن من عبادي من لا يصلحه إلا الغنى فلو أفقرته لأفسده ذلك و أن من عبادي من لا يصلحه إلا الفقر فلو أغنيته لأفسده ذلك"(3) وهل يمكن ان نتصور أن الخيرَ دخيلٌ فيمن يحبه الله (تعالى) أو إن معاشرته لا تجدي نفعا، أو تسبب الهم والألم؟! نعم، ورد عن أمير المؤمنين (عليه السلام):"اِحْذَرُوا صَوْلَةَ اَلْكَرِيمِ إِذَا جَاعَ وَ اَللَّئِيمِ إِذَا شَبِعَ"(4) ولا يقصد به الجوع والشبع المتعارف عليه لدى الناس، وإنما المراد منه: احذروا صولة الكريم إذا اُمتُهِن، واحذروا صولة اللئيم إذا أكرم، وفي هذا المعنى ورد عنه (عليه السلام) أيضاً: "احذروا سطوة الكريم إذا وضع و سورة اللئيم إذا رفع"(5) وأما العقل السليم والمنطق القويم فإنهما يقتضيان أن تتأصل صفة الخير في الإنسان لملكاتٍ حميدة يتسم بها وصفات فضيلة يتميز بها، لا أن تتأصل صفة الخير في نفسه لمجرد أنه ولد في أسرة تتمتع بالرفاهية الاقتصادية ووجد في بيئة تتنعم بالثروات المادية! وعند مراجعتنا للتاريخ الصحيح نجد أن قادة البشر وصفوة الناس إنما كان أغلبهم ينتمي الى الطبقات الفقيرة من المجتمع، فهؤلاء الأنبياء ورسل الله (صلوات الله عليهم) منهم من كان نجاراً أو خياطاً أو راعياً، ومع ذلك فقد كانوا من أطيب الناس خلقاً، وأعظمهم شرفاً، وأرفعهم منزلةً، قد تأصّل الخير في نفوسهم تأصّلاً حتى غدوا قطعة منه، فكانوا هم الخير للبشر، وهم الرحمة للعالمين. وبالنزول إلى أرض الواقع نجد أن الكثير من الفقراء والمساكين طيبي الروح، كريمي النفس، يتألمون لألم المحتاج ولربما يؤثرونه على أنفسهم رغم حاجتهم. ولا نقصد من كلامنا هذا أن الأغنياء هم على نقيض ذلك، وإنما تأكيداً على مسألة عدم ارتباط تأصل الخير في النفوس وعدمه بمستواهم الاقتصادي الذي نشأوا فيه ارتباط العلة والمعلول، فكما إن بعض الفقراء أخيار، فإن بعض الأغنياء كذلك، والعكس صحيح أيضاً. ومن هنا يُفهم من بعض الروايات ضرورة عدم طلب الخير والحاجات ممن هم أهل للخير بقطع النظر عن مستواهم المعاشي الحالي والسابق، منها ما روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام):"أشد من الموت طلب الحاجة من غير أهلها"(5)، وعنه (عليه السلام) أيضاً: "فوت الحاجة أهون من طلبها إلى غير أهلها"(6) إذن فلا صحة لهاتين المقولتين من حيث الدلالة، حتى وإن تنزلنا وحملنا الجوع والشبع على المعنى المعنوي لا المادي؛ وذلك لأنه حتى من يفتقر الى الأخلاق المعنوية فإنه ما إن يتكامل بالفضائل ويقلع عن الرذائل حتى يتسم بالخير وتحسن عشرته وتطيب للناس صحبته، والعكس صحيحٌ أيضا.. ومن البديهي أن ما لا يوافق العقل والمنطق السليم، ويخالف صريح القرآن الكريم، لا يمكن أن يصدر من وصي الرسول الكريم (صلوات الله عليهما وآلهما)، وعليه لا تصح نسبة هذين القولين الى أمير المؤمنين (عليه السلام).. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) الحجرات 13 (2) الانسان 3 (3) عوالي الآلي ج2 ص29 (4) غرر الحكم ج1 227 (5) المدر السابق ج1 ص246 (6) ميزان الحكمة ج4 ص 238 رضا الله غايتي
اخرىبين طيبة القلب وحماقة السلوك...
خلق الله الأشياء كلها في الحياة ضمن موازين وقياسات... فالزيادة أو النقيصة تسبب المشاكل فيها. وهكذا حياتنا وأفعالنا وعواطفنا لا بد أن تكون ضمن موازين دقيقة، وليست خالية منها، فالزيادة والنقيصة تسبب لنا المشاكل. ومحور كلامنا عن الطيبة فما هي؟ الطيبة: هي من الصفات والأخلاق الحميدة، التي يمتاز صاحبها بنقاء الصدر والسريرة، وحُبّ الآخرين، والبعد عن إضمار الشر، أو الأحقاد والخبث، كما أنّ الطيبة تدفع الإنسان إلى أرقى معاني الإنسانية، وأكثرها شفافية؛ كالتسامح، والإخلاص، لكن رغم رُقي هذه الكلمة، إلا أنها إذا خرجت عن حدودها المعقولة ووصلت حد المبالغة فإنها ستعطي نتائج سلبية على صاحبها، كل شيء في الحياة يجب أن يكون موزوناً ومعتدلاً، بما في ذلك المحبة التي هي ناتجة عن طيبة الإنسان، وحسن خلقه، فيجب أن تتعامل مع الآخرين في حدود المعقول، وعندما تبغضهم كذلك وفق حدود المعقول، ولا يجوز المبالغة في كلا الأمرين، فهناك شعرة بين الطيبة وحماقة السلوك... هذه الشعرة هي (منطق العقل). الإنسان الذي يتحكم بعاطفته قليلاً، ويحكّم عقله فهذا ليس دليلاً على عدم طيبته... بالعكس... هذا طيب عاقل... عكس الطيب الأحمق... الذي لا يفكر بعاقبة أو نتيجة سلوكه ويندفع بشكل عاطفي أو يمنح ثقة لطرف معين غريب أو قريب... والمبررات التي يحاول إقناع نفسه بها عندما تقع المشاكل أنه صاحب قلب طيب. الطيبة لا تلغي دور العقل... إنما العكس هو الصحيح، فهي تحكيم العقل بالوقت المناسب واتخاذ القرار الحكيم الذي يدل على اتزان العقل، ومهما كان القرار ظاهراً يحمل القسوة أحياناً لكنه تترتب عليه فوائد مستقبلية حتمية... وأطيب ما يكون الإنسان عندما يدفع الضرر عن نفسه وعن الآخرين قبل أن ينفعهم. هل الطيبة تصلح في جميع الأوقات أم في أوقات محددة؟ الطيبة كأنها غطاء أثناء الشتاء يكون مرغوباً فيه، لكنه اثناء الصيف لا رغبة فيه أبداً.. لهذا يجب أن تكون الطيبة بحسب الظروف الموضوعية... فالطيبة حالة تعكس التأثر بالواقع لهذا يجب أن تكون الطيبة متغيرة حسب الظروف والأشخاص، قد يحدث أن تعمي الطيبة الزائدة صاحبها عن رؤيته لحقيقة مجرى الأمور، أو عدم رؤيته الحقيقة بأكملها، من باب حسن ظنه بالآخرين، واعتقاده أن جميع الناس مثله، لا يمتلكون إلا الصفاء والصدق والمحبة، ماي دفعهم بالمقابل إلى استغلاله، وخداعه في كثير من الأحيان، فمساعدة المحتاج الحقيقي تعتبر طيبة، لكن لو كان المدّعي للحاجة كاذباً فهو مستغل. لهذا علينا قبل أن نستخدم الطيبة أن نقدم عقولنا قبل عواطفنا، فالعاطفة تعتمد على الإحساس لكن العقل أقوى منها، لأنه ميزان يزن الأشياء رغم أن للقلب ألماً أشد من ألم العقل، فالقلب يكشف عن نفسه من خلال دقاته لكن العقل لا يكشف عن نفسه لأنه يحكم بصمت، فالطيبة يمكن أن تكون مقياساً لمعرفة الأقوى: العاطفة أو العقل، فالطيّب يكون قلبه ضعيفاً ترهقه الضربات في أي حدث، ويكون المرء حينها عاطفياً وليس طيباً، لكن صاحب العقل القوي يكون طيباً أكثر من كونه عاطفياً. هل الطيبة تؤذي صاحبها وتسبب عدم الاحترام لمشاعره؟ إن الطيبة المتوازنة المتفقة مع العقل لا تؤذي صاحبها لأن مفهوم طيبة القلب هو حب الخير للغير وعدم الإضرار بالغير، وعدم العمل ضد مصلحة الغير، ومسامحة من أخطأ بحقه بقدر معقول ومساعدة المحتاج ... وغيرها كثير. أما الثقة العمياء بالآخرين وعدم حساب نية المقابل وغيرها فهذه ليست طيبة، بل قد تكون -مع كامل الاحترام للجميع- غباءً أو حماقة وسلوكاً غير عقلاني ولا يمت للعقل بصلة. إن المشكلة تقع عند الإنسان الطيب عندما يرى أن الناس كلهم طيبون، ثم إذا واجهه موقف منهم أو لحق به أذى من ظلم أو استغلال لطيبته، تُغلق الدنيا في وجهه، فيبدأ وهو يرى الناس الطيبين قد رحلوا من مجتمعه، وأن الخير انعدم، وتحصل له أزمة نفسية أو يتعرض للأمراض، لأن الطيّب يقدم الإحسان للناس بكل ما يستطيع فعله، ويقدّم ذلك بحسن نية وبراءة منه، فهو بالتالي ينتظر منهم الرد بالشكر أو المعاملة باللطف على الأقل... صحيح أن المعروف لوجه الله، ولكن من باب: من لم يشكر المخلوق لم يشكر الخالق، لذلك يتأذى عندما يصدر فعل من الشخص الذي كان يعامله بكل طيب وصدق. هل الطيبة والصدق من علامات ضعف الشخصية؟ الكثير من الناس يصف طيب القلب بأنه ضعيف الشخصية، لأنه يتصف بعدم الانتقام ممن ظلمه، والصفح عنه عند رجوعه عن الخطأ، وأنه لا يحب إيقاع الآخرين بالمشاكل؛ لأنه مقتنع أن الله سيأخذ له حقه. والحقيقة هي أن الصدق والطيبة وحسن الظن بالآخرين ليست ضعف شخصية، بل هي من الأخلاق الراقية وهي تزيد صاحبها سمواً وجمالاً روحياً، وليس من المعيب أن يمتلك الإنسان الطيبة بل العيب في من لا يُقدّر هذه الطيبة ويعطيها حقها في التعامل بالمثل. فالمشكلة الأساسية ليست في الطيبة، إنما في استغلال الآخرين لهذه الطيبة، نتيجة لعدم عقلنة قراراتنا والاعتماد على عواطفنا بشكل كلي. فالصدق والطيبة حسب المنطق والعقل، ولها فوائد جمة للنفس ولعموم أفراد المجتمع، فهي تحصين للشخص عن المعاصي، وزيادة لصلة الإنسان بربه، وتهذيب للنفس والشعور بالراحة النفسية، فالصادق الطيب ينشر المحبة بين الناس، وهذا يعزّز التماسك الاجتماعي وتقويته من سوء الظنون والحقد، وهذا التعامل أكّدت عليه جميع الشرائع السماوية، ولو تأمّلنا تاريخ وأخلاق الأنبياء والأوصياء لوجدنا كل ما هو راقٍ من الأخلاق والتعامل بالطيبة والصدق... حنان الزيرجاوي
اخرىلا تقاس العقول بالأعمار!
(لا تقاس العقول بالأعمار، فكم من صغير عقله بارع، وكم من كبير عقله فارغ) قولٌ تناولته وسائل التواصل الاجتماعي بكل تقّبلٍ ورضا، ولعل ما زاد في تقبلها إياه هو نسبته الى أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام)، ولكننا عند الرجوع إلى الكتب الحديثية لا نجد لهذا الحديث أثراً إطلاقاً، ولا غرابة في ذلك إذ إن أمير البلاغة والبيان (سلام الله وصلواته عليه) معروفٌ ببلاغته التي أخرست البلغاء، ومشهورٌ بفصاحته التي إعترف بها حتى الأعداء، ومعلومٌ كلامه إذ إنه فوق كلام المخلوقين قاطبةً خلا الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله) ودون كلام رب السماء. وأما من حيث دلالة هذه المقولة ومدى صحتها فلابد من تقديم مقدمات؛ وذلك لأن معنى العقل في المفهوم الإسلامي يختلف عما هو عليه في الثقافات الأخرى من جهةٍ، كما ينبغي التطرق الى النصوص الدينية الواردة في هذا المجال وعرضها ولو على نحو الإيجاز للتعرف إلى مدى موافقة هذه المقولة لها من عدمها من جهةٍ أخرى. معنى العقل: العقل لغة: المنع والحبس، وهو (مصدر عقلت البعير بالعقال أعقله عقلا، والعِقال: حبل يُثنَى به يد البعير إلى ركبتيه فيشد به)(1)، (وسُمِّي العَقْلُ عَقْلاً لأَنه يَعْقِل صاحبَه عن التَّوَرُّط في المَهالِك أَي يَحْبِسه)(2)؛ لذا روي عنه (صلى الله عليه وآله): "العقل عقال من الجهل"(3). وأما اصطلاحاً: فهو حسب التصور الأرضي: عبارة عن مهارات الذهن في سلامة جهازه (الوظيفي) فحسب، في حين أن التصوّر الإسلامي يتجاوز هذا المعنى الضيّق مُضيفاً إلى تلك المهارات مهارة أخرى وهي المهارة العبادية. وعليه فإن العقل يتقوّم في التصور الاسلامي من تظافر مهارتين معاً لا غنى لأحداهما عن الأخرى وهما (المهارة العقلية) و(المهارة العبادية). ولذا روي عن الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله) أنه عندما سئل عن العقل قال :" العمل بطاعة الله وأن العمّال بطاعة الله هم العقلاء"(4)، كما روي عن الإمام الصادق(عليه السلام)أنه عندما سئل السؤال ذاته أجاب: "ما عُبد به الرحمن، واكتسب به الجنان. فسأله الراوي: فالذي كان في معاوية [أي ماهو؟] فقال(عليه السلام): تلك النكراء، تلك الشيطنة، وهي شبيهة بالعقل وليست بالعقل"(5) والعقل عقلان: عقل الطبع وعقل التجربة، فأما الأول أو ما يسمى بـ(الوجدان الأخلاقي) فهو مبدأ الادراك، وهو إن نَما وتطور سنح للإنسان فرصة الاستفادة من سائر المعارف التي يختزنها عن طريق الدراسة والتجربة وبالتالي يحقق الحياة الإنسانية الطيبة التي يصبو اليها، وأما إن وهن واندثر لإتباع صاحبه الأهواء النفسية والوساوس الشيطانية، فعندئذٍ لا ينتفع الانسان بعقل التجربة مهما زادت معلوماته وتضخمت بياناته، وبالتالي يُحرم من توفيق الوصول إلى الحياة المنشودة. وعقل التجربة هو ما يمكن للإنسان اكتساب العلوم والمعارف من خلاله، وما أروع تشبيه أمير البلغاء (عليه السلام) العلاقة التي تربط العقلين معاً إذ قال فيما نسب إليه: رأيت العقل عقلين فمطبوع ومسموع ولا ينفع مسموع إذ لم يك مطبــوع كما لا تنفع الشمس وضوء العين ممنوع(6) فقد شبّه (سلام الله عليه) عقل الطبع بالعين وعقل التجربة بالشمس، ومما لاشك فيه لكي تتحقق الرؤية لابد من أمرين: سلامة العين ووجود نور الشمس، وكما إن الثاني لا ينفع إن لم يتوفر الأول فكذلك عقل التجربة لا ينفع عند غياب عقل الطبع فضلاً عن موته. وبما إن عقل الطبع قد ينمو ويزدهر فينفع صاحبه من عقل التجربة، وقد يموت ويندثر عند الاستسلام لإضلال شبهةٍ أوبسبب إرتكاب معصية، فإنه ومن باب أولى أن يتعرض الى الزيادة والنقصان كما سيأتي... وقد ورد في النصوص الدينية أن للعقل زمناً ينمو فيه ويكتمل، فعن إمامنا أبي عبدالله (عليه السلام) قال: قال أمير المؤمنين (صلوات الله عليه):"يثغر الصبي لسبع، ويؤمر بالصلاة لتسع، ويفرق بينهم في المضاجع لعشر، ويحتلم لأربع عشرة، وينتهى طوله لإحدى وعشرين سنة، وينتهي عقله لثمان وعشرين إلا التجارب"(7)، وعن أمير المؤمنين (عليه السلام): "يربى الصبي سبعاً ويؤدب سبعاً، ويستخدم سبعاً، ومنتهى طوله في ثلاث وعشرين سنة، وعقله في خمس وثلاثين [سنة] وما كان بعد ذلك فبالتجارب"(8). إذن يتوقف النمو الطبيعي لعقل الانسان عند سن الثامنة والعشرين أو الخامسة والثلاثين كما ورد في الروايتين، وأية زيادة أخرى في طاقته بعد ذلك إنما تأتي عن طريق التجارب، وقد يُتوهم بأن ثمة تعارضاً ما بين الروايتين المتقدمتين في شأن تحديد سن النمو العقلي، إلا إنه لا تعارض ينهما إذا حملنا اختلافهما فيه على اختلاف الاشخاص وتباين استعدادات وقابليات كل منهم. وعلى الرغم من توقف نمو عقل الإنسان إلا إن له أنْ يزيده بالتجارب ومواصلة التعلم ــ كما تقدم في الروايات ــ وسواء أثبت العلم هذه الحقيقة الروائية أم لا، فنحن نريد الإشارة إلى ضرورة استمرار التجربة والتعلم لزيادة نمو العقل وهذا المقدار لا خلاف فيه وعلى الرغم من إن لعمر الانسان مدخلية في زيادة عقله كما تقدم وكما روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام): "يزيد عقل الرجل بعد الاربعين إلى خمسين وستين، ثم ينقص عقله بعد ذلك"(9)، إلا إن ذلك ليس على نحو العلة التامة، إذ يمكن للعقل أن يبقى شاباً وقوياً وإن شاب الإنسان وضعف جسمه، وتقدم في السن ووهن عظمه، فالعاقل لا يشيب عقله ولا تنتقص الشيخوخة من قوته بل وقد يزداد طاقةً وحيويةً لذا ورد عن أمير المؤمنين (عليه السلام):"رأي الشيخ أحب الي من جَلَد الغلام"(10)، وفي أخرى ".....من حيلة الشباب "(11) وأما من لم يوفر أسباب صقل عقله في مرحلة الشباب فإنه بلا شك يضمحل عقله في مرحلة الشيخوخة. وليس تقدم العمر هو العامل الوحيد في نقصان العقل بل إن النصوص الشرعية أشارت الى عوامل عديدة اخرى أهمها: أولاً: التعلم: فقد روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام): "من لم يصبر على ذل التعلم ساعة بقي في ذل الجهل أبداً"(13). ثانياً: التوبة: وعنه (عليه السلام) ايضاً:"من لم يرتدع يجهل"(14) ثالثاً: التقوى: فقد كتب إمامنا الباقر (عليه السلام) إلى سعد الخير: "بسم الله الرحمن الرحيم أما بعد فإني اوصيك بتقوى الله فإن فيها السلامة من التلف والغنيمة في المنقلب إن الله (عزوجل) يقي بالتقوى عن العبد ما عزب عنه عقله ويجلي بالتقوى عنه عماه وجهله"(15) إذن التوبة هي سبب للتوفيق الإلهي الذي يؤدي فيما يؤدي إليه من إكمال العقل. رابعاً: الوقوف عند الشبهة: وقال (عليه السلام ): "لا ورع كالوقوف عند الشبهة"(16). فإن الوقوف عند الشبهات سبب من أسباب التوفيق الإلهي بلا شك. خامساً: الاعتراف بالجهل: كما روي عن الإمام علي (عليه السلام): "غاية العقل الاعتراف بالجهل"(17) إذ الاعتراف بالجهل يدفع الإنسان دوماً إلى مزيد من بذل الجهد واكتساب المعارف. مما تقدم تتضح جلياً صحة هذه المقولة دلالةً، إذ إن العقول فعلاً لا تقاس بالأعمار لأن كلٍاً من زيادتها ونقيصتها منوطٌ بالعديد من العوامل الأخرى والتي تقدم ذكرها، بيد إن ذلك لا يبرر التساهل في نشرها والتهاون في الاستشهاد بها على إنها من أقوال أمير المؤمنين (صلوات الله وسلامه عليه) لعدم ثبوت ذلك سنداً من جهة ولضعف بلاغتها وركاكة تركيبها بالنسبة إلى سيد البلغاء والبلاغة. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) تهذيب اللغة ج1 ص65 (2) لسان العرب ج11 ص458 (3) نهاية الحكمة ص305 (4) ميزان الحكمة ج3 ص333 (5) أصول الكافي ج1، ح3 / 11 (6) نهج السعادة ج9 ص163 (7) الكافي ج7 ص94 (8) الفقيه ج3 ص493 (9) الاختصاص ص245 (10) نهج البلاغة حكمة 86 (11) بحار الأنوار ج72 ص105 (12) المصدر السابق ج1 ص94 (13) غرر الحكم ودرر الكلم ج1 ص118 (14) الكافي ج8 ص73 (15) وسائل الشيعة ج1 ص162 (16) غرر الحكم ودرر الكلم ج1 ص1 بقلم الكاتبة: رضا الله غايتي
اخرىالمرأة في فكر الإمام علي (عليه السلام)
بقلم: أم نور الهدى كان لأمير المؤمنين (عليه السلام) اهتمام خاص بالمرأة، فنراه تارة ينظر إليها كآية من آيات الخلق الإلهي، وتجلٍ من تجليات الخالق (عز وجل) فيقول: (عقول النساء في جمالهن وجمال الرجال في عقولهم). وتارة ينظر إلى كل ما موجود هو آية ومظهر من مظاهر النساء فيقول: (لا تملك المرأة من أمرها ما جاوز نفسها فإن المرأة ريحانة وليس قهرمانة). أي إن المرأة ريحانة وزهرة تعطر المجتمع بعطر الرياحين والزهور. ولقد وردت كلمة الريحان في قوله تعالى: (فأمّا إن كان من المقربين فروح وريحان وجنة النعيم) والريحان هنا كل نبات طيب الريح مفردته ريحانة، فروح وريحان تعني الرحمة. فالإمام هنا وصف المرأة بأروع الأوصاف حين جعلها ريحانة بكل ما تشتمل عليه كلمة الريحان من الصفات فهي جميلة وعطرة وطيبة، أما القهرمان فهو الذي يُكلّف بأمور الخدمة والاشتغال، وبما إن الإسلام لم يكلف المرأة بأمور الخدمة والاشتغال في البيت، فما يريده الإمام هو إعفاء النساء من المشقة وعدم الزامهن بتحمل المسؤوليات فوق قدرتهن لأن ما عليهن من واجبات تكوين الأسرة وتربية الجيل يستغرق جهدهن ووقتهن، لذا ليس من حق الرجل إجبار زوجته للقيام بأعمال خارجة عن نطاق واجباتها. فالفرق الجوهري بين اعتبار المرأة ريحانة وبين اعتبارها قهرمانة هو أن الريحانة تكون، محفوظة، مصانة، تعامل برقة وتخاطب برقة، لها منزلتها وحضورها. فلا يمكن للزوج التفريط بها. أما القهرمانة فهي المرأة التي تقوم بالخدمة في المنزل وتدير شؤونه دون أن يكون لها من الزوج تلك المكانة العاطفية والاحترام والرعاية لها. علماً أن خدمتها في بيت الزوجية مما ندب إليه الشره الحنيف واعتبره جهادًا لها أثابها عليه الشيء الكثير جدًا مما ذكرته النصوص الشريفة. فمعاملة الزوج لزوجته يجب أن تكون نابعة من اعتبارها ريحانة وليس من اعتبارها خادمة تقوم بأعمال المنزل لأن المرأة خلقت للرقة والحنان. وعلى الرغم من أن المرأة مظهر من مظاهر الجمال الإلهي فإنها تستطيع كالرجل أن تنال جميع الكمالات الأخرى، وهذا لا يعني أنها لا بد أن تخوض جميع ميادين الحياة كالحرب، والأعمال الشاقة، بل أن الله تعالى جعلها مكملة للرجل، أي الرجل والمرأة أحدهما مكمل للآخر. وأخيرًا إن كلام الإمام علي (عليه السلام) كان تكريمًا للمرأة ووضعها المكانة التي وضعها الله تعالى بها، حيث لم يحملها مشقة الخدمة والعمل في المنزل واعتبر أجر ما تقوم به من اعمال في رعاية بيتها كأجر الجهاد في سبيل الله.
اخرىالطلاق ليس نهاية المطاف
رحلةٌ مثقلة بالألم في طريق يئن من وطأة الظلم! ينهي حياة زوجية فشلت في الوصول إلى شاطئ الأمان. ويبدد طموحات أطفال في العيش في هدوء نفسي واجتماعي تحت رعاية أبوين تجمعهم المودة والرحمة والحب. الطلاق شرعاً: هو حل رابطة الزواج لاستحالة المعاشرة بالمعروف بين الطرفين. قال تعالى: [ لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (226) وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (227)].(١). الطلاق لغوياً: من فعل طَلَق ويُقال طُلقت الزوجة "أي خرجت من عصمة الزوج وتـحررت"، يحدث الطلاق بسبب سوء تفاهم أو مشاكل متراكمة أو غياب الانسجام والحب. المرأة المطلقة ليست إنسانة فيها نقص أو خلل أخلاقي أو نفسي، بالتأكيد إنها خاضت حروباً وصرعات نفسية لا يعلم بها أحد، من أجل الحفاظ على حياتها الزوجية، ولكن لأنها طبقت شريعة الله وقررت مصير حياتها ورأت أن أساس الـحياة الزوجيـة القائم على المودة والرحـمة لا وجود له بينهما. فأصبحت موضع اتهام ومذنبة بنظر المجتمع، لذلك أصبح المـجتمع يُحكم أهواءه بدلاً من الإسلام. ترى، كم من امرأة في مجتمعنا تعاني جرّاء الحكم المطلق ذاته على أخلاقها ودينها، لا لسبب إنما لأنها قررت أن تعيش، وكم من فتاة أُجبرت قسراً على أن تتزوج من رجل لا يناسب تطلعاتها، لأن الكثير منهن يشعرن بالنقص وعدم الثقة بسبب نظرة المجتمع، وتقع المرأة المطلّقة أسيرة هذه الحالة بسبب رؤية المجتمع السلبيّة لها. وقد تلاحق بسيل من الاتهامات وتطارد بجملة من الافتراءات. وتعاني المطلقة غالباً من معاملة من حولها، وأقرب الناس لها، بالرغم من أن الطلاق هو الدواء المر الذي قد تلجأ إليه المرأة أحياناً للخلاص من الظلم الذي أصبح يؤرق حياتها الزوجية، ويهدد مستقبلها النفسي، والله تعالى لم يشرع أمراً لخلقه إلا إذا كان فيه خير عظيم لهم، والطلاق ما شرّع إلا ليكون دواء فيه شفاء وإن كان مرّاً، وإن كان أمره صعباً على النفوس، حيث قال عز وجل: "وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ وَكَانَ اللَّهُ وَاسِعًا حَكِيمًا"، روي عن الرسول الأعظم (صلى الله عليه واله وسلم) ((أبغض الحلال إلى الله الطلاق) (٢). ورغم أن الشريعة الإسلامية أباحت الطلاق بشروط تلاءم لبناء المجتمع، وأولت أهمية في الإحسان دائمًا للطرف الأضعف والأكثر خسارة في هذه المعادلة وهي "المرأة"، إلا أن المجتمع الذي يدّعي الإسلام لا يرحمها، ويحكم عليها بالإدانة طوال حياتها دون النظر في صحة موقفها في الطلاق من عدمه! قال( تعالى ): [الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ] (٣). ولكن بعد كل هذا فالحياة لم ولن تتوقف بعد الطلاق! الطلاق ليس نهاية الحياة. - أخيتي. ليكن الطلاق بداية جديدة لحياة جديدة وللانطلاق. -قطار العطاء لن يتعطل. فإن كنت السبب في الطلاق فالحمد لله على كل حال وتلك أمة قد خلت وأيام ذهبت وانجلت فلست بالمعصومة من الخطأ. وعليك استدراك الأخطاء وتقوية مواطن الضعف في شخصيتك، واجعليها درساً مفيداً في الحياة لتطوير نفسك وتقويتها. وإذا كنتِ مظلومة فهناك جبار يُحصي الصغير والكبير وسيأتي يوم ينتصر لك فيه. -ومن الجميل أن تعطي نفسك الإحساس بالحب والاحترام، ولا تتأثري بأي نظرة سلبية من المجتمع وكون البعض يتعامل مع المطلقة على أنها حالة خاصة فعليكِ إثبات ذاتك حتى تفرضي على الكل شخصيتك. - نظرتك لنفسك اجعليها نظرة ايجابية مشرقة ولا تنزلقي في مستنقع نبذ الذات وظلم النفس. - ابحثي عن الصفات الجيدة فيك فإن ذلك سيشعرك بالثقة في ذاتك والتقدير لها. -حاولي مراجعة نفسك للخروج بإيجابيات حصلت لك من طلاقك. - خالطي الآخرين وإياك والعزلة بسبب وضعك الجديد فلست بأول من يبتلى بالطلاق. -استمتعي بالموجود ولا تتعلقي بالمفقود، حلقي بروح تعبق أملاً وتفاؤلاً، استمتعي بما وهبك الله من نعم (صحة وأولاد وأهل وصديقات وعمل وهوايات وغيرها من الأمور الجميلة) فما حصل لك حصل… ولابد أن تتقبليه برضا، وأعلمي أن ما أصابك لم يكن ليخطأك وما أخطأك لم يكن ليصيبك. وقال أصدق من قال: ( وعسى أن تكرهوا شيئاً وهو خير لكم). فالرضا سر السعادة الحقيقي. - اقتربي من صديقاتك الصالحات، واقضي معهن وقتاً طيباً تنسين به ألمك وحزنك. - احرصي على الصلوات وقراءة القرآن الكريم والذكر والاستغفار وأكثري من الطاعات قدر ما تستطيعين، ففيها السلوى والفرح والسعادة. ونعم سعادة القرب من الرحمن. - اشغلي نفسك بأعمال البر والإحسان بمساعدة محتاج. بكفالة يتيم. بتعلم الفقه والقرآن وتعليمه. - اجتهدي في عمل برنامج يومي لك يكون ممتلأ بكل ما هو مفيد لك. من قراءة وزيارة الأصدقاء وصلة الرحم. بحيث لا تكون هناك دقيقة أنت فارغة فيها. - وأسرعي بقاربك الجميل بمجذافين من إيمان بالله وثقة بالنفس وسوف تصلين بإذن الله نحو جزيرة السعادة والنجاح. لكي تتسلق جبال الإنجاز، وتصل لأعلى مراتب الاعجاز. وعندها جزماً سيكون للحياة معنى آخر. --------------------------------- (١)-سورة البقرة الآية (٢٢٦-٢٢٧). (٢)-الكافي (٢)-سورة البقرة الآية (٢٢٨) حنان ستار الزيرجاوي
اخرىهَوَّنَ عَلَيَّ مَا نَزَلَ بِي أَنَّهُ بِعَيْنِ اللهِ
عاشوراء مدرسة أعطت وتعطي الكثير الكثير كل يوم للمتأمل فيما ورد عنها من كلمات وفيما وثق فيها من مواقف... ولعل من أهم الدروس التي ترسخها عاشوراء في الأذهان بعد ضرورة مواجهة الباطل والدفاع عن الحق مهما كلفت من تضحيات جسام هو: الصبر على البلاء بل والرضا به .. كيف لا، وقد ورد عن سيّد الشهداء (عليه السلام) في اللحظات الأخيرة من حياته حينما كان يتمرّغ في الدم والتراب: «رضاً بقضائك وتسليماً لأمرك لا معبود سواك»(1). وكذلك فيما جاء في خطبته عند خروجه من مكّة إلى المدينة: «رضا اللَّه رضانا أهل البيت»(2) . فما سر هذا الرضا رغم شدة الابتلاءات وقساوة المحن التي مر بها سيد الشهداء (عليه السلام) ؟ مما لا شك فيه أن يقين الامام الحسين (عليه السلام) هو الذي رفعه إلى مقام الرضا رغم ما جرى عليه في واقعة كربلاء، إلا أنه ومع هذا فقد أرشد المؤمنين إلى مفاتيح الصبر والرضا، ولعل من أهمها ما وَرَدَ عنه (عليه السلام) أَنَّهُ قَالَ بعد أن تفاقم الخطب أمامه في كربلاء، واستشهد أصحابه وأهل بيته: «هَوَّنَ عَلَيَّ مَا نَزَلَ بِي أَنَّهُ بِعَيْنِ اللهِ»(1). فهنا يلفت الامام الحسين (عليه السلام) نظر المؤمنين الى حقيقة مهمة وهي: أن الله سبحانه يعلم بكل مجريات الأُمور، وهو مطلع على كل معاناة المبتلى وما يكابده من ألم دونما اعتراض منه على قضائه هو في حد ذاته حافز للمبتلى للصبر والرضا.. ولتقريب المعنى نقول: إن المتسابقين في ساحة اللعب مثلا يشعرون بالارتياح حينما يعلمون أن أبويهم وأصدقاءهم ينظرون اليهم فيندفعون بقوّة أكبر في تحمل الصعاب لتحقيق الفوز. فإذا كان تأثير وجود الأبوين والأصدقاء كذلك، فما بالك بتأثير استشعار رؤية الله لما يجري على الانسان وهو يصارع الألم ويواجه المحن؟! ما أعظم القوّة التي يمنحها هذا الاستشعار لتحمل الامتحانات العسيرة والمصائب الخطيرة .. ولذا فقد جاء النداء الالهي لتثبيت قلب النبي نوح (عليه السلام) حين واجه أعظم المصائب والضغوط من قومه وهو يصنع الفلك، حيث قال (تعالى) : (وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا)(2). فكان لعبارة «بِأَعْيُنِنَا» وقع عظيم في نفسه (عليه السلام) فصبر وواصل عمله الى نهايته دونما أن يلتفت الى تقريع الأعداء أو يهتم باستهزائهم. ــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) موسوعة الامام علي بن أبي طالب (عليه السلام) ج8 ص42 (2) المصدر السابق (3) بحار الأنوار، ج 45، ص 46 (4) هود 37 رضا الله غايتي
اخرى